من العثمانية إلى عروبة الاسلام

نايف سلوم
2021 / 3 / 31

أصبح المذهب الذي يقول بأن العرب أمة واحدة وأن هذه القومية أساس جميع السياسات مقبولاً منذ عام 1918 من الأكثرية العظمى من القادة السياسيين العرب ومن المثقفين العلمانيين على الأقل، وكان اعتناق أناس هم في معظمهم من المسلمين لهذا المذهب تطوراً ذا دلالة ثورية، إذ أن المسلمين ظلوا قروناً ينظرون إلى الدولة من وجهة دينية وسلالة حاكمة. والحق أن الإسلام منذ القرون الأولى أو حول ذلك كان دين الامة العربية الغالب. وأصبح الإسلام في النهاية على كل حال الرابطة العليا التي حلت محل القومية.
كانت الإمبراطورية العثمانية هي الدولة الحاكمة في معظم الأراضي العربية بعد عام 1517. وقد تقبل عرب جنوب غرب آسيا ومصر حكم الأتراك العثمانيين، إسمياً على الأقل، طوال أربعة قرون إلا أن نهاية القرن التاسع عشر شهدت قلة من العرب العثمانيين المثقفين ينشرون نظريات تنكر حق الأتراك في حكم العرب، وأوجد هؤلاء المثقفون أيديولوجية جديدة هي العروبة وقدموها على أنها حل للمشاكل الراهنة.
ظهر الاهتمام بالقومية كمبدأ سياسي بين الشعوب الإسلامية بسبب احتكاكها بالغرب، وبدأ نفر من العرب العثمانيين وعرب مصر ممن أقاموا في أوروبا منذ نهاية القرن التاسع عشر يدركون الأفكار الأوربية حول الوطن والأمة. وعند منتصف القرن العشرين كانت التعابير الدالة على هذه المفاهيم وما يتصل بها موجودة في كل من اللغتين العربية والتركية.
ظل معظم المثقفين العثمانيين محافظين، يعيدون التأكيد بقوة متجددة إيمانهم التقليدي بأن الإسلام هو أفضل طريقة ممكنة للعيش ، وأصبح إنتاج مقالات المديح والجدل في كل من اللغة العربية والتركية غزيراً بعد عام 1860 "
سيكون هذا العام 1860 علامة فارقة بالنسبة لمصير الأقاليم العربية التابعة للإمبراطورية العثمانية خاصة مصير سوريا الحديثة.
إن المثقفين العثمانيين الذين راحوا يحاجّون بان الإسلام لا يتعارض مع تقدم الحضارة كما هي في أوربا، وأن الإسلام الحقيقي الأول قد طرأ عليه ما أفسده، والعلاج سهل هو إحياء الإسلام وإعادته إلى أصوله النقية، هؤلاء هم التحديثيون في مقابل المحافظين من أنصار العثمانية. مع أن الفريقين كانا يدافعان عن دولة عثمانية قوية.
كانت العناصر التركية من هؤلاء التحديثيين والمتمثلة ب “العثمانيين الجدد" الذين بدأ نشاطهم في عام 1860 قد تبنت بوضوح أفكار الوطنية العثمانية والوطن العثماني" في إشارة إلى بدء هيمنة الجامعة القومية على الجامعة الامبراطورية. أي التركية على العثمانية. وفي سنوات 1870 انتشرت أفكار مشابهة تماماً في مصر، تغلب الوطنية المصرية على الرابطة العثمانية، نتيجة لنشاطات جمال الدين الأفغاني وقد طلب من أتباعه أن يعملوا عقولهم وأن يختبروا أسس إيمانهم، وبرهن مستشهداً بمقاطع من المؤرخ والسياسي الفرنسي فرانسوا غيزو (ت 1874) أن تقدم أوروبا كان نتيجة ظهور لاهوت مشابه فيها للإسلام هو المذهب البروتستانتي، حيث تهيمن الرابطة القومية على الرابطة الإمبراطورية. على مبدأ من قال: والحق أن الإسلام منذ القرن الأول أو حول ذلك كان دين الأمة العربية الغالب. وعلى هذه الفكرة سوف تتمحور كل حركة الإحياء الثقافية أو الاحياء القومي العربي. ومع أن معظم التحديثيين كانوا ذوي نزعة عثمانية فإن قلة من المسيحيين السوريين الذين كانوا يشاركون التحديثيين أفكارهم العامة قدموا فكرة قومية عربية شبه علمانية. وفي سنوات 1860 أسهم هؤلاء العرب اسهاماً عظيماً في إحياء الأدب العربي القديم وفي نشر المعرفة الحديثة. وكان أحد أهم ممثلي هذه المجموعة إبراهيم اليازجي الذي دعا في عام 1868 إلى إحياء قومي عربي. لم تظفر عروبة اليازجي العلمانية إلا بالقليل من الاتباع وظلت النزعة العثمانية سواء أكانت محافظة أم تحديثية العقيدة المسيطرة ضمن البلدان العثمانية حتى عام 1914.
ومما يلفت الانتباه أن الخطوط العريضة للنظرية الإسلامية في القومية العربية اقترحها أحد أعظم العثمانيين العرب التحديثيين وهو المصري محمد عبده الذي كان هدفه الأول إحياء الإسلام، وكان خلال حياته السياسية مدافعاً عن الدولة العثمانية.
وقد طور محمد عبده استخدام الأفغاني لفكرة غيزو وأعلن أن أوربا لم تبدأ تقدمها المذهل في الحضارة إلا عندما بدأ الأوروبيون بالتعلم من المسلمين وتبنوا عقيدة تنسجم مع الإسلام فيما عدا الاعتراف بالرسالة المحمدية (يقصد الإصلاح البروتستانتي الذي جعل الدين قومياً حيث انشقت الكنائس القومية عن كنيسة روما الكاثوليكية الكوسموبوليتية العالمية بحكم صعود هيمنة البورجوازية في أوربا القرن السادس عشر)
أما علاج محمد عبده لتأخر المسلمين فهو الإسلام الأولي الذي لم يفسد. ويعتقد محمد عبده أن الاحياء الديني هو الطريقة الوحيدة التي تمكن المسلمين من استعادة عظمتهم السياسية. لكن هذا الاحياء لا يمكن أن يتم من دون إحياء ثقافي عربي والعودة إلى هيمنة العروبة على الإسلام كما كان في بواكيره، هكذا يكون إحياء الثقافة العربية هو الطريق الملكي لإحياء الإسلام وإعادة ألقه كما كان في بواكيره.
كان محمد عبده طيلة أيام حياته يمارس فعالية سياسية في سنوات 1880 وكان مدافعاً قوياً عن الدولة العثمانية، وقد أدى به إيمانه المبكر بضرورة العودة إلى الإسلام إلى صياغة فكرة مناقضة في مضمونها للعثمانية، إذ رأى ان شفاء المسلمين من أمراضهم يكمن في إحياء الإسلام الحقيقي؛ الإسلام الأصيل وهذا يعني إسلام العرب. إنه بهذه الفكر يكون قد أسس للقومية العربية الإحيائية أو البعث الثقافي العربي والغاية ليست سياسية بل دينية هي إحياء الإسلام. حيث يمضي بعد ذلك إلى مطالبته بإحياء مكثف للأدب العربي القديم والدراسات الدينية، وقد حقق بناء على ذلك كتاب (نهج البلاغة) المنسوب لعلي بن أبي طالب ونشره في مجلدين. ومع أنه تخلى في سنواته الأخيرة عن نشاطه السياسي إلا أنه شدد بقوة متزايدة على الإصلاح الديني واستمر في إصراره حتى النهاية على أن الإصلاح الديني الجذري (وعلى طريق الإصلاح البروتستانتي) يتطلب إحياء الدراسات العربية (أي يتطلب إحياء قوميا وهيمنة عربية على الاسلام).
وحمل لواء أفكار محمد عبده من بعده رفيق حميم وتلميذ متفان هو السوري محمد رشيد رضا الذي بث هذه الفكرة بعد 1898 في جريدته "المنار". وتوصل رشيد رضا كما فعل محمد عبده من خلال مذهبه في إحياء الإسلام الأولي إلى التشديد على أولوية العرب، ذلك أن العودة إلى الإسلام الأولي تتضمن بلا شك إحياءً عربياً. إذ كان أحد بنود هذا الإصلاح المقترح إحياء الدراسات العربية التي هي في الحقيقة جذر المسألة، يقول: من الضروري نشر اللغة العربية أكثر من التركية، ذلك أن العربية لغة الدين ونشرها هو الوسيلة إلى نشر الدين وفهمه" ويرى أن الإحياء العربي هو الطريق الوحيد إلى بعث الإسلام. ولا ريب انه وفي حركة متناقضة ظل يأمل مدة طويلة في أن يجد إصلاحه طريقاً للتنفيذ تحت رعاية السلطان العثماني. وهذا السذاجة السياسية من رضا وإخلاصه للسلطنة العثمانية مردها عدم الانتباه إلى الطابع الوظيفي للإسلام بالنسبة للسلطنة العثمانية، كان الإسلام مجرد وسيلة لإخضاع أمم مختلفة ومتعددة، كما كانت المسيحية الرسمية المكرسة وسيلة الإمبراطورية الرومانية الشرقية. وكان على عربي سوري وزميل لرشيد رضا أن يخرج من المفارقة السياسية ويضيف محتوى سياسي إلى النظرية وذلك ما فعله عبد الرحمن الكواكبي الذي جاء إلى القاهرة عام 1898
والواقع في رأي الكواكبي أن المسيحيين لم يحرزوا تقدماً في الفنون والعلوم حتى جاءت البروتستانتية التي هي شبيهة بالإسلام الحقيقي وقد ظلت الأرثوذكسية والكاثوليكية موضع تعلق بين الجمهور ولكنهما تضاءلتا تماماً بين المثقفين لأن المسيحية (الرسمية المكرسة) والعلم لا يتفقان أبداً.
والكواكبي مثله مثل محمد عبده ورشيد رضا يقوده تشخيصه لأمراض الإسلام إلى التأكيد على تفوق العرب وعلى دورهم الفريد في إحياء الإسلام، والعودة إلى الإسلام الصحيح تعني نهضة العرب المسلمين وهيمنتهم السياسية، ومن يقرأ كتاب الكواكبي الشهير "أم القرى" يرى فيه دعوة سياسية – تنظيمية لبناء خلافة إسلامية عربية مركزها مكّة تكون بديلاً عن السلطنة العثمانية المتهالكة، وقد يكون هذا الأمر الجلل وراء اغتياله في القاهرة في 13 حزيران/ يونيو 1902.
اعتمدت في هذه المقالة بشكل أساسي على مقالة ارنست داون (من العثمانية إلى العروبة- أصول إيديولوجية)

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول