في القسوة

راتب شعبو
2021 / 3 / 30

في القسوة، لا شيء يعادل أن يكون جلادوك بلا أي رادع أخلاقي. في السجون السياسية الأسدية، التي خبرتها من الداخل لأكثر من عقد ونصف بسنة وبضعة أيام، أنت مجردٌ من أي وسيلة دفاعية، أنت مثل سلحفاة بلا قوقعة. لا دفاعات شخصية لديك، ولا قانون يصد عنك، ولا مجتمع يحميك. يبقى فقط ما يمكن اعتباره الرادع الإنساني، تلك القوة الكامنة في الضمير (ضمير جلادين!). يمكنك أن تأمل فقط بحماية القاسم المشترك الإنساني مع هؤلاء الذين يحوزون كل شيء ويجردونك من كل شيء.
في القسوة، لا شيء يعادل أن تنتظر رحمة جلاديك. ولا شيء يعادل، في القسوة، أن تجد حياتك تافهة ولا تستحق أكثر من دقيقة أو دقيقتين حتى يُقرَّر أن ترمى في العدم كما يرمى عقب سيجارة. لا شيء أقسى من ذلك، ولا يمكن لأحد أن يدرك شعور هذه اللحظات دون تجربة فعلية.
ذات يوم، ودون مقدمات، تم رمينا في سجن تدمر العسكري الصحراوي الرهيب. كنا خليط من اليمين واليسار، باعدتنا الرؤى السياسية ووحدتنا حافلات السجون وجدرانها. كان ذلك في اليوبيل الفضي "للحركة التصحيحية المجيدة"، حين لم يستوعب ضباط اللجنة الأمنية "يباس" رؤوس بعض هؤلاء البؤساء المسجونين الذين أرادت "القيادة" أن تفرج عنهم ورفضوا، مع ذلك، أن يشكروا "القيادة". فما كان من الضابط رئيس اللجنة، الذي كان يرتدي بدلة رسمية سوداء، ويحمل في يده عصا أطول قليلاً من عصا الماريشالية، إلا أن قرر، وهو يضرب ساقه بالعصا عدة ضربات متوالية، "تكسير الرؤوس".
هناك يطغى الخوف من الموت على كل شيء، يغور المنطق في هوة سحيقة، وكذلك المعنى والكرامة وسلم القيم والاعتبارات. القلق الأول والوحيد هو الحياة. هل أخرج من هنا حياً؟ كل لحظة تمر هي انتصار وانتظار في الوقت نفسه. انتصار لأنك لا زلت حياً، وانتظار لما تحمله اللحظة التالية. في كل لحظة يقول عقلك الباطن ليتني قمت قبل أن اصل إلى هنا بما يستحق هذا العقاب الذي أنا فيه، وفي اللحظة نفسها تموت فيك القوة وتستسلم لترتاح كمن يستند إلى الريح.
من "كسر الرؤوس" إلى "كسر الرقاب"، جريمة واحدة، ليس بحق مكسوري الرأس والمشنوقين فقط، بل بحق المجتمع الساكت والمرغم على السكوت. جريمة مستمرة تقول، إننا في عالم موحش، يحكم فيه من لا يملك الحق ولا الجدارة ولا القيم البشرية.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا