المخرج الفرنسي برتراند تافيرنييه : مغامرة عاشق السينما الذي أصبح مخرجا رئيسيًا في السينما الفرنسية

سمير حنا خمورو
2021 / 3 / 29

لاحظ الكثير من محبي السينما ان المخرج برتراند تافيرنييه لم يحضر إلى مهرجان لوميير السينمائي الذي اقيم في تشرين الأول، العام الماضي في مدينة ليون، لتكريم المخرجين البلجيكيين الأخوين داردين "frères Dardenne"، وتسليمهما جائزة لوميير كما كان مقررا من قبل، وقال مدير المعهد تييري فيرمو أن تافيرنييه لم يتمكن من الحضور لمرضه ، وقام بقراءة رسالة كتبها المخرج بخط يده في هذه المناسبة.
ولم يتوقع احد ان مرضه بهذه الخطورة، فبعد اشهر قليلة اعلن عن وفاته يوم يوم الخميس 25 آذار / مارس 2021 عن عمر يناهز 79 عامًا.

كان المخرج الكبير تافيرنييه في الوقت نفسه مخرجًا وكاتب سيناريو ومنتجًا وكاتبًا، وناقدا سينمائيا، وعاشقا للسينما. كما عمل لفترة طويلة كرئيس لمعهد لوميير "Lumière" في مدينة ليون ، وهي مؤسسة تشرف على الحفاظ على التراث السينمائي ، لا سيما داخل متحف لوميير الموجود في المدينة التي عرفت تصوير اول فيلم سينمائي (الخروج من المصنع).

ولد برتراند تافيرنييه عام 1941 في ليون ، مدينة الأخوين لوميير ، وهو أيضًا وريث تاريخ المقاومة أثناء الاحتلال. فوالده مناضل في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، وكاتب، نشر رينيه تافيرنييه، كتاب إلوارد و أراغون "Eluard و Aragon" ، حيث كان يعيش هذا الأخير في الطابق العلوي مع إلزا تريوليه "Elsa Triolet" (مقاتلة في المقاومة الفرنسية من أصل روسي ، حصلت على جائزة غونكور Prix Goncourt 1945). ونشأ الشاب برتراند في بيئة ثقافية وإنسانية تردد صداها في أفلامه.

انتقل مع والديه الى باريس عام 1950، ومنذ أن كان برتراند في الثانية عشرة من عمره عشق السينما.
وكان يتردد باستمرار على السينماتيك لمشاهدة الافلام والاستماع للمحاضرات. أنشأ ناديًا للسينما في عام 1961 ، وكتب عن الافلام في مجلات متخصصة مثل دفاتر السينما "Les Cahiers du cinema" وبوزتيف "Positif و عمل لمدة سنة في مجلة سينما "Cinéma"، كما عمل كمساعد مخرج عام 1961 في فيلم الكاهن ليون موران Léon Morin prêtre للمخرج جان بيير ميلفيل، وتمثيل جان بول بلموندو وإيمانويل ريفا.

انتظر تافيرنييه حتى عام 1974 لإخراج أول فيلم روائي طويل له ساعاتي سان بول "L’Horloger de Saint-Paul" ، استنادًا إلى رواية ساعاتي ايفرتون، للكاتب سيمينون والذي انتقل لتصويره إلى منطقة في مدينة ليون كما لو كان سيعود إلى جذوره. واختار برتراند الممثل فيليب نواريه الذي كان في قمة مجده وعطائه الفني كممثل رئيسي، وهو مخرج شاب ومنذ ذلك الفيلم نمت صداقة وتفاهم فني بينهما ، فقد قام المخرج بتصوير خمسة أفلام أخرى معًا: فلتبدأ الحفلة (1975) ، القاضي والقاتل The (1976، منشفة تنظيف (1981)، الحياة ولا شيء اخر (1989)، أبنة درتنايان (1994)، كل هذه الافلام تتناول قضايا مهمة في التاريخ الفرنسي وتعكس مدى ارتباط المخرج بالتاريخ (مسألة الوصاية، قضية القاتل فاشيه، الاستعمار في الثلاثينات من القرن الماضي، الحرب العالمية الاولى، القرن السابع عشر ). فقد وجد المخرج في الممثل فيليب نواريه قدرته الكبيرة في تجسيد فيليب دورليان، ثم شخصية القاضي الذي يهتم بأدق التفاصيل ويسقط القاتل "فاشييه" في الفخ ، جنون مستوطن في إفريقيا عام 1939، نزاهة واستقامة ضابط كبير مسؤول عن العثور على جثة جندي مجهول للمقبرة التذكارية لقوس النصر. ورغم الاختلاف الكبير في الشخصيات، والمواضيع مختلفة للغاية يتكيف الممثل إلى أقصى حد ممكن تمامًا مع أدواره المركبة.
وساعاتي سان بول من تمثيل جان روشفور، جاك ديني و كلوتيلد جوانو ، وحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان برلين السينمائي.

ورغم ان تافيرنييه من جيل قريب من المخرجين شابرول، كودار، و تروفو، ولكنه لم يصطف الى جانب مبدعي الموجة الجديدة "La Nouvelle Vague". كان يدافع عن كبار كتاب السيناريو وكتاب الحوار في السينما الفرنسية من الثلاثينيات إلى الخمسينيات، ويعيد التعريف بهم.
أعطى تافيرنييه التميز للقصة في العمل السينمائي ، وقبل كل شيء انه يسرد القصص. ومع ذلك عمل ملحق صحفي لجورج دي بوركارد ، منتج افلام الموجة الجديدة، وهو الذي منحه فرصته الأولى مع أربعة شباب اخرين في اخراج فيلم اسكيتشات القبلات "Les Baisers " عام (1963) و فرصة الحب La Chance de l Amour عام (1964). وكلاهما انتاج فرنسي ايطالي. ومع هذا غَاب عن اخراج الافلام من 1964 إلى 1974 لانه لم يجد نفسه في هذه السينما.

ولكي يكون قريبا من عملية الخلق السينمائي، عمل سكرتيرًا صحفيًا متفرغًا ، لا سيما للمخرج البريطاني الكبير ستانلي كوبريك في فيلم 2001 : اوديسا الفضاء (1968)، وفيلم البرتقالة الميكانيكية (1971) و فيلم باري ليندون (1975). وعندما كتب فيلمه الأول "ساعاتي سان بول"، دعا تافيرنييه السيناريست جان أورنش وبيير پو لاعداد رواية سيمينون. أورنش سينارست مشارك في كتابة الفيلم الكلاسيكي فندق الشمال Hôtel du Nord للمخرج الكبير مارسيل كارنيه 1938، وپو لكتابته سيناريو فيلم الشيطان في الجسد Le Diable au Corps للمخرج كلود أوتان لارا عام 1947، وفيلم ألعاب محرمة Jeux interdits للمخرج رينيه كليمو. واذا كان تافيرنييه لجأ لكتاب سيناريو مخضرمين لسينما هاجمها مبدعي الموجة الجديدة بعنف، فإن أفلامه لا تقل تناغمًا مع العصر. مثل فيلم الموت المباشر (1980) ، فيلم حدسي من بطولة رومي شنايدر وماكس فون سيدو ، فقد تنبأ قبل أربعين عامًا ببرامج الواقع في التلفزيون، وتدخل الإنترنت في حياتنا اليومية في القرن الحادي والعشرين. وفي فيلم " L.627 " عرض 1992، يكاد المخرج يلتزم بمبادئ الموجة الجديدة. قام بتصوير وقائع فرقة شرطة مكافحة المخدرات في باريس ، الكاميرا محمولة على الكتف ، لقطات طويلة بعض الاحيان ومهتزة مثل فيلم وثائقي. لقد صور مكاتبهم الرثة وأماكنهم المتداعية ، والملاحقات في المترو ، والمخابئ ... وفقًا لشهادة شرطي سابق ميشيل ألكسندر. يروي فيلم L.627 أيضًا قصة ، ولكن بإيقاع أحداث متفرقة ، وليس هناك حبكة واضحة .

السينما الفرنسية مدينة له بالعديد من الافلام الكلاسيكية ، ومنها فيلمه فلتبدأ الحفلة "Que la fête commence " وهو فيلم تاريخي فاز بأربعة جوائز سيزار عام 1976 من ضمنها افضل مخرج. والفيلم الدرامي التاريخي القاضي والقاتل "Le Juge et l Assassin" عرض عام 1976 تمثيل فيليب نواريه ، ميشيل كالابرو ، إيزابيل هوبير ، جان كلود بريالي. وفيلم الموت المباشر "La Mort en -dir-ect" عام 1980 تمثيل رومي شنايدر ، هارفي كيتل ، هاري دين ستانتون. القصة تقع في المستقبل القريب حيث نجح العلم في التغلب على أصعب الامراض، تكتشف كاترين الكاتبة المشهورة انها مصابة بمرض عضال ولم يتبق سوى اسابيع قليلة لتعيشها وتحاول احدى القنوات التلفزيونية الاتصال بها وعرض عليها تصويرها خلال الفترة المتبقية لها لعرضها في برنامج الموت المباشر، ترفض العرض ولكن سيتم تصويرها دون علمها باستخدام (ميكرو كاميرا) مزروعة في عيني المصور رودي الذي باع عينيه للشيطان. والفيلم إدانة للبرامج المتطفلة على الانسان والتي يسميها المخرج "ديكتاتورية التلصص" ومنها برامج الواقع في القنوات التلفزيونية. وكان الفيلم قد رشح لجائزة الدب الذهبي في برلين . ومن النوع البوليسي الكوميدي الدرامي فيلم منشفة التنظيف "Coup de torchon"، الذي صور في السنغال، تمثيل فيليب نواريه ، إيزابيل هوبير ، جان بيير مارييل ، وستيفان أودران، ورشحته فرنسا لجائزة الأوسكار السينمائية للدورة 55 عام 1983 كأفضل فيلم أجنبي.

حصل تافيرنييه على جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان السينمائي عام 1984 عن فيلم يوم الاحد في الريف "Un dimanche à la campagne" تمثيل لوي دوكرو ، ميشيل أومون ، سابين أزيما .
ولما كان يهتم تافيرنييه كثيرا بالموسيقى في افلامه ويعتبرها جزءً مهما من الصورة، اخرج فيلم حول منتصف الليل "Autour de minuit" في عام 1987 من انتاج فرنسي اميركي عن حياة عازف الساكسفون الاسود ليستر يونك وعازف البيانو بود باول ، مستوحى من سيرة باول ، التي كتبها فرانسيس بودراس في عام 1986 بعنوان رقصة الكفار، ولكن بشكل متخيل وحر. فقد غير اسم العازف الى ديل تورنر اميركي اسود عاش في باريس في الخمسينات من القرن الماضي وعاش في فندق صغير لا لويزيان، يعيش الوحدة يهتم به مصمم فرنسي اسيء فهمه والذي كان يحاول انقاذه من الإدمان على الكحول . واختار لدور ديل تورنر العازف والممثل الاميركي ديكستر جوردون ، الى جانب فرانسوا كلوزيه ، غابرييل هاكر ، ساندرا ريفيز-فيليبس، و كريستين باسكال. وفاز الفيلم بجائزة سيزار لأفضل صوت ، و سيزار لأفضل موسيقى أصلية ، و الأوسكار لأفضل موسيقى في عام 1987.

وعن مأسي التي تخلفها الحروب اخرج فيلم الحياة ولا شيء اخر "La Vie et rien d autre " الذي توج بجائزة بافتا كأفضل فيلم بلغة أجنبية عام 1990. تمثيل فيليب نواريه وسابين ازيما، وباسكال فينال عرض عام 1989، تقع الاحداث بعد نهاية الحرب العالمية الاولى مباشرة، ضابط يطلب منه احصاء ووضع قائمة بالجنود المفقودين، يلتقي بامرأتين مختلفتين تماما واحدة تتنقل بسيارة فارهة من مستشفى لاخرى في مناطق ريفية للبحث عن زوجها المفقود والاخرى معلمة شابة تبحث عن حبيبها.
اخرج مباشرة فيلم وثائقي حرب بلا اسم La Guerre sans nom هو فيلم وثائقي فرنسي حول الحرب في الجزائر وعرض عام 1992.

إذا كانت الموضوعات افلامه جادة ، فأن تافيرنييه وكتاب السيناريو الذين يتعاونون معه يجعلونك تضحك ، ولكنه غالبًا ضحك أسود، باستثناء فيلم "الحياة ولا شيء آخر" . لم يترك المخرج تافيرنييه نوعًا او أسلوبًا سينمائيًا لم يتطرق إليه، ففي فيلم أبنة دارتانيان، La Fille de d Artagnan عرض عام 1994 وهو ينتمي الى السينما الشعبية تماما، وكوميديا خالصة. فقد اختار الممثلة الجميلة صوفي مارسو لتؤدي دور إلويز الشابة المتمردة ابنة الفارس دارتنيان، متمكنة في المبارزة بالسيف مثل والدها. تقيم في مدرسة داخلية في دير، ويحدث ان تشاهد مقتل رئيسة الدير على يد دوق كلوفيس دي كراساك والمرأة ذات الرداء الأحمر، ايكلانتين دي روشفور اللذان يتشاركون في تهريب العبيد السود من افريقيا الى الامريكتين، والمتاجرة بالبن، وتعتقد إلويز انها اكتشفت مؤامرة تحاك ضد الملك الشاب لويس الرابع عشر. تهرع الى باريس لتطلب مساعدة والدها لتحذير الملك ورئيس وزرائه الكاردينال مازارين. وتتسبب في مطاردة المتأمرين حيث يستأنف والدها وأصدقائه من مجموعة الفرسان الثلاثة المشهورون أراميس وأتوس وبورتوس على الرغم من انسحابهم جميعًا من الخدمة في فرقة فرسان الملك، وفي الوقت نفسه ، تقع إلويز في حب فارس شاب. سيناريو الفيلم مستوحى من روايتين (الفرسان الثلاثة) والتكملة لها بعد عشرين عامًا، للكاتب الفرنسي ألكسندر دوما . ويؤدي الممثل المفضل لدى المخرج فيليب نواريه دور والدها، كلود رييش، سامي فراي، جان لوك بيدو ، راؤول بيليري ، شارلوت كادي ، وقدم ابنه نيلز تافيرنييه بدور الشاب كوينتى.

وفاز فيلمه الطعم "L Appât " بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي 1995. تمثيل ماري جيلان ، أوليفييه سيتروك ، برونو بوتزولو وريتشارد بيري. القصة مقتبسة من رواية لموركان سبورتيس ، بنفس العنوان وبدوره المؤلف استند الى واقعة حقيقية حدثت في باريس في الثمانينيات. يتفق شابين وفتاة جميلة على استدراج واغواء الرجال الأثرياء وسرقتهم، في كل ليلة تذهب الشابة إلى النوادي الليلية وتستخدم جسدها (كطعم). وبعد انتقاء رجل ما يبدو عليه الثراء من تصرفاتهم وملبسهم وتتظاهر انها تتقبل مغازلتهم وانها معجبة بهم، وتقبل الذهاب معهم بعد ممانعة بسيطة الى بيوتهم وشققهم ومن ثم تقوم بادخال شركائها لسرقة الضحية وسلب ما يمتلكه وابتزازه . وتتحول الاحداث من عمليات سطو عادية إلى القيام بعمليات تعذيب سادية، وقتل.

وعاد المخرج مرة ثانية الى الحرب العالمية الاولى في فيلم كابتن كونان Captain Conan ، قصة مقاتل أستثنائي. كانت منطقة البلقان ، حتى سبتمبر 1918 ، واحدة من مسارح حرب الخنادق. أدى الاستيلاء على جبل سوكول ، أحد آخر المعارك الكبيرة في الحرب ، إلى استسلام بلغاريا، وحقق خرقًا واسعًا تجاه الأراضي النمساوية المجرية. يقاتل كونان (فيليب توريتون) على رأس قرابة خمسين جنديًا شجاعًا ، تم إطلاق سراح معظمهم من السجون العسكرية، ويثير الفزع في قطعات العدو بالطريقة التي يقاتل فيها، كونان يحتقر الجيش النظامي والضباط العاملين ، ومن يسميهم "جنود" ، بينما يعتبر نفسه "محاربًا". تمثيل فيليب توريتون ، صامويل لو بيهان ، برنارد لو كوك، وكاترين رييش. عرض عام 1996، وفاز تافيرنييه بجائزة سيزار كأفضل مخرج مناصفة مع المخرج باتريس لوكونت عن فيلم مثير للضحك، وفاز فيليب توريتون تريتون كافضل ممثل عن دوره كابتن كونان .

وتناول في فيلم لولا القديسة "Holy Lola"، مسألة التبني في فرنسا والمصاعب التي تواجه العائلة التي ترغب في تبني طفل مما يدفع العديد منهم الى الذهاب الى الدول الاسيوية لاختيار طفل لتبنيه. عائلة تتكون من جيرالدين التي لا تستطيع الانجاب من زوجها بيير، تحاول تبني طفل كمبودي والعقبات الحقيقية التي عليهم اجتيازها لتبنيه، في مواجهة الإدارة الفرنسية، وايضا من الجانب الكمبودي اللذين لا يهمهم غير الربح المادي، حيث نجد متبنين أمريكيين مستعدين لدفع مبالغ كبيرة من الدولارات للحصول على طفل. مثلهم دزينة من الفرنسيين مجتمعين معاً في نفس الفندق يتبعون نفس الأسلوب. عرض عام 2004 بطولة جاك كامبلان ، إيزابيل كاري ، برونو بوتزولو.

فيلم أميرة مونتبسيه La princesse de Montpensier، تاريخي درامي مغامرة ومبارزة بالسيف من انتاج فرنسي ألماني عرض عام 2010. السيناريو مستوحى من رواية قصيرة نشرتها مدام دي لا فاييت عام 1662 والتي تدور أحداثها في زمن الحروب الدينية ، التي تنتهي بعد وقت قصير من ليلة سان بارتيليمي، مذبحة البروتستانت التي بدأت في باريس في 24 آب / أغسطس 1572 ، يوم القديس بارثولوميو. يعرض الفيلم قصة حب رومانسية بين الشاب هنري دي گييز ومدموزيل دي ميزييه، التي أجبروها على الزواج من أمير مونتبنسيه ، بعد اتفاق سياسي بين والديهما . تمثيل ميلاني تييري ، كاسبار أوليل ، كريكوار ليبرنس-رانگيه ، رافائيل بيرسوناز ، و لامبير ويلسون. تم اختياره وعرضه في المنافسة الرسمية لمهرجان كان السينمائي 2010.

وليس صدفة ان اخر فيلم اخرجه برتراند تافيرنييه كيه دورسيه " Quai d Orsay" كوميدي سياسي ناقد وساخر عن الاجواء السياسية في مقر وزارة الخارجية الفرنسية ومحاولات الدس والإيقاع من قبل الموظفين ضد كل من يعتقدون انه يشكل عقبة في طريقهم للصعود ونوال المقبولية لدى الوزير. الموضوع مقتبس من كتاب رسوم مصورة بنفس العنوان للكاتب أنتونين بودري والرسام كريستوف بلاين . يروي بودري فيه الأشهر التي قضاها كمستشار لوزير الخارجية.

اعطى تافيرنييه الممثل رافائيل بيرسوناز منصب المستشار عند وزير الخارجية الكسندر تيار دي وورمز. وأسند للممثل تييري ليرميت للقيام بدور الوزير، ونيلز أريستروب بدور كلود موباس رئيس الموظفين،
برونو رافائيلي بدور ستيفان كاهو مستشار الشرق الأوسط، وجولي كاييه، مستشارة الشؤون الافريقية.
تم استدعاء آرثر فلامينك الذي تخرج حديثا من مدرسة اينا المعروفة للعمل مع وزير الخارجية اليميني تيار دي فورميز، يجد نفسه بين رئيس الموظفين البليد الحس والمستشارين الآخرين الذين ألتهمهم الطموع المستعدين لتوجيه ضربات تحت الحزام لزملائهم. كل ذلك في سياق صعب للدبلوماسية العالمية المنهمكة بالصراع والحرب على العراق. وسيدرك الشاب فلامينك بسرعة أن كونه "مسؤولاً عن صياغة خطابات " في الدبلوماسية ليس بالأمر السهل، كتابة خطاب الوزير ليس بالأمر السهل. يطلب منه الوزير ان يكتب خطاب سيلقيه في مجلس الامن، يمنح ركنًا في المكتب لكتابة المسودات، ولكن لكثرة المجيء والذهاب للوزير، يتطلب الكثير من الصبر. والاقتراب من رئيس الدبلوماسية لإعطائه بعض المعلومات يبدو مستحيلاً في بعض الاحيان . هكذا يلخص ويروي آرثر فلامينك في المساء لرفيقه وهو مدرس يساري مثله عندما يعود.
الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية في نهاية الفيلم يستخدم كلمات خطاب ألقاه بالفعل دومينيك دي فيلبان ، وزير خارجية في 14 شباط / فبراير 2003 ، في الأمم المتحدة، ضد التدخل العسكري في العراق ، البلد المتهم زوراً بامتلاك أسلحة دمار شامل. عُرض الفيلم في مهرجان سان سيباستيان السينمائي الدولي عام 2013، وحصل السيناريو على جائزة الصدفة الذهبية التي تمنحها لجنة التحكيم الخاصة لأفضل سيناريو لكل من أنتونان بودري وكريستوف بلين وبرتراند تافيرنييه.

أنتج المخرج فيلمًا وثائقيًا واحدًا فقط في عام 2016، رحلة عبر السينما الفرنسية " Voyage à travers le cinéma"، عُرض في مهرجان كان السينمائي، وأصبح مسلسلًا وثائقيًا عرض على قناة فرنسا 5 التلفزيونية، فيما بعد. يؤكد في هذا الفيلم برتراند تافيرنييه حبه للأفلام والمخرجين الذين أمتعوا طفولته وشغفه السينمائي. قال تافيرينييه عام 2019، انه اكتشف السينما عندما كان ولدًا صغيرًا يعاني من مرض السل أثناء رعايته في المصحة " لقد مكنتني السينما من الصمود. عندما تكون صحتك صعبة ، تسمح لك السينما ان تحلم ". الفيلم يتحدث عن افلام روائية من عام 1930 إلى عام 2008 ، جمع فيه 594 مقطعًا تغطي 94 فيلما فرنسيا. مدته ثلاثة ساعات و خمسة عشر دقيقة، اختارها وعلق عليها . وفي عام 2015 منحه مهرجان البندقية السينمائي الدولي جائزة الأسد الذهبي عن كامل مسيرته المهنية.

كان تافيرنييه عاشقًا كبيرًا للسينما بشكل عام، ومراجعه في الفن السابع عديدة، بالاضافة الى انه متخصص في السينما الأمريكية ، كتب ونشر عام 1970 مع جان بيير كورسودون كتاب (30 عامًا من السينما الأمريكية) الذي يعتبره العديد من محبي ورواد السينما الكتاب المقدس الفرنسي في هذا الموضوع. اعيد طبع الكتاب في عام 1991 تحت عنوان (50 عامًا من السينما الأمريكية) ، وبعد ذلك تم تنقيحه وتحديثه في عام 1995. وأعلن في مدونته نهاية عام 2012 ، انه يقوم بإعداد نسخة ثالثة تحت عنوان (70 سنة من السينما الأميركية)، ولكن يتغير المشروع الى (100 عام من السينما الاميركية)، كان من المفروض صدور الكتاب عام 2021. ومن المفارقات، بقي تافيرنييه ممزقا بين دفاعه عن سينما فرنسية قوية ومستقلة وبين افتتانه بالسينما الاميركية.

يعبر برتراند تافيرنييه من خلال أفلامه عن كراهيته للظلم والتزامه ضد الحرب والعنصرية والجوانب المظلمة للاستعمار، وعقوبة الإعدام ومكافحته لأخطاء مجتمعاتنا المعاصرة: الانحراف والعنف والبطالة والبؤس الجسدي والعاطفي والمخدرات، وبرامج تلفزيون الواقع . يقول المخرج "أنا الشخص الذي يخلق ، ولكن في نفس الحركة أنا أول متفرج على ما يتم إنشاؤه. لذلك يجب أن أفكر فيما أفعله في موقع التصوير وكيف سيتم إدراكه في صالة السينما اينما تكون. وعن علاقته بالسينما كتب "سمح حب السينما، بالعثور على مكان لي في الوجود ".

قال المخرج كلود لولوش، حال سماع خبر وفاته "خسارة فادحة للسينما الفرنسية...كان الوحيد من بيننا جميعًا ، يعرف أفضل ما في السينما قبل الحرب ، والحرب ، وما بعد الحرب ".

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية