الحزب الشيوعي العراقي(2) 87 سنة تضحيات وخيبات

قاسم حسين صالح
2021 / 3 / 31

الحزب الشيوعي العراقي (2)
87 سنة..تضحيات وخيبات!

كانت افدح كواراث الحزب الشيوعي العراقي ما حدث له في انقلاب (8شباط 1963)..ففي ثلاثة أيام قتل المئات من كوادره،وسجن عشرات الألاف ضاقت بهم مراكز الشرطة والسجون فوضعوهم في بنايات مدنية بينها قاعات مدارس حكومية.
ولقد نجم عن هذه الكارثة ، انكسارات نفسية أدت الى انقسامهم على النحو الآتي:

• قسم رجعوا الى ما كان عليه آباؤهم،فأطلقوا اللحى وأكثروا من السجود،ربما للتكفير عن خطيئة وطلب الغفران،معتبرين انتماءهم للحزب ذنبا عظيما هم مسؤولون عنه وعليهم محوه بالإكثار من الصلاة وطلب الاستغفار..بينهم من انتمى الآن الى أحزاب الأسلام السياسي!.

• قسم عدّ الحزب مسؤولا عن خطيئة تحولهم الفكري من الإيمان الى الإلحاد،فأكثروا من اللعنة عليه "الحزب " كآلية نفسية في ترحيل الخطيئة على الحزب و تبرئة النفس وضمان الحصول على المغفرة،مع ان في الحزب من يصلّي ويصوم ويحتل مواقع متقدمة فيه.

• وقسم غادر الحزب وصار معاديا له اثر محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم،متهمينه بانه اذعن لطلب الحزب الشيوعي السوفييتي واضاع فرصة سهلة لاستلام السلطة عام (59) حيث كان مرافقو الزعيم وقيادة القوى الجوية والانضباط العسكري.. من كوادر الحزب.
*والقسم الأكبر غادر الحزب لهذا السبب أو ذاك،معتبرا هذه القضية مسألة شخصية. ومعظم أفراد هذا القسم ظلوا يحملون للحزب عتبا جميلا،أو لوما قاسيا على فرص اضاعها او اخطاء ارتكبها ،أو ودّا مكتوما في القلب شبيها بودّ لحبيبة نقية صادقة!..بينهم أنا الذي ألقي محاضرات في مقره وأحظى بالتكريم من قياداته.
والمؤسف أن الحزب لم يحسن التعامل مع من كانوا قد ضحوا بشبابهم لتحقيق (وطن حر وشعب سعيد) وتعرضوا لأنواع التعذيب (التعليق في سقوف الغرف، الكوي بالنار او النتل بالكهرباء،التشويه..) معتبرا اياهم كما لو انهم احيلوا على التقاعد ،او اصبحوا خارج الصلاحية..ناسين أن لهولاء اولادا واحفادا يسهل ان يكونوا من كوادره!.

محنة الحزب..تحليل سيكوبولتك
واجه الحزب الشيوعي العراقي محنتين بعد سقوط النظام في نيسان 2003 ، الأولى : هل يشترك في الحكومة التي شكلّها المحتل..أميركا الملطخة يداها بدماء الشيوعين العراقيين عام 63، باعتراف علي صالح السعدي القيادي في حزب البعث الذي قال: ان الحزب - البعث- جاء الى السلطة بقطار امريكي..يقصد انقلاب 63؟ أم ينأى بنفسه بعيدا عن الحكومة والمحتل ويكون في صفوف المعارضة السياسية او المقاومة؟

ولقد حلّ تلك المحنة حلّ (بلاّع الموس) فأشترك في السلطة، او بالأحرى اشركوه فيها بقدر الحجم الذي اعطاه له المحتل، وفاز في الانتخابات الاولى بعضوين في البرلمان ضمن تحالف مع القائمة العراقية.

وأجمل مفارقة حققها ( حميد مجيد موسى و مفيد الجزائري) انهما جلسا في البرلمان الى جانب معممين..يعدونهما كافرين وملحدين وزنديقين!. وأظنهم (المعممون) ما كانوايطيقون رؤيتهما، وأن شيطانين لو جلسا مكانيهما لأهون عليهم منهما. فوالد أبرز المعممين البرلمانيين كان اعطى الضوء الأخضر لإبادة الشيوعين عام 63، ولا أظن ان ابنه استغفر لأبيه، ولا أظن أن الشيوعيين ايضا قد غفروا له.
ومن حلاوة هذه المفارقة أن الطرفين في البرلمان ، المعممون والشيوعيان الوحيدان، حصل لهم ترويض سيكولوجي حضاري، لا اقول بقبول احدها الآخر، وانما بتحمل أحدهما للآخر ..فالشيوعيون ايضا لايطيقون رؤية المعممين.

والواقع ان كره الطرفين لبعضهما الآخر..سخيف. فالمسألة بينهما تخص العلاقة بطرف ثالث، هو الله الذي يؤمن المعممون بوجوده فيما ينكر وجوده الشيوعيون،فماذا يضير ان ترك أحدهما الآخر على هواه.. فإن كان الله موجودا فأنه سيلعب بالشيوعين (طوبه) يوم القيامة! (ويوريهم نجوم الظهر) ولو انهم رأوها في دنياهم!

نعود بعد هذا الفاصل! لموضوعنا فنقول : ان حلّ اي محنة حلّ (بلاّع الموس) ينتهي بنجاحات قليلة وخسائر كثيرة. ومن اهم نجاحات الحزب انه حافظ على كوادره، ووفر الفرصة لأن يتحدث بعلانية في البرلمان ووسائل الاعلام، خاصة لجيل من الشباب العراقي كان معظمه اما لايعرف شيئا عن الماركسية، او ان محاضرات (الثقافة القومية) في الجامعة، والاضطهاد الذي مارسه النظام السابق ضد الاحزاب والحركات الدينية جعلهم يكرهون الشيوعية او يعزفون عنها، فضلا عن الحملة الايمانية اواسط التسعينيات التي استهدفت الشباب.

أما اكبر خسائره فتتمثل بانشقاق الكثير من كوادر الحزب وتشكيل اكثر من خمسة احزاب او حركات يسارية ترى في نفسها انها تمثل المنهج الماركسي الصحيح، بغض النظر عما اذا كان لهم أو لبعض منهم رصيد بين الناس ام مجرد مجموعة افراد.

وثاني خسائره ان كثيرا من المتعاطفين معه شعروا أن الحزب خذلهم وخذل قضيته لحظة اشتراكه بالحكومه " وتعاونه " مع المحتل.. ويعدّون هذا احد اهم اسباب اخفاقه ، ودليلهم في ذلك انه لم يحصل في انتخابات مجالس المحافظات ولاحتى على مقعد واحد فيما فازت تكتلات ، تشكلت قبل اشهر من موعد الانتخابات، باكثر من مقعد.

وثاني مِحنه ، انه لم يحقق رصيدا له بين الناس بالمستوى الذي يتناسب وتاريخه النضالي وتضحياته الجسيمة وسمعته النزيهة . ومقياس هذا الرصيد ان الشعب الذي ناضل الحزب من اجله ثمانين سنة! وقدّم قافلة بآلاف الشهداء من خيرة مثقفي العراق واكثرهم نبلا وأخلاصا..لم يوصل ولا عضوا واحدا الى الحكومات المحلية في محافظات العراق كلها!.
والمؤسف أن الحزب عزا هذا الاخفاق فقط الى عمليات تزوير رافقت الانتخابات و الى ( أن بعض الكتل السياسية التي شاركت في انتخابات مجالس المحافظات..استولت على مليوني صوت من خلال المادة 13 من قانون الانتخابات ) وكأنه بذلك يوحي أن فوزه كان مضمونا فيما الحقيقة أنه مارس تبريرا سيكولوجيا بدفع أسباب الاخفاق ، بكاملها ، عن نفسه.
ان القراءة السيكولوجية لمزاج الناس وتوجهاتهم الفكرية وتوقعاتهم للأحزاب والتكتلات التي يرون انها تحقق مصالحهم، ماكانت - وما تزال - في صالح الشيوعين ..وهذا ما سنتاوله في الحلقة القادمة.
• لمناسبة ذكرى التأسيس.

**

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي