رجل من الشمال وقصص أخرى

مراد سليمان علو
2021 / 4 / 1

رجل من الشمال
مجموعة
قصص قصيرة




الوليمة
"البرد شديد في الخارج". قال الزوج لزوجته، وهو يهّمُ بنقلها إلى المستشفى، بعد أن تأكد بأن الأمر لا يقبل التأجيل، ولو إلى الفجر. ساعدها في ركوب السيارة بينما هي تتأوه وتتنفس بسرعة، ثم أخذ مكانه خلف المقود وأدار المحرك وهو يقول: "من النادر أن يجد المرء إنسانا في الخارج الآن". بدا قلقا، بل خائفا، وكان عزاؤه الوحيد سيارته ذات الموديل الحديث. "ما هي إلا دقائق ونصل". طمأن زوجته، وهو يسلك الفرع المؤدي إلى الشارع الرئيسي، ومن ثم الجسر القديم، أقصر الطرق إلى الجانب الأيمن من مدينة الموصل حيث مستشفى الولادة الوحيدة فيها.
الظلمة تغمر كلّ شيء، والسكون يضفي المزيد من الرهبة على الشوارع والبنايات. لا كهرباء، ولا أتصالات. ولاتوجد أسواق مفتوحة، أو خدمات متاحة. ومع ذلك عليه أن يجّرب الذهاب إلى المستشفى. هذه المدينة الزاخرة بالأشياء الجميلة تحوّلت إلى مكان للأشباح، ولا يسمع فيها سوى نباح بعض الكلاب السائبة، والتي تتخذ من تحت الجسور مأوىً لها، وعند نهاية الجسر، وبداية الشارع المؤدي إلى المستشفيات الحكومية راوده الأمل في أيجاد طبيب خفر يقدّم العون للحالات الطارئة التي تشبه حالة زوجته. فجأة انبرى بعض الملثمين مصُوّبين بنادقهم نحو السيارة. توقف ليخبرهم بالأمر الطارئ، ولكن بأسرع، وأسهل طريقة أوجدها الإنسان ليتخلص من أخيه الإنسان تخلصوا منه، وأزاحوه من وراء المقود، وبكل برود سحبوا السيدَة من يدها، وألقوا بها في الخارج وابتعدوا بالسيارة.
من هول الصدمة، والسرعة التي حدث بها كلّ شيء عقد لسانها، ولم تعد تستطيع حتى الصراخ. نظرت إلى جثة زوجها. أرادت أن تزحف إليه، ولكن سرعان ما شعرت ببعض التقلصات ثم بلزوجة. كفّتاها التحّمتا بالإسفلت المتجمد، ونتيجة الحالة تجمّعت بعض حبيبات العرق البارد على جبينها لتعلن عن قدوم مولود جديد، ثم التقت العيون، عينا الأم المرعوبة، وعيون واسعة لمّاعة قدمت من تحت الجسر. قبض الرعب على نـفس المرأة ولاشعوريا ضّمت ساقيها. بدأ اللعاب يسيل من أفواه الكلاب، وقد كشّرت عن أنياب لم تذق الطعام منذ عدّة أيام، رغبت الأم بالزحف للوراء، فتقدّم أحد الكلاب. أطلقت آهة متقطعة مجنونة، ولكنها لم تستطع منع الحيوان من حشر رأسه بيــن رجليها. غرز أنيابه في اللحم الطري. أخذ قضمه، وتراجع بضع خطوات وكأنه يفسح المجال للآخـــرين ليتذوّقوا بدورهم هذه الوجبة الساخنة في هذا البرد الكافر. جحظت العيون، وأرتجفت الشفاه باحثه عن شيء تقوله أو تفعله. أيّ شيء، فلم تعد الأم بحاجة لنجدة. وما تحتاجه هو صوتها؛ لتدعوا الجميع إلى هذه الوليمة.
*******
مقهى السيّدة
كان من روّاد المقهى الواقعة في قلب المدينة الكبيرة، والمقهى تبدو أنيقة حتّى في تناثر صور (السيّدة) على جدرانها. لا موعد ثابت لمجيئه، ولكنه يأتي كلّ يوم، وعندما يدخل سلام صامت باليد على هذا، وإيماءة بالرأس من ذاك، ثم الجلوس لساعات بصمت لا يليق بسمعة المقاهي. قد تسمع زفرة من هنا أو آهة خافته نابعة من القلب من هناك، أو قد يميل أحدهم برأسه للوراء ويرفع يديه لا أراديا بفعل قفلة ساخنة لمقطع من أغنية للسيّدة.
وهكذا أصبحت بعض هذه الظواهر عادات في المقهى وطقوس يرغب جميع الزبائن في أدائها، ولا تحتاج لذلك إلا إلى أذنيك، فالسمع وحده كفيل بملء الخيال. أشرب ما شئت من شاي (أبو شهاب) المنعش، وأنفث دخان سجائرك بتواصل، فالموسيقى والأغاني وضعت لأجلك والكلمات تبعث على الدهشة وليس لك إلا أن تحلّق بروحك لإثارة ذكريات إنطفأت جمراتها بصوت تودّ لو تشربه قبل أن تسمعه.
مثل جميع الأشياء في كلّ مكان تغيّرت المقهى أيضا، فقد أُقحم فيها راديو لسماع أخبار الحرب، واختفت بعض الوجوه المألوفة، ومنهم أبو شهاب الورد الذي التحق بالجيش، والصبي الجديد ما أن يلتقط أستكان فارغ حتّى يطقطق كعبه بوسط الصحن ليضفي نشازا على آهات السيدة عندما تغني أو كوميديا غير مقصودة على أخبار الحرب رأس كلّ ساعة. لم يعد يشعر بإنتمائه للمكان وكان هذا آخر عهده بالمقهى.
الآن، المدينة الكبيرة تسمّى بغابة الأبراج، فلم يعد لها وسط أو شارع رئيس. أطرافها كقلبها عبارة عن غابة من الأبراج. وصدفة على مدخل إحدى تلك الأبراج أستوقفته عبارة (ملتقى السيّدة)، أعترته رعشة قبل أن يأخذ نفسا عميقا وهو يهمّ بالدخول إليها.
وفي الداخل أضواء خافتة وساطعة، وألوان باهتة وبرّاقة، وأصوات هامسة وصاخبة. صغار وكبار، شراب وطعام، موائد وألعاب، أرقام وأشارات، رموز وألغاز. التقط أنفاسه بين هذه التناقضات والثنائيات، ثم تبيّن سهما يشير إلى لوحة ألكترونية مكتوب عليها (مقهى السيّدة ـ مكان خاصّ يمنع فيه استخدام كلّ الحواس وحمل الأشياء) وبأصابع مرتعشة أختار الرقم (300) من لوحة المفاتيح. أضيئت لوحة جانبية عليها كتابة تقول: (كلّ خميس. الساعة التاسعة مساءً نقدم لكم حفلة الموسم طوال العام 3000).


لم يحمل يوما غير جسده المتعب فدخل بدونه إلى فضاء بلون الدخان يتخلله صور أثيرة ووجوه مألوفة وموسيقى لطالما سمعها وآهات رددها، فتمنى للحظة سيجارة يلوكها بين أسنانه وينفث دخانها ليرسم بها أحلاما لم تتحقق ولو في الذهاب إلى مقهى يحبها.
*******












العلاج
كما هي عادته، بقي هذا الصباح أيضا في فراشه. لم يكن نائما، بل كان يداعب أزرار المذياع الموضوع بقربه حتى تمكن من إيجاد محطته المفضلة. أعلن المذيع عن الوقت، فنظر إلى الساعة الجدارية الكبيرة، والتي وضعها بنفسه في أعلى وسط الحائط. وجد عقاربها متطابقة تماما على الرقم الذي أعلنه المذيع، فقال مع نفسه: "إنها تشبه القلب تماما فعندما يكون على ما يرام، لا تنقص عدد دقاته ولا تزيد".
أبتسم لاكتشافه الجديد رغم الصداع الذي يعانيه، والذي كان سببا في إيقاظه. أغمض عينيه لبرهة، صداع، صداع ينبع من كلّ مكان من رأسه. صداع، وكأنه دودة تحرّك رأسها يمينا ويسارا، ثم تتحول إلى أفعوان، بل إلى تنيّن ينفث الألم بدلا من النار صداع وألم، وكأنه قطرات ماء تتساقط بقوّة ورتابة، ثم تتحول إلى نافورة، وإلى بركان لا يخرج من فوهته غير حمم من الألم.
مدّ يده إلى زجاجة الحبوب القريبة منه وهو يقول في نفسه: "لابد إنها نوبة الصرع". تناول حبّة "هذه تعرف طريقها، وتجيد عملها، وستمنع النوبة كما في كل مرة"، أزاح الوسادة من تحت رأسه، ثم زحف على ظهره قليلا مستندا بذلك على كعبيه، ووضع رجليه على حافة السرير، والصداع لا يزال ماردا يحاول الخروج من قمقمه، ولكن بالتأكيد سيخبو تدريجيا حتى يصبح كضربات حطّاب عجوز أتعبت الفأس ساعديه. نعم، سيتلاشى الصوت، وسيختفي الألم هذه المرّة أيضا.
قدماه الآن أعلى من مستوى رأسه، على عكس الناس، وتذّكر زيارته الأخيرة لطبيبه المعالج.
ـ تم تشخيص حالتك المرضية، وسأوصف لك علاج دائمي مناسب، وبهذا تنتهي مراجعاتك لي.
ـ علاج مدى الحياة! هذا يعني سأبقى أسير مواعيد تناول الأدوية بقية عمري، لعن بصوت مسموع أوّل من اكتشف هذا الدواء.
تابع المذيع الأخبار المحلية: "هذا، ولا تزال الانتخابات جارية في كلّ أرجاء الوطن، وتذكر عزيزي المواطن إن صوتك مستقبل".
نهض بتثاقل، وأرتدى ملابسه كيفما أتفق، ثم خرج متجها إلى أقرب مركز أنتخابي ناسيا إنه قد تأتيه نوبة الصرع في أية لحظة، ويقع مغشيا عليه.
*******

حسن دربو
دخل الفتى إلى البيت الطيني المكوّن من غرفة واحدة وهو يصيح فرحا: "أمّاه، أمّاه وافق خيرو على اصطحابي معه، هل سمعت يا أمّي، سأعمل، أخيرا سأذهب للعمل كالآخرين"، وأخذ يقفز في أرجاء الغرفة محاولا لمس العمود الخشبي الكبير الذي يتوّسط السقف بيده.
ـ وما هو العمل الذي ستقوم به؟ وكيف؟
ـ سأعمل في جوقة خيرو البنّا، لا أدري كيف، ولكنني سأعمل، وسأحصل على يوميتي مثل بقية العمّال. هذا ما قاله لي خيرو جارنا، أنت تعرفيه.
ـ طبعا أعرفه يا مجنون، ولكنك لا تقدر على حمل البلوك أو أواني السمنت، فأنت جلد، وعظم، ولاتزال صغيرا. فقال الفتى بعصبية:
ـ أعلم، ولكن ليس الشغل كله حمل ونقل البلوك، ثم يجب أن أتعوّد على العمل منذ الآن، حتى لو كان قاسيا بعض الشيء في البداية.
ـ وهل هذا كلامك، أم إن خيرو القّنك إياه؟
ـ حسنا، منذ اليوم أعتبريه كلامي أنا.
ـ يا بني إن قلبي لا يطاوعني أن أدعك تبتعد عني، فهل قلبك يطاوعك أن تتركني وحدي؟ أجاب حسن، وقد تغيّرت نبرات صوته، وكأنها بداية بكاء: "لكنك كنت تشجعينني على العمل دائما، وها هي الفرصة مواتية، فلماذا تحاولين منعي؟ ما الأمر؟! ابتسمت المرأة قائلة: "لاشيء حبيبي. كنت أمزح معك لا غير أنا سعيدة من أجلك. على الخير والبركة ذهابك للعمل، على الأقل سنقدر على ردّ معروف من أحسنوا إلينا طوال هذه السنين، واحتفظت المرأة بسرّ ذهابها إلى جارتها أمّ خيرو من أجله ثم التفتت إليه ثانية وقالت: "هل أقدم لك العشاء"؟ فأجاب الفتى: " لا يا أمي أكلت مع خيرو، أصرّ على أن أشاركه الطعام. سأذهب لأنام، أيقظيني عند الفجر لأتهيأ قبل الجميع.
رفعت الأم يديها، وهي تشكر الله على بقاءها حيّة لليوم الذي رأت فيه ابنها، وهو يذهب للعمل كالرجال، ثم توّجهت لبقجة البرات المعّلقة على الحائط الشرقي من الغرفة وتمتمت بدعاء، ونذرت نذرا توفيه حال رجوع حسن، ورفاقه سالمين غانمين من العمل.
تهيأت هي الأخرى للصعود على السطح، وكانت فرحتها لا تقلّ عن فرحة صغيرها، بل إنها تشعر بالسرور منذ أن أخبرتها جارتها الطيبة عصر هذا اليوم بأنها تكلمت مع ابنها البنّا، وأقنعته بأخذ حسن معه. شعرت، وكأنها صغرت عشرة أعوام فرجعت للبيت ترتبه وأعدّت طعاما، ثم أخذت فرشتيهما للسطح كالعادة، ونزلت تنتظر أبنها الحبيب لتزفّ إليه البشرى، ولكن رغم الشعور القوي بالرضا، كانت حائرة، لا تعرف كيف تبدأ معه الكلام إذا ما أتى. ربّما عليها أن تختبر رغبته في العمل أوّلا، فهو قبل كلّ شيء لا يزال غضّا، ولم يسبق له أن عمل. بدأت المرأة وكأنها تشجع نفسها قبل ولدها، وعندما وصل صارخا بأنه سيذهب للعمل مع جارهم أزاح هذا حملا ثقيلا عن كاهلها، ويبدو إن خيرو قد سبقها إليه وأخبره بالأم، وقالت مع نفسها: "خيرو هذا يعرف الأصول". وكان عليها أن تتأكد من رغبته الحقيقية في الذهاب للعمل، وبذلك اطمأنت أكثر. خرجت من الغرفة المظلمة، غمرها ضوء القمر، كانت تشّع بملابسها البيضاء، وكان القمر قد بلغ كبد السماء الآن، شعرت ببعض النسمات على وجهها، فقد قارب الليل منتصفه، والقمر يحيله نهارا بضوئه الفضيّ القويّ، أما النجوم فتبدو خافتة، وكأنها خجلة منه. إنه وقت النوم. صعدت إلى السطح هي الأخرى، وقبل أن تتمدّد على فرشتها إلى جانبه انحنت وأخذت تحدق بحبّ في وجهه وسألته: "ألم تنم بعد يا حسن"
ـ لا، ليس بعد يا أمي.
ـ نم يا صغيري، وأطمئن سأوقظك قبل مجيئهم.
طبعت قبلة بحبّ على جبينه، وآوت إلى فراشها، وهي تقول بصوت مسموع: "صدق القائل، الحشائش لا تموت تحت الحجارة" أما هو فانقلب على جنبه موليّا إياّها ظهره.
كانت ليلة صيّف صافية وهادئة، لا تزال حارّة بعض الشّيء، ولكن هادئة، وكان الفرح يبان في نظراته القلقة التوّاقة لاكتشاف العالم الجديد الذي سيدخله غدا لأول مرة، أمّا السرور في قلبه فهو غير عادي. لم يشعر بمثله من قبل، وكأنه شعور يبعث على البكاء، بكاء صامت، ومستمر لحين عودته من العمل محمّلا بالنقود، والهدايا؛ ليثير إعجاب ودهشة والدته، ورضا خيرو البناّ وجماعته، وإمكانية قبوله بصورة دائمة ضمن جوقتهم؛ ليستمر في زرع البسمة على وجه والدته وجلب المزيد من الهدايا لها. إن السفر بالسيارة لأبعد مسافة قطعها في حياته، ورؤية أشياء لم يرها، وكذلك النوم لأول مرة خارج البيت يثير فيه الفضول ويشحذ الخيال. بالتأكيد ستبكي أمّه على فراقه لأوّل مرة، ولكنها ستعتاد على ذلك كما هو حال جارتهم أمّ خيرو البناّ، والتي استجابت لتوسلات والدته هذه المرة، وأقنعت أبنها بأخذه معه وفوق كلّ هذا، وبعد فترة ليست بالبعيدة ستتباهى به أمام نساء المحلة وستردّد على مسامعهم: أن لا مثيل لحسن، جلب لي حسن الشيء الفلاني، ابن حلال هو حسن. وحسن يتقلّب في فراشه. نامت أمه وهو لا يستطيع النوم، وكأنه عاشق مصاب بسهام الحبّ لأول مرّة.
في الصباح الباكر، وما أن نادت عليه أمّه من الأسفل حتى نهض بسرعة، وكأنه كان ينتظر ندائها، ووجدها قد هيأت له كلّ ما يحتاجه من ملابس عمل، وملابس إضافية وأغطية نوم.
ـ هيا، أغسل وجهك وتناول فطورك قبل مجيء رفاقك.
وأتت الجوقة، وكانوا مستعدين للانطلاق بعد أن حشر حسن نفسه بينهم بسهوله، ولكن قبل أن تنطلق السيارة، وللمرة الثانية قالت المرأة بشفاه ترتجف لجميع من فيها: "فديتكم اعتنوا بحسن، إنه طفل، و.. وجلست على الأرض، وأجهشت بالبكاء هذه المرة، فصاح حسن بحنق وهو يشعر بأنها تهينه أمام الآخرين. "أمّي.. أمّي" ثم نزل خيرو من السيارة وجلس القرفصاء قبالتها مخاطبا إياها:"لا تقلقي يا جارة، حسن في عيوني. شغلنا مضمون هذه المرة عند مقاول أعرفه شخصيا، ولن أدعه يتعب أبدا، وهل يمكن ألا أعتني بحسن، أقسم بالله سأرعاه كأخي الصغير. هيا، اذهبي للداخل، واطمئني.
في فجر اليوم التالي، وفي ميدان العمّال بدا المنظر غريبا بالنسبة لحسن رأى، وكأن السماوات قد أمطرت عمالا. شعر ببعض الضيق، تخيّل للحظة، وكأن تاجرا من القصص القديمة سيأتي، ويقنعه لقاء بعض المال أن يذهب معه إلى مكان بعيد وخطير، وبعد أن ينهي عمله الذي جاء من أجله سيتركه وحيدا هناك، ثم بطريقة ما سيعثر على كنز مفقود، ويملئ جيوبه بالحجارة الكريمة، من ياقوت وألماس، وسيعود للبيت، ويشتري قصرا لوالدته. تماما كما الأمر في حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة. وفي نفس الوقت بدا المنظر مضحكا للمقاول، وهو يتجه نحو الأسطة خيرو، وجماعته العماّل، فهم مفتولي العضلات طوال القامة، وفي وسطهم فتى لا يتجاوز عمره الرابعة عشرة، نحيل وأصفر الوجه، وذو عيون سوداء قلقة، سلمّ المقاول على خيرو البناّ، وألتفت إلى الفتى مبتسما، وهو يسأله عن اسمه. ردّ العامل الصغير من فوره، وبصوت عالي:"حسن دربو" أخذ المقاول يقهقه وبإشارة من يده تبعوه.
كان الجميع يبتسمون، وهم يمشون خلف المقاول فقد ولد اليوم عامل أيزيدي جديد.
*******











رجل من الشمال
كان الرجل مستمتعا بحّمامه الساخن، بينما تعّدُ والدته طعام العشاء المكوّن من شوربة الخضار، والخبز المحمص، عندما سمع صوت ثلاث أطلاقات نارية متتالية، فأدرك على الفور إنها الإشارة المتفق عليها للخروج من القرية في الحال. خرج من الحمّام على عجل مرتديا كلّ الثياب الثقيلة التي وقعت عليه عيناه. سيعود للجبل ثانية، وهو الذي وصل للبيت قبل قليل، ولكن الآن عليه الرجوع دون أثــارة أية جلبة، ويجب أن يسلك دربا مختلفا كما تقتضي التعليمات، فقد ترك هو ورفاقه آثارا يسهل تتبعها، ورصدها عندما سُمح لهم بزيارة القرية، وجلب بعض المؤن الضرورية، وكان يمني النفس بأخذ حمّام ساخن، وتناول وجبة بيتيه شهية من أعداد أمه، ثم النوم ولو لليلة في فراش وثير، ولكن لم يجري الأمر كما كان مخططا له، فعليهم الخروج من القرية، والنجاة بأنفسهم، وهذا هو الأهم؛ لأن إنذار الرصاصات الثلاث يعني إن أمرا جللا سيقع. نظرت إليه والدته متسائلة: "والعشاء" وكانت تعلم تماما انه لن يبقى لتناول العشاء. "سآخذ معي بعض قطع الخبز." قال هذا، وهو على يقين بأن والدته أيضا لن تأكل هذه الليلة. لفّ الرجل بعض الخبز بمنديل أصفر، ودسّه في صدره تحت سترته، وتناول (البرنو) من يد والدته بعد أن قبّل يدها، وهي تدعو له بالسلامة، وتنظر إليه بعيون قلقة أذهب بريقها السنون، وفراق الأحبة.
في الخارج ورغم سواد الليل بدا كلّ شيء ناصع البياض، ثلوج متراكمة على مدّ البصر ولكن ما أن اجتاز عتبة الباب حتى فاجأه هواء بارد وقوي. لم يكن ليبالي بالظلمة، ومشقّة الطريق، إلا إن مشكلته تكمن في أخذه حمّاما ساخنا قبل قليل فقد تؤدي الرحلة هذه المرة إلى موته! أجل، فطاقة الإنسان محدودة في تحمّل البرد، يجب أن يحسب له المرء ألف حساب، ولا يكفي أن تكون من الشمال لتواجه البرد، فهو يلتصق بالجلد الرطب، ويعضّ كأنه مخلوق حيّ، فيشلُ الإحساس باللمس أولا، ثُم بالوخز، وبعدها يتسلل الخدر إلى الأطراف يصاحبه فقدان الشعور بها، والسقوط دون حراك.
أسرع الرجل فهو لا يزال شابا قويا، وسيلتقي بعد ساعات برفاقه، فما عليه إلا الوصول إلى الممر الضيق لأخذ قسط من الراحة، وبعد ذلك الصعود للجبل، ثم الدخول إلى أحد الكهوف، وسيكون هناك حينئذ ما يبقيه دافئا، إما الآن، فلديه الكثير من الخبز الذي سيمدّه بالطاقة اللازمة للوصول إلى الممر. كان الجوّ باردا بصورة لم يتوقعها. سار بين شجر البلوط الكثيف قرابة النصف ساعة، وأجتاز رابية صغيرة كانت على يمينه دون أن يرى أثرا لقدم إنسان فلم يزعجه ذلك، فهو يعرف المكان جيدا، وبإمكانه أن يصل رغم ما يبذله من جهد كبير في سيره، وتنفسه، وكذلك لم تزعجه وحدته، وحتى لو كان برفقته شخص آخر لما استطاع التحدث إليه، فهو يتنفس بصعوبة إضافة إلى إن أية إشارة غير مألوفة خطر على حياته، وعلى القرية؛ ولهذا كان الرجل يسرع.
توقف ليلتقط أنفاسه، وهو يحسّ هذه المرة ببرد لم يشعر بمثله في حياته حيث لم يجرب يوما الخروج من الحمّام إلى دنيا الثلوج مباشرة، وبدأ يساوره بعض القلق فالطبيعة حقا مخيفة. الأشجار التي تبدو، وكأنها كائنات خرافية سوداء. الثلوج. الهواء الذي تحول إلى ريح، وهو يصفر. الوحدة، وحلكة الليل. كلّ هذا بدأ يؤثر فيه. "لو أوقد نارا". تناول بعض الخبز، ثم طرد فكرة إشعال النار من باله، واستأنف السير ساعة أخرى. تحامل على نفسه. فرك يديه، ثم ضربهما على فخذيه بقوّة، وقف ثانية. قفز عدّة مرات حتى استعاد شعورا ضئيلا بالدفء يسري في أطرافه، أما أنفه فلم يعد يشعر به. جرّب الركض بخطوات قصيرة. المهم الوصول إلى المكان المنشود. إلى الكهوف العصيّة حتى على الذئاب، ولابد إنهم قد أشعلوا نارا الآن، ويعدوّن شايا ساخنا، ويتلذذون كعادتهم بالتدخين، وهو يفكر بكل هذا أدهشته المسافة التي قطعها، ثم بدأت تسيطر على عقله فكرة غريبة: ماذا لو كان الأمر كله مجرد مزاح. الطلقات النارية، وخروجه من البيت دون عشاء، ومعاناته في هذا الطريق. أن الآخرين بلا شك يغطّون الآن في نوم عميق في فراش دافئ. وبمعدة ممتلئة، وشعور بالرضا بعد أن سخروا منه. تصارعت الفكرة مع عقله، وأخيرا نبذها، فلو كانت مزحة من أحدهم لنادوه، وهم يضحكون حتى قبل أن يصل إلى أشجار البلوط، وهو نفسه كان سيضحك، ويرجع إلى البيت يصطلي نار الموقد. لا، ليست مزحة، وإن ما يفعله الآن هو الصواب، ولا شك إن الآخرين قد فعلوا الشيء ذاته للحيلولة دون الوقوع في الكمائن المعدّة من قبل الجيش. جلس ثانية لنيل قسط من الراحة. وضع بندقيته على فخذيه. أصبحت ثقيلة، وهي تعيقه الآن. نظر للوراء، لاشيء سوى آثار أقدامه. خارت قواه، ولا تزال معركته مع البرد مستمرة، وبعد استراحة قصيرة انتظم تنفسه، وتشجّع على تسلق الرابية التي تقع على قمة التلة الكبيرة حيث الممر يقع خلفها مباشرة.
الفجر على وشك الانبلاج، جلس على قمة الرابية وهو يحسّ بتعب، وإعياء شديدين. أخذ أنفاسا متلاحقة، التفت للوراء. اتسعت حدقتا عينيه، وهو لا يصدق ما يراه، لقد فعلوها ثانية. أحرقوا القرية، أحرقوها من جديد. نهض، وكلّ جسمه يرتجف. أخذ نفسا عميقا، رفع رأسه. بوسعه أن يرى قمة الجبل الآن. سار بخطى ثابتة، وفي مخيلته آلاف الصور، وحلم واحد.
*******


جدّي
إنني من عائلة جبلية أشتهرت بحبّها الأبدي للطبيعة، واتخذت من تربية المعز الجبلي مهنة لها، ولا تذكر عائلتنا حتى يذكر جدّي، وحكاية تيسه العملاق. ليس لحجمه فقط، بل لسلوكه الغريب أيضا، ففي مواسم التزاوج كان يتسلل ليلا إلى ما وراء الجبل للقاء ما أتفق من المعز، والرجوع ثانية في نفس الليلة، كان جدّي يتفاخر به، ولا يبيعه، أو يقايضه، ولو بقطيع كامل، ولكن مضى على ذلك سنين عدّة هرم التيس، ومات، وبقيت حكايته تروى بروح مرحة، أما جدّي فلا يزال يحتفظ بجلد التيس للذكرى، وفي أيام الربيع يقول مازحا: "لا أزال أشمّ فيه بعضا من رائحة الشباب، وطيشه".
في الجبال نتخذ من الكهوف مأوى لنا، وهناك كهوف صيفية تقع في الأعالي، وهي واسعة ذات ممرات هوائية، أما تلك التي تصلح للسكن شـــتاءً، فتقع في الوسط، وقد آوينا إلى الكهف المفضّل لديّ هذا الشتاء، وهو كبير، وذو حافة تمنع دخول المطر، والثلج إلى داخله، ونسَميه بكهف جـدّو، وهذه أيضا إحدى ميزات عائلتنا حيث نطلق على كلّ شيء بارز المعالم، ومهم في الجبل اسما معينا؛ للأســـتدلال عليه لاحقا، وهكذا إذا ما سألنا جدي عن أحوال الكلأ، أو المكان الذي ذهبنا إليه للرعي نســمّي المكان باسمه الجديد الذي أطلقنا عليه، فيهز رأسه إيجابا وقد عرف المكان تماما .
هذه حياتنا نركض خلف المعز، ونتسلق أعلى النتوءات، والصخور، ولا نتعب من ذلك. ربما لأننا نلهو، ونمرح كثيرا، وقد تتسـلق معزه إلى مكان عصيّ، ولكن بصرخة من أحدنا تعود أدراجها، وإلا أرغمناها على ذلك برميها ببعض الحجارة. كلّ يوم نعيش مغامرة جديدة. نكتشـف أماكن، ونتعرف على نباتات، وأزهار لأول مرة، نذكر لبعضنا مواقف نضحك منها، فقد خلقنا لنمرح، ولاشـــيء يغصّ علينا حياتنا، وعندما تنفد منا الطرائف، والنكت، ولا نجد ما نتحدث عنه، نذكر موقفا لجدي، أو حكاية طريفة من حكاياته العديدة، والمفعمة بالحياة، ففي جعبة كلّ واحد منا عدد من تلك الطرائف التي تخصّه، فمثلا قبل أيام أمام باب الكهف كنا ننشد دفء الشـــمس، وننتظر أمّي أن تقدم لنا بعض الطعام بعد أن تنتــهي من إعداده، قال جدي بغتة: "لقد أتوا مبكرين" كنت أظنه يقصد أبي، وعمّي، وهما يسـرحان بالقطيع في القمة حيث بقايا أوراق شجر البلوط إلا انه بعد برهة قال أيضا: "اجل لقد أتوا مبكرين هذه السنة" فنظرنا إلى بعضنا بإستغراب، وقلت له: " تقصد من يا جدّي" فردَّ عليّ قائلا: "المزارعون"، رسم كلّ واحد منَا أبتسـامة على شفتيه، فربما هي إحدى مداعباته لتمضية الوقت، ولكنه أردف قائلا: "أيها العميان إلا ترون التراكتور الأخضـــر.. ها.. ماذا دهاكـم ألا تطعمكم أمهاتكم الدهن الحر.. ها.. أنظروا إليها، وأشار بسبابته إلى أتجاه معين صوب البريــــة، فبدأ الجميع يبحثون عن التراكتور المزعوم، ولكني نظرت إلى عيون جدي، وتبينت مسار نظره، ثم نهضت من مكاني بهدوء، وأمسكت بين أصابعي ماسكة ملابس بلاستيكية خضراء كانت أختي قد نسيتها معلقة على حبل الغســــيل الممتد على طول باب الكهف وقلت له مبتسـما: "أهذا ما تقصده يا جدي!"، قهقه عاليا كعادته، وكأن الأمر لا يعنيه. هذا هو جدي، وهؤلاء نحن أحفاده، وأولاده لا نزال نسكن الجبال، ونركض خلف المعز، ونتخذ الكهوف مسكنا، وإذا ما اجتمعنا مع بعضنا فتكون حكاية جديدة.
*******











نشيد الجوع
(مرادا) قرية صغيرة غافية في حضن الجبل، وماء جدولها العذب ينساب وينسرح على الحجارة الصلدة، ثم يصبّ في بئر طاحونة أبي المائية الواقعة في طرف القرية الجنوبي. وفي الحقيقة هي ليست ملكنا، وإنمّا تعود للشيخ، ولكن يحلو لي أن أسميها طاحونة أبي، فهو الطحّان فيها.
وكاد يوم القرية هذا يمّر كبقية أيامها الرتيبة لو لا الهالة التي يحاول العمّ (حمّو) أن يرسمها على المولود الجديد فيها، وهو نفس اليوم الذي أخذني فيه أبي إلى للطاحونة للمرة الأولى وفي هذه الأثناء كنّا قد عبرنا ساحة القرية بإتجاه الطاحونة، والتي يقول عنها والدي إنها بمثابة أم الفقراء. ووجدت الفرصة سانحة لأسئلتي:
ـ لماذا تسمّى بأم الفقراء؟
ـ مَنْ؟
ـ الطاحونة يا أبي!
ـ أوه، لأنها تطحن، وتنشد للفقراء!
ـ وماذا تنشد؟
ـ طق. جق. رق. حنطة وشعير.
رق. جق. طق. طحين وفير!
وطاحونتنا تعمل بفعل قوّة تساقط المياه إلى البئر العميقة حيث تدور مروحة خشبية صغيرة، وتعمل بدورها على تحريك دولاب كبير، فتدور الرحى العليا بواسطته، ويتم سحق الحبوب وطحنها بين الرحَيان ودفعها إلى حوض مخصص للطحين، وعلى أيّة حال فعمل الطاحومة ليس مزدهرا، فأغلب الأهالي لا يملكون ما يطحنونه؛ ولهذا طلب أبي من الشيخ عملا إضافيا، وأخيرا كلفه بسقي بستانه الواقع خلف الطاحونة.
في المساء يكتظ ديوان الشيخ بالرجال، والليلة وكلما سنحت الفرصة للعمّ (حمّو) يردد قائلا: "مبارك ذلك المولود! لطالما توسمت الخير والتقوى في تلك العائلة. يا جماعة المولود القادم سيكون له شأن عظيم، لقد حلمت بذلك، أجل، أجل. وقبل أن يفضّ المجلس سكت الرجل وإلى الأبد، مات وإبتسامة رضا مرسومة على وجهه.
للقرى الصغيرة التي تشبه قريتنا أحزانها، فموت أحدهم يلغي الفرح بولادة آخر، ولكن رغم ذلك كانت هناك مسحة من السرور، وشيء من الفرح الخفي قد دخل بيتنا نتيجة حصول أبي على عمل أضافي وهو سقي بستان الشيخ، تلك الجنّة المليئة بالأعناب والتين والرمان، فبالإضافة إلى الطحين الذي نحصل عليه سنجد التين المجفف وحَب الرمان والزبيب ضمن طعامنا في أيام الشتاء الباردة، وهو الموسم الذي يتفرغ فيه أبي لعمل الفحم. يحمل فأســـه، ويذهب إلى الجبل للتحطيب فجر كلّ يوم إلى أن يجمع ما يكفي لبناء محرقة، والمحرقة عبارة عن حفرة واسعة نصفها العلوي فوق سطح الأرض تشّيد كقبّة بالطين أولا، ثم تغطى بالتراب، وتترك فتحة صغيرة فــــي الأسفل بمستوى الأرض مما يسمح بدخول شيء من الأوكسجين ليساعد على إشعال الحطب، وبعد التأكد من إضرام النار في الكومة تسـدّ الفتحة، وتبدأ عملية الإحتراق. يأخذ الحطب لونا رماديا أوّل الأمر ثم يتحول إلى السواد، وفي اليوم التالي يزاح التراب، ومن ثم الطين المتصّلب بفعل الحرارة، ويتم نقل الفحم، وقد تعرّق بسبب الماء الناضح من الحطب، وما أن يلامسه الهواء حتى يأخذ لونه الطبيعي وتبدأ عملية التسويق والبيع آخر الأمر.
مرّت الأيام وكبر المولود وتوالت الأحداث وكان الحديث عن الفتى (سينو) هو الشغل الشاغل لقريتنا نتيجة القيل والقال عنه، سواء أكان صحيح ما يقوم به من معجزات أم الأمر مبالغ فيه مما أجبر الشيخ وبعض وجهاء القبيلة أن يدعوه للأختبار في يوم معلوم وبمرأى من الجميع.
إنه يوم الأختبار الكبير، والأهالي سيجتمعون في الساحة، ولكن أبي يقول إن عملنا أهم حيث سأساعده في سقي البستان، وهو الآن مليء بالعناقيد الذهبية، والتي ما أن تدخل الفم حتى تذوب، أما الأسود ذو الحبات الصغيرة فينزلق في الحلق، مثلما تبتلع حجري الرحى الحنطة، ومع هذا أتمنى رؤية (سينو) وهو يمشي حافيا على الجمر وسط الهلاهل بدلا من سقي البستان، وأكل العنب؛ لأن اليوم سيتأكد الجميع من قدراته، وفيما إذا كان يستحق الإرسال إلى الوادي المقدس ليتعلم، ويخضع رغبات جسده لأرادته، ويكبح جماحها، ويمارس التأمل، والصوّم، ويبقى هناك إلى أن يجيز له إزالة آلام الآخرين، والطواف في القرى؛ لذلك، ولا بأس أن يبدأ من (مرادا) التي تبدو في هذه الأثناء، وكأن الشمس تحضنها مع الجبل.
*******


رائحة اللحّم المحترق
ارتدت ملابس إضافية، وسارت بهدوء إلى الحمّام حاملة بيمينها عبوة بلاستيكية مملوءة بالكيروسين. جلست القرفصاء في إحدى زوايا الحمّام. تنهّدت. أغمضت عينيها، وهي تبحث عن القدّاحة في جيوبها. "تبّا لقد نسيت أن أحضرها. عليّ العودة إلى غرفة المعيشة، فالوغد لديه أكثر من واحدة مرمية عند سجائره. الكلب قال لي إنه سيترك التدخين عندما نتزوج. قالها أكثر من مرة، وأقسم على ذلك، ولكنه لم يوف بقسمه، مثلما لم يوف بوعوده. أيا من وعوده الكثيرة. وعود. مجرد وعود. كلها كانت كاذبة"، ونزلت من كلّ عين دمعة ساخنة رغما عنها.
نهضت بتثاقل غير راضية عن حظهّا حتى في محاولتها الانتحار، دخلت الغرفة. تناولت القداحة وسمعت بكاء طفلتها." أوه، يا طفلتي" أسرعت إليها بلهفة. انحنت، ومدّت يديها، ثم رفعت الطفلة إلى حضنها، وأخرجت ثديها وألقمتها الطفلة، وما أن التقطته حتى كفّت عن الصراخ. "يا عيني لقد هدّها الجوع، والحرّ، يا ترى من سيرضعك بعدي يا سيئة الحظ، يا أبنتي؟"ثم، أجهشت بالبكاء ثانية.
"فلتعيشِي مائة عام" وأرجعت الأم ابنتها إلى المهد، وقد شبعت، ونامت. "لو تعرفين ما أعانيه يا ابنة. إنه وقت حرج، ومفترق طرق، وقد اخترت الخلاص؛ للتخلص من وعود ابيك الكاذب. آه، لكم كانت أياما حلوّة، ومليئة بالأفراح والضحك. كان يضحكني كثيرا. يقول نكات مبتكرة، ويفعل أي شيء ليرضيني. يجلب الكثير من الهدايا، ويقطع الكثير من الوعود وكنت أصدقه. دائما كنت أصدقه. كنت أصدق أي شيء، وكلّ شيء يقوله، ربما لأنني بدأت أحبه أيضا".
ــ احبك، أكثر من أي شيء آخر.
ــ وأنا احبك!
ــ احبك، أكثر من كلّ شيء في الدنيا، وأوعدك أن أعمل على إسعادك ما حييت.
ــ أهم شيء أن نستقل بأنفسنا. تدري عائلتكم كبيرة، و.. .
ــ أوعدك ما أن نتزوج حتى يكون لنا بيتنا الخاص.
"خدعني. كان يلعب بعواطفي قبل الزواج، وبات يلهيني بعد الزواج. لم نستقل في بيت خاص بنا، بل في غرفة حقيرة في بيت أمه، وتحّول البيت إلى جحيم بالنسبة لي. غسل تل من الملابس المتسخة يوميا، وطبخ الكثير من الرز، واللحم، والمرق، وغسل تلال من المواعين، وتنظيف البيت ناهيك عن طلبات الباشا عندما يأتي. شاي. منفضة سجائر. قدح ماء. وجبة طعام خفيفة، ثم شاي ثانية، وإذا ما كلمته عمّا أعانيه، أو شكوت له يضحك قائلا:" لست جادّة، أليس كذلك"؟ وفوق هذا، وأصعب شيء عدم رضا حماتي عني، وتجهّم وجهها المستمر، وكأني أنا التي خطفت منها ابنها، ولم تكن علاقتي بأفضل حال مع الآخرين. تملئهم الأنانية، ويعاملونني كخادمة، وأنا هنا فقط، لألبي طلباتهم التي لا تنتهي".
عادت إلى الحمّام ثانية، وبيدها القداحة الغازيّة هذه المرّة، وهي تلوّح بها، وكأنها تهدّد أحد ما. اتخذت نفس هيئتها الأولى في نفس الزاوية. قرّبت عبوة الكاز الأبيض. "ماذا نسيت؟ هل نسيت شيئا؟ وهل أبدو بحاجة لتذّكر شيء ما. سأترك له جسما متفحما. مشوّها. غريب اللون. غريب الشكل. تفوح منه رائحة الاحتراق. سأثير اشمئزازه. لن يجرؤ على الاقتراب مني. سيتقيأ. سيصرخ. ليس لأنه فقدني إلى الأبد، بل لأنه سيفتقد جسمي البضّ المتناسق الشهي الذي طالما استمتع به، ولكن ليس بعد اليوم. إنه يعبده. يناجيه، ولكن لربع ساعة فقط، ثم يكفر به، ويشيح عنه، فليتذكر. إنه دوره ليتذكر التفاصيل. كلّ يوم، وكلّ ساعة. سأخدعته مثلما خدعني سأترك له البنت الصغيرة، وكلما يراها سيتذكرني، وسيعّض شفته، وأصبعه سيندم على كلّ شيء. سأجعله يندم ويدفع الثمن.
بهدوء لم تعهده في نفسها من قبل فتحت غطاء العبوه ورفعتها بكلتا يديها لتصب محتواها على جسمها. من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، ثم تناولت القداحة وقدحته وأغمضت عينيها، وقرّبته إلى صدرها، وكأنها تقول: "إنه قلبي الذي يوجعني" وبلمح البصر أنتشر اللهيب في جسمها، وأصبحت قطعة مشتعلة من النار. بقيت المرأة الشابة جالسة القرفصاء في زاويتها دون أن تنبس ببنت شفة إلى أن تحولت إلى ما يشبه تمثال من لحم محترق أسود، نتن الرائحة.
*******











الموعد الأخير
كان (سامي) لا يزال في الحمّام، ويغنيّ عندما أستعجلته أخته التي تصغره بسنتين.
ـ هيّا يا (سامي) أسرع. سوف تفوتنا الدبكة.
ـ حسنا، سأخرج الآن.
خرج وهو يصفر. نظر إلى ساعته، فوجدها تقارب الخامسة رفع رأسه، وهو يقول بأعلى صوته: "إنها الخامسة، لن يفوتنا شيء، وكان يقصد بذلك جميع أصدقائه، وأصدقاء أخته من المحلة الذين ينتظرونه في غرفة الضيوف.
لا شك إن سامي بحاجة إلى نصف ساعة أخرى، فعليه أن يصفـّف شعره الطويل، حتى تبرز قصّته التي تشبه قصّة أحد المطربين الشباب المشهورين، ثم يضع عليها مثبـّتا، وبعدها يختار كريما لوجنتيه، فيجب أن تلمعا عندما يبتسم ابتسامته العريضة، أو يضحك. لم لا فالمعجبات كثيرات، وما يعجبهن فيه هو شعره، وطريقة تسريحه، وعطره، وحتى كيفية لبسه لبنطلونه الكاوبوي وكراكيشه المعلقة في رقبته، وعلى بنطلونه من الخلف، ومن الأمام، ومن الجوانب، وعلى السيقان، وكأنه مَلك للبوب. وسامي يلقى التشجيع من الجميع على ما يفعله، ويلبسه، وهو إضافة لذلك أفضل من يدبك هنا، فعندما تلعب الموسيقى بأعصاب الجميع يقوم سامي بفرض أسلوبه الخاص، وذلك بالقيام ببعض الحركات التي تتداخل بترتيبية الدبكة الرتيبة فينتج عنها مزيجا يشعل الحفلة حماسا، والشباب يحاولون تقليده. فتتعالى الصرخات من هنا، وهناك، وتتزاحم البنات لترقصن، وتدبكن معه، ومن لم يحالفها الحظ بشبك أصابعها بأصابعه تنظر إليه بإعجاب مثلما فعلت فتاة ذلك قبل أسبوعين أسمها) دلفين) فسلبت نظراتها عقله، ولم يرتح له بال الا أن تعرّف عليها بعد الحفلة، ثم أصبحت صديقته المفضّلة، ولا عجب أن يسعى جميع الشباب لصداقته فهو طيب المعشر مرح يجيد الغناء، ويعزف على البزق، وأسرع من يقود السيارة، وبمقدوره أن يشرب زجاجة ويسكي كاملة دون أن يفقد ولو جزء من توازنه، وإذا ما طلبت منه أن يأتيك بطاسة ماء من قمة الجبل. لن يقول لك لا، وهذا ما يقوله عنه أبوه دائما، والأب بدوره لا يرد له طلبا، ففي الأسبوع الماضي وبناء على إلحاحه أخذ معه شيخ (حسين) ليخطب له تلك الفتاة التي تسكن الجانب الغربي من القرية، ولكنهم لم يعطوه إياها بحجة إنها لا تزال صغيرة، وهي في المدرسة، وألف حجة وحجة.
خرجت الشلّة من بيت (سامي) باتجاه الحفلة الدائره في العراء خارج الساتر الترابي للمجمّع، وكانت الموسيقى، وآهات المطرب (إسماعيل قيراني) تعانقان السماء. جرت في جسمه قشعريرة أشبه ما تكون بصعقة كهربائية متذكرا موعده الأخير مع صديقته المفضلة تلك التي رفضت أن تهرب معه منذ أسبوعين. "مجنونة، فمن ترفض الهروب معي"، فكلّف والده، بطريقة لم يسبق له أن فعلها من قبل ليدعو شيخ (حسين) لمرافقته ويذهبان لخطبتها، ولكن أبوها رفض أن يعطيه إياها. "مجنون، فمن يرفض أن يعطيني أبنته. المهم اليوم الساعة السادسة موعدنا سنهرب معا، وليفعل أهلها ما يشاؤون فهي تحبني، وتموت عليّ، وتفكر بي ليل ونهار. وكذلك أنا" وخاطبه أحد أفراد شلته الذي كان يمشي ملازما لأخته: "أسرع يا (سامي) فربما التقيت بصديقتك التي تسكن الجانب الغربي ".
ضحك الجميع من هذه القفشة، فردّ سامي قائلا: "أنا لا أفكر فيها، فلدي العديد من الصديقات كما تعلم".
وفي الحقيقة كان يفكر فيها كثيرا، ولا يستطيع أن يبعدها عن تفكيره أبدا، وينتظر موعده معها على أحرّ من الجمر.
وصلوا إلى مكان الحفلة. وتفرقوا، توجه سامي نحو منصّة العرس ليصافح العريس، والعروس، ويأخذوا بعض الصور التذكارية، ثم تركهم ليتجول في المكان خلف الدبكة لوحده لعلّه يجدها هنا بانتظاره، سأل أكثر من واحد من معارفها، فلم يعطوه جوابا يشفي غليله، خاب أمله مجددا بعد أن تجاوزت الساعة السادسة عصرا ببضع دقائق. كان قلقا جدا، وهنا لمحه (إسماعيل قيراني) فأرسل له تحية رفع (سامي) يده شاكرا أهتمامه، وبعدها أعطاه إشارة برأسه للمشاركة في الدبكة.
شارك (سامي) صديقه العريس دبكته وأرسل مطرب الحفلة باسمه تحية خاصة إلى العريس يهنئه بالزواج أخيرا من حبيبته وبدأ يرقص، ويهز أكتافه كما لم يفعل من قبل، وما هي الا دقائق حتى سمعوا صوت إطلاقات متتالية. ظنـّوا أول الأمر إنها من بيت العريس احتفاء بالمناسبة السعيدة، ولكن توالى على سمعهم رشقة أخرى مما يفهم منها إنها علامة بان أحدهم قد توفي. ترك بعضهم الحفلة، وبعد قدوم البعض الآخر تبين إنها فتاة من الجهة الغربية من القرية اسمها (دلفين) وقد صبّت على نفسها الكاز الأبيض كالعادة وأشعلت فيها النار.
تسللّ (سامي) من بين الجموع بهدوء، وذهب إلى البيت. توجّه إلى غرفة والده. تناول بندقيتة الكلاشينكوف. فتح القفل بإبهامه الأيمن، وأدخل طلقة إلى حجرتها بسحبه للأقسام ثم، وضع فوهتها في فمه، وضغط على الزناد بنفس أصبع الإبهام.
في الصباح التالي ظهر في بعض مواقع التواصل الاجتماعي خبر انتحار شاب وصبية من ضواحي (شنكال) وأرجعته لأسباب عديدة.
*******


الغريب
أوشك الفجر على الانبلاج، ولا يزال يقظا يفكر في خياراته اليومية، والتي لا تتعدى النهوض باكرا، وتناول فطور بارد على عجل، ثم التوجه إلى عمله اليومي الذي يهدّ الحيل، وما أن تنتهي ساعات دوامه حتى يكون النهار قد ولىّ ثانية، ويرى نفسه، وقد لفّه الظلام من جديد، وهذا حاله منذ شهرين. يخرج من شقته ليلا، ويعود إليها ليلا.
ظلّ يفكر ويفكر بالخيارات المتاحة أمامه في هذا الفجر المعجون كغيره بغيوم رمادية داكنة. الفجر، والصباح، والظهيرة، واليوم بطوله محروم مثله من دفء الشمس، ولونها الذهبي. فكرة واحدة ظلت تشغل حيزا كبيرا من تفكيره منذ أمس، تفرض سلطانها شيئا فشيئا، وتشعل نارا في تجويفات إرادته الجامدة.
أدار المرآة بإصبعه إلى الجانب المخصص للحلاقة الأنيقة. نظر إلى شكله. وجه الـ(...) الأنف أكبر من اللازم، والعيون تبدو ذابلة، ومتقوقعة في محاجرها، وهي ناشفة حتى من الدموع أما شعيرات الذقن فيمكنه عدّها واحدة واحدة قبل حلاقتها، والوجه بصورة عامة يبدو مصفرّا، ربما لأن نهاره لم يعد مختلفا عن ليله، ولا يرى سوى الثلوج، والعواصف الثلجية، والأمطار، والرياح المحملة بالأمطار، وفي أحسن الأحوال سماء ملبّدا بالغيوم الغامقة، والتي تضفي كآبة خرساء، وألوان باهتة على كلّ شيء.
منذ وصوله إلى ديار الغربة كان يبدو كئيبا بطريقة ما، ففي الساعات الأولى انتبه لغياب الشمس، وشعر كمن فقد شيئا عزيزا. يوم. أسبوع، وعطش روحه لها يزداد منذ هروبه منها، والمجيء إلى بلاد كتل الكونكريت، والخرسانة، والأسمنت، واللون الرمادي. دعا كثيرا؛ لكي تبزغ الشمس من جديد، ولكن عبثا، وكأنها مشغولة بإنشاد أحزانها خلف الغيوم الكثيفة.
منذ هروبه منها، كان في كل خطوة يبتعد عنها تحكمه رغبة حقيقية تواقة لجوع ذكرى الاستمتاع بها حتى في قيظ ظهيرة تموز، عندما كان الآخرون يهربون منها إلى الداخل.
ماذا لو أشرقت الشمس اليوم! أمنية تدعو للاحتفال، ولكن حتى لو أشرقت، أين سأذهب لألاقيها؟ وكيف؟ ربما هي تسطع يوميّا. بالتأكيد تشرق، ولكني لم أعد أراها فقد انطفأت في داخلي ربما لأني بت خاليا من الحبّ.
لكن هناك أكثر من طريقة لملاقاتها ثانية، لابد أن نلتقي في يوم ما. في الحقيقة توجد ألف طريقة، وطريقة، وسأختار أسهلها، وأوفرها. ليست سريعة، ولكنها فعّالة. كلّ ما أحتاجه هو حبلا. دائما هنالك حبال. أجل إنها متوفرة في كل مكان، أو يمكن صنعها من الشراشف، والبياضات، ويجب أن يكون قويا حتى لا ينقطع عند استعماله، ومن المهم عقد أحد طرفيه بقوة في السقف بطريقة ما في الحمام، أجل، الحمام سيفي بالغرض، وسيتسنى لي رؤية جسدي، وهو يعاني للمرة الأخيرة، ستخرج روحي ببطء، وصعوبة. أوّل الأمر سأسمع حشرجتها وهي تحاول اجتياز الحنجرة نحو الأنف. ستخلص نفسها، وما أن تنطلق لن تقف الا وهي تحضن الشمس طويلا. ستحضن غاليتي، حتى تذوب شيئا، فشيئا، ثم ستعود لترافق الجسد لمثواه الأخير ستسخر منه، وستحوم حول الأماكن التي أحبها، ثم ستصعد إلى الشمس ثانية، وللأبد.
بعد أن جهز كلّ شيء، كتب ملاحظة على المرآة يقول فيها: "لا تحاولوا إعادة روحي إلى جسدي، فقد سمحت لها بالذهاب لملاقاة حبها القديم فوق السحاب. التوقيع مهاجر غريب.
*******





















الحلّ
وجدتُ الحلّ! إنه هنا في رأسي، والحق أقول لكم كان هنا منذ البداية. عقلي الذي أهملته كان هنا دائما، والآم أنوي استخدامه للمرة الأخيرة وأنهي المسألة كلها، وستفهموني شيئا فشيئا. ستقلدونني وتمجدونني في السرّ أو العلن، وسترون كم هو مبهج ومدهش التعامل مع العقل، ففيه راحة لا توصف فهو الذي ينهي وقت التمثيل ويحدد ساعة الصفر.
ستفهموني حقا؛ لأنني عوّلت على الحظ كثيرا وخذلني الحظ كثيرا، ففقدت الإحساس بالوقت وقيل لي بأنني محظوظ لأنني ولدت سليم الجسم، ووالدي كثير الحظ لأنني ذكر ووالدتي فرحة جدا بولادتي حاملا معي حواسي الخمسة، ونزولا لرغبتها زيّن المنزل بالهلاهل والورد والجكليت.
والحظ يجزل في عطاءه، فدونك يا صبي الضحك واللعب والألعاب والملابس الجديدة والكتب الملوّنة، وها هو أوّل يوم لي في المدرسة، ومدلل أنا، تلميذ أنا وحظي من السماء، وكسلان وجحش يقول المعلم، ولم أجتاز الأبتدائية، ولن أجتازها يوما، فلي رأس عفن وقد حان وقت رميه. هكذا قال المدير متهكما يوم طردي نهائيا، وشعرت بنشوة غريبة، وعندما يدور الحديث عنّي في البيت وحدها أمّي تدافع عنّي قائلة: " يمّة الولد ما عنده حظّ"، وأنا أوّل واحد صدقتها، ويصدقها البقية على مضض.
وما علينا اسم الله أحسن، وأركل الكرة، وأنطحها. أنا الأقوى، وأنا الأسرع، والأكثر مراوغة؛ لأذلال الخصم، أنا قلب الهجوم أحرز الأهداف ومَن يعتمد عليه في لعبنا خارج المحلة.
كبرت مع الكرة والكرة لا تكبر ولا تشيخ، وفي مبارة مهمّة وثأرية اتسمت بعنف مفرط ـ ويا لحظي العاثر ـ كسرت ساقي، وغادرت الملعب.
ليست المّرة الأولى التي تزورنا فيه، ولا العاشرة، وفي مختلف المناسبات، ولكنها أثارت اهتمامي هذا اليوم فقط بأحاسيسها الدافقة وهي تمدّ يدها وتقول سلامات. كان معصمها مطوق بسوار جميل، وكفّها أنعم من الحرير، والأصابع دقيقة. موقف جميل يتخلله شعور لم أعهده من قبل. ربما شجعني على اتخاذ هذه المشاعر تعاطفها الروحي مع حالتي الصحية، فكان كل شيء فيها يشَدُ نظري. كنت مأخوذا بها، وبحركة مقصودة أحسَّت بأهتمامي بها، فابتسمت إبتسامة خفيفة كشفت عن خيط أبيض براق من الأسنان، وأمتلأ وجهها بحمرة الخجل. كنت فرحا بنــشوة الحب المفاجئة للحظة؛ بسبب استجابتها الفورية، وفي المرة القادمة سيكون هناك الكثير من الكلام.
ـ إنها ابنة عمّه، فما الضير في أن يزوجوه إياها. تقول أمّي، ويرد عليها أبي دائما بقوله: " يا إمرأه الزواج قسمة ونصيب، أو كما تقولين بنفسك حظ!".
وقالوا التدخين يكبح جماح المشاعر الجيّاشة، ويساعد الولهان، فأصبحت السيجارة مؤنستي في ليالي الوحدة الطويلة، ولم تعد تفارقني، وقالوا الخمرة جزء من العشق، فبت أشـرب حتى الثمالة، وفي ظهيرة أحد الأيام كدت أختنق فقصدت ســـطح الدار باحثا عن نســـــمة هواء، ودون وعي أردت بلوغ الحافة ووصلت إلى نقطة حرجة خانني فيها توازن جسمي، و..آآآآ.. آه هويت من سطح الدار.
لا أزال حيَا، لماذا لا أزال حيَا؟ لا، لست حيَا، فجزء مني يموت كلّ يوم، كلّ يوم أحفر قبرا جديدا؛ أدفن فيه بعضا مني، وهكذا بدأ ماراثون الدفن. بعضي يدفن بعضي، وامتدَ الصراع. صراع الجسد الحيَ مع الميت، إلى صراع بين الروح، وبين الجسد الحيَ الميت، وبدت ســــيطرة الروح جلية، ولكنها نصف ميتة، ولا أرضى بنصف موت كما لا أرضى بنصف حياة، فالجسم الذي أصيب بشلل رباعي أخذ يتضاءل، وينكمش، ولم يعد يسـتجيب للعلاج. ولي الحق في إطفاءه كما أطفئ سيجارتي، إنها حياتي، وقد عشتها كما رغبت، وســأنهيها كما أرغب. طلقة واحدة وينتهي كلّ شيء! ألم أقل لكم بأن العقل ينتصر في النهاية وها هو يأمرني بتسديد طلقة إلى عضو حساس من جسمي وينتهي كلّ شيء، ولكنني بحاجة لمن يناولني البندقية بل بحاجة لمن يضغط على الزناد، فأنا مشلول، وأنني بالتأكيد قليل الحظ.
*******











تناسخ
هيّا يا صديقي (سينو) قرص الشمس الذهّبي على وشك الزوال، وروح ذلك الشاب المسكين قلقة الآن، كما أرجو أن يكون العزيز (دينو) قد سبقنا كعادته.
نعم صديقي العزيز (زرو) الشمس غاربة لا محالة، وسمحت لنفسي بتأملها قبل الأفول، ولكن قلّ لي لماذا أسمع نبرة تعاطف في صوتك؟ أليس من واجبنا أن نكون نحن الثلاثة حياديين في حكمنا على الأمور؟ كذلك أراك في عجلة للقاء ذلك الشاب. ما الأمر يا أعزّ صديق؟ ثم فردا جناحيهما، وطارا بهدوء صوب المقبرة، و (زرو) يردّد: "يا للروح المسكينة. يا للروح المسكينة.
رفعت نظري وحدقت إلى أعلى. ظلام، ولا أرى شيئا غير الظلام الدامس. هل هذا حلم؟ أنا لا احلم أبدا؛ فمن شدّة تعبي في النهار أنام كالطفل في الليل، أم إنني أصبت بالعمى، فأنا لا أرى إطلاقا. ربمّا عليّ أن أتذكر شيئا، فلم ينتزعوا ذاكرتي بعد. نعم، أذكر جيدا إنني مت صباح هذا اليوم، وهذا، يا إلهي هذا قبري. مددت يدي، لم أشعر بشيء، وكذلك لم أشعر بيدي. فزعت. حاولت أن أمدد قدمي أكثر، لكنني كنت أخشى أن أصطدم بشيء ما، ربما بجدار القبر، أو بشيء لزج، ثم أنتبهت إلى ضجّة خفيفة، وسرعان ما رفعت عيني، وهممت ناهضا، وإذا بيّ أرتفع، وكأن أحدهم يسحبني بقوّة، ولطف في نفس الوقت تاركا ورائي جسد عاشرته سنين طويلة، وعلى السطح. سطح القبر أبصرت ثانية، أبصرت نور الشمس، وهي تحاول الغروب، وشيخ واقف على قبري، وهو يقول:
ـ يمكنك التمتع بمنظر الغروب ريثما يحضر العزيزان (سينو) و (زرو) ثم سنتجاذب أطراف الحديث طوال الليل.
ـ لطالما فضّلت الشروق، ولكن قل لي أيها الشيخ الجليل من تكون أنت؟
ـ أنا (دينو) صديق (سينو) و (زرو) وسنقرر نحن الثلاثة مجتمعين كيفية إرسالك إلى الحياة ثانية.
ـ كيف؟
ـ بالتناسخ!
ـ مما يعني ...
ــ لا تقلق ستولد من جديد.
ــ وروحي؟
ــ أنت الروح، ها هما صديقاي العزيزين قد حضرا، يا مرحبا يا مرحبا. تعالا أيها العزيزان. أقتربا، واغفرا لي قدومي المبكر قليلا.
فأجابه زرو: لا عليك، ثم أردف قائلا يبدو إن للخلود ضعفه أيضا.
ـ (دينو) وأنت يا (زرو) أيها العزيزان جدا اطلبا المزيد من المعرفة لتحظيا بالمزيد من السعادة، والآن هيّا إلى العمل.
ـ دينو: العمل نابع من الواجب، والواجب جزء من المعرفة، وهذه ليست فكرة جديدة، ولكن أريد أن يسمعها هذا الذي تعذّب في حياته بسببه، فلم نعطه يوما ما عملا يوازي المعرفة، فظلّ ملتاعا سنين عمره يستجدي العمل بلا طائل؛ لذا اقترح أن نجعله القيّم على خزائن معبد (أيزيديا) في (بورسيبا) هذه المرّة.
ـ زرو: وأن يكون من المقرّبين من الملك المعّظم (حمّو) خادم الإله نابو.
ـ سينو: أوافقكما الرأي، وكذلك، وكما تعلمان لم يدرك الغبطة يوما ما؛ لذا سنزّوجه ابنة الكاهن الأعظم لمعبد (أيزيديا).
ـ زرو: ولنجعل من حياته معنى.
ـ سينو: نعم، لتنجب له زوجته العديد من الأبناء.
ـ دينو: ولنسعده في تدبير وتحصيل العلم.
ـ زرو: نعم، العلم فقط، فالأشياء المباشرة، والمطلقة هي لحيوات أخرى.
ـ دينو: هل تقصد حكمة الفلسفة، وفلسفة الحكمة، ولكن هذا تجديف وهرطقة.
ـ سينو: إنما الفلسفة نابعة من الفكر، ومصدر الفكر نبع صافي.
ـ دينو: والآن أشعر بقدوم برودة الفجر، ولا شيء مهم لم نذكره من الحياة التعسة لهذا المسكين. حان له أن يشاركنا ببعض من كلامه.
الثلاثة معا: أيها الإنسي، سمعت حكمتنا فهل أنت على استعداد لتكرار التجربة؟
فأجبتهم قائلا: أخيرا سمحتم لي بالكلام، وكما تعلمون لست فخورا بحياتي السابقة المليئة بالآلام، والعذاب، ولكنني كنت صبورا.
الثلاثة معا: نعم، لصبرك اصطفيناك، فأنت مؤمن، وستكافئ هذه المرّة.
وتكلمت ثانية قائلا: "تحليّت بالصبر بسبب حكمتي التي سرقتها منكم، وعملت بها لاجتياز ذلك الجحيم. كنت أردّد كلّ يوم حكمتي على نفسي، كنت أرددها كلّ ساعة، ومع ضربة السوط الذي يلهب ظهري. مع حمل كلّ حجر وطابوقة رفعتها، قلت هذه فقط البداية، هذه اللحظة القاسية هي البداية، هذه الساعة التعسة هي البداية، وهكذا كنت أقول ذلك كل يوم، وكل عام، وهذا الصباح قلتها لآخر مرة. قلت هذا العمر، وهذه الحياة الفانية ما هي إلا البداية، ولن أعود لتلك التفاهة بإرادتي أيها السادة. لن ابدأ من جديد.
ـ أصوات من المقبرة: إرادتك. إرادتك. إنها إرادتك.
ترك الثلاثة الروح تذهب في حال سبيلها إلى اللانهاية، وكلّ واحد أخذ ينبّه الآخر بأن أجنحته بدأت تذوب، وتتساقط حتى تلاشت وتلاشوا معها نهائيا ببزوغ الفجر الجديد، وشروق الحقيقة.
*******


















الإعلان عن وظيفة شاغرة
قبل عام مضى قرأت في إحدى الجرائد اليومية الإعلان التالي:
تعلن مجّلة (أدب الشباب) الأسبوعية عن حاجتها إلى أديب، ويفضّل أن يكون كاتبا للقصص القصيرة. وكتبت ملاحظة في أسفل الأعلان تقول: المقابلة في استعلامات المجلة.
وباعتباري قاصّ يشار له بالبنان كما يقال، وخالي الجيوب كمعظم الأدباء. قررت أن أقصد مكتب رئيس التحرير مباشرة، فالكلّ يعرفني في المجلة، وخاصّة السّيد رئيس التحرير، فقد رفدته بالكثير من القصص الجيدة في الأيام الخوالي من أجل رفع مكانة المجلة بين المطبوعات الأخرى، وكانت أحوالهم المادية قلقة في تلك الأيام، فكنت أرضى بدراهم معدودة للقصة الواحدة، وبعدها ساءت أحوال المجّلة، وخاصة أيام الحرب، فلم يعد ينشر فيها أحد، وأسبوع بعد آخر كان عدد قرّاءها يتناقص حتى أصبحت في وضع لا تحسد عليه، والآن وقد أعلنت عن حاجتها إلى مستشار أدبي بدوام كامل فلابد إن وضعها المالي قد تغيّر، وهذا ما سأكتشفه؛ لأني بحاجة لهذه الوظيفة في الوقت الحاضر.
دخلت إلى مكتب رئيس التحرير وإذا بوجوه مألوفة قدموا يتنافسون على الوظيفة. وبعد السلام جلست مثلهم انتظر ثم تساءلت: "أين السيد الرئيس" فأجاب أحدهم ضاحكا: "حتى أنت يا بروتس".
وتعالت ضحكات هستيرية وكأنها علامة رافضة لواقع مفروض. لم يدم انتظارنا. اطلّ رئيس التحرير بابتسامة عريضة، وطلب من الجميع ترك ما يحملونه من قصص قصيرة على المنضدة، وقال: "إن اسم الفائز سيعلن بعد أسبوع، وطبعا الفائز هو الذي سيشغل منصب (المستشار الأدبي) للمجلة بحلتهّا الجديدة، والراتب سيكون مجزيا، ثم خرجوا الواحد بعد الآخر، وكلّ واحد يضع ما بحوزته من كتابات، وهو يأمل أن تكون الوظيفة من نصيبه إلا أنا. بقيت جالسا، وكليّ يقين بأنني لن احصل على هذه الفرصة أيضا. تأملني الرجل لدقائق ثم أردف قائلا: أعرف مدى حاجتك للعمل يا أستاذ وإكراما لأيام زمان سأحاول توصية اللجنة من أجلك.
ـ شكرا، شكرا أستاذ، وسأكون عند حسن ظنك، فلديّ الكثير من القصص، والنصوص في البيت سأرسلها لاحقا، أو سأجلبها بنفسي بل حتى بمقدوري أن اكتب الآن ففي ذهني بضعة قصص قصيرة جدا مثل:
(الانفجار)
سمع صوت الانفجار. تشّظت أحلامه، فعاش بقيّة عمره معاقا بدون أحلام. أو مثلا:

(استراحة المحارب)
تعب المحارب من إطلاق النار على الهواء، وفي الهواء، فأخذ يغيضه بتنفسه إياه. أو مثل هذه التي تقول:


(اللقاء الأخير)
سمع الجاسوس الحوار التالي بين الروح والجسد: دعنا نفترق لنلتقي ثانية.
ـ ها، ما رأيك أستاذ؟
ـ ممتاز كالعادة يا أستاذ اطمئن، اطمئن. المنصب سيكون من نصيبك فقط أرسل بعضا من قصصك. أنت تعلم من أجل لجنة التعيين.
رجعت إلى البيت، والأمل يراودني في العمل للمجلة، واستلام راتب نهاية كلّ شهر. إيه، أيها العجوز إنها العودة من جديد العودة للحياة.
مضى أسبوع، والثاني، ولا أثر لأي إعلان من المجلة، وفي الأسبوع الثالث قرأت في المجلة أكثر من قصّة لي، وللأدباء الذين التقيت بهم في مكتب رئيس تحريرها، وإعلان ملحق يقول: "ليطمئن القارئ العزيز، فلدينا خزين لا بأس به من القصص القصيرة، والقصص القصيرة جدا، وكان كلّ هذا منذ سنة تقريبا، والقصص على وشك النفاد. يا ترى ما هي لعبة رئيس التحرير الجديدة، هذه السنة؟
*******









آخر نكتة
همس (دلدار) في أذن شقيقه الأصغر: "سأنتقم!" ثم أعتدل في جلسته ثانية دون أن يتأكد من إنه قد سمعه جيدا بسبب الدماء التي كانت لا تزال تسيل من أذنيه نتيجة التعذيب، فقد كان دوره في الاستنطاق. كلّ واحد، ودوره، يسحبونه إلى غرفة التحقيق سحبا ليس لممانعتهم مرافقة الحرّاس؛ بل لعدم قدرتهم على المشي، فقد أثرّت الضربات المتتالية بالأسلاك المعدنية على باطن أقدامهم، ولم يعد بمقدورهم حتى الوقوف.
كان للنقيب) محمد) وهو آمر السرية الجديد طريقة تختلف عن الضبّاط الذين سبقوه في الخدمة على الراقم (1285) المطل على مدينة) دهوك) كانت أوامره صريحة بإلقاء القبض على جميع المدنيّين الذين يتسّلقون الجبل، وكان أحيانا يستكشف الشارع العام بواسطة الناظور بنفسه، وإذا لمح شخصا ما استدعاه لمجرد المزاح، وما أن يمثل أمامه حتى تتغير أسارير وجهه، ويأمر بتعذيبه، وغالبا يذيقه أسوأ أنواع الضرب، والتنكيل، ذلك بإنزال الضربات المتلاحقة على أعضاءه الحساسة للحصول على معلومات، ولو تافهة، فربما شفعت له بعض هذه المعلومات بإرجاع هيبته، ومكانته في الفوج لأنه نفسه قد نقل نتيجة عقوبة إدارية، وكانت تعليمات آمر الفوج المباشرة إليه تقتضي بأن يثبت جدارته في موقعه الجديد وإلا العقوبة ستكون أشد مستقبلا، فجن جنونه، وكان دائم التوتر، ويثور لأتفه الأسباب، ولسوء حظّ (دلدار) وشقيقه كانا على الشارع العام ينتظران سيارة لتقلهما إلى مكان سرّي لعقد اجتماع مهم لمناقشة الأوضاع الراهنة في المنطقة فألقي القبض عليهما رغم إنهما خارج حدود سلطة السرية، وكانا أوّل من أودعا السجن في ذلك اليوم، وتبعهما غيرهم من عاثري الحظ، وكلّ يوم كان عدد الموقوفين يزداد إلى أن ضاق بهم السجن.
التفت أخو (دلدار) إليه قائلا:
"كيف؟" أجابه الأخير:
"ستعرف، ستعرف من تلقاء نفسك". وساد الصمت ثانية، فهو يثق بأخيه تماما، يثق بعقله وبقدراته دائما، إنه قدوته، وهو الذي شجعه للانضمام إلى صفوف المعارضة سرّا، وإضافة إلى هذا كله، أليس هو مسؤوله المباشر، وكم هي عدد العمليات التي قاما بها ضد الجيش معا؟ ولكن هذه المرّة ويا لسخرية القدر كانا ذاهبين في مهمة أخرى غير مسلحين، ووقعا في كمين عسكري. على الأقل هذا ما كان يظنه (دلدار). كمين غادر، وأسلوب قذر لانتزاع المعلومات منه؛ لذا فكر بطريقة جريئة يخّلص بها شقيقه من براثن الضابط دون أن يعطيه أية معلومات، ثم الأنتقام منه جرّاء سلوكه القذر مع الجميع.
شعر (دلدار) بقشعريرة تسري في جسده. لم يكن خائفا، فقد تحمّل في حياته الكثير من الآلام، والتعب، والمشاق، وواجه العديد من الأعداء من بشر وحيوانات. ولكنه لم يفكر يوما بتعذيب أحد كان يحتج على التعذيب؛ لأن الإنسان عند التعذيب يبدو في حالة مؤسفة، وتجرح كرامته؛ لما يلاقيه من سباب، وشتائم، ويرجو، ويتوسل. وهذا غير لائق، وفكّر في نفسه كرجل، فمن الأفضل لو يعدم رميا بالرصاص على أن يبدو ضعيفا أمام شقيقه الأصغر.
جاء دوره، وجيء به إلى الغرفة المخصصة للتحقيق، والتعذيب، وكان ينتظره الضابط على أحّر من الجمر، وبيده سلك معدني، ولكن (دلدار) بادر أولا، وأومأ إلى النقيب انه يريد أن يقول له شيئا، وطلب مترجما.
ـ يا سيدي، أنا لا أخاف الموت؛ لأنني لن أموت على يد إنسان، وسّري إنني أعرف تعويذة عندما أقرأها ثلاث مرات متتالية لا يخترق جسدي الرصاص.
سأله الضابط بلهفة:
ـ وما هي هذه التعويذة؟ فأجابه (دلدار):
ـ سأقايضك إياها بشقيقي. تترك أخي يذهب في حال سبيله وأعلمّك سرّها.
صمت النقيب (محمد) لبرهة غير مصدقا ما يجري ثم همس في إذن دلدار قائلا:
ـ لا أصدق ما تقوله، فليس ثمة تعويذة مثل هذه في الدنيا. فأعقب (دلدار) على كلامه بكل ثقة وهو يقول:
ـ أقول لك وجدتها في كتاب قديم لأحد المنجّمين، وقد جرّبتها بنفسي أكثر من مرّة، فكان مفعولها ناجحا جدا.
ـ وكيف لي أن أتأكد إن التعويذة سارية المفعول!
ـ الأمر سهل، سوف أجرّبها ثانية على نفسي، وأطلق أنت النار علىّ إن شئت، ولتكن عشر طلقات متتالية، أو مخزن كامل إن شئت.
ـ حسنا، ستنال ما طلبته، والآن أتلو عليّ كلمات التعويذة؛ لأدّونها أولا، ثم سنخرج لتجربتها عليك، وسيكون ذلك بمرأى من الضّباط والجنود، وإياك خدّاعي، فسيكلفك ذلك حياتك.
أخذ دلدار يردّد الكلمات التالية على مسمع الضابط مبتسما: (قس مس سرقس مسا قرس (.
في الجهة الخلفية من المعسكر الصغير. حلقات من ذوي الملابس الكاكية ينظرون بشغف إلى السجين، وكيف سترتّد الطلقات عن جسمه. تطّلع النقيب إلى وجوه ضبّاطه، وجنوده وبيده بندقية آلية ينتظر إشارة (دلدار) وما أن رفع يده حتى ضغط النقيب بسّبابته اليمنى على الزناد، واستقرت بضعة رصاصات في صدره دفعة واحدة، وإذا به يسقط. ساد صمت عميق، وبدأوا يفهمون الأمر شيئا فشيئا، فمسألة التعويذة لم تكن سوى خدعة، ولا توجد في تلك الكلمات أية مقدرة سحرية، أو سرّ من الأسرار، وهي بالتالي مجموعة من الألفاظ الجوفاء التي لا معنى لها، وهذا الرجل قد سخر من النقيب. استطاع أن يخلص شقيقه، ويجتاز التعذيب. أخذ الجنود يقهقهون عاليا، والضباط الصغار يهزّون برؤوسهم بينما النقيب محمد بقيَ مطأطئ الرأس، وهو على يقين بأنه قد أصبح آخر نكتة في الجيش كله.
*******

















الظّل
أعتبر إن مكاسبي الثقافية الضئيلة من تلك الصداقة هي خير ما حصل لي في عطلة الصـّيف الماضي، إضافة إلى الرغبة الملحّة في أن أصبح ثالثهما، وبصورة عامة كانت أموري على ما يرام. كنت أدرس، وأعمل معا، تعارفنا في (حديقة الشهداء) والحديقة متوسطة الحجم تقع في وسـط المدينة تقريبا، وفي أيام الدراسة أقضي فيها معظم وقتي. أقرأ فروضي، وأرتاح حتى إنني آخذ غفوة أحيانا، وأتناول وجبة سريعة قبل التوجه للمدرسة المسائية التي أدرس فيها.
كانا دائما يحملان بعض الكتب، أو المجلات الثقافية، ويدعيّان المعرفة في كلّ شيء، وبعد أن توطدت علاقتنا من خلال اللقاءات اليومية في الحديقة، وكنوع من التغيّر اتفقنا على التسكع هنا وهناك في أماكن مختلفة من المدينة، الأماكن التاريخية الخالية من المارة. نســتمتع بوقتنا حينا، ونتظاهر بالاستمتاع أحيانا، وعندما يهّدنا التعب نسـتقل إحدى باصّات مصلحة نقل الركاب دون التفكير في النزول بأية محطة، وكانت هذه بمثابة استراحة لي أتفرج على المارّة، والأســـواق. أما هما فغالبا ما كان يحتدم النقاش بينهما على أمر كنت أعتبره غير مجديا أول الأمر بل تافها في معظم الأحيان، فماذا يهم من أمر أبن خلدون إذا كان قد ولد في غير زمانه، ولماذا أهتم بتلميذه علي الوردي المشحوذ اللسان، والى آخره من تلك الاهتمامات، والتفاصيل الصغيرة جدا، حيث بإمكانهما قضاء شهر يبحثان في المكتبات، ويقلبان الكتب ليثبتا وجهة نظر ليس إلا، أما أنا فكنت قبل أن التقي بهم، أنام الظهيرة، وادخل دار سينما أيام الخميس، ونادرا أقتني كتابا، أو مجلة، لا أدخن، ولا أعاقر الخمرة، وكلّ ما يهمني دراستي، وعملي الصغير بدوام جزئي في معمل أهلي للنسيج، يدر عليّ بعض المال يكفي مطالبي المتواضــعة بل يـزيد، وهذه الزيادة كنت اصرفها بحبّ على صديقيّ الجـديدين، ثم لاحظت إنهـما يتوقعان مني المزيد دون أن يقولا ذلك بصـــــراحة، فلم أبالي، وتجنبّت الدخول معهما في نقاش حسّـاس من هذا النوع بل تعمّدت تأجيل ذلك، فهما عاطلان عن العمل كأغلبية الناس، ولكنهما يأملان في وظيفة حكومية؛ لأنهما من أصحاب الشهادات، وكنت أسـتغل فترة العطلة لأتعلم منهما. أعلم إن رفقتهما مؤقتة، وسيتخليان عني في أقرب فرصة، وهما يسـخران مني، ومن ضآلة ثقافتي العامة، ولكن لا حيلة بأيديهما أيضا، فطالما الأوراق الخضراء تحافظ على دفئها في جيبي سـأرافقهما في جولاتهما المعتادة كارتياد المكتبات العامة، وحضور بروفات بعض المسـرحيات بطريقة أو بأخرى، وبذلك نكون قد وفرنا ثمن التذكرة فلا نضطر لمشـاهدتها عندما تعرض فعلا، وكان لهما أسلوب غريب في الدخول للسـينما، وكنت أجاريهما عندما نكون سوية حيث كنا نكتفي بالتفرج على الصور الفوتوغرافية للفلم، وقراءة البوسترات والإعلانات، والشيء الوحيد الذي يكّلفنا بعض النقود فعّلا هو الطعام، وفي الغالب طعام الغداء، أما العشاء فكانا يدّعيان أن لا وجود لشيء اسمه العشاء، فهو من إختراع الأغنياء، وذوي الكروش الكبيرة، وكانا كعادتهما لا يترددان في استخدام القياس في جدلهما فيأتيان بمقدمة منطقية، ويستنتجان منها النتيجة التي يرغبان فيها، وهذه المرة ذكرا: بما إن المرء، وفي كلّ الأحوال بحاجة للفطور في اليوم التالي، فلا داعي للعشاء ليلا! ناهيك عن سردهما لفوائد المعدة الخالية في الليل، وعند النوم.
بمرور الأيام اكتشفت سرّ من أسرار شخصيتيهما، حيث كانا يجدان متعة في تعليم، وتثقيف الآخرين، ولا يدّخران جهدا في سبيل ذلك، وربما كان هذا سببا مباشرا في رغبتهما العمل في أحد حقول التدريس، وكلمّا سنحت الفرصة كانا يتناوبان في شرح موضوع نختاره بعناية، وكنت أناقش بأسلوب الطالب المجدّ فأعطيهما بذلك لذة يستحقانها، واحصل بالمقابل على فائدة علمية، أو أدبية ما كنت أحلم بها، ففهمت منهما نظرية فرويد في التحليل النفسي، وتعرّفت على آثار بعض من تلامذته المجتهدين أمثال: الفرد أدلر، والدكتور ألكسندر، وغيرهما، ومن الفلاسفة نيتشه، وهكذا كان الأمر مع العلماء والشعراء والمطربات حتى وصل الأمر الطغاة وأكثرهم قسوة.
وأعدّنا سوّية قراءة القصص المحذوفة، والممنوعة من ألف ليلة وليلة، وتعرّفت على عدد كبير من العقائد الشرقية، والغربية. وأطلعت على الكثير من الأمثال الشعبية السائدة، والتي يستخدمها الكتاب في كتاباتهم، ويستشهدون بها.
كانت العطلة الصيفية تقترب من نهايتها، وصديقاي يقفزان من الفرح؛ فقد صدر أمر بتعيينهما في الريف. سررت لفرحهما الطفولي، ولكن في داخلي كنت أفضّل بقاءهما هنا؛ لأتعلم منهما أكثر، وأكثر، وذات يوم رافقتهما إلى محطة القطار؛ لأودّعهما، وأنا أعلم بأنني لا يمكن أن أكون ثالثهما أو ظلهما ـ كما كانا يطلقان عليّ ـ بعد اليوم، وقلت لهما مازحا:"أتعلمان أننا لم نأت إلى هنا يوما للتسكع".
الآن، وعندما يزورانني في عطلات نهاية الأسبوع في (حديقة الشهداء) يجدان معي دائما بعض الكتب، أو المجلات الثقافية وزجاجة خمر.
*******


نهاية العالم
كان النهار قد طلع حارّا جدا، بينما يحاول الصّياد الوصول جاهدا إلى معدل صيده اليومي؛ ليغادر المكان قبل أن تشّتد الحرارة أكثر، فالأهوار تصبح قطعة من الجحيم في الصيّف، وتحتاج لتولد فيها، وتترعرع؛ لكي تتعرّف على ألوان عذابها من حرّ، وبعوض ورطوبة، وتتحمّلها دون شكوى. مضت أكثر من ساعة، ويبدو إن الصيد ليس وفيرا اليوم، وهذا يعني قضاء وقت أضافي تحت رحمة الحرارة، والتي تبدو هي سـّيدة الأشياء هنا.
كلّ شيء حارّ ويغلي، وعدم النوم لليالي بسبب الرطوبة الخانقة مع تزامن هجوم أسراب البعوض يدفع المرء للجنون، ومهما كانت نوعية الثياب التي ترتديها فهي لن تحول بينك، وبين لسعاتها المزعجة، وإذا ما هبَّ شيء من الهواء فهو لاسع أكثر من البعوض نفسه، وهنا يعدم الفرق بين الليل، والنهار حيث يسترخي الجسد، وتثقل الجفون شرط وجود نســمة خجولة تأخذك إلى عالم من اللذة، ومثل تلك الدقائق نادرة في عالم الأهوار، ويجب اصطيادها كما السمك. هذا ما دار في خُلد الصياد الأسمر أيضا، دقائق ليرتاح فيها. دقائق بدت، وكأنها لن تأتي أبدا، فهو يتمّنى الآن لفحة، ولو ساخنة لينام قليلا، فما ضرر إراحة جسده النحيل، ما دام السمك لن يهرب، ولكن أنىّ له ذلك، والشمس أصبحت شبه شاقولية، وتبدو وكأنها تحفر في الرأس، وتشعل الرغبة في النوم، وتحيلها رمادا. جذف الصياد مشحوفه ببطء إلى مكان آخر قد يحالفه الحظ فيه، ويصيد ما يكفي ليبدأ رحلته اليومية الثانية من بيع لتلك الأسماك.
بدأ يشعر بدوخة، وأصبح، وكأنه يتنفس لهيبا، ولم يعد يشعر بلزوجة في جســمه. بدا له الأمر غريبا فغر فاه، فهو على وشك أن يغمى عليه. تحسس جبهته. حرارة هائلة دون وجود أثر لعرق أو لزوجة. استمرت الدوخة، وبدا له الماء الساكن كدّوامة سيغوص فيها. أصابه شعور بالغثيان. ورغبة في التقيؤ. أراد التحرك. رفع يده كمن يطلب النجدة، ولكن عبثا يحاول. خارت قواه، وكلّ شيء أصبح ضبابيا، ولم يعد بوسعه شيء إلا الاستسلام، والانتظار، وبدا له الأمر، وكأنه دهر حتى أحسّ أخيرا بشيء من البرودة تسري في عروقه، ولكن دون شعور بالنشوة كما العادة.
نظر حواليه بعيون شبه مغلقة، وإذا بكلّ شيء قد تحول إلى جليد. طبقة من الجليد على مدّ البصر. أخذ يردد مع نفسه: "ثلج. برد ..سأنام أخيرا ."
أغمض عينيه وإبتسامة خفية على وجهه دون حراك.
*******

الهروب
في الصيّف، وقبل انتصاف النهار يدخل جميع مَن في القرية الى منازلهم هربا من أشعة الشمس الحارقة. يهجعون في أكواخهم الطينية. حتىّ الدجاج يتجمّع في ظلّ الأكواخ، ويتمرغ في التراب فاتحة مناقيرها، وراخية أجنحتها، ومستسلمة للحرّ، فالقرية تبدو وكأنها ستشتعل لا محالة. الجميع في الداخل مسترخين ويتنفسون بعمق. ألا نحن الثلاثة كنا نتسلل من بيوتنا يوميا، ونلتقي عند شجرة التوت الضخمة قرب بئر الماء الوحيد في قريتنا، وعادة، وما أن أهمّ بالخروج حتى توقفني والدتي بصوتها العالي غير مبالية بالمضطجعين من حولها: "ها مهبول إلى أين"؟ وأطأطئ رأسي في الحال، وكأنني لص، وقد مسك بتلابيبي، ثم تأمرني برش المزيد من الماء على أرضية الغرفة، وأفعل ذلك حتى تستحيل إلى بركة ينقصها بعض الضفادع لتقفز فيها، وتنقنق، ثم تأمرني بأن أهفهف بالشال على والدي، ثم عليها، وشال أبي هو مروحتنا اليدوية. نطوي الشال على عصا طويلة ونمسكه من الوسط، ثم نحركه ذات اليمين، واليسار؛ فيوّلد هواء منعشا، ولكن متعتهم لا تدوم؛ لأنني أتعب بسرعة، وأكثر الأحيان أدّعي ذلك: "تعبت يا ماما" فتقول لي أذهب عسى أن تتساقط أصابع قدميك من الحرّ، واقفز من الغرفة، وكأني أنا الذي تحول إلى ضفدع. أقفز قبل أن تغيّر رأيها، أو تطلب مني شيئا آخر، وفي كلّ مرة أفلت من قبضة أمي يتبادر إلى ذهني أن أسال صديقاي عن كيفية هروبهما من البيت، وبأية حجة يتحججان لذويهما، ولكن ما أن أنطلق نحو الشجرة، وألوّح لهما بيدي حتى أنسى ذلك.
***


الملجأ ضيّق. أضيق من أن يسعنا نحن الثلاثة، ولكننا نحشر أنفسنا فيه، وهو محصّن ضد الرصاص، والقنابل، وحتى مدافع الهاون، وكلّ شيء قاتل قادم من الشرق. ضيّق، ولكنه يبقينا أحياء في النهار، وإذا ما أرخى الليل سدوله، فتلك مسألة أخرى، وخاصة إذا كان القمر غائبا. عندها نقوم بالعمليات العسكرية الروتينية من مراقبة، وتسلل إلى أراضي العدو إلى المباغتة، والهجمات السريعة، ثم موعد العودة لملاجيء الخط الأمامي، ويكون ذلك دائما قبل الفجر، وهكذا في الفترة الصباحية نرتاح، وننام، وعندما يقترب الوقت من الظهر تتحول الجبهة إلى جحيم يصبّ فيه العدو نار غضبه علينا بالقصف المكثف؛ فيكون الخروج من الملجأ انتحارا، والسماء تحجب النسمات المتاحة بينما الشمس تواصل إرسال أشعة حارة جدا، وكأنها ترغب بشواء الأرض شيّا.
فتح عينيه. اللون الأحمر كان واضحا فيهما من أثر السهر، والحّر الشديد. أشار بيديه عن الوقت، فقلت له إنها تقترب من الظهيرة. قال الآخر ـ وهو يعلن عن إيقاظه أيضا ـ انه موعد القصعة، وهمّ بالخروج، فقلت بلامبالاة:" لماذا لا نخرج نحن الثلاثة؟ نخرج معا. إنها الظهيرة، والكل مشغولين بالرقاد، أو الطعام. وهذه فرصتنا". فأجاب أحدهما:"ولكن هذه الفرصة مواتية كلّ يوم "فأجبته بعصبية: "ليس كلّ يوم، هل تسمع صوتا؟ لقد توقف القصف، وهذا ليس جيدا. إنه هدوء ماقبل العاصفة، سيهجمون علينا. سيهجمون، ولكن بامكاننا الهرب إنها فرصة من ذهب. سنأكل أولا ثم، نتوارى عن الأنظار بهدوء".
خرجنا دون أن نقرر وجهتنا، وعرفت هذه المرّة كيف خرجا صديقي، فيبدو إنهما لا يختلفان عني كثيرا. خرجنا دون أن نفكر في وجهتنا. شيء واحد كنا متأكدين منه نحن الثلاثة إن الشمس ستكون شاقولية على رؤوسنا، وسترسل لنا هدايا لا تختلف كثيرا عن هدايا العدو.
*******

















بيت العقارب
جلست الزوجة قبالته ثانية؛ لتصبّ له الشاي هذه المرة بعد أن قدّمت له العشاء قبل قليل، وهي تقول:
ـ سمعت من جارتنا إن العقارب لا تستطيع أن تمشي على الأفريزر! نظر إليها مليا، وهو ينتظر شايه، وينفث دخان سيجارته، ثم أردف قائلا:
ـ إنها تستطيع المشي في الجحيم، فكيف لا تستطيع أن تمشي على الأفريزر.
ـ لا أدري، ولكن جارتنا تقول إن زرع بعض الأفريزر هي الطريقة الوحيدة للتخلص من شرّها.
ـ يا امرأة، إنها تستطيع السير على الحيطان، وبالمقلوب! فكيف لا تقدر على السير وسط بعض الحشائش؟ إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يمنع العقارب من الخروج هو البرد. الشتاء؛ ولهذا لا نراهم في ذلك الوقت ألا تفهمين.
ـ أجل، ولكن نحن في بداية الصّيف، ويجب أن تجد لنا حلاّ وإلا سنترك البيت.
ـ ولكنني فعلت. جرّبت كل أنواع المبيدات، وآخرها (إيكون (10 وكلمّا أرش نوع جديد من المبيد يخرجون بأعداد أكبر، وكأن لهم بيتهم الخاص، هنا داخل منزلي.
ـ لا شك إن لهم مكان. ملجأ. شق ما. في أحد الجدران، أو كما تسميه بيت، ولن يغادروننا أبدا، حبّا بالله اسمع كلامي، واجعل قسم من الباحة أفريزر؛ لننعم بنوم هانيء في ليالي هذا الصيّف.
ـ حسنا، حسنا، الله كريم سأرى ما يمكنني فعله.
اتكأ على وسادة موضوعة على فرشته بعد أن أخذ رشفة شاي، ثم بدأ يلوك سيجارته، ويدخنها بتلذذ، وقال بصوت ضعيف: "هل تعلمين إن أبنائنا الثلاثة يشبهون العقارب على وجه من الوجوه، فما أن رأوا زوجاتهم حتى غادروا البيت الواحد تلو الآخر. أولاد الكلب، وكأني كنت سأمنعهم من النوم معهن، وأخذ يضحك". تناولت المرأة نعالها البلاستيكي، واتجهت بهدوء نحو الحائط خلف زوجها، ثم ضربت بقوة عقربا كان يحاول النزول لأرضية الباحة. سقط العقرب، وقد هرس تماما أثر الضربة المفاجئة للمرأة، رفعته بطرف نعالها الأمامي؛ لترمي به في سطل قريب مخصص للأوساخ، وهي تقول: "أولادنا أفضل من أولاد الناس لا يدعونا نحتاج لشيء.
ـ ها، ومتى كانت آخر مرّة زارك فيه أحدهم؟
ـ إنهم يزورونا كلما سنحت لهم الفرصة. كل شهر يزورنا أحدهم، ويأتون لزيارتنا في الأعياد، والمناسبات. ألا يكفي هذا؟
ـ تعلمين قصدي جيدا. أليس كذلك؟ تعلمين إنهم لا يطيقون بعضهم البعض؛ ولهذا السبب خرجوا من البيت. كلّ واحد عزل نفسه لوحده، واحدهم ما كان يطيق أن يرى الثاني. أولاد.. ونظر إلى زوجته لبرهة، ثم أكمل.. الكلب .
ـ أليس أفضل من العيش وسط المشاكل، وعدم حلهّا كما هو حال عائلة (حمو) لديه ثلاثة أولاد متزوجين، وجميعهم موظفين حتى (حمو) نفسه. إنهم أغنياء نعم، ولكنهم يعيشون في بيت واحد.. وهنا انتفض الزوج، وجلس واضعا الوسادة في حجره، وكأنه أمسك العصا من وسطه وهو يقول:
ـ وماذا في ذلك؟ إنهم مع بعضهم، ولا ينقصهم شيء، وسعداء جدا. فردّت الزوجة:
ـ ومن قال إنهم سعداء؟ هذا دأبك لا تدعني أكمل حديثي أبدا، ثم خفضت صوتها، وكأنها لا تريد أن يسمعها أحد غير زوجها، وقالت له همسا: ليس لحمو غرفة خاصة، ولم يتصل بزوجته منذ ثلاث سنوات هذا ما أكدته لي زوجته أكثر من مرّة .
ـ ربّما لأنه مريض أو شيء من هذا القبيل، ولماذا تقولينها همسا، وكأنه سرّ خطير! لا تنسي نحن وحدنا في الدار، فلا داعي أن تتكلمي همسا، ثم أخذ يضحك ثانية حتى بدأ يسعل .
ـ إنما لصغر منزلهم، وعدد غرفه المحدودة، وهذا وحده كفيل بإثارة مشاكل لا حصر لها .
ـ لو كان كلامك صحيحا، لما كنت ألومه حتى لو أفتعل شجارا كل يوم، فمثلا لو ابتعدت عني أسبوعا لقلبت الدنيا، ثم أردف قائلا: ولن يلومه أحد لو تزوج ثانية، ومع ذلك لا أصدق خرافة النوم لوحده، فهو ليس حمارا لينام وحده .
ـ حسنا، أنت لا تصدق قصة (حمو) أليس كذلك؟ ماذا عن عائلة (قاسم) ألم يطلق امرأته، ويترك البيت والأولاد لينفد بجلده.
ـ فعل (قاسم) الصواب، ورزقه الله بزوجة أجمل، وأحسن من الأولى.
ـ يا رجل المسألة ليست بهذه البساطة، فالعوائل تتفكك؛ لأنها لا تعرف أن تحّل مشاكلها بنفسها، وأساس المشاكل العائلية الكبيرة هي بسبب؛ انعدام الحبّ، فما فائدة بقاء أبنائنا معنا دون رغبة، وحبّ.
أخرج سيجارة ثانية من علبته، وأشعلها، وبلفته غير مقصودة رأى عقربة سوداء سمينة، وهي تمشي بهدوء على الحائط، فأشار إليها بسبابته، فالتفتت الزوجة، وهمّت لتنهض، وهي تقرّ في داخلها بان أفضل دواء لها هو نعالها البلاستيكي.
ـ حبّ.. ها، لا أعرف الكثير عن تصفيط الكلام، ولكن ما يثير استغرابي إنهم إخوة من أم واحدة، ومن أب واحد، ونظر إلى المرأة، وهو يقول ساخرا، حسب علمي، ولم يطيقوا أن يعيشوا، ويتحملوا بعضهم البعض إلى أن يأتي أجلنا .
ـ إنك تتكلم عن أولادك؛ لأنك رجل، وأقول لك أن سبب الرحيل هو زوجاتهم الملعونات! أعرف هذا، ومتأكدة منه كامرأة عاشرتهن لزمن يكفي أن ألقي اللوم فيه عليهن، وهنا رفع الرجل العجوز يده كعلامة سكوت، ثم قال:" إنه الباب الخارجي" .
فتح الرجل الباب، وإذا بابنه البكر، وزوجته، وأولاده في الباب، وقد أتوا ليقضوا معهم أمسيتهم .رحب بهم قائلا: ابن حلال كنا بذكركم، فردّ عليه ابنه مازحا" :ذكرتمونا بخير، لو بـ... ثم طفقا يضحكان، وربّت الأب على ظهر ابنه، وكأنه يدعوه أن يسبقه في الدخول من فرط سعادته .
قدمت العجوز صينية الشاي بعد أن أكد الابن، وزوجته تناولهم العشاء، وانهم ليسوا بحاجة حتى للشاي فهم هنا لمجرد تمضية بعض الوقت معهم، ثم رجعت العجوز لحديثها المفضل. العقارب، وكيفية التخلص منها، وما أن دار الحديث عن العقارب حتى قام أكبر الأطفال، وتناول نعالا، وأخذ يمشي بمحاذاة الحائط مفتشا عن بعضها، وهو يقول :"أنا سأخلصك منهم ياجدتي "!بينما الطفلان الآخران دسا نفسيهما في حجر والدتهما، وهما يتابعان شقيقهما بنظرات قلقة، وخوف واضح . قال الأبن بعد أن نهّر طفليه ليجلسا كالآخرين: "بعض الأدوية تحفز الحشرات على الخروج إلى أن يسري مفعولها في أجسادهم، ثم تموت، وبرأي أن تنتظروا بضعة أيام أفضل من القيام بخطوة أخرى مثل: رش مبيد جديد. فأكدت المرأة العجوز بأنهم لن يستخدموا مبيدا جديدا، أو قديما وإنما سيزرعون بعض الأفريزر للتخلص منها، وهنا أخذ الجد يهز برأسه، وهو على يقين بأن العقارب لها بيوت، ولن تتخلى عنها بسهولة.
*******










ليلى والمجنون
حلّ رباط ساقه قبل أن يبرئ جرحه الناتج عن تعثره بقبر حبيبته يوم أمس عندما قام بدفنها بمساعدة الآخرين، فما أن انتهوا من مراسيم الدفن حتى سارع لقطف بعض الأزهار البرّية رغم الأوحال، وزلق الأرض نتيجة انهمار المطر، وعندما انحنى، وهمَّ بوضع الأزهار تزحلقت قدمه اليسرى، وسقط على القبر، وكأنه يريد حضنها، ثم ارتطمت ساقه بحجر مسنن كان موضوعا بعناية على حافة القبر، فتأوه، وتلوّى من شدّة الألم، ثم رفع رأسه كمن يريد أن يداري خجله، ولكن ارتطمت جبهته هذه المرة بشاهد القبر، وسالت منها الدماء على الزهور التي جلبها، وعندما حاولوا مساعدته على الوقوف مجددا رأى الزهور التي اصطبغت بدمه قد أصبحت عسلية اللوّن كما كانت عيون حبيبته (ليلى) فأخذ يشير إليها بسبابته، وهو يضحك، ويردّد قائلا: "عيونها .انظروا! عيون) ليلى) انظروا الى عيونها، والدماء تسيل من رأسه، ومن ساقه مما اضطر البعض ممن حضروا مراسيم الدفن أن يحملوه؛ ليأخذوه إلى أقرب مسعف، وهم يرددون: "لقد جنّ المسكين من فرط عشقه لها".
في صباح اليوم التالي، جاء الذي جنّ برحيل حبيبته، جاء يزور قبرها ثانية، وقد لفّ رأسه، وساقه بضمادات، وأربطة طبية. جلس القرفصاء، ثم وضع أمامه دفترا يحتوي على: قصائد، وخواطر. كان يكتبها فيما مضى لليلاه، وكلما كان يكتب قصيدة جديدة، أو خاطرة يعبّر بها عن حبّه كان يتصل بها، ويسمعها ليشعر بعدها بنشوة عارمة تغمره. تحسس جيبه .أخرج علبة السجائر. أشعل واحدة، وبدأت الدموع تنهمر من عينيه، وهو يدخن. تابع التدخين، وهو يشعل واحدة بعقب أخرى منتهية حتى أتى إلى آخر سيجارة، ثم رمى العلبة الفارغة باتجاه القبر، وما أن استقرت، قام والتقطها، ثم رماها بعيدا. رجع إلى دفتره، وكتب حروفا في صفحة جديدة. حروف اسم (ليلى) ولاشيء غير ذلك إلى أن ملأ عدة صفحات من حرفي اللام، والياء. دسّ يده في جيبه ثانية بحثا عن سيجارة فوقع على الموبايل. أخرجه، وكأنه قد وجد شيئا عزيزا مفقودا منذ دهر. قبّل الصورة التي في الخلفية، ثم حرّك الضوء الأخضر باتجاه أيقونة الأسماء، وضغط زر التوافق مختارا اسم (ليلى) وأتصل بها، وكرر المحاولة، ومرّة ثالثة، ولكن دون جدوى. رفع نظره، وأخذ يخاطب القبر قائلا: لماذا لا تجاوبينني يا (ليلى)؟ وبعدها أرسل لها رسالة يقول فيها: "الا تعلمين إنك تفتحين دروبا للاتصال عندما تسّدين دربا!" وأعقبها بأخرى: "حبيبتي، ما أكنّه لك من حبّ لا يسعه قلب صغير بقبضة اليد، فما أن رحلت حتى تحوّل جسدي كلّه إلى قلب" ثم أخذ ينظر إلى (الموبايل) منتظرا قدوم رسالة مع رنة (الكريستال) التي كانت تجعل قلبه يقفز فرحا عندما يسمعها، ولسبب وجيه لعاشق مجنون بحبّ (ليلى) تلك التي لن يراها ثانية قام بحلّ رباط ساقه قبل أن يبرئ جرحه.
فتح (الموبايل) الشخاطي طوليا، ووضعه في كفه الأيسر، ثم أخذ يربطه على كفه بلفات عدة برباط ساقه الملوث بالدم، وأحكم عقده على زنده، وبدأ يقهقه، ويقول: "الآن أصبح بإمكاني الردّ عليك إذا ما اتصلت يا حبيبتي الصديقة، ويا صديقتي الحبيبة، وأخذ يلثم (الموبايل) حتى تبلل بدمعه.
تمدد بجانب القبر، وهو ينظر إلى (الموبايل) المربوط بكفّه تارة، وأخرى يقلب صفحات دفتره الأثير، وفي لحظة ما شعر بالرغبة في الدخول إلى الضوء المنبعث من (الموبايل) وسمع، وكأن حروفا تدعوه من دفتره. دفترها؛ ليكون هو الآخر حروفا مثلها، لم يعد يشعر بشيء، بدا وكأنه يسمع نداء (ليلى( من وراء الجبل، وهي تطلب منه الدخول إلى البيت. إلى القبر .إلى الدفتر. إلى (الموبايل) ولئلا يبرد، كوّر نفسه؛ ليدخل بجسمه. ليدخل إلى قبر ليلى؛ لتخرج روحه، وتدخل إلى حيث روح ليلى. روحها التي تنتظره؛ ليلتقيا ثانية، وعمّ السكون، ورنة )كريستال) تنبئ بقدوم رسالة جديدة من ليلى تقول فيها :"أنا في انتظارك، لا تتأخر". بقيت الرسالة تعلن عن حضورها دون أن يتحرك أصبع من أصابعه ليضغط على الزر المعني ويرى فحواها.
في اليوم التالي حُفر قبر جديد بجانب قبر (ليلى) ووضع مع جثة المتوفي دفتر يحتوي على أشعار، وخواطر، و(موبايل).
*******







مكالمة لم يرد عليها
يرّن الجرس، يملأ رنينه حضورا وألفة كما في كلّ مرة، يدور باحثا عن مخلوقات عجيبة، وألوان مثيرة، وأشكال لا تشكل حيزا لتتحد معها جميعا وتستقر فيها.
ـ ألو!
ـ ألو، كيف حالك؟
ويأخذني صوتها، يغلفني كهواء منعش أريد تنفسه، يبلل عطشي الحارق بأول نبرة، وتدخل النبرة في جميع أجزاء جسدي، ثم يصيبني ذهول لم أعهده من قبل. أنتشي، وتأخذني النشوة؛ للاعتقاد بأنني سأطفئ حرقة أشواقي بصوتها. صوت أريد أن أتلمسه عن قرب، لحن مسكوب في سمعي هو صوتها، ولكني أريد أن أعزف اللحن بنفسي لا أن أسمعه.
ـ متى سنلتقي؟
ويندفع صوتي ملهوفا، وكأنه صوت نفير كادت حباله أن تتقطع، وهو يدعو الجميع للاحتفاء بدون مناسبة.
وبعد رنتين، وبالذات عند بدأ الرنة الثالثة التي تبدو وكأنها متشنجة، ومشدودة بشكل يثير الشفقة، وتجد أقدامي فرصة للرجوع، أقدام مخدرة تتقدم، ثم تتراجع لتضفي جلبة مضافة لفراغ الغرفة، خطوة للأمام، وخطوة للوراء، وهي في حالة تيه تتمنى لو يوضع حدا لتيهها؛ لتستريح من قلق ترددها.
ـ وقتما تشاء! .
وبين رنة، وأخرى لحظة توقف، وفي هذه اللحظة يدرك القلب صوتا آخر غير تلك الأصوات الموجودة في الغرفة صوت في الجانب الآخر. صوت أنفاسها الحارة، التواقة لاستجابة ما.
والأصوات ليست نهاية بقدر ما هي استسلام لأصوات أخرى دأبت إزعاج بعضها البعض دون أن تبذل مجهودا ملحوظا، وهي تدخل الغرفة، ثم تدلف إلى الرأس دون دعوة، وإذا ما لقيت صدّاً ترسل أنينا متقطعا، وتتوسل أن يرفع أنينها إلى الأسماع حتى تخالها فرحا مبتورا، وأحلاما غير منجزة.
ما الجديد؟ ما الذي أضفناه إلى قاموس مفرداتنا؟ ما المسّرة الجديدة في محادثة نجترها يوميا؟ كلّ شيء يتحول إلى شوق. شوق الموعد. شوق المكان. شوق اللقاء. لمسة يد، وكأنها شربة من كأس الخلود، ولو كان هذا حلما لأفقت منه، ولو كان هذا كابوسا لرحمني مرسل الكوابيس، ولكنه واقع مشوب بألم لذيذ معجون بشوق يزداد كل لحظة ويكبر، وآلام الشوق لا يخففها إلا يوم اللقاء. ساعة الموعد. لحظة التأكد بأن عيوننا لا تزال في محاجرها، ولكن متى؟ فكلّ شيء حواليّ ضدي حتى كلماتي التي أريدها أزهى ما تكون عندما أقولها لك، أو أكتبها لك تنقلب ضدي. لماذا لا يسير شيء مثلما أريده؟ لا إله في الأرض، أو في السماء يتحمل مسؤولية الإجابة عن هذا السؤال. لم الردّ إذن؟ إذا كان كل شيء سيتكرر، الزفرات، الآهات، و.. كيف الحال، متى سنلتقي؟ قتما نشاء. كيفما نشاء. أينما نشاء. لن أرّد هذه المرّة، فمن بحاجة إلى ابتسامة لا يرى فرحها، ومن يريد عيون لا يقدر على قراءة ما سطر فيها من قصائد. لأنها عيونك هي التي ألهبت، وأججت نيران قلبي. لا أريد وصفهما، بل تذوق العسل فيهما، ووجدت في عينيها ما كنت أبحث عنه، وعندما ابدأ بطرح الأسئلة لا أجد سوى محيطا مفتوحا، ويتراءى لي سماء لا نهائيا، فتوقفت عن الأسئلة، وعن خلق النكات السمجة لإضحاكها. ظننت إني ألبي نداء وجدته في عينيها، ولكنه كان شيئا قلقا حذرا لا مبرر لوجوده، وخوفا خاويا من محتواه. ربما لم يحن وقت الأسئلة بعد، وربما لا وجود للأجوبة. كانت تعلم عمق الجرح الذي يتركه انسحابها عندما نصل إلى ذروة الحديث، تؤجل كلّ شيء، تتحول الشفاه الرقيقة إلى خشب، وفي كل مرّة تذبحني حتى موعد المكالمة التالية.
ـ آذيتني بصمتك المرة الفائتة.
ـ أغلق ذلك الباب.
حسنا، يا غالية، سأغلق جميع الأبواب إن أردت، وسأفتح كوّة صغيرة أطلّ منها على خيالك. كوّة أسرح منها في فكرك، وأبحث عن فراشة ذاتي؛ لأتأكد من إنها لا تزال قادرة على الطيران. بل سأغلق كلّ شيء. سأصبر إن صبرت، فدائما كنت أنا الشمس، وكنت الغيمة التي تحاول أن تحجب الشمس. من المخطئ فينا؟ من الذي تسّرع؟ من الذي يبحث عن الدلال؟ ومن الذي يتغنج؟ ليس لي سوى عينيك، وتعلمين صدقي، ولكن لماذا كلما أردت أن أرى نفسي فيهما أجدهما مغمضتين! لماذا أنت ممنوعة من الحبّ؟ فكلما أفكر في عينيك، أتذكر إن النظر فيهما انتحار، ومع ذلك يبقى حلمي أن أكحلهما يوما، فلم أكن راغبا يوما أن أسمع ما تقولينه للآخرين بل ما لم تقوليه قط لغيري.
هيا، فقد ملّ صوتي لعبة الانتقال إلى الطرف الآخر دون جدوى، والضياع بين مسافات حنجرتي، وسمعك. كلّ شيء قابل للتأجيل. دع الجرس يرن. يملأ فضاء الغرفة ضجيجا، وهو يبحث عن فاصلة زمنية ليقف عندها، ويكف عن الرقص، فكلنا بحاجة للحظة هدوء، ولكن، رجاء بعد أن تنعمي بهذه اللحظة. أتصلي من جديد، فقد مللت الانتظار، وكلي آذان صاغية.
*******
أنتهى

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي