((الأرض أم ))

عبدالله عطية شناوة
2021 / 3 / 29

إقتادوه معصوب العينين من الزنزانة الإنفرادية صعودا عبر سلالم، بدت لا نهاية لها حتى خيل له أنهم قد اقتربوا من السماء. وفي مكان ما بين الأرض والسماء رفعوا العصابة عن عينيه، فعشيتا من أضواء النيون شديدة السطوع المسلطة على زنازين جماعية تفصل بينها قضبان يتكدس فيها أشخاص، صوبوا جميعا أنظارهم نحو القادم الجديد الذي صعب عليه تحديد ملامحهم بتأثير الأضواء الساطعة.

دفعوا الى مأمور الزنزانات أوراقا تتعلق باستلامه فوقع عليها، وقبل ان ينصرفوا سلموه عبوة مرهم طبي لمعالجة جراح التعذيب في جسده .. قال له الشخص الذي صحبه إلى أحدى الزنزانات: لقد تأجل أعدامك. لكن لا تتوهم أن بإمكانك الخروج من هنا يوما ما. فسنمتعك بمزيد من "الحفلات".

كان أهتمامه مركزا على حلول اللحظة التي سيكون في مقدوره فيها أن يستلقي على الأرض، فتح السجان باب إحدى الزنزانات، ودفعه من ظهره إليها، فكتم صرخة ألم من نكئ الجراح . أفسح النزلاء لي مكانا فأرتمى على أرضية الزنزانة المفروشة ببطانيات قديمة، مستلقيا على بطنه.
بادره نزيل شاب بلحية شقراء بالقول:
ــ لا تستلق على بطنك يا أخي!
استغرب الملاحطة واستفسر عن السبب، فرد ذو اللحية الشقراء:
ــ قال رسول الله (ص) الأرض أم. ولا يجوز للإنسان يا أخي أن يضاجع أمه.
ــ لكننا معلقون بين الأرض والسماء.
ــ تبقى الأرض التي نستلقي عليها أرضا.

تدخل شابان من نزلاء الزنزانة مبعدين ذو اللحية الشقراء. لاحظا عبوة المرهم في يديه، وهمس أحدهما:
ــ هل تريد مساعدة؟ فسلمه عبوة المرهم وأشار الى ظهره.

ساعداه في النهوض. كانت العيون كلها مصوبة اليه حتى من الزنزانات الأخرى التي لا تفصل بينها سوى قضبان. نضيا عنه القميص، فأشاح الجميع أبصارهم عنه جانبا.
قال الشاب الذي بدأ يطلي جراحه بالمرهم موجها كلامة للشاب أشقر اللحية:
ــ لماذا تشيح بنظرك؟ أنظر أليه! أتريد منه أن يستلقي على ظهره الممزق؟

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول