عشتار

سعود سالم
2021 / 4 / 3

أركيولوجيا العدم
٣٣ - عشتار
القلق الإنساني ناتج بلا شك عن الرعب والخوف أمام فكرة الخواء والفراغ والعدم والموت، فكرة النهاية والإندثار وغياب العالم والكينونة. هذا القلق صاحب الإنسان منذ البداية، ويمكن تتبع آثاره في كل الثقافات والحضارات واللغات، حتى إن لم تتوافر الإمكانيات والظروف الموضوعية اللازمة لتحقيق مثل هذه المتابعة فإنه يمكننا إفتراض تعرض الإنسان لهذا القلق الميتافيزيقي والذي يعتبر من المكونات الأساسية للوعي ولا يمكن حصره في المجتمعات أو الثقافات التي تركت لنا آثارا مادية يمكن نبشها وترجمة محتوياتها. والكتابة بطبيعة الحال هي أحسن ما وصل إلينا من دلائل وقرائن على هذا الخوف المتأصل تجاه الموت.
وتعتبر الكتابات السومرية على ألواح الطين أو المنقوشة على الصخور، من أقدم الكتابات المعروفة والمحتوية على كمية هائلة من الأساطير في العالم نظرا لكون "الكتابة" ظهرت لأول مرة في البلاد السومرية، وقد ورث هذا الإبداع الرائع من بعدهم البابليون والآشوريون، وكان تأثير ثقافة وادي الرافدين بارزا بسبب طول فترة هذه الحضارة، استمرارها لمئات السنين وشدة رقيها وتقدمها في العديد من المجالات من الفن والنحت والأدب والأساطير وكذلك الإقتصاد والهندسة والعمارة . وتختلف قصص الآلهة والأساطير المتعلقة بهذه المنطقة حسب الزمان والمكان، حسب المدينة وحسب الراوي والكاتب وحسب التأثيرات الخارجية والداخلية، إلا أن الصفات الرئيسية والسمات والرمزية البارزة تظل باقية في الأسطورة مهما تطورت أو تغيرت الأسماء والتفاصيل. ومن أهم هذه القصص، قصة عشتار وتموز، وبالذات نزول عشتار إلى عالم الأموات.
فقد كان تموز إله النباتات والماشية، وكان يسمى بـ "الراعي" ومن رموزه المعروفة صورة الثور التي تصاحبه في الكثير من النقوش، أما عشتار، والتي كانت إلهة أكثر أهمية من تموز، فقد كانت آلهة الحب والجنس والإخصاب والحرب، وكانت الآلهة الرئيسية لمدينة الوركاء أو أوروك ولها معابد وطقوس في كل مدينة في وادي الرافدين، وكانت تكون مع والدها "سين" إله القمر واخوها الإله " أوتو" إله الشمس والمعروف أحيانا بإسم "شمش" ثالوثا رمزيا شديد الأهمية، حيث الشمس والقمر والزهرة عناصر تمثل القوى الطبيعية اللازمة للحياة الزراعية وتتابع الفصول ونمو المحاصيل الزراعية. وقد أعطى السومريون، حسب التفسيرات اللاحقة الآلهة عشتار كل الصفات المنسوبة للعناصر الأنثوية في ثقافة ذكورية، فهي تحب وتغوي وتهجر وتنتقم وتخون وتضحي، وعشتار هو الاسم السامي وتعني الآلهة، أما إسمها السومري فهو "آنانا"، أما الإسم السومري لتموز فهو "دموزي"، ويعني الأبن البار. ترمز إنانا بشكل عام إلى الإلهة الأنثوية الأولى مانحة الحياة وآلهة الخصب والنمو، ومن الرموز التي كانت تصاحبها، النجمة الثمانية التي ترمز لكوكب الزهرة. وكانت تمثل في الرسوم والتماثيل منتصبة على ظهر أسد، على جبهتها نجمة ذات ثماني أشعة، ممسكة بيدها باقة زهور. ويقال ايضا بأن معبدها الرئيسي كان في نينوى قرب مدينة الموصل. ظهرت أول مرة في بلاد سومر في جنوب بلاد الرافدين، قبل أكثر من ستة آلاف عام، إما بشخصها المرسوم على الأختام الأسطوانية وبعض المنحوتات، وإما بالرمز الذي يدلّ عليها في الخطّ المسماريّ وهو النجمة الثمانية التي تشير إلى كوكب الزهرة، نجمة الصباح والمساء. وقد هاجرت عشتار فيما بعد إلى ثقافات أخرى تحت أقنعة وأسماء مختلفة، عشاروت أو عشتروت عند الفينيقيين، أفروديت عند اليونان، فينوس عند الرومان، واللات عند العرب، تانيت عند الأمازيغ إلخ.
عشتار وغيرها من آلهة الأنوثة والخصوبة لدى كل الديانات البدائية كان يشار اليها برموز مثل الشعلة الأبدية النجمة المثمنة والوردة والقمر ومُثلت، تارةً تمتطي الاسد - وهو رمز رفيقها تموز- وتارةً أخرى ترعى البقر، حيث يرى البعض أن الهلال يرمز إلى قرن البقر بالإضافة إلى القمر، وصورت تحمل الأفعى رمزا للطب والشفاء.
وقد خاطبها جلجامش قائلا :
" ما أنتِ إلا مَوقد سرعان ما تخمد ناره
في البرد أنتِ باب لا ينفع في صدِّ ريح عاصفة
أنتِ قصرٌ يتحطم في داخله الأبطال
أنتِ بئر تبتلع غطاءها
أنت حفنةُ قيرٍٍ تلوِّث حاملَها
أنت قربةُ ماء تبلِّل صاحبها
أنت حذاء تقرص قدم منتعلها.."

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار