مسلسل - طرد الدبلوماسيين الروس- الى أين ؟

كريم المظفر
2021 / 3 / 24

على خلفية الاتهامات التي وجهتها أجهزة الاستخبارات الامريكية الى روسيا ، بالتدخل في الانتخابات الامريكية التي أسفرت عن فوز الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب، والتي لم تؤكدها اللجان التحقيقية التي شكلها الكونغرس الأمريكي، باتت هذه التهمة " جاهزة " ضد روسيا في كل دولة تجري أو ستجري فيها الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية او تلك التي يعاني مسئوليها من مشاكل داخلية تستوجب غض الطرف عنها وتخفيف الخناق عن الحكومة، ويعقبها بعد ذلك سيناريو الختام معروف ، فإنها تبدأ أولا بطرد عدد من الدبلوماسيين الروس ، وتنتهي بعقوبات بريطانية وأوربية وأمريكية اقتصادية ، حتى صار هذا الامر كالأسطوانة " المشروخة " لدى الحكومة الروسية وشعبها .
وما ان تنتهي فضيحة دبلوماسية ، حتى تلد أخرى ، وكلها تنتهي بعدم تقديم أي أدلة حقيقية حول هذه " الفضائح " والتي تخصصت بها دول أوربا الشرقية كبولندا والتشيك ودول البلطيق وغيرها ، لانها الحلقة الأضعف في الاتحاد الأوربي ، وتحاول اثبات ولائها للولايات المتحدة الامريكية ، وتنفيذ ما يطلب منها دون تردد ، وهذه المرة في بلغاريا (التي كغيرها من دول اوربا الشرقية السابقة والتي إن حضرت لا تعد وإن غابت لا تفتقد)، حيث طردت السلطات البلغارية دبلوماسيين روس، خطوة قالت عنها السفارة الروسية لدى صوفيا، في بيان أصدرته عبر "فيسبوك" "مضطرون للتأكيد مع أسف أن هذه الخطوة الجديدة غير المستندة إلى أي أساس من قبل السلطات البلغارية لن تسهم في إقامة حوار روسي بلغاري بناء".
وبدأت الأزمة الدبلوماسية الجديدة بين روسيا وبلغاريا طفت على السطح ، على خلفية تهديد بلغاريا بإعلان عدد من موظفي السفارة الروسية أشخاص غير مرغوب فيهم وطردهم لصلتهم بفضيحة التجسس، وإعلان مكتب المدعي العام البلغاري عن اعتقال ستة موظفين بوزارة الدفاع البلغارية والمخابرات العسكرية للاشتباه في قيامهم بالتجسس لصالح الاتحاد الروسي ، في حين وعدت موسكو بالرد على صوفيا ، حيث تعكس إجابة صوفيا في حالة اتخاذ مثل هذا القرار، على خلفية قيام القوات الخاصة البلغارية باعتقال العديد من جنودها لتسليمهم للروس أسرار تتعلق بالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة.
وبطبيعة الحال ، والحالة هذه فإن موسكو لن تقف مكتوفة الأيادي تجاه هكذا خطوة ، وبحسب فلاديمير دشاباروف ، النائب الأول لرئيس لجنة مجلس الاتحاد للشؤون الدولية ، فإنها ( أي موسكو ) سترد بطريقة تشبه المرآة على صوفيا في حالة إعلان موظفي السفارة الروسية أشخاصًا غير مرغوب فيهم وطرده ، و أعتبرت أن مثل هذه الخطوة ستصبح "عملا غير ودي من جانب بلغاريا" ، وإنها ستجيب بشكل لا لبس فيه ، وستتخذ إجراءات مماثلة إذا تم اتخاذ مثل هذا القرار" ، واصفة اتهامات الجانب البلغاري بالدبلوماسيين الروس بالتجسس التي لا أساس لها.
أما رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف ، فقد أشار إلى أن هذه لن تكون المرة الأولى التي يُعلن فيها أن الدبلوماسيين الروس غير مرغوب فيهم في البلاد ، وقال "مرة أخرى أود دعوة قادتهم للتوقف عن التجسس في بلغاريا" ، مضيفًا أنه يقدر عمل مكتب المدعي العام والخدمات الخاصة في هذا الشأن ، ووفقا له ، فإن تشغيل الخدمات الخاصة هو نوع من العمل الإيضاحي للمطالبة بوضع حد للتجسس في بلغاريا ، وشدد رئيس الوزراء على أن "الصداقة هي صداقة ، لقد أظهرناها ، بما في ذلك قضية خط أنابيب الغاز في البلقان ، ولكن للتجسس على قدراتنا في حلف شمال الأطلسي ، دون إعطاء تقييمات سياسية ، مرة أخرى أن أشكر خدماتنا الخاصة وأؤكد أنه بنفس الطريقة ، ومنهجية ، في أي حالة من هذا القبيل ، سندافع بحزم عن أمننا واستقلالنا.
والرواية البلغارية والتي تسببت في التصريحات المتبادلة بين موسكو وصوفيا، تشرح تنفيذ موظفو جهاز أمن الدولة البلغاري DANS ، مع وزارة الشؤون الداخلية ، عملية في صوفيا ، اعتقلوا فيها العديد من الأشخاص ( البلغار ) المشتبه في تجسسهم لصالح روسيا ، وبحسب مصادر مطلعة كما أسمتها قناة bTV البلغارية ، وانه كجزء من العملية ، فحصت الشرطة وثائق كل من غادر صوفيا على طول الطريق السريع المؤدي إلى مدينة بلوفديف ، وقد تم اعتقال أحد المشتبه بهم نتيجة هذه الإجراءات.
العديد من المسؤولين البلغاريين ، وفقًا لقناة نوفا ، يُزعمون أن الذين تمكنوا من الوصول إلى معلومات سرية ، تجسسوا لصالح روسيا ، وسرعان ما أعلن المدعي العام البلغاري إيفان جيشيف ، أن إدارته اتهمت ستة بلغاريين ، من بينهم عدد من كبار المسؤولين في وزارة الدفاع والاستخبارات العسكرية ، بالتجسس ، وقال الضابط المسؤول عن تطبيق القانون إن "التحقيق له أهمية خاصة بالنسبة للأمن القومي لبلغاريا والاتحاد الأوروبي والناتو والولايات المتحدة" ، وذكر إن مراقبة أعمال مجموعة التجسس بدأت منذ فترة طويلة ، وبفضل ذلك تم اتخاذ تدابير في الوقت المناسب للحد من العواقب السلبية التي يمكن أن تخلقها على الأمن القومي ، ولخص المدعي العام: "في هذه الحالة ، نحن نتحدث عن قيام البلغار ببيع بلادهم مقابل فلس واحد".
ولأضفاء بعض ( الملح ) قارن المدعي العام حجم الحالة الحالية بقضية "كامبردج فايف" ، عندما عمل خمسة طلاب من النخبة ، على حد قوله ، على التحريض على الحرب الباردة حتى قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية ، مما زود الاتحاد السوفيتي بمعلومات سرية من البريطانيين وأجهزة المخابرات الأمريكية ، وأضافت سيكا ميليفا المتحدثة باسم المدعي العام أنه تم اعتقال خمسة على الأقل من العسكريين البلغاريين السابقين أو الحاليين.
ومن بين المعتقلين الملحق العسكري السابق المسؤول حاليا عن المعلومات السرية في البرلمان البلغاري ، ومعتقل آخر هو ضابط سابق في المخابرات العسكرية بوزارة الدفاع ، الذي اتُهم بأنه رئيس شبكة تجسس ، ويُزعم أن الضابط المذكور تدرب في المخابرات العسكرية الروسية ، وكانت مهمته إنشاء "شبكة غير شرعية من العملاء" تتكون من أشخاص لديهم إمكانية الوصول إلى معلومات سرية حول بلغاريا وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي ، وقالت ميليفا: " ان زوجته التي تحمل الجنسيتين الروسية البلغارية ، لعبت دور الوسيط بين الضابط السابق وسفارة الاتحاد الروسي".
والزوجة متهمة أيضا بنقل معلومات سرية عن بلغاريا وشركائها في الاتحاد الأوروبي والناتو إلى "موظفة في السفارة الروسية" ، والتي بدورها أعطتها أموالاً لدفع تكاليف تشغيل شبكة تجسس ، واجتمع جميع أعضاء الشبكة في الأماكن العامة ، على سبيل المثال - في مباريات التنس ، وكدليل على ذلك ، عرض الادعاء على الصحافة تسجيلات هاتفية وتسجيلات فيديو لزيارات الأشخاص المذكورين للسفارة الروسية في صوفيا.
وخلال مؤتمر صحفي ، قال المدعي العام إيفان جيشيف إنه أثناء مراقبة الجواسيس ، تم استخدام معدات مراقبة خاصة وهناك عدد كبير من السجلات التي تؤكد إدانتهم ، على سبيل المثال ، هناك تسجيل صوتي لمقيم وزوجته يناقشان المبلغ المستلم من السفارة الروسية ، وهناك أيضًا مقطع فيديو لهما وهما يغادران مبنى السفارة الروسية في بلغاريا ، وقال إيفان جيشيف إن الوكلاء قاموا بتصوير مستندات سرية باستخدام الهواتف الذكية ، كما قاموا بتصوير معلومات سرية على شاشات أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم على بطاقات الذاكرة التي قدمها لهم المقيم ، وقام بتعليمهم مهارات تشغيلية ، وهناك تسجيلات لمحادثات نوقشت فيها مبالغ مدفوعات هذه الخيانة أو تلك ، بالإضافة إلى ذلك ، هناك صورة لوكيل يقوم بتبديل الدولارات في مكتب للصرافة ، والثاني يسحب الأموال من جهاز الصراف الآلي ، وشدد إيفان جيشيف إن مكتب المدعي العام سيصر على أن تقوم المحكمة باعتقال جميع المشتبه بهم ، ووضعهم في مركز احتجاز قبل المحاكمة ، وعدم السماح لأي شخص بالعودة إلى المنزل.
روسيا التي حاولت تهدئة الامر وانتظار قول الفصل للقضاء، دانت محاولات "شيطنة" موسكو قبل الحكم على القضية ، وطالبت السفارة الروسية في صوفيا بوقف التكهنات حول "مشاركة مزعومة لروسيا في عمليات استخباراتية ضد مصالح بلغاريا" ، وقال بيان السفارة "نتوقع أن تنتهي التكهنات بشأن تورط روسيا المزعوم في عمل استخباراتي ضد مصالح بلغاريا بانتظار قرار من المحكمة".
وتصر السفارة الروسية في بلغاريا في بيانها على إنهاء التكهنات حول تورطهم في قضية التجسس ، في سياق التحقيق مع ستة أشخاص سبق اعتقالهم ، بانتظار قرار من المحكمة ، وقالت انه في سياق تعقيد الوضع الدولي ، من الواضح أن المحاولات" الدؤوبة "لدق إسفين في الحوار الروسي البلغاري وشيطنة بلدنا مرة أخرى واضحة من خلال اعلان المدعي العام ، والتحقيقات حول التجسس لصالح دولة أجنبية لم تنتهي بعد ، " ونعتقد انه حتى قرار المحكمة في هذه القضية ، يجب قف التكهنات بشأن تورط روسيا المزعوم في أنشطة استخباراتية ضد مصالح بلغاريا "، وأعربت عن ثقتها في أن "المحاكمة ستجرى على أساس غير مسيس ونزيه وموضوعي مع الالتزام الصارم بقواعد التشريعات البلغارية والدولية".
وهذه ليست فضيحة التجسس الأولى بين البلدين في السنوات الأخيرة، وكان آخرها بين أكتوبر 2019 ونهاية 2020 عندما قامت صوفيا بطرد خمسة دبلوماسيين روس وفني، ووفقًا للقانون البلغاري ، يواجه المعتقلون في " جريمة التجسس المزعومة والجديدة " من المواطنين البلغار عقوبة السجن لمدد تتراوح بين 20 عامًا والمؤبد ، والسؤال الذي أثير ، مدى صحة الادعاءات البلغارية ضد روسيا ؟ .
سكان البلاد في بلغاريا اعربوا عن شكوكهم في الروايات الرسمية ، واعربوا عن أعتقادهم أن الحزب الحاكم قام بهذه الفضيحة عشية الانتخابات البرلمانية التي ستجري في الرابع من أبريل القادم ، وهنا قررت السلطات البلغارية الإسراع في إظهار ولائها الفائق لأمريكا في المواجهة مع "العدو العالمي للديمقراطية" – روسيا ،لذلك قاموا باختراع فضيحة مع "الجواسيس الروس" - للمرة الرابعة (!) منذ يناير من العام الماضي ، وذلك من أجل كسب ود الولايات المتحدة ، حيث سيتم انتخاب أعضاء البرلمان في بلغاريا ، واقتربت منهم حكومة رئيس الوزراء بويكو بوريسوف الموالية للغرب بنتائج كارثية - في الاقتصاد والسياسة الاجتماعية ، ناهيك عن مكافحة الوباء ، لطالما كان يهمس في صوفيا أن "المكنسة الجديدة" في واشنطن ، ممثلة بإدارة بايدن ، يمكنها أن تكتسح التابع سيئ الحظ وتجد شخصًا آخر يحل محله.
ومنذ صباح الجمعة الماضية ، كان العدد يقارب شخصين ، أما الآن فقد ارتفع عدد المعتقلين إلى ستة ، وهناك القليل من التفاصيل ، لكن تلك التفاصيل الموجودة لا يمكن إلا أن تسبب الدهشة ، حيث تم التعرف على أحد "الجواسيس" من بين آلاف الأشخاص الذين يسافرون على طول الطريق السريع من العاصمة إلى مدينة بلوفديف - واتضح أنه بعد فحص الوثائق لدى كل فرد ، تم التعرف على قائد المجموعة ، وهو ضابطا رفيع المستوى سابق بالمخابرات العسكرية بوزارة الدفاع ، وبحسب ممثلة مكتب المدعي العام ، سيكا ميليفا ، فقد تلقى تعليمًا عسكريًا في بلغاريا وخارجها ، وتخرج أيضًا من مدرسة استخبارات في موسكو ، تُعرف باسم GRU ، وفي الواقع ، بعد مثل هذه "المعرفة" بالحقائق ، عندما يتم الخلط بين المخابرات السرية ومؤسسة تعليمية ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: ألم يحن الوقت لتغيير الموظفين في الهيئات البلغارية؟
ويقول قراء صحيفة دنيفنيك البلغارية في التعليقات على "أخبار التجسس" انه خلال العام الماضي، تم طرد أكثر من ستة دبلوماسيين وموظفين روسيين في البعثة التجارية، من بلغاريا، بزعم مشاركتهم في أعمال استخباراتية في البلاد ، ومع ذلك ، لم تقدم صوفيا أي دليل يدعم هذه الادعاءات ، كما هو معتاد في الممارسة الدبلوماسية ، وردت موسكو بطريقة معكوسة: واعادت ستة مسؤولين بلغاريين عملوا في روسيا إلى ديارهم في وقت مبكر ، والسؤال لماذا يحتاج البلغار إلى هذا؟ لماذا، وعلى حساب أنفسهم بشكل واضح، ومن أجل الاتحاد الأوروبي، يرفضون مد خط أنابيب الغاز ساوث ستريم إلى أوروبا؟ لماذا تضخم فضائح التجسس التي لا نهاية لها، مع التأكيد بكل طريقة ممكنة على أنها تحمي أيضًا "المصالح الأمريكية"؟ ، في حين صرح وزير الداخلية البلغاري السابق رومين بيتكوف في وقت سابق من هذا العام إن الطرد المستمر للدبلوماسيين الروس كان محاولة لصرف الانتباه عن المشاكل الداخلية للجمهورية ، وقال بيتكوف: "ربما كان هناك من يحتاج إلى تحويل الانتباه من التصويت بسحب الثقة إلى فضيحة التجسس والبدء في التعليق على سلوك" الجواسيس الروس "في بلغاريا" ، لكن السلطات تجد صعوبة متزايدة في تحقيق هذا الهدف.
وتقول صحيفة BgNews البلغارية أن المدعي العام إيفان جيشيف هو الذي أجرى عمليات تفتيش في مكتب الرئيس البلغاري رومين راديف ، محاولًا اتهامه بالتعاون مع روسيا ، وكانت إقالته من منصبه أدت الى تنظيم عدة احتجاجات على مدار عدة أشهر ، وفي ظل هذه الظروف ، فإن هوس إيفان جيشيف بالتجسس معروف جيدًا ولا يمكن أن تؤخذ تأكيداته على كلامه.
ولن تكون الفضيحة الجديدة في بلغاريا ، نهاية مسلسل الفضائح المتتالية التي تنتهجها الدول الغربية تجاه روسيا، والتي فاقت حتى اعداد حلقات المسلسلات البرتغالية بحلقاتها المئوية المملة ، لأن جميع هذه الفضائح باتت مكررة في الشكل والمضمون والنتائج ، حتى أن الدول الغربية وأمريكا لم يعد لديها المسوغات الحقيقة لإقناع شعوبها ، او الحقول والشركات والأشخاص لفرض العقوبات عليها ، في حين " تكيفت " روسيا مع جميع هذه الإجراءات ، وتحصنت بشكل كبير ، وبالتالي لم تعد لهذه العقوبات أي أثر ملموس في زعزعة الوضع الاقتصادي او السياسي ، حتى بورصة موسكو وأسواق العملات لم تعد تتلون باللون الأحمر كما كان سابقا .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول