الجلوس في طي النسيان- فيلم سلط الضوء على مأساة جيل ال(وندراش)

علي المسعود
2021 / 4 / 1

"الجلوس في طي النسيان" فيلم سلط الضوء على مأساة جيل ال(وندراش)
Sitting in Limbo

في العام الماضي – عرضت قناة أل(بي .بي .سي) الاولى BBC1 فيلما يستند الى قصة حقيقة عن أحد ضحايا فضيحة "ويندراش"، منذ عدة سنوات تم تهديد جيل الويندراش من المهاجرين بالترحيل عن بريطانيا ، وسط حرمانهم من الرعاية الصحية وبعض حقوق المواطنة ، رغم إقامتهم الطويلة في المملكة المتحدة والممتدة على عقود ، حيث إن بعضهم جاء ما بعد الحرب العالمية الثانية . وقد اعتذرت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي لزعماء 11 دولة كاريبية بعد أن وقع برلمانيون مذكرة للمطالبة بحل هذه الأزمة . تلك الفضيحة التي كانت السبب الرئيسي في أستقالة وزيرة الداخلية (أمبر رود) والتي تؤكد أنها ضُللت بشأن هذه القضية، وتحديداً بشأن الترحيل الطوعي لهؤلاء المهاجرين . وفي خطاب استقالتها، تحملت رود "المسؤولية الكاملة" عن افتقارها إلى المعرفة فيما يتعلق بمدى إبعاد المهاجرين . وقد كشفت مذكرة مسربة لوزارة الداخلية عن "هدف" تم تحديده ، وهو العودة القسرية لـ2800 من هؤلاء المهاجرين خلال عام 2017 . تعود تسمية جيل المهاجرين القادمين من الحوض الكاريبي إلى اسم أول سفينة أقلت مجموعة من هؤلاء المهاجرين وهي (إمبراطورية ويندراش)، وقد وصلت هذه السفينة إلى شواطئ مقاطعة إسيكس شرقي إنجلترا يوم 22 يونيو/حزيران 1948، وحملت على متنها نحو 500 مهاجر من دول في الكاريبي من بينها جامايكا وترينيداد وتوباغو . وتواصل استقدام العمالة من 12 بلدا كاريبيا طيلة أكثر من عقدين من الزمن، وتحديدا من عام 1948 إلى عام 1971، وذلك من أجل سد النقص الحاصل في اليد العاملة في المملكة المتحدة خلال المدة التي تلت الحرب العالمية الثانية وما جلبته من دمار ، واشتغل الآلاف من هؤلاء المهاجرين في مجالات النقل والسكك الحديد وغيرها، وجلب كثير منهم أولادهم معهم للاستفادة من نظام الرعاية الصحية وفرص العمل المتوفرة في بريطانيا، دون أن تكون لهم وثائق بريطانية رسمية . رغم أن بريطانيا أصدرت قانونا عام 1971 منح هؤلاء المهاجرين الحق في البقاء، فإن العديد منهم لم يتمموا الإجراءات القانونية، غالبا لأنهم كانوا أطفالا أتوا بجوازات سفر والديهم أو أشقائهم ولم يتقدموا بطلبات رسمية بأسمائهم لمنحهم الجوازات البريطانية . ورغم المدة الطويلة التي قضاها معظمهم في بريطانيا، لم يطلب منهم أبداً من قبل وثائق تثبت وضعهم . وقد أعطى قانون الهجرة لعام 1971 إجازة لإقامة غير محددة الأجل لمواطني الكومنولث الذين يعيشون بالفعل في المملكة المتحدة ، كما أن العديد منهم لم يتقدموا بشكل رسمي للحصول على الجنسية البريطانية أو لاستخراج جواز سفر بريطاني، وبعضهم جاء أصلا إلى البلاد بوثائق تعود إلى ذويهم ، وبعد إن أصبح قانون "حرية الحركة في الكومنولث" نافذ الصلاحية ، أصبح هؤلاء يعاملون على أنهم مهاجرون غير نظاميين ويواجهون خطر الترحيل من البلاد إذا لم يقدموا أدلة على كل عام أمضوه في المملكة المتحدة ، وبدأت ما توصف بالفضيحة السياسية عندما ظهر أن قرارات صدرت باعتبار بعض هؤلاء مهاجرين غير شرعيين . بعضهم لم يسجلوا للحصول على جوازات سفر من السلطات البريطانية ، لأنهم لا ينوون السفر إلى الخارج . يحكي الفيلم التلفزيوني الطويل( الجلوس في طي النسيان) ، الذي كتبه الروائي ستيفن س.طومسون ، وهو روائي وكاتب سيناريو وصانع أفلام وثائقية ومحرر ، القصة الحقيقية لشقيقه "أنتوني برايان "، وهو رجل بريطاني وصل إلى إنجلترا من جامايكا في عام 1965 ، وعمره ثمانية أعوام . كان أنتوني ووالدته جزءًا من جيل أطلق عليه وندراش وهم مجموعة مهاجرين جاءوا بعد الحرب العالمية الثانية وأستقروا في المملكة المتحدة وأشتغلوا عمال وحرفيين في جميع المجالات ، نشأ أنتوني في لندن حيث ذهب إلى المدرسة والكشافة، وهو واحد مشجعي فريق توتنهام هوتسبير اللندني . وعمل أولاً في مصنع ثم عامل بناء ورسام ديكور أمضت والدته لوسيل طومسون 30 عامًا عاملة نظافة بالمستشفى قبل أن تتقاعد في جامايكا. عندما خطط برايان لزيارة والدته في الخارج مع شريكته جانيت ، تقدم بطلب للحصول على جواز سفر ، وهو عمل روتيني أدى إلى تهديده بالترحيل . جنبًا إلى جنب مع مئات الآخرين الذين تم الحكم على وثائقهم بشكل خاطئ بأن وثائقهم الرسمية غير كافية لإثبات جنسيتهم البريطانية وفي الفترة 2012-2017 (والتي سعت خلالها سياسات وزارة الداخلية البريطانية في ظل حكم رئيسة الوزراء تيريزا ماي إلى جعل من المستحيل البقاء في المملكة المتحدة دون الحصول على الجنسية البريطانية بدون اوراق ثبوتية صعبة) ، تم تصنيف برايان عن طريق الخطأ على أنه مهاجر غير شرعي بسبب فشله في إبراز جواز سفر والدته المفقود لعام 1965 ، وفي رحلة من اللامبالاة والبيروقراطية المتفشية في دائرة الهجرة البريطانية وكذالك إستخدام القسوة المتعمدة نشاهد معاناة " إنتوني بريان " في أثبات وجوده . يروي فيلم " الجلوس في طي النسيان " قصة واحد فقط من ضحايا "سياسة البيئة المعادية" للحكومة بشأن الهجرة.
في عام 2015 ، كان أنتوني برايان ، الذي لعبه الممثل "باتريك روبنسون" بإقتدار وقوة ووقار، يعمل رسامًا ومصممًا في إدمونتون ، يهتم بشؤونه الخاصة ، ويرعى أسرته كان قد وصل من جامايكا وهو في الثامنة من عمره في عام 1965 ، مع والدته لوسيل (كورين سكينر كارتر) التي كانت تعمل عاملة في إحدى مؤسسات دور الرعاية الصحية البريطانية . كان "خطأ" أنتوني هو التقدم بطلب للحصول على جواز سفر (الأول) في عام 2015 لزيارة والدته العجوز التي تقاعدت وعائدت إلى منطقة البحر الكاريبي . سرعان ما فقد وظيفته ومنزله وحقه في استخدام خدمات الرعاية الصحية والحصول على معاش تقاعدي حكومي (بعد أن عمل طوال حياته) عندما اقترب من سن الستين ، على الرغم من هجرته كانت بشكل قانوني إلى المملكة المتحدة عندما كان طفلاً ، لكنه تم تجريد برايان من حقه في العمل أوالعيش في المملكة المتحدة . وفي مشهد جميل ورومانسي مع شريكته في البيت الذي يجمعهم يتم رسمه من قبل مخرجة الفيلم ببراعة من خلال أوتار الشوق واللوحة الرائعة التي ظهرت خلفية للمشهد ، ولن يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى يأتي ضباط الهجرة ويقرعون باب أنتوني بقوة ويطالبونه بأن يأتي معهم . بعد إهانته وعدم تركه يرتدي ملابسه رغم إالحاح شريكته وقبل أن يتم جره إلى مركز احتجاز للمهاجرين على بعد 120 ميلاً وإخباره أنه لم يعد مرحبًا به في البلد الذي يعيش فيه منذ أن كان عمره ثماني سنوات . ذكرني مشهد اعتقاله الأولي - حيث نظر أنتوني إلى الوراء من نافذة الشاحنة إلى شريكته ، التي تركض إلى الشارع مرتديًة رداءها البيتي - ذكّرني بهدوء بهذا المشهد في مسلسل الجذور عام 1977 ، حيث تم جر كيزي بعيدًا عن الأسرة بعد بيعها إلى تاجر رقيق آخر. قد يبدو الأمر دراماتيكيًا ، لكن سيكون من الحكمة أن نتذكر أن السود في منطقة البحرالكاريبي البريطانيين لن يكونوا بالضرورة في هذا البلد لولا تلك الروابط التاريخية. العرض يوحي بذلك بطرق دقيقة أخرى ويشير بشكل خفي الى تلك العنصرية الممقيته. بعد إطلاق سراحه في نهاية المطاف من مركز الاحتجاز، هناك لحظة يحدق فيها أنتوني في البحار الأطلسية العظيمة والرمادية التي اجتازها أسلافه مرة واحدة . على الرغم من تقديمه الملفات و المستندات لدعم مطالبته القانونية بالجنسية البريطانية، لكن فقد وظيفته ومنزله وقُبض عليه مرتين من قبل مراقبة الهجرة واحتُجز لما مجموعه خمسة أسابيع في مركزين للاحتجاز قبل إصدار أمر بترحيله إلى جامايكا. فقط بعد أن حشدت عائلته عضو البرلمان ، وكذالك تكليف محامي الهجرة ، و كذالك ساهم في تحقيق صحفي أجري معه من قبل صحيفة الكارديان في جعل قضيته ( راي عام ) وضغط على الحكومة حالت دون ترحليه . تروي المخرجة ستيلا كورادي قصة بريان بأسلوب مؤثر وإنساني في هذه الدراما وضمن (كرونولوجيًا ) ، مع عدم المبالغة في التقدير أو الحيل البراقة ، تم الكشف عن قسوة معاملته والاهمال واللامبالاة في حسم قضيته والذي أنعكس كل ذالك على حالته النفسية وباتت كوابيس الابعاد تطارده . يتابع المشاهد بريان وهو ينتقل إلى مركز احتجاز يبعد أكثر من 120 ميلاً عن لندن . من خلال شاشة التلفاز في مركز الاحتجاز نراه يحدق بصراحة في خطابات دونالد ترامب موضحًا كيف أن لديه "مزاجًا رابحًا" في سباق الرئاسة الامريكية في العام 2016 ، وأمريكا على وشك الخضوع لتحول زلزالي أيضًا . موقف بريان مشابه جدًا لموقف السيدة (بوليت ويلسون ) التي تم احتجازها وإرسالها إلى مركز ترحيل المهاجرين في هيثرو في أواخر أكتوبر، كانت ويلسون 61 عامًا ، مقيمة في بريطانيا لمدة 50 عامًا ، ولم تعد إلى جامايكا منذ مغادرتها في سن العاشرة. وقد منعها عضو البرلمان من الإبعاد القسري عن البلاد ، لكن وزارة الداخلية قالت إنها لا تزال "مسؤولة عن الاحتجاز أو الإبعاد "حتى يتم" تسوية وضعها ". بعد الدعاية وحديث الصحافة حول قضيتها ، ظهرت حالات أخرى لسكان آخرين منذ فترة طويلة عاشوا هنا لأكثر من 50 عامًا وواجهوا تهديدات بالترحيل وكانوا معظمهم غير مدركين أن أوراقهم ليست سليمة . لا يخلوا الفيلم من أي تشابه في الحياة الواقعية - يبدأ بمشاهد أرشيفية لديفيد كاميرون وتيريزا ماي- وهما يشرحان موقفهما من الهجرة بعبارات مثل "إذا دخلت هذا البلد ، فسوف نقف معك". لكن قصة أنتوني تثبت خلاف ذلك . ويستوحى الفيلم فضيحة ( وندروش ) من خلال التجربة المريرة التي عاشها رجل بريطاني – جامليكي المولد ( أنتوني بريان) وهوأحد ضحايا (البيئة المعادية) للهجرة في وزارة الداخلية في المملكة المتحدة لمدة 50 عامًا عندما انقلبت حياته رأساً على عقب نتيجة لتصنيف وزارة الداخلية له خطأً على أنه مهاجر غير شرعي ، كتب الفيلم الاخ الاصغر(غير الشقيق) للضحية (بريان) الروائي ستيفن س. طومسون ، وقام بأداء الادوار كل من النجوم (باتريك روبنسون والممثلة نادين مارشال بالاضافة الى بيبا بينيت وارنر جاي . تم بث الفيلم في 8 يونيو 2020 BBC1 (بي بي سي وان ) ومن إخراج المخرجة " ستيلا كورادي" ، يروي فيلم "الجلوس في طي النسيان" قصة واحدة فقط من ضحايا "سياسة البيئة المعادية" للحكومة بشأن الهجرة . لقد عاش هنا باستمرار منذ ذلك الحين ، حيث التحق بالمدارس الابتدائية والثانوية في لندن ، وساعد في تربية أطفاله وأحفاده السبعة. ولم يكن لديه وثائق خاصة به ، مما ساعد على تعقيد وضعه. ترك بريان المدرسة في سن 16 وبدأ العمل في مصنع الأثاث في أوستن ، حيث قام بتجميع الخزائن منذ ذلك الحين ، عمل كرسام ومصمم ديكور لأكثر من 40 عامًا ، وعمل ودفع الضرائب ولديه سجلات تأمين وطني لإثبات أنه كان يعمل بشكل منتظم ، أُجبر على التوقف عن العمل في عام 2015 عندما تقدم بطلب للحصول على جواز سفر بريطاني ، وكتبت له شركة تنفيذ قوانين الهجرة في وزارة الداخلية (كابيتا)- لإبلاغه أنه لا يحق له البقاء في المملكة المتحدة وأنه سيتم إبعاده . حذرت هذه الرسالة من أن صاحب العمل قد يواجه غرامة قدرها 10000 جنيه إسترليني إذا استمر في تشغيله "كعامل غير قانوني". مما إضطر رئيسه إلى السماح له بالرحيل (على الرغم من أنه وعد بأنه سيتولى مهامه مرة أخرى بمجرد حل هذه المشكلة) ، تتفاقم حالة برايان ، حقاً إنها وصمة عار حين أحتُجز لمدة أسبوعين ونصف في مركز فيرن لاحتجاز المهاجرين ، وقيل له إنه سيعاد إلى جامايكا. ويعتقد أنه لن يُطلق سراحه إلا في ذلك الوقت ، لأنه يبدو أن المسؤولين اختلطوا بين قضيته وشخص آخر يحمل اسمًا مشابهًا. قال: "لم أكن في أي مشكلة قط وكان هذا الشخص لديه جريمة إطلاق نار في ملفه" ،"يعتقدون أنني أكذب في كلم أقوله. أخبرتهم أنني لم أذهب إلى جامايكا منذ أن كنت في الثامنة من عمري. قال "لم يصدقوني". كان هناك القليل من الوضوح حول سبب إطلاق سراحه. "إنهم لا يخبروك عن سبب احتجازهم لك ولا يخبروك لماذا سمحوا لك بالخروج. تشعر بالاكتئاب الشديد". ونُقل إلى مركز احتجاز كامبسفيلد ، بعد أن رُفض استئناف. قال ابنه ، شون جوردون ، إن والده قد دمرته تجربة الاحتجاز. "لا أستطيع أن أصف شعوري: والدك يُقتاد ولا تعرف متى ستراه مرة أخرى". يقول ايضاً بريان في مقابة تلفزيونية "في حين أنه كان من السهل نسبيًا العمل والعيش بدون جواز سفر حتى عقد مضى ، إلا أن إعلان تيريزا ماي عن "بيئة معادية" للمهاجرين في عام 2012 جعل من الصعب الحصول على وظيفة وعلاج طبي وحساب مصرفي ومعاش بدون جواز سفر . لدي ثلاثة أصدقاء على الأقل من المدرسة الثانوية في نفس الوضع ، خائفون من الحصول على جواز سفر ". وقال برايان خلال مقابلة صحفية مع الكارديان : "إنهم قلقون من أنه بمجرد التقدم للحصول على أي وثائق ، سيحدث نفس الشيء لهم". "أشعر أنه كان بإمكانهم معاملتي بشكل أفضل من هذا بعد أن أمضيت 52 عامًا". كان من الممكن أن يسلك طريق كثيرين آخرين ، مثل زميله المحتجز ثاديوس (ليو ورينجر) ، وهو رجل مسن بدون عائلة تم ترحيله إلى ترينيداد بعد أن قضى عمره كله في المملكة المتحدة ، ماذا ستفعل إذا تم تجريدك من حقوقك الأساسية في العيش والعمل والانتماء؟ ". الدراما التي كتبها شقيق برايان ، ستيفن س طومسون ، تتكون من سلسلة لا تنتهي من المحاولات ضد الروتين والبيروقراطية و التصرفات المعادية من قبل دائرة الهجرة. في أحد أيام سبتمبر 2016 ، تم سحب أنتوني من سريره عند الفجر ونقله إلى مركز ( فيرني) ، لترحيل المهاجرين ، وهو سجن سابق ، على بعد أميال عديدة في دورست . وبعد أن قامت الأسرة بتجميع 1500 جنيه إسترليني لتوفير الرسوم القانونية من خلال التبرعات، وفازت بأمر قضائي من قاضي عادل بعدم الترحيل، تم إطلاق سراح أنتوني مرة أخرى ، إلى الأبد هذه المرة ، وبدأ في إخبار قصته للصحفيين والنواب. عندها فقط تمكن من الحصول على جواز سفره ، قصة أنتوني سياسية بشكل صريح لدرجة أنه حتى إعادة الرواية بحيث يمكن رفضها باعتبارها دعاية مناهضة للحكومة . لقد حقق بعض الكتاب والمخرجين اعمال ناجحة ومثمرة من هذا النهج لسرد القصص ، ويمكن القول إن كين لوتش هو الأكثر شهرة ، وهوأهم مخرج معاصر يستطيع الغوص في قضايا اجتماعية لأناس طحنتهم الآلة الرأسمالية وعرض معاناتهم الحقيقية دون مساحيق ولا مبالغة . هذه القضية هي الأحدث في فضيحة ناشئة حول المعاملة الوحشية لوزارة الداخلية لعدد من المقيمين في المملكة المتحدة الذين استقروا منذ فترة طويلة والذين بلغوا سن التقاعد والذين تتم ملاحقتهم بقوة بسبب وضعهم كمهاجرين . وقالت عضوة البرلمان عن بريان ، كيت أوسامور " إن هذه القضايا كانت مجرد "قمة جبل الجليد" ، ووصفت الوضع بأنه همجي . منذ انتخابها في عام 2015 واجهت أوسامور ، النائبة العمالية عن إدمونتون ، ما لا يقل عن 10 حالات مماثلة لكبار السن الذين تم إرسالهم إلى الاحتجاز بعد عقود في بريطانيا. "ترك الناس يتساءلون: كيف يمكن لشخص فعل الكثير للمجتمع أن يعامل كقطعة قمامة؟ إنه بربري. لماذا يرسلون الناس إلى الاحتجاز وهم لم يرتكبوا أي خطأ؟ ". كتب فيلم " الجلوس في طي النسيان الروائي ستيفن س تومسون ، الشقيق الأصغر لأنطوني ، و بلمسة شخصية وعاطفية تحافظ على التركيز على وجهة نظر برايان طوال الوقت ، وهوالذي شاهد برعب شقيقه يُحبس في مراكز الاحتجاز ويُجر في المحاكم . من المهم ملاحظة أن هذا كتبه شخص مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالشخصيات ؛ هناك وضوح وعلاقة حميمة في إعادة الرواية التي تبدو حقيقية بشكل ملحوظ في الحياة . على أحد المستويات ، يقول تومسون" تدور أحداث "الجلوس في طي النسيان" حول أخي ، أنتوني برايان ، وهو مواطن بريطاني تم احتجازه بشكل غير قانوني من قبل وزارة الداخلية وتهديده بالترحيل إلى جامايكا ، وهي دولة لم يعد إليها منذ أكثر من 50 عامًا. كتبت القصة لتسليط الضوء على معاملته المشينة وتكريم كل من عانوا خلال فضيحة وندراش ، على مستوى آخر ، يتعلق الأمر بي ، أنا جزء من سلالة ( وندراش) ، بعد الحديث مع أخي "أنتوني" جعلني أفكر بطريقة أخرى. خلال محادثاتنا ، عندما روى ما حدث له بطريقة مخزية وتقتقرللانسانية ، أدركت أنني أتحمل مسؤولية نشر قصته هناك . حتى أنه وأشقائي الآخرين سخروا مني حول هذا الموضوع: بصفتي الكاتب الوحيد في العائلة ، ما الفائدة التي سأفعلها إذا لم أحكي قصة كهذه؟". يتعامل النص مع التفاصيل: عندما تم تهديده بالترحيل ، قيل لأنتوني إنه سمح بـ 20 كيلوغرامًا من الأمتعة وسيحصل على 1000 جنيه إسترليني بمجرد وصوله إلى جامايكا للاستقرار ، كما يقولون . لكن الحقيقية ، التي تشرح كيف وُضع الكثير من الناس خطأً في مركز الاحتجاز لسنوات - توفي 13 منهم في عام 2019 قبل أن تدرك وزارة الداخلية أنهم ارتكبوا خطأ . لا يهدف فيلم "الجلوس في طي النسيان" الى تشويه الحقيقة بل نقلها بأمانة ولايسعى لتمجيد طرف على حساب طرف . لا يتعلق الأمر بإعادة كتابة التاريخ ، بل يتعلق بالتأكد من إعطاء الأخطاء الحقيقية والمصاعب أخيرًا الوزن الذي تستحقه. لنرى كيف يشعر شخص آخر عندما يتم فرض ثقل العالم على أكتافهم ، من أجل التغيير ، حين يخبروك لماذا": التهديد بالإبعاد بعد 52 عامًا في المملكة المتحدة ، كما فعلوا بالبطل في الفيلم ( أنتوني بريان ) ، الذي لديه الحق القانوني في البقاء في المملكة المتحدة لكنه كافح لجمع وثائق كافية عن طفولته . في دور بريان ، يُظهر باتريك روبنسون (الضحية ، بيل) كيف يشعر ومدى ضآلة قدرته على التعبير عنها. في أداء ناضج ودقيق ، ينقل روبنسون هذا الصراع بشكل مؤثر. إنه شخصية هادئة تظهر ضبطًا تامًا تقريبًا ، نادرًا ما يعطي غضبه الواضح وخوفه وذلّه منفذاً. لقد واجه سلسلة من الاستجوابات من قبل مسؤولينغير قابلين للتبادل او التجاوب معه "أقوم بعملي" ، ولم يقدم له أي منهم مجاملة من تفسير أو حتى إعتذار عن معاملته. (هو ، مثل كثيرين آخرين تضرروا من الفضيحة ، لم يحصل بعد على تعويض ، كما يخبرنا التعليق الأخير). يصطدم برايان مرارًا وتكرارًا بجدار من الطوب من قبل إدارة الهجرة ، ضبط النفس لدى بريان لا يجعله قديسا. إنه الحفاظ على الذات. قمع الغضب حتى لا يتم اتهامه بالعنف أو اعتباره من قبل مؤسسة عنصرية تهديدًا جسديًا هو درس متأصل في كثير من الأحيان في الرجال السود منذ الطفولة. بينما يمكن للآخرين ، بشكل غير عادل أن يفلتوا من الصراخ والهذيان وعدم المجيء بهدوء كان على الرجال مثل برايان أن يتعلموا إبقاء غضبهم تحت السيطرة.
في الختام: تكشف دراما البي بي سي المؤثرة هذه المعاملة المخزية التي تلقاها البريطانيون السود ـ إنه فيلم سياسي. لقد أثار الجدل ، وأعاد فضيحة (وندراش) الى الواجهة ، ووضع الحكومة في في موقف دفاعي مرة أخرى وأدى إلى تجدد الدعوات لتعويض الضحايا. لقد أصبحت نقطة تجمع للناشطين. حتى أن بعض الناس اتهموا هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بإخراج الفيلم ليتزامن مع المظاهرات المناهضة للعنصرية التي تجتاح العالم.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا