قلنديا: مطار القدس الفلسطيني المنسي!

نهاد ابو غوش
2021 / 3 / 31

بقلم: نهاد أبوغوش
اتبعت إسرائيل قاعدة معروفة في ضمها للأراضي الفلسطينية، وخاصة الأراضي التي ألحقتها بمدينة القدس، وطبقت عليها القانون الإسرائيلي، عبر سلسلة من الإجراءات والخطوات والقرارات التي رفضتها الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي بشكل عام. هذه القاعدة التي نتحدث عنها هي "أكبر مساحات ممكنة من الأراضي، وأقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين"، لذلك ربما يعجب المرء حين يلاحظ أن قرى وبلدات قريبة جدا من القدس مثل أبو ديس والعيزرية لم يجر ضمها لحدود البلدية، بينما بلدات ابعد قليلا مثل أم طوبا وصور باهر وبيت صفافا ومناطق من سميراميس وكفر عقب ضمت منذ العام 1967.
وكل من يراقب حدود الضم، أو حدود البلدية التي رسمت في العام 1967، وأكدتها قرارات صادرة عن الكنيست عام 1981، يلحظ شيئا غريبا على الخريطة، وهو وجود لسان من الأراضي يمتد بشكل طولي حتى يصل إلى أقصى شمال القدس، هذا اللسان كان هدفه الوصول لمطار قلنديا، وضم منطقة يدعي المحتلون ملكيتهم لها حيث اقيمت عليها مستوطنة "عطروت" قبل العام 1948 حررها الجيش العربي الأردني ودمر التحصينات والمنشآت التي أقامتها عصابات الهاجانا والمستوطنون.
ولا شك أن خريطة الضم لم تكن عبثية ولا عشوائية، بل هي ترتبط وتمهد لما تحاول إسرائيل تطبيقه الآن، وهو إقامة القدس الكبرى التي تصل حدودها إلى الخان الأحمر ومشارف أريحا شرقا، ومناطق القسطل وقالونيا المحتلة عام 1948 غربا، وتمتد من حدود مدن بيت جالا وبيت لحم وبيت ساحور جنوبا حتى أطراف رام الله شمالا، بينما يجري حشر الفلسطينيين في امكاكن سكناهم الحالية وحرمانهم من اية مساحات يملكونها وقد يستخدمونها مستقبلا لتلبية احتياجات التطور الطبيعي
واللافت في هذا الموضوع هو حرص إسرائيل على السيطرة الكاملة على مطار قلنديا، مع أنها استغنت عن استخدامه كمطار، وتسعى الآن لتدميره وإقامة حي استيطاني جديد يضم آلاف الوحدات السكنية خلافا للمنطقة الصناعية التي أعاد إحيائها على آثار المستوطنة القديمةن مع آلاف الدونمات التي صادرها تباعا من الفلسطينيين
كما يلفت الانتباه أنه حتى في أيام الحوارات والمفاوضات، لم يبرز مطار قلنديا باعتباره موضوعا ملحا يحل حاجة مئات آلاف الفلسطينيين للسفر، بل جرى التركيز على مطار رفح (الذي دمرته إسرائيل ومنعت استخدامه خلال الانتفاضة الثانية)، وفي وقت لاحق ومع محاولات استئناف المفاوضات والبحث عن حلول دائمة ومؤقتة، جرى الحديث عن مطار في الأغوار قريب من أريحا، بحيث يسهل على إسرائيل التحكم في مداخله ومخارجه بما يبقي سفر الفلسطينيين خاضعا لموافقتها.
مطار قلنديا ليس مجرد قطعة أرض منبسطة تصلح لهبوط الطائرات، بل هو قيمة استراتيجية وتاريخية واقتصادية وحتى ثقافية للفلسطينيين، فضلا عن مكانه اللصيق بالقدس العاصمة التاريخية لفلسطين، ويتوسط أراضي الضفة الغربية، كما أنه قائم على أراضي دولة ولا حاجة لعمليات مصادرة واستملاك.
وكان مطار قلنديا، أو مطار القدس كما هو اسمه الرسمي هو المطار الأول والوحيد في فترة الانتداب البريطاني، وقد تأسس بين عامي 1924 إلى 1927 . واستخدمته السلطات العسكرية البريطانية لحركة العساكر الانجليز والضيوف البارزين المتوجهين إلى القدس.
في عام 1931، صادرت سلطات الانتداب البريطاني 200 دونمًا لتوسعة مطار قلنديا هدمت منازل واقتلعت بساتين، وفي عام 1936، تم فتح المطار للرحلات الجوية المنتظمة.
في حرب العام 1948، حاصر الجيش الأردني المستوطنة، ثم دمرها وسيطر على المطار، وحول أرضها إلى امتداد لمطار قلنديا الدولي. واستمرت السيادة الأردنية على المطار حتى عام 1967 وكانت منظمة الطيران المدني الدولي ترمز له بـ (OJJR).
بعد حرب عام 1967، استولى الاحتلال الإسرائيلي على مطار قلنديا الدولي كحال بقية الضفة الغربية. وتم ضم المنطقة إلى بلدية القدس الكبرى، وتم تطوير منطقة صناعية قرب المطار، كما أُعيد تسمية المطار باسم مطار عطروت الدولي، ولكن منذ العام 2001 توقفت دولة الاحتلال عن استخدام المطار، بل إنها غضت النظر عن عمليات البناء العشوائي القريبة من المطار، إلا في ما قد يؤثر على مشاريع التوسع الاستيطاني.
يستحق مطار القدس أن نتمسك به ونبرزه إعلاميا وسياسيا باعتباره حقا اصيلا للشعب الفلسطيني، وأن كل إجراءات الضم والتوسع الاستيطاني باطلة ولا يجيزها القانون الدولي، فالقدس لنا ومطار القدس ايضا لنا.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول