فرانكنشتاين

سعود سالم
2021 / 3 / 29

أركيولوجيا العدم
٣٢ - فرانكنشتاين

في بداية القرن التاسع عشر وتحديداً في العام ١٨١٨ دقّت ماري شيللي Mary Shelley ناقوس الخطر محذرة من خطورة الطريق التي بدأت تسير فيها البشرية ومعبرة عن مشاكل الإنسان الحداثي في روايتها الكبيرة فرانكشتاين Frankenstein. ففي يونيو 1816 تواجد مجموعة من الشباب الرومانسيين في سويسرا، من ضمنهم ماري ولستونكرافت جودوين Mary Wollstonecraft Godwin، ورفيقها وزوجها المستقبلي بيرسي شيلي Percy Shelley، وصديقهم لورد بايرون Lord Byron. ويقترح بايرون على المجوعة، لتمضية الوقت، أن يكتب كل واحد منهم قصة تحكي أحداثا مرعبة. يبدأ بايرون المسودة التي سيتبناها جون بوليدوري John Polidori ونشرت تحت عنوان The Vampire، وهي قصة قصيرة تتطرق إلى موضوع مصاص الدماء لأول مرة في الأدب. ومع ذلك ، فإن ماري - التي كانت تبلغ من العمر تسعة عشر عامًا في ذلك الوقت - هي التي كانت أوسع خيالا، حين ألفت هذا النص المريع" فرانكشتاين" أو بروميثيوس الحديث Frankenstein or, The Modern Prometheusالنص الأكثر تفصيلاً ونجاحًا والأكثر رعبا.
كانت شيلي تريد أن تقول للعالم وكذلك للعلماء الذين بدأت سلطتهم تزداد يوما بعد يوم، بأنهم باتجاهاتهم العلمية المُجرّدة كانوا يتجهون في طريق خاطيء وزقاق مسدود. لقد سبقت عصرها بعدة عقود وأشارت إلى عدم إمكانية تجاوز الطبيعة، وأن الإنسان لايمكن تكوينه في المعامل. فمهما حاولنا فلن نستطيع خلق "إنسان" بطريقة ميكانيكية أو صناعية مجرّدة، وحتى لو حدث ذلك فإن النتيجة لن تكون إنسانا بل مسخا. هذا ما أعتقده العديد من النقاد على الأرجح في ذلك الوقت. ولكن الحقيقة أن شخصية «فرنكنشتاين» لا ترتبط بفكرة الوحش ـ المسخ، ذلك أن الرواية التي تحمل هذا الاسم تحكي في الواقع قصة العالم السويسري فرانكنشتاين الذي يصنع شخصاً من أشلاء بشرية متفرقة ويكون الناتج كائنا في منتهى الغرابة حتى لا نقول البشاعة، إلا أنه يتمتع بصفات الإنسان كافة، بل ويتجاوزها إلى حد الكراهية لصانعه الذي تخلى عنه وتركه وحيدا معزولا ومنبوذا من بقية البشر. مما يقودهما إلى التهلكة معا في نهاية القصة. وحكاية الوحش ـ المسخ هذه ليست قصة رعب حسب الفكرة السائدة، بل تتضمن مدلولات رمزية عميقة الجذور؛ إذ يمكن النظر إلى هذا المخلوق الغريب على أنه يمثل فكرة الثورة أو إبليس وبروميثيوس أو ليليث أو سيزيف، فكرة التمرد والثورة عموما وعدم الخضوع للسلطة. كما أن الرواية تتطرق لمعالجة فكرة الإختلاف والخوف من الآخر - الغريب، فهذا المخلوق رفضه المجتمع لشكله الغريب والمختلف، مما جعله يهرب إلى الغابة ويعيش متخفيا قرب كوخ تسكنه عائلة فقيرة، والتي يساعدها سرا في تجميع الحطب وإشعال النار وتنظيف المكان من الثلج، ولكن ما أن يعلموا بوجوده حتى يتركوا البيت ويفرون هربا منه مما يجعله يفقد الأمل في البشرية وأنه لن يستطيع مطلقا أن يصبح واحدا منهم. بطريقة ما، شخصية الدكتور فيكتور فرانكنشتاين هي النقيض لشخصية الملك بغماليون Pygmalion الذي يعشق التمثال الذي نحته بيديه، تمثال غالاتي Galatée التي لا يوجد أجمل منها، القصة التي رواها أوفيد Ovide في الكتاب العاشر من التحولات les Métamorphoses. والرواية تبحث أيضاً في موضوعات متعددة مثل أصل الشر والإرادة الحرة وخروج الكائن عن سلطة الصانع والرغبة في الحياة مع الآخرين. ولا شك أن الوحش أو المسخ في الرواية هو الدكتور فرانكنشتاين نفسه وليس المخلوق الذي صنعه والذي لا تشير لإيه ماري شيللى سوى بإسم المخلوق The creature.

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار