جان بول سارتر (1905-1980)

غازي الصوراني
2021 / 3 / 27


فيلسوف وجودي وروائي وكاتب مسرحي وناشط سياسي فرنسي، ويعتبر أحد "المراجع" الثقافية الرئيسية في الغرب كله، وفي العالم العربي نسبياً حتى نهاية الستينات – تقريباً حين انتشرت الفلسفه الوجوديه، مع تيارات الفكر النقدي الاجتماعي، والبنيوي بعد ثورة الطلبة (والشباب في أوروبا الغربية والولايات المتحدة في عام 1968)، وهو الفيلسوف الذي صار لنحو جيل كامل رمزاً للحرية والفردية الفكرية والاجتماعية الواعية ورمزاً لباريس (لاقامته شبه الدائمة في المقاهي المشهورة هناك)"([1]).
التحق بالجيش الفرنسي، وبعد أن أتم خدمته العسكرية عام 1929 "أصبح أستاذاً للفلسفة في الهافر، وفي عام 1933 ارتحل إلى برلين ودرس هوسرل وهايدغر، وعند نشوب الحرب العالمية الثانية إلتحق بالخدمة العسكرية، ووقع في الأسر، وأطلق سراحه عام 1941، وعاد إلى التعليم، وانضم إلى حركة المقاومة التي تأسست على أثر سقوط باريس على يد القوات الألمانية عام 1940، واجتاحت باريس رائحة الهزيمة والدمار، والقتلى، والجثث، والأرامل، والمشردين، نتيجة الاحتلال النازي وهمجيته التي أدخلت الانسان الفرنسي في حالة من اليأس والقنوط من جدوى أي شيء، في عالم عبثي لا معنى له.
يقول يوسف حسين: "جان بول سارتر، الشاب المنتفض الثائر الذي أصبح فيلسوف الحرية في فرنسا، وساهم مع رفاقه (البير كامو واندريه مالرو وسيمون دي بوفوار) في انتشال الفرنسيين من مرارة الهزيمة وأطلق صرخته الوجودية التي قال فيها: "الانسان محكوم عليه بالحرية، وهو يصنع حريته بنفسه، فالانسان في النهاية ما هو إلا ما يفعل وما يقرر أن يكون"، ثم حذر سارتر الفرنسيين من الوقوع في براثن اليأس مؤكداً على الفارق الدقيق بين اليأس وفقدان الأمل، فاليأس هو الظلمة والاستسلام وفقدان الأمل، ولكن قد يفقد الانسان الأمل، لكنه يظل مناضلاً يرفض اليأس.
هذا المناخ الفكري الذي اطلقه سارتر، شجع الفرنسيين على تحدي اليأس والبؤس، والتمسك بالأمل، ومن ثم الانخراط في المقاومة والصمود، وهنا تحولت الفلسفة مع سارتر إلى فلسفة انسانية من خلال إعادة تصويب الفكر نحو الوجود الانساني، لذلك تعتبر وجودية سارتر هي فلسفة الحرية المطلقة للفرد"([2]).
وفي عام 1943 صدر له كتاب "الوجود والعدم"، التأليف المركزي للوجودية الملحدة، ومُثِّلتْ له في عام 1943 مسرحية "الذباب"، وفي عام 1944 "الجلسة السرية". وبعد التحرير نشر المجلدين الأولين من "دروب الحرية: سن الرشد، ووقف التنفيذ"، وفي العام نفسه أسس مجلة "الأزمنة الحديثة"، وترك التعليم. وبدأ يقيم علاقات صعبة مع الحزب الشيوعي.
ورداً على منتقديه والمشنعين عليه -كما يقول المفكر الراحل جورج طربيشي-"ألقى سارتر في عام 1946، محاضرة بعنوان "الوجودية مذهب إنساني"، وفي ذلك العام أيضاً مُثِّلت له مسرحية "البغى الفاضلة"، ونشر "تأملات في المسألة اليهودية"، وفي عام 1947 نشر دراسة عن بودلير، وأتبعها في عام 1948 بمسرحية "الأيدي القذرة"، وأسس "التجمع الديمقراطي الثوري"، فكان نصيبه الفشل. وساند الحزب الشيوعي إلى يوم انتفاضة المجر عام 1956،وفي عام 1949 نشر "الحزب الكبير"، المجلد الثالث من دروب الحرية"([3]).
أعمال سارتر الأدبية هي أعمال غنية بالموضوعات والنصوص الفلسفية بأحجام غير متساوية مثل "الوجود والعدم"(1943)  والكتاب المختصر "الوجودية مذهب إنسانى"(1945)  أو "نقد العقل الجدلي"(1960)  وأيضا النصوص الأدبية في مجموعة القصص القصيرة مثل "الحائط" أو رواياته مثل "الغثيان" (1938) والثلاثية "طرق الحرية".
فلسفته:
يرى سارتر أن هناك ثلاث فلسفات عصر (فلسفات رئيسية) بين القرن السابع عشر والقرن العشرين([4]):
(أ) فلسفة البرجوازية التجارية المتمثلة في ديكارت ولوك.
(ب) فلسفة البرجوازية الصناعية المتمثلة في كانط وهيغل.
(ج) فلسفة الطبقة العاملة الصناعية المتمثلة في كارل ماركس.
وتشكل كل من هذه الفلسفات أفق عصرها، وإطاره الفكري الأساسي، بحيث إن تخطيها لا يتم إلا بتخطي العصر نفسه، ويبدو أن سارتر اعتبر "الوجوديه" من بين أهم فلسفات القرن العشرين.
رأى سارتر أنَّ "وجود الإنسان يَعتمد على حريته، وأنّ تلك الحرية تعني اختياره لِكلّ أفعاله دونَ قيدٍ أو شرطٍ من أيّ مؤثراتٍ خارجية كالمجتمع، أو الأسرة، أو غيرهما، على العكس من الفيلسوف الوجودي الألماني مارتن هايدغر كان يرى أنّ قيمة الوجود تَنبعُ من خلال وجودِ أشخاصٍ آخرين في الحياة "([5]).
هنا سنذكر أشياء قليلة عن الآراء الوجودية لسارتر، وبخاصة كما تم التعبير عنها في كتاب الوجودية والإنسانية، فقد رأى سارتر أن "الوجود يسبق الماهية" عند البشر، وعنى بذلك عدم وجود معايير، ولا "أفكار مقدسة" من زرع الخالق تصف لنا ما يجب أن نفعل بحياتنا، فنحن أحرار بمعنى عدم وجود معايير أو قواعد موضوعية.
إن المبدأ الرئيسي الذي يضعه سارتر للوجودية هو القول بأن (الوجود يسبق الماهية)، ويلاحظ أن هيدجر لم يستعمل تلك العبارة وإن تضمنها مذهبه ومذهب كل وجودي.. وقد كان السائد في الفلسفة المبدأ المضاد لهذا القول، وهي أن "الماهية تسبق الوجود: فقبل أن يوجد العالم كانت صورته أو فكرته موجودة عند الخالق (الله)، وقبل أن يوجد أي شيء تكون صورته في ذهن صانعه"، أما الوجودية ترفض هذا الرأي وتقول أن الوجود يسبق الماهية، وفيما يتعلق بالإنسان مثلاً: الإنسان يوجد أولاً، وينبثق في العالم، ثم يتحدد فِكره من بعد. وما دام الإنسان مشروعاً وتصميماً يضعه لنفسه، فإنه بالضرورة مسؤول عما يكون عليه، وكل إنسان يحمل المسئولية الكاملة عن وجوده"([6]).
إن تمجيد الفعل من المبادئ الرئيسية في (الوجودية).. إذ ليس ثَمَّ حقيقة واقعية إلا في الفعل، والإنسان لا يوجد إلا بقدر ما يحقق نفسه؛ إنه ليس شيئاً آخر غير مجموع أفعاله، والعبقري والمبدع ليس إلا ما عَبَّرَ عنه، فعبقرية (شكسبير) هي مجموعة مؤلفاته، وعدا ذلك فليس ثَمَّ شيء.
بحث سارتر في فلسفته عن معنى الوجود، وعن موقع الانسان في هذا الوجود، حيث يقوم البناء الفلسفي للوجودية على الحرية.
العناوين الأساسية لفلسفة سارتر:
1.  قَسَّمَ سارتر الوجود إلى نوعين :
                                                        أ‌-        الوجود في ذاته وهو العالم المادي.
                                                      ب‌-      الوجود لذاته، وهو الوجود الواعي، الذي يتصور ذاته ويحدد ماهيته، وهذا الوجود لذاته ينحصر في الإنسان بحكم كونه ذات عاقلة مالكة للحرية واعية لذاتها.
2.    اما ما يخص اطروحة سارتر حول الحرية، فيمكن تلخيصها في ثلاثة قضايا هي:
                                                        أ‌-        الانسان حر لإن وجوده سابق على ماهيته.
                                                      ب‌-      الانسان مسئول عن افعاله ويتحمل نتائجها.
                                                      ت‌-      نتيجة الحرية ومسئولية الخيار، يتولد القلق عند الانسان.
سارتر إذن، -كما أشرت من قبل- أراد إعادة الاعتبار للإنسان، ليجعله مالكاً لوجوده ولنفسه ومصيره، وألا يكون عبداً للتصورات الغيبيه، فالإنسان عنده، هو مشروع وجود متجدد من خلال وعي ذاته، ووعي محيطه وحياته وتجاربه وخبراته، وكل هذه الأمور تجعل منه إنساناً متغيراً وفق إرادته، مسئول عن أفعاله سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن، شجاعاً، كريماً، بخيلاً.. إلخ والمسئولية هنا هي إنعكاس لاختيار هذا الانسان أو ذاك.. ومن هنا قال سارتر: "إن الهزيمة التي تَعَرَّضَ لها الفرنسيين تحققت بسبب تقاعس الفرنسيين أنفسهم، وليست قدرا مكتوباً لا يمكن رده، بل يجب الخلاص منها عبر المقاومة ووعي الفرنسيين لدورهم في تحقيق النصر".
تأثر سارتر -كما يقول يوسف حسين-"بثلاثة فلاسفة هم: نيتشه، وفرويد، وهوسرل صاحب المذهب الظواهري، فقد كان يرى أن الإنسان كائن قَلِقْ بطبعه، وهو قَلَقْ ينقسم إلى نوعين: قَلَقْ حياتي ناجم عن اختيارات الانسان، وقَلَقْ وجودي مثقل بالأسئلة التي دفعت الانسان إلى أوهام الميتافيزيق.
لكن سارتر أراد ان يُحَوِّل القلق الوجودي إلى وعي بالذات لدى الانسان، لكي يشعر بالمعنى الحقيقي لوجوده بعيداً عن الأوهام، ويبدأ رحلة الاختيار الذاتي، وفق قراره وحريته (ان يكون مؤمناً أو غير مؤمن، أو منتمي لهذا الحزب أو ذاك ، أو يتخذ أي موقف أو فكر (يساري أو يميني) يراه معبراً عن قناعته وحريته واختياره، ليتحمل مسئولية ذلك الاختيار بكل تبعاته، فالحقيقة عند سارتر هي وعي الانسان بذاته، مستخدماً مصطلح ديكارت "أنا أفكر اذن انا موجود" هنا تتجلى الحرية المطلقة.
سارتر حَرِصَ من خلال فلسفته الوجودية، على خلق عوامل الثقة داخل الانسان، ارتباطاً بحريته، وإرادته واختياره ، لكي يكون لحياته معنى، وهي فلسفة تفاؤليه ترفض كل الأوهام والمعتقدات التي تَحُوْل دون حرية الانسان واختياره الذاتي"([7]).
لقد أراد سارتر إعادة الاعتبار للانسان بكونه كائن حر، "فالحرية هي الوجود بحد ذاته، أراد خلق الثقة بالنفس للانسان، لكي يتحرر من كل القيود، وعدم الاكتفاء بلعن الظلام أو لعن القدر.. إلخ وأن يخلق لنفسه غايه لتكون حياته ذات معنى، كما أراد من خلال فلسفته أن يصنع من هذا الوجود العبثي الغير ذي معنى، وجوداً معقولاً يمتلك فيه الانسان بوصفه ذات فاعلة، حريته كاملة، هذه الحرية المطلقة عند سارتر، هي الوجود الانساني، لان الانسان محكوم بها، وبالتالي أكد سارتر أن هذه الحرية جوهر فلسفته الوجودية التي تقوم على الإلحاد كما كان يعلن دائماً كشرط للحرية وإدراك الانسان لذاته"([8]).
انتشر تأثير فلسفته الوجودية، التي نالت شعبية واسعة، في أوساط معظم أدباء ومثقفي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة في أوساط الشباب في فرنسا وفي أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ثم –بدرجات أقل- في العديد من بلدان العالم بما في ذلك بلداننا العربية.
مسيرة سارتر ومواقفه:
في عام 1952 سافر إلى الاتحاد السوفيتي، وفي عام 1956 سافر إلى الصين ويوغوسلافيا واليونان، واحتج على حرب الجزائر، وفي عام 1960 سافر إلى كوبا معلناً تضامنه مع الثورة الكوبية،  وفي عام 1964 مُنح جائزة نوبل، فرفضها، بسبب رفضه للتكريم، وبسبب عناده وإخلاصه لنفسه ولأفكاره، لكنه –وهنا المفارقة أو التناقض في مواقفه- حينما قبل أثناء زيارته "إسرائيل"، وقبوله لقب دكتور من جامعة "أورشليم" عام 1976 رغم إدراكه بطبيعتها الإحلاليه الاستعمارية واغتصابها لفلسطين وتشريد الشعب الفلسطيني.
لكنه على العموم، وحتى وفاته في 1980, لم يكف عن تغطية الأحداث التي تدور من حوله، فكان في الحقيقة يخوض جميع المعارك، متخذاً موقفاً واضحاً ومتبنياً بحماسة جميع القضايا التي كانت تبدو له عادلة، لكنه حين قام بزيارة مخيمات اللاجئين في قطاع غزة عام 1963 – حسبما أتذكر- اكتفى بالقول "إنني متعاطف مع هؤلاء اللاجئين، دون أي إشارة إلى إدانة الحركة الصهيونية أو إلى حق اللاجئين في العودة.
"انتشرت افكاره الوجودية من خلال المجلة التي أنشأها في 1945 تحت اسم "الأزمنة الحديثة" التي تناولت العديد من القضايا السياسية والمجتمعية والفكرية، من خلال أبرز المثقفين في فرنسا وأوروبا، إلى جانب سارتر وسيمون دي بوفوار.
بالنسبة لسارتر، الكاتب هو شخص صاحب موقف، وقد طغت هذه الرؤية على جميع النقاشات الثقافية في النصف الثاني من القرن العشرين، ما عدا موقفه من قضية الشعب الفلسطيني العادلة.
في كتابه "الوجودية مذهب إنسانى" أراد سارتر–في إحدى ندواته الثقافية- التقرب من الماركسيين الذين يرفضون فكرة الحرية الجذرية،حيث قام بعرض الفكرة المهيمنة على الوجودية: وهي ان الإنسان لا يستطيع رفض الحرية التي تميل إلى المستقبل، وكل فعل حر هو مشروع، وإن تنفيذ المشروع الفردى يعدل تنفيذ المشروعات الفردية الأخرى، الحرية هي أساس كل القيم الإنسانية، اتخاذ المواقف ضمن الاختيار الصحيح، تجعل الإنسان إنساناً.
رأى سارتر في الشيوعية الحل لمشاكل البروليتاريا، هذا ما جعله يقول "إذا أرادت الطبقة العمالية الانشقاق من الحزب الشيوعى الفرنسي، فلا يوجد أمامها إلا حل واحد وهو الانهدام".
أصبح سارتر صديقاً للحزب الشيوعى بين 1952 و1956، ومنذ هذا الوقت، شارك في الحركة وترأس منظمة فرنسا-الاتحاد السوفيتي، ومن شدة إعجابه بالتجربة السوفيتية آنذاك أعلن سارتر أن "في الاتحاد السوفيتي، حرية النقد كاملة"وأصبح عضوا بالمجلس العالمي للسلام، وفي تلك المرحلة قال جملته الشهيرة "إن الفلسفة الماركسية لا يمكن تجاوزها إلا من خلال تجاوز الرأسمالية".
ظل هذا الإخلاص للحزب الشيوعى الفرنسي حتى خريف 1956, وهو تاريخ دخول الدبابات السوفيتية لانتفاضة بودابست، فإصدر سارتر مع عدد من المثقفين بياناً رفضوا فيه التدخل السوفيتي العسكري، أعطى سارتر لقاء طويلاً لجريدة "l Express"  لاعلان استقالته الجذرية عن الحزب.
في هذا الجانب، يرى المفكر الراحل صادق العظم أن "ماركسية سارتر معادية للمادية في العمق ومُحْتَقِرة لها وللعلم ومٌفَصَّلة إلى حد كبير بما ينسجم مع وجوديته الأولى، فهي ماركسية سليلة تقليد قوي، شعاره الضمني "الماركسية بلا مادية" ومن أعلامه -كما يضيف العظم- جورج لوكاتش المبكر في كتابه الواسع التأثير والنفوذ حتى اليوم "التاريخ والوعي الطبقي"، وكارل كورش في كتابه "الماركسية والفلسفة" بالإضافة إلى الانتاج الغزير لمدرسة فرانكفورت، وكما هو معروف، شن لوكاتش في كتابه هجوماً عنيفاً وصريحاً على العلوم الطبيعية – وهذا حدث نادر في الأدبيات الماركسية – وتبعه كورش في تبني مواقف مشابهة"([9]).
لكن، بالرغم من ابتعاد سارتر عن الحزب الشيوعى إلا انه استكمل نشاطه الفكري والسياسي في تأييد قضايا السلم والديمقراطية والحرية لكل الشعوب، وعلى هذا الأساس اتخذ سارتر منذ 1956, موقفاً معادياً لفكرة جزائر فرنسية وقد تبنى رغبة الشعب الجزائري في الاستقلال. احتج سارتر على التعذيب، وطالب بحرية الشعوب وبتقرير مصائرهم وقد صور العنف على انه غرغريناونتيجة للاستعمار .
كان الفكر الفلسفى لسارتر، ظاهرة نادرة لتاريخ الفكر الفرنسي، فقد لاقى صدى غير معهود من جمهور واسع للغاية، ويمكن تعليل ذلك بعاملين أساسيين : أولاً، أعمال سارتر متعددة الأشكال، وتسمح لكل شخص إيجاد مستوى القراءة الذي يناسبه, ثانياً، الوجودية، التي تنادى بالحرية الكاملة بالإضافة إلى المسئولية الكاملة لافعال الإنسان امام الآخرين وامام نفسه.
 
نقد العقل الديالكتيكي :
"في سنة 1960 أصدر سارتر كتاباً ضخما في فلسفة التاريخ بعنوان "نقد العقل الديالكتيكي"، أصدر منه الجزء الأول، ومات قبل أن يُصدر الجزء الثاني.. والفكرة الجوهرية في الكتاب هي إنكار فكرة العقل الجماعي في كافة صورها، فمن رأيه، لا يوجد عقل جماعي يعلو على عقول أفراد المجتمع، وبالتالي لا يوجد في التاريخ الإنساني (وِحدة) إنما هو مؤلف من كثرة متعددة جداً من الأعمال غير المتجانسة.. وواضح أن هذا المبدأ يتناقض مع ماركس وإنجلز والماركسيين عامة.. مع أن سارتر في كتابه هذا يقدم نفسه بمثابة الفاهم للماركسية في حين أن أتباعها هم من حرفوها"([10]).
وفي 1967, صعد سارتر إلى رَأَسَ المشهد، عندما رأس محكمة راسل مع بيرتراند راسل، وهي محكمة معلنة وجمعية عالمية للمثقفين والنشطاء والشهود المكلفون بالحكم على الحروب أو إدانتها وبالأخص حرب الأمريكان في فيتنام.
وفي مايو عام 1968، اشتعلت انتفاضة وثورة الشباب الفرنسي ضد الظلم والاستغلال، وقيل يومها إن سارتر كان مُلهم الشباب في ثورتهم, فقد قام بالفعل بصنع أصداء الثورة، في الشارع، وعلى المنابر، وفي الجرائد، وعلى أبواب المصانع المُضْرِبة، لدرجة أن وزير الداخلية آنذاك اقترح على الرئيس الفرنسي ديجول القيام بإعتقال سارتر، لكن ديجول العظيم رد عليه مستنكراً ومؤنباً "هل تريدني أن اعتقل فرنسا .. إن سارتر عندي هو فرنسا".
وبعد ثورة  أيار 1968، أيد سارتر حركات يسارية شتى، وساهم بالكتابة في الصحف الناطقة بلسانها، وعلى الرغم من إصابته بمرض في عينيه جعله أقرب إلى الضرير مما اضطره إلى هجر التأليف.
توفى سارتر في 15 أبريل 1980 عن عمر يناهز 75 عاماً، وفي العالم كله، أثار خبر وفاته ضجة كبيرة, هرع 50 ألف شخصا إلى شوارع باريس للسير في موكب الدفن ولإعطاءه التكريم المناسب لشخصه.
دُفن سارتر في مقبرة مونبارناس بباريس (الحى 14) في 14 أبريل 1986، ودفنت سيمون دى ربوفوار لاحقًا معه في نفس القبر، وكُتب عليه "جان بول سارتر (1905-1980) وسيمون دىبوفوار (1908-1986)".
من أقواله([11]):
·        لقد وجدت ديانتي؛ لا شيء أهم من الكتاب بالنسبة لي, لقد رأيت المكتبة كمعبد.
·        ربما هناك أزمنة أجمل, لكن هذا زماننا نحن.
·        الحياة تفقد معناها, لحظة نفقد الوهم بأنها أبدية.
قالوا عنه([12]):
·        "عندما تتجلى الماركسية في مظهرها الحقيقي لا في المظهر الكاريكاتوري الذي يُلبِسْها سارتر إياها سنتبين للحال تنافيها الجوهري مع الوجودية". (جورج لوكاتش).
·        "إن لغة جدل التاريخ وفلسفته مندمجة بالماركسية إلى حد ان الكلام عن تلك بدون استعمال هذه يمثل مشروعاً جديداً مطلق الجدة: وتلكم هي الاهمية القصوى لمحاولات سارتر" (موريس ميرلو– بونتي).
 
 


([1])سامى خشبة – مرجع سبق ذكره - مفكرون من عصرنا – ص 455
([2]) مرجع سبق ذكره – يوسف حسين.
([3])  جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 348-349
([4]) د.هشام غصيب – نقد العقل الجدلي – دار التنوير – بيروت – 2011 – ص286.
([5]) ليلى العاجيب – بحث حول الفلسفة المعاصرة – الانترنت- موقع: موضوع – 31 يناير 2016.
([6]) موسوعة الفلسفة: الجزء الأول- الدكتور عبد الرحمن بدوي - المؤسسة العربية للدراسات والنشر -  الطبعة الأولى 1984 – صفحة 563 وما بعدها .
([7]) مرجع سبق ذكره – يوسف حسين.
([8]) المرجع نفسه .
([9]) د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –ص 99
([10]) موسوعة الفلسفة: الجزء الأول- الدكتور عبد الرحمن بدوي - المؤسسة العربية للدراسات والنشر -  الطبعة الأولى 1984 –صفحة 563 وما بعدها .
([11])  عبد الله برالي – تعرف على أهم فلاسفة القرن العشرين واشهر أقوالهم – الانترنت – 14 أكتوبر 2015
([12])  جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 348-349

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول