مَدْخَل لِتَقْوِيم أحزاب اليَسار

عبد الرحمان النوضة
2021 / 3 / 23

مُـحـاضرة حول مَوضوع : مَدْخَل لِتَـقْوِيم أحزاب اليَسار (الصيغة 5).
سواءً كانت الهَيْئَة المَعْنِيَة هي فَرْد، أم حِزب، أم ِمُجتمع، نُلاحظ أن السِرَّ العَظِيم الذي يجعل أَيَّةَ هيئة مُحدّدة تَتَقَدَّم وتَتَـقَوَّى، هو كَوْنُها تجتهد في كلّ يوم لِتَعَلُّم أشياء جديدة، وتجتهد في كل يوم لِتَصْحِيح نَقَائِصِهَا، وَتَجتهد في كلّ يوم لِتَحْسِين أَدائها. كلّ هيئة تَفْعَل ذلك سَتَتَحَسَّن وَسَتَتَقَوَّى بالضرورة، وَلَوْ كنت مَرْتَبَتُهَا الأَوَّلِيَة فَظِيعَة فِي التَخَلُّف. بينما الهيئة التي لا تفعل ذلك، فإنها سَتَتَـقَهْـقَر، وَسَتَتَخَلَّف حَتْمًا، وَلَو كانت مَرْتَبَتها الأصلية عَالِيَة جِدًّا.
-------------------------
هذا المقال هو محاضرة، ألقاها رحمان النوضة، حول موضوع «آلِيَّات تَـقْوِيَة أحزاب اليسار» بالمغرب. وَقد أُلـقَى النوضة هذه المحاضرة في مَقرّ فرع «حزب الاشتراكي المُوحّد»، بالحي الحَسَنِي، بمدينة الدار البيضاء، في يوم 8 مارس 2020.
الــــــــمُــــــــحـــــــــتـــــــــوَيـــــــــــــات

الفكرة رقم 1: ضرورة تـدقيق طريـقتـنا في التـفكير 3
الفكرة رقم 2 : ضرورة مُراجعة مفهوم الحزب 4
الفكرة رقم 3: أهمية تـشخيص واقــع اليسار 4
الفكرة رقم 4: الخلاف حول تـفسير ضُعف اليسار 5
الفكرة رقم 5: الخلاف حول كَيـفِـية مُعالجة ضُعف اليسار 8
الفكرة 6: الخلاف حول التعامل مع النضالات الجماهيرية 9
الفكرة رقم 7: الخلاف حول مُمارسة النــقد 9
الفكرة رقم 8 : ضرورة الخَلاص من سُوء التَـــفَاهُمَات 11
الفكرة رقم 9: ضرورة المُراجعة النــقدية الشاملة 12
الفكرة رقم 10: التـنـظيم ضروري، لكنه لَا يكفي 12
الفكرة 11: الوحدة في العُــقول أهم من الوحدة في التنظيم 12
الفكرة 12: الفرق بين الخط السياسي المُعلن والخط الـمُطَبــق 13
الفكرة رقم13: أهمية عِلم الماركسية الثورية 14
الفكرة 14: ضرورة الاستعداد للانتـفاضات الـمُحتملة 15
الفكرة رقم 15: الخلاف حول الاستراتيجية 15
الفكرة رقم 16: أهمية تكوين الحزب للكَوادر الكُـفـئـة 16
الفكرة رقم 17: هل كل القِيَادِيين قادرين على التَــثْـوِيـر 17
الفكرة رقم 18: ضرورة القِيَادِيين المُـحْتَرِفِين 17
الفكرة رقم 19: شَرط تَعاون اليَساريين مع الإسلاميين 18
الفكرة رقم20: أهمّية تأطير واستـقطاب الشباب 18
الفكرة رقم 21: تَـرتيب الطبقات الـمُستهدفة 18
الفكرة رقم 22: الأهمية الحاسمة لتـثـقيف عامة الشعب 19
الفكرة رقم 23: ضرورة الاحتياطات ضد القمع 19

°°°°°0°0°°°°°
أ)▪ أشكر فرع حي الحَسَنِي التّابع لِـ "حزب الاشتراكي الموحد" على اقتراح وتنظيم هذه المحاضرة، حول موضوع آني، وأساسي. إنه أول حزب يساري يسمح لي بإلقاء محاضرة على مُناضليه. ▪هذه المبادرة تحتوي على شجاعة سياسية، وعلى ثـقة في النفس. ▪وأشكر الحاضرين المهتمّين بموضوع تَـقْوِيم اليسار.
ب)▪ بأيّ صفة أتكلّم؟ عرضي الحالي هو مجرّد اجتهاد شخصي، ولا يُلزم أحدًا غيري. وأتكلّم بصفتي مناضلًا يَغِيرُ على قوى اليسار. ▪آرائي نسبية، ويمكن أن تكون صائبة، كما يمكن أن تكون ناقصة، أو خاطئة. ▪وإن كُنتُ حاليا غير مُنخرط في أيّ تنظيم حزبي من بين أحزاب اليسار، فإنني أَنْتَمِي بِقلبي، وَبِنِضالي، إلى كل أحزاب اليسار. وَأُفَضِّلُ أن أكون مُحايدًا في مجال المنافسة فيما بين أحزاب اليسار. ▪وإذا انتقدتُ قوى اليسار، فإنني لا أتعالى عليها، ولا أُعَادِيهَا، وإنما أطمح إلى المساهمة في تَـقْوِيَتِها. وأحترم أحزاب اليسار، وأقدّرها، وأشتغل باستمرار بهدف المساهمة في تقويتها.
ت) ▪أعتبر هذه المحاضرة بمثابة ورش للتفكير الجماعي في بعض مشاكل قوى اليسار. ▪والمطلوب في هذا النقاش هو خُصوصًا الانفتاح، ولو مؤقّتًا، على الأفكار المُخالفة. وبدون "طَابُوهَات".
ث) ▪موضوع حوارنا هو "كيف نـقوي أحزاب اليسار؟". وهو موضوع ضخم، ومتشعّب، ولا حَدّ له، وغير مُنْتَهٍ عبر الزمان. ▪ولا يمكنني أن أتناول سوى بعض جوانب هذا الموضوع. بمعنى أن عرضي سيكون بالضرورة جزئيا، أو غير مكتمل. وعلى باقي مناضلي اليسار أن يدرسوا الجوانب الأخرى. هذا ورش لَا مُنته.
ج)▪بعد الانتهاء من إلقاء عَرْضِي الحالي، كيف ستكون مَـقاييس "نجاح" أو "فشل" عرضي؟ سأقدّم في عرضي بضعة أفكار، قد تكون غير مُعتادة، أو غير معروفة. فإذا كان عرضي واضحًا، وإذا أقنعتكم ولو بفكرة واحدة أو 2، من بين 10 أفكار المعروضة، فسأعتبر عرضي ناجحًا نسبيا. وإذا كان عرضي غير مفهوم، أو لم أستطع أن أقنعكم ولو بفكرة واحدة من بين بِـ 10 أفكار المعروضة، فسيكون عرضي فاشلًا.
ح)▪ لِتَسْهِيل التَفَاهُم أثناء عرض هذه المحاضرة، أَتَلَافَى تقديم عَرضي على شكل خِطاب عَادي، ومُسْتَرْسَل، تختفي فيه الأفكار الأساسية عبر سِلْسِلة من الجمل والفقرات المُتشابكة. وأُفضّل تقديم عَرضي على شكل أفكار مَفْصُولَة، وبارزة، وَمُرَقّمَة. «»
خ)▪ لِتَلَافي سوء التفاهم، يجب تدقيق بعض المفاهيم. مَاذا أَقْصِدُ بعبارة «اليسار» بالمغرب؟ أقصدُ بها أحزاب اليسار الأربعة (حزب الاشتراكي الموحّد، وحزب الطليعة، وحزب النهج، وحزب المؤتمر الاتحادي)، ويشمل "اليسار" أيضا بعض التنظيمات، أو الجماعات، أو التيارات الثورية. ▪بينما حزب "الاتحاد الاشتراكي"، وحزب "التقدّم والاشتراكية"، هما حزبان يمينيّان، ولا يدخلان في اليسار. والأحزاب الإسلامية كلّها يمينية، ولا تدخل في اليسار. ▪مَا هي مَقَايِيسُ الانتماء لليسار؟ المشاركة في النضالات الجماهيرية، وخوض مُمارسة يسارية، ومعارضة النظام السياسي القائم، ومناهضة الرأسمالية والإمبريالية، ومناصرة الثورة المُجتمعية، ومساندة الطُّمُوح للاشتراكية، والدّفاع عن الحريات العامّة، وحقوق الإنسان، وحقوق المواطنة، والانحياز الملموس إلى طبقة المُسْتَغَلِّين وضدّ طَبقات المُسْتَغِلِّين، الخ.
الفكرة رقم 1 : ضرورة تـدقيق طريــقـتــنا فـي التـفـكير
▪ما هي أحسن طريقة في التفكير؟ •أوّلًا، يجب أن لَا نخشى انفضاح جهلنا أمام العُموم. بل من مصلحتنا أن يَنْـفَضِح جهلنا لِكي نَعِيَهُ، ونُـقَوِّمَه. •ثانيًا، يلزم أن نتذكّر دائمًا أن تطوّر المُجتمع لَا يَخضع للمنطق العادي، وإنما يخضع لِمَنطق جدلي. والماركسية الثورية هي التي تُعلّمنا المنطق الجدلي. •ثالثًا، لَا يكفي الخِطَاب الشفوي داخل الحزب. بل يجب أن نكتب تفكيرنا كلّه، في أيّ موضوع كان، وفي أيّة مُحاولة نـقوم بها لِمُعالجة المشاكل (بما فيها مُحاولة معالجة مشاكل اليسار). •رابعًا، يجب أن نُخْضِع هذا التفكير المكتوب لِمُناقشة أعضاء الحزب باعتبارهم معنيّين بهذا المُشكل. •خامسًا، يجب أن نُخضع هذا التفكير للفحص، وأن نُدَقِّـقَ كلّ تـفاصيله، وكل أفكاره، وكل جُمَلِه، وأن نُجَرِّبَه (إن كان هذا التجريب ممكنا)، لِكي نَتَأَكُّد من ملائمة كلّ تَـفْصِيله للعَـقل، وللمنطق، وللعلوم. •سَادسًا، يَلْزَمُنَا أن نُصَحِّحَ كلّ ما يظهر لنا من نـقائص أو أخطاء مُحتملة، ولو اِضْطُرِرْنَا إلى إعادة صِيَّاغَة تفكيرنا عِدّة مَرَّات. •سَابعًا، نستمر في عملية المُراجعة، والتجريب، والفَحْص، والتدقيق، والتَـقْوِيم، حتى تصبح هذه الصيغة من التفكير مُرضية لمُجمل أعضاء الحزب.
الفكرة رقم 2 : ضرورة مُراجعة مـفهوم الـحزب
▪لا يمكن خوض هذا النـقاش النـقدي إذا لم نغيّر مفهومنا للحزب. ▪كان عند معظمنا مفهوم خاطئ نسبيًّا للحزب. كنا نـقدّس حزبنا، ونعتبره هدفا في حدّ ذاته. ▪كنا نمارس تَحَزُّبَنَا بِـ «عَصَبِيَة» قَبلية: أساسها «أُنْصُر أخاك ظَالمًا أم مظلومًا». ▪وكُنَّا نُعظِّم حزبنا إلى درجة أننا أصبحنا عاجزين على رؤية نـقائِصِه. و▪نَسِينَا أنه يمكن لأي حزب أن يتقدّم إلى الأمام، كما يمكنه أن يتأخّر إلى الوراء. ▪نتيجة ذلك المفهوم الضَيِّق للحزب، هي أننا لا نـقبل نـقدَ حزبنا من طرف الغير، وفي نفس الوقت، لَا نجرؤُ على نـقد حزبنا. ولو كانت أخطائنا واضحة، أو مُزمنة. ▪هذا المفهوم للحزب مُضرّ، لأنه يُعمي الرُّؤْيَة. يجب إدخال "النسبية" على مفهوم "الحزب". وهذه "النسبية" لا تعني، ولا تبرّر، الاستخفاف بالحزب. ▪الحزب هو تنظيم طوعي، هو مجرّد أداة، أو وسيلة، لتحقيق برنامج جماعي، يهدف إلى تغيير المُجتمع، في اتجاه محدّد، أو مَرْجُو. ▪أعضاء الحزب هم صُنّاع الخط السياسي للحزب، وصنّاع ممارسته. إذن: أفكار الحزب، وممارساته، وأساليبه، كلها قابلة للخطأ وللصّواب. ▪يستوجب هذا المفهوم الالتزام بِالمَهَام التالية داخل الحزب: ضرورة التواضع (أي رفض الغُرور، أو التقديس) + ضرورة إعمال العقل (أي رفض التـقليد، أو النـقل) + القيام بالتـَقْيِيم المُتواصل للتجارب (أي رفض الخُنوع، أو الاستكانة، أو الرِّضَى عن النفس) + ضمان حرية التعبير + ضمان حرية النـقد (أي رفض المَدح، أو المُجاملة) + ممارسة المُراقبة المُتبادلة فيما بين أعضاء الحزب (أي رفض الثـقة العمياء، أو الاتِكَالية) + ممارسة المُحاسبة المتبادلة فيما بين أعضاء الحزب (أي ربط المسؤولية بالمحاسبة) + ضرورة التَـقْيِيم والتَـقْوِيم والتَـثْوِير بشكل مُتَوَاصِل. ▪ معنى ما سبق هو أنه: يجب أن نَخُوض ثورة ثـقافية مُتواصلة داخل الحزب. بدون هذا المفهوم للحزب يستحيل تَـقْوِيَة أحزاب اليسار.
الفـكرة رقم 3 : أهمية تـشخيص واقــع اليسار
▪من الضّروري وضع تشخيص لواقع الحزب، ولواقع اليسار. ▪يجب مناقشة تشخيص المشاكل الحالية لليسار. هل قوى اليسار بالمغرب بخير، هل هي ضعيفة، أم متخلّفة؟ نتائج هذا التشخيص عُظمى. ▪تشخيص مشاكل اليسار له تاريخ. قبل "حركة 20 فبراير" في سنة 2011، كان المناضلون يعتبرون أوضاع حزبهم، وأوضاع اليسار، «عاديّة»، أو «مُريحة». لم يكن أيّ مناضل يعترف علنيّةً بِـ «ضعف» أو «تخلّف» قوى اليسار. ▪بعد "ح20ف"، تغيّر كلّ شيء. كنتُ من بين الأوائل الذين نبّهوا إلى أن قوى اليسار هي في حالة «ضُعف». حيث في شهر يونيو 2012، نشرتُ (على الأنترنيت) كتاب "نـقد أحزاب اليسار". وفي يونيو 2014، نَشَرْتُ مقالًا مُطوّلًا يحمل عنوان: "السِرُّ في ضعف حركة 20 فبراير هو ضعف أحزاب اليسار"! كانت مشاركة اليسار في ح20ف مُتواضعة، وضعيفة. وبقيّت مُشاركة قِوى اليسار، في كل «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، أقل مِمّا كان مُمكنًا، وَأقلّ مِمَّا كان وَاجِبًا. ▪ثم جاء "حِرَاك منطقة الرِّيف"، ثم "حراك جْرَادَة"، ثم "حراك زَاكُورة"، لِيُؤَكِّدوا نفس التَشْخِيص. ▪تُوجد نظرية «الشروط الموضوعية»، و«الشروط الذاتية». وفي حالة هذه النضالات الجماهيرية المُشتركة، وَرغم «نضج شروط موضوعية» مُساعدة (أي وُجُود ح20ف )، لم يكن اليسار في مستوى طُموحاته. أي أنه لم يستطع تحويل ح20ف إلى حركة مُجتمعية فاعلة وثورية. بل النظام السياسي هو الذي فرض إخماد "ح20ف"، ضدّ إرادة اليسار. ▪لم يكن اليسار مُهَيَّأً للقدرة على تَثْوِير "ح20ف". ▪الشيء الذي أَكَّدَ «ضعفَ» اليسار. ▪وبعد ح20ف ، تزايد عدد المناضلين المُقتنعين بأطروحة «ضُعف» قوى اليسار. ▪هذا الاعتراف بِـتشخيص «ضعف»، أو «تخلّف»، قوى اليسار، يُوجِبُ إِحْدَاث تغيير جذري في مهام قوى اليسار، وفي برامجها. ▪كما يَستدعي خوض «ثورة ثـقافية متواصلة» في أحزاب اليسار. ▪هذا التشخيص يُوجِبُ مهام التَـقْيِيم، والنـقد، والتَـقْوِيم، والتَـثْوِير. وإذا مَا وُجِدت قيادة في حزب يساري مُعيّن ترفض إنجاز مهام التَـقْيِيم والنقد والتَـقْوِيم والتثوير، فستُطرح مهمّة استبدالها.
الفكرة رقم 4 : الـخـلاف حول تــفسير ضُعـف اليسار
▪لا يكفي أن نعترف اليوم بِـ «ضُعف» قوى اليسار بالمغرب! بل يجب أيضا أن نُدَقِّـقَ تأويلنَا لِـ «ضعف» اليسار. فَمَا هو المعنى الذي نُعطيه لِعِبَارة «ضُعف» اليسار؟ ▪تُوجد أطروحتان: أطروحة أولى، شائعة لكنها سطحية، تُفسّر «ضعف» اليسار في المغرب بكونه «مُتشرذمًا»، وبكونه مُشَتَّتًا في عدد كبير من الأحزاب، وبكون أعداد أعضاءه وأنصاره قليلين. ويظنّ أصحاب هذه الأطروحة الأولى أن السبب في ‏ضعف اليسار يَكْمُنُ في قلّة أعداد أعضاءه أو أنصاره، بِمَعْنَى أن سبب «ضُعف» اليسار هو فقط «ضُعف في الكَمِّ». وبالتّالي، سَتتحقّـق مُعالجة مشاكل اليسار عبر «الاستقطاب»، و«التجميع»، و«التَوْحِيد». ونجد هذه الأطروحة عند مُعظم قِيَادَات وقَوَاعِد قِوى اليسار. ▪هذه الأطروحة خاطئة. لماذا؟ لأن منطقها مَقْلُوب على رأسه. ولأنها تُفسّر «ضُعف» قِوى اليسار بِـ «قِلَّة» أعداد أعضاءه. بينما الحقيقة هي أن «قِلَّة» أعداد أعضاء قوى اليسار هي نتيجة، وليست سَبَبًا. والأُطْرُوحَة الثانية (وهي أطروحتي) تعتبر أن «الضُّعف» الهام في اليسار لَا يُوجد في «كَمِّهِ»، وإنّمَا يُوجد في «كَيْفِهِ». لأن قلّة ‏أعداد الأعضاء ليست هي السبب، وإنما هي نتيجة لضعف كَيْفِي في الخُطوط السياسية، ‏وفي تكوين أعضاء هذه الأحزاب، وفي نَوْعِيَة مُمَارَستهم.‏ وضُعف اليسار بالمغرب لَا يَنْتُجُ عَن ضُعفه الكَـمِّـي، وإنما يَنْتُجُ أسَاسًا عن ضُعفه الكَـيْـفِـي(1). ▪لِنَتَسَاءَل: هل قِلَّة عدد أعضاء حزب محدّد هي حُجة على ضعفه أو تخلّفه؟ لَا، ليس بالضرورة. ولماذا؟ لأن عدد الأعضاء هو مُعْطَى مُؤقّت، ومُتطوّر، وهو نفسه نتيجة لأشياء أخرى مُتعدّدة (منها مثلًا: نوعية الخط السياسي، والجاذبية السياسية، والدعاية، والفعالية، والاستقطاب، والمُبادرات، والأنشطة، والأساليب، الخ). ▪وأُذَكِّرُ هنا أن المناضلين الثوريين أو الطليعيّين، هم دائما أقلية في المُجتمع. لكن أَقَلِّيَتَهم لا تمنعهم من أن يُؤَثِّرُوا بشكل فعّال في المجتمع (بشرط أن يكونوا ثوريّين حقًّا). ▪وما هو المِقياس السليم لِقِيَّاس قُوة أو ضُعف اليسار؟ هل مِقْيَاس قُوّة الحزب يَكْمُنُ في كثرة أعداد أنصاره؟ لَا! ▪[مثلًا حزب "العدل والإحسان" (الإسلامي) له أنصار كُثُر. وربما هو أضخم حزب في المغرب. لكنه حزب ضعيف. ولماذا؟ لأن خطّه السياسي يميني ومنحرف. ولأن آفاقه المُستقبلية محدودة، بل مُغلقة. فإمّا أن يتطوّر هذا الحزب، وإمّا أن يتجاوزه التاريخ. والأحزاب الإسلامية (مثل "حزب العدل والإحسان"، و"حزب العدالة والتنمية"، الخ) هُم على العُموم نُمُرٌ من ابْلَاسْتِيك]. ▪ يمكن أن نبحث كثيرًا عن السبب الأساسي، المُنتج للقوّة، والفعالية، والنجاح. لكن في آخر البُحُوث، سَنَكتشف أن الأساس الحاسم (المُنتج للقوّة والفعالية والنجاح) هو: العُلوم، والبُحوث العلمية، وجودة المعارف، ومناهج التفكير الثورية، ومناهج العَمل، والمَنْطِق العَقلاني. والمناهج نوعان: مناهج يمينية أو برجوازية، ومناهج ثورية. وحينما أتكلّم في هذا النص عن «المناهج» بدون تدقيق، أقصد المناهج الثورية. ▪وبما أن موضوعنا هو العمل السياسي الثوري، (أي تغيير وتثوير المُجتمع نحو التحرّر، ونحو الاشتراكية، ونحو الشيوعية)، فإن عُلوم المجتمع، وخاصّة منها الاقتصاد السياسي، والنظرية الماركسية، وفنون الثورة، هي كلها علوم حاسمة في مجالات بناء الحزب، وتقوية اليسار، وتهيئ الثورة المُجتمعية وإنجاحها. ▪إذن، ما هي العناصر التي تُساهم في إنتاج فَعَالية وقوّة حزب يساري محدّد؟ هذه العناصر كثيرة ومتفاوتة. لكن العُنصر الحاسم من بينهما جميعًا، هو أساسًا: سَدَاد مَنَاهِج تفكير أعضاء هذا الحزب، وصحّة مناهج سُلُوكِيَّاتِهِم. وهذه المَنَاهج الثورية السَدِيدة في التفكير والممارسة، لَا تنزل من السماء، ولا تُشترى في السوق العالمية، ولا تُكتسبُ عفويًّا، وإنما تُكتسب بالتعلّم، وبالكَدّ، والتكوين، والدِقَّة، والدّرس، والبُحوث العلمية، واسْتِيعَاب التجارب الثورية، إلى آخره. => ▪الاِسْتِنْتَاج 1: «ضعف» قوى اليسار بالمغرب، نَتَجَ عن ضعف في مناهج تفكيره، وأساليبه، وممارساته. ▪الاستنتاج 2: عِلاج ضعف قوى اليسار يَكْمُنُ إذن في تَقْوِيم وَتَثْوِير المَنَاهِج. ▪قد يقول لي البعض (الذين يَسترشدون بالأدب الماركسي)، أن الحاسم في قوّة الحزب اليساري، وفي فعاليته، وفي نجاحه، هو «تحليله لطبقات المجتمع»، أو هو «تركيزه على العمال والفلاحين»، أو هو «تحالفاته الطبقية»، أو «نوعية استراتيجيته»، أو «نوعية تكتيكاته»، الخ. لكنني أعتبر أن هذه العناصر المذكورة ليست هي التي تُنتج المناهج السَدِيدَة في التفكير والممارسة. بل هي نتائج، وليست أسبابًا. وسَدَاد مناهج التفكير والممارسة، هي التي تُنتج تلك العناصر المذكورة أعلاه، وليس العكس.
▪إذا كان الحزب اليساري يحمل أفكارا صحيحة، فإن هذه الأفكار الصحيحة ستتحوّل، إن آجلًا أم عاجلًا، إلى قوّة مُجتمعية. وإذا لم تتحوّل هذه الأفكار إلى قوّة مجتمعية، ولو بعد مرور 10 أو 20 سنة، فمعنى ذلك هو أن هذه الأفكار ليست صحيحة بما فيه الكفاية. (وهذا هو بالضّبط ما حدث لليسار بالمغرب).
▪من بين المناضلين الذين كانوا يعتبرون أن «ضعف» حزبهم يكمنُ في «قلّة عدد أنصاره» نوعان: ▪بعض القياديّين في "حزب النهج" برّروا أطروحة تَعاونهم مع "حزب العدل والإحسان" (الإسلامي الأصولي) بكثرة أنصار هذا الأخير، وبمعارضته للنظام السياسي، وباحتمال حدوث انتفاضات في المستقبل. ▪وبعض القياديّين في "حزب الاشتراكي الموحّد" برّروا، هم أيضًا، أطروحة تعاون حزبهم مع "حزب الاتحاد الاشتراكي" بِكِبَر أعداد أنصار هذا الأخير، وبخبرته في الانتخابات البرلمانية والمحلّية. ▪هاتان الأطروحتان متشابهتان، وخاطئتان معًا. لماذا؟ لأن معالجة مشكل الضُّعف العددي لحزب يساري مُحدّد لَا تُوجد في تَـقَرُّبِه، أو ِتَعَاوُنِه، أو تَحَالفه، مع حزب يميني، يُـفْتَرِضُ فيه أنه يتوفّر على قَاعِدة «حَاشِدَة»، أو «ضَخمة»، أو «جماهيرية». ولأن التعاون مع هذه الأحزاب اليمينية، لا يقدر على مُعالجة مشاكل اليسار. ولأن ضُعف اليسار لا يَكْمُن أَصْلًا في «ضعفه العَددي»، وإنما يكمن في «ضعفه الكَيْفِي». أي في ضُعف مناهجه في التفكير، وفي الممارسة. أي في ضعف تَكْوِين أعضاء قوى اليسار.
الفكرة رقم 5 : الـخلاف حول كَيـفِـية مُعالـجة ضُعف اليسار
▪تُوجد أطروحة تُـفَسِّـرُ ضُعفَ قوى اليسار بِتَشَرْذُمِهَا، أو بِـقِلّة أعداد أعضائها. وتدفع هذه الأطروحة معظم المناضلين إلى اعتبار أن مشكل اليسار بالمغرب هو مشكل كَمِّي، وتنظيمي محض(2): فَرَكَّزُوا على هدف تجميع وتوحيد أكثر ما يمكن من قوى اليسار في إطار «تحالف»، أو «جبهة»، أو «فيديرالية»، أو «حزب واحد». ▪ وإذا كان «التوحيد»، أو «التَحَالُف»، أو «التَعَاوُن»، أو «التَكَامُل»، مطلوبين فِعْلًا، ومرغوب فيهم، فإن هذا «التَوحِيد» لَا ينجح في جميع الحالات، ولا يكفي وحده لمُعالجة كلّ مشاكل اليسار. بمعنى أن معالجة ضُعف اليسار، لا يُمكن أن تتمّ فقط عبر الاندماج التنظيمي التَامّ، أو التَوْحِيد في حِزب وَاحد مُوَحَّد، أو «التعاون» في إطار «تحالف». ▪وإنما تتطلّب مُعالجة مشاكل اليسار أيضًا أشياء أُخرى مُكَمِّلَة. وما هي هذه الأشياء؟ منها مثلًا الانخراط في دِينَامِيَة التَشَاوُر، والتنسيق، والتَعَاوُن، بِهَدَف المُسَاهمة في أكثر مَا يُمكن من «النضالات الجماهيرية المُشتركة». ولَا نـقبل من قوى اليسار أن تُبرّر عدم مُشاركتها في هذه «النضالات الجماهيرية المُشتركة» بكون هذه النضالات ناتجة عن مُبادرة فَاعِلِين غير أعضاء في أحزاب اليسار. أو بِكَون هذه «النضالات الجماهيرية المُشتركة» عَفْوِيَة، أو مُبْهَمَة، أو غير مُنظّمة، أو بِدُون قِيَادة، أو بدون مطالب مُوحّدة (مثلما كان الأمر في أمثلة «حَركة 20 فبراير»، وفي «حِرَاك منطقة الرِّيفْ»، وفي «حِرَاك جْرَادَا»، وفي «حِرَاك زَكُورَا»، إلى آخره). ▪ولماذا هذا التَشْدِيد على أهمية المشاركة في خوض «النضالات الجماهيرية المُشتركة»؟ لأن الوِعَاء المُجتمعي الذي يُوَفِّرُ إمكانية التَفَاعُل، والتَثْوِير، والتَوْحِيد، هو خُصوصًا دِينَامِيَة «النضالات الجماهيرية المُشتركة». أمّا مُحاولة التوحيد، دُونَ خوض «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، فمن المُستحيل أن تنجح. ▪ونريد من كلّ قُوّة يسارية، ومن كل مناضل يساري، أن يُشارك، بِتَوَاضُع، وِفَعَالية، إلى جانب مُجمل قوى اليسار الأخرى، في أكثر ‏ما يمكن من هذه «النضالات الجماهيرية المشتركة»، دون أن يحاول ‏ استغلالها، أو الانفراد بها، أو السَّيْطَرة عليها، أو تَمَلُّكَها، أو احتكارها. ‏ ▪كما أن محاولة تَجْمِيع، أو إِدْمَاج، أو تَوْحِيد، قِوى اليسار، بدون إخضاعها لِعَمَلِيَة التَـقْيِيم والتَـقْوِيم والتَـثْوِير، ستبقى صعبة جِدًّا، أو مستحيلة. ولتوفير حظوظ أكبر لِإِنْجَاح محاولات التَعَاوُن أو التَكَامل أو التَوْحِيد، يجب أن يَـقْتَرِنَ تهيئ هذا التوحيد مع عملية التَـقْيِيم، والتَـقْوِيم، والتَـثْوِير.
الفـكرة 6 : الـخلاف حول الـتـعامل مع النضالات الـجماهيرية
ما يطلبه جمهور المناضلين من قوى اليسار، ليس بالضرورة هو التَوَحُّد في حِزب واحد، وإنما هو خُصُوصًا مشاركة كلّ قِوَى اليسار، بشكل مَلْمُوس، ومُكَثَّـف، وفَعَّال، في خَوض، وإنجاح «النضالات الجماهيرية المشتركة»، الجارية على أرض الواقع ‏(مثل "حركة 20 فبراير"، و"حِرَاك منطقة الرّيفْ"، و"حِرَاك جْرَادَا"، إلى آخره). ولَا نـقبل من أيّة قُوَّة من بين قِوَى اليسار أن تَتَخَلَّى عن المشاركة في خوض هذه «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، وذلك بِدَعْوَى أن هذه «النضالات الجماهيرية المُشتركة» هي من مُبادرة فَاعِلِين غير أعضاء في أحزاب اليسار، أو أن هذه «النضالات الجماهيرية المُشتركة» عَفْوِيَة، أو مُبْهَمَة، أو غير مُنظّمة، أو بِدُون قِيَادة، أو بدون مطالب مُوحّدة (مثلما كان الحال في «حركة 20 فبراير»، أو في «حِرَاك منطقة الرِّيفْ»، أو في «حِرَاك جْرَادَة»، أو «حِرَاك زَاكُورَا»، إلى آخره). وحتّى إذا كانت بعض «النضالات الجماهيرية المشتركة» لَا تُرضينا، بسبب وجود خطأ أو نَـقص مُعيّن فيها، سيكون الحلّ، ليس هو تجاهلها، أو الابتعاد عنها، وإنما الحلّ هو المشاركة فيها، بهدف تَأْطِيرها، وتَـقْوِيمِهَا، وتَثْوِيرِهَا.
▪ومن أين تأتي «النضالات الجماهيرية»، أو «الحِرَاكَات الشعبية»، أو «الانتفاضات الجماهيرية»؟ هل تنزل من السّماء؟ هل تبرز عفويًّا؟ هل تظهر بشكل عَرَضِيّ، أو بالصُّدْفَة؟ هل تنتج عن المُؤَامرات؟ كَلَّا ! إنها تَنْتُج عن صَيْرُورَات مُجتمعية، وعن تَرَاكُمَات من النضالات الصغيرة، وأبرزها ما يلي: 1- الدِعَاية ‏السياسية الثورية؛ 2- كَشْف الفضائح السياسية؛ 3- تَعْبِئَة الجماهير ‏لاستنكار الفضائح السياسية؛ 4- ‏التحريض السياسي الثوري؛ ‏‏5- ‏حَثُّ الجماهير على الدفاع عن مصالحها الطبقية. 6- تشجيع ‏الجماهير على تغيير المُجتمع، وعلى الطُمُوح إلى التحرّر والاشتراكية. ‏
▪لماذا انخراط مُجمل قوى اليسار في «النضالات الجماهيرية المُشتركة» هو ضروري، ومهمٌ جِدًّا، في مجال مُعالجة ضُعف اليسار؟ ▪لأن محاولة إنجاز التوحيد بِدُون خوض «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، يُبِرِزُ الخِلافات، ويُعَمِّقُهَا، ويُـقَوِّيها. [بينما الانخراط الجماعي والفَعَّال في خوض «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، يُبرز العناصر المُشتركة، ويُـقَوِّيهَا، ويُزِيل «الأفكار المُسبقة» (préjugés) التي يحملها مختلف الفُرقاء المناضلين عن بعضهم بعضًا]. ▪ولأن مُشاركة أكثر ما يمكن من بين قِوى اليسار في خوض «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، هي التي تُوَفِّرُ فُرَصَ تَـقَارُب هذه القوى، وتَعَاوُنها، وتَفَاعُلها، وتَـغييرها، وتَـقْوِيمِهَا، وَتَثْوِيرها. ▪ولأن «النضالات الجماهيرية المُشتركة» هي سَيِرُورة تُسَهِّلُ التَفَاعُل الثوري فيما بين الفُرَقَاء، وتُسَهِّلُ رَفْعَ ِمُسْتَوَى كل الفاعلين المشاركين فيها. ▪وَيَلْزَمُ قِوى اليسار أن تَهتمّ حتى بِـ «النضالات الجماهيرية المُشتركة» التي تنطلق من خارج أحزاب اليسار (مثل «حركة 20 فبراير»، أو «حِرَاك منطقة الرِّيفْ»، أو «حِرَاك جَرَادَة»، أو «حِراك زَاكُورَة»، إلى آخره).
الـفـكرة رقم 7 : الـخلاف حول مُمارسة النــقد
▪تقول لنا قِيَادات أحزاب وتنظيمات اليسار (بالمغرب) أنه تُوجد خِلَافات نظرية وسياسية فيما بينها. وأن هذه الخلافات هي التي تمنع التعاون فيما بين قِوى اليسار، وتَعُوق خَوض النضالات المُشتركة. ▪لكن قيادات اليسار تَتَلَافَى عادةً تَوضيح ما هي بالضَّبْط هذه الخلافات؟ ومعظم مناضلي اليسار لا يعرفون بِدِقّة تَفاصيل الخلافات الموجودة فيما بين قِيَادَات قِوَى اليسار.
▪ولا تُمارس تنظيمات اليسار الصراع النظري والسياسي فيما بينها، وكذلك تُجَاهَ خُصومها السياسيين. ولا تنشر قوى اليسار دراسات تُحَلِّلُ بِعُمْق كَاف بعض الجوانب الغامضة في خَطِّهَا السياسي. ويَتَلَافَى عادةً قِيَّادِيُّو أحزاب اليسار مُمارسة النـقد البنّاء حول خلافاتهم السياسية البَيْنِيَة. ولماذا؟ ربّما لأنهم قد يظنّون أن النـقد يُمَارَسُ فقط ضدّ الأعداء، وليس ضدّ الشُّرَكَاء، والفُرَقَاء. أو لأنهم يخافون من أن يَنْتَـقِمَ منهم الأشخاص المُنْتَـقَدُون. أو لأنهم يخشون من رُدُود الأفعال الخَشِنَة، أو الهَجِينَة، التي يُحتمل أن يُثِيرَهَا النـقدُ لدى المُنْتَقَدِين. أو رُبّما لأنهم يُريدون تَلَافِيَ استغلال هذا النقد من طرف الأعداء. ▪بينما وجود خلافات سياسية (فيما بين قيادات قوى اليسار) يستوجب بالضرورة تبادل النـقد البنّاء، بهدف البحث الجماعي عن الحقيقة الثورية، وفَرْز الرأي الثوري الصَّائِب، وإقناع مُجمل الفُرَقَاء به.
▪والمُشكل هو أن مُعظم مناضلي اليسار (قيادات وقواعد) لا يعرفون جيّدًا كيف يُمارسون «النـقد» البنّاء. وإذا حاولوا مُمارسة «النـقد»، يتحوّل «نـقدهم» بسرعة إلى اِتِّهَام، أو سَبّ، أو تَجْرِيح، أو إهانة، أو تَخْوِين، أو عَدَاء. فيتحوّل هذا «النـقد» السَيِّء إلى خِصَام، ثم إلى فِرَاق، ثمّ قَطيعة. ▪وقبل أن نُشَجِّعَ المناضلين على ممارسة حُرّية التعبير والنـقد، يجب أوّلًا أن نُعَلِّمَهُم منهجَ النـقد السَّلِيم. وهذا النـقد السّليم هو الذي يُحاول احترام الشخص المُنْتَـقَد، ويركز على التحليل المَوضوعي للمُعطيات، وينتـقد على الخُصوص الأفكار، والمُمَارَسَات، ولا يَسْتَهْدِفُ الأشخاص كأشخاص. [مثلًا: أنا الآن أنتقد قيادات وقواعد اليسار، لكنني أنتـقد أفكارهم وسُلُوكِيَّاتهم باحترام، ولَا أَنْـتَـقِدُ أشخاصهم كَأَشْخَاس].
▪لكن، هل يجب دائمًا أن ننتـقد الأفكار، وأن نَمتنع كلّيًا عن نـقد الأشخاص؟ كثيرون يطرحون ضرورة الاقتصار على نـقد الأفكار وحدها، والامتناع التّام عن ذكر أسماء الأشخاص المُنْتَـقَدِين. وفي الواقع، ولو أن نـقد الأفكار يبقى هو الأساسي (مثلًا 85 % من النـقد)، يجب أيضًا، في ببعض الظروف، أن نَنْتَـقِدَ أشخاصًا بِعَيْنِهِم، لأنهم مُنحرفون (مثلًا 15 % من النـقد). ▪والمنهج السّليم في النـقد، لَا يعني، ولَا يُبرّر، الامتناع الكُلِّي عن نـقد الأشخاص (كَأشخاص مسؤولين عن أطروحات، أو عن سُلُوكِيَّات سياسية). لماذا؟ لأنه لا يمكن تَـقْوِيم المُمارسة، سواءً في الحزب، أم في الحركات النضالية الجماهيرية، إذا امْتَنَعْنَا كُلّيًا عن نـقد الأشخاص. ولأنه يُوجد أشخاص يَدْعُون إلى أطروحات سياسية منحرفة. ولأنه تُوجد نسبة من الأشخاص تَتَّسِمُ بِالجهل، أو الـلَّامَبْدَئِيَة، أو الوُصُولية، أو الانتهازية، أو الزعامية، أو تَتَهَاوَن في تَعاملها مع الجواسِيس، أو مع الأعداء السياسيّين. ولأن نِسْبَةً مُتَجَدِّدَةً من الأشخاص تَدَّعِي الدِّفاع عن مصالح الشعب، لكنها تُحاول تَحْوِيل كلّ شيء لخدمة مصالحها الشخصية الخاصّة. ولَا مفرّ من نقدها كأشخاص (مسؤولة عن أطروحات أو سُلُوكِيَّات سياسية).
الفكرة رقم 8 : ضرورة الـخَلاص من سُوء التَـــفَاهُمَات
▪لا تُوجد فقط خِلَافات في الاختيارات الاستراتيجية والتكتيكية، أو تَناقُضَات سياسية، فيما بين قِيّادات أحزاب اليسار، وإنما تُوجد أيضًا فيما بينها سُوءُ تَـفَاهُمَات (incompréhensions mutuelles)، مُتَعَدِّدة ومُزْمِنَة. وغالبًا ما تكون أسباب "سوء التفاهمات" هي «الأفكار المُسْبَـقَة» (‏préjugés‏) التي تحملها قِوى اليسار عن بعضها البعض.‏ ▪وَوُجُود خلافات سياسية، أو نظرية، أو تكتيكية، فيما بين قوى اليسار، هو أمر مَوْضُوعي، وشَائِع، ولا يُبرّر المُخاصمة، أو القَطِيعَة. ومن المُستبعد أن يُوجد شُرَكَاء مُجتمعيّين مُتـفقين على كلّ شيء. ▪والحَلُّ العَمَلِي لِتَـقْلِيص هذه الخِلافات، والتناقضات، وسوء التفاهمات، ليس هو النَمِيمَة، وليس هو التَشْهِير السِّلبي الذي يُحاول إِفْسَاد سُمْعة المُخالفين، وليس هو تَرْوِيج "اكْلِيشِيهَاتْ" (clichés) مُهِينَة، ولا هو التَشَبُّت بِأحكام مُطلقة، ولَا هو التمركز حول الذَّات، الخ، وإنما الحَلّ يستلزم التَحَلِّي بالتواضع؛ والاِنْـفِتَاح على انتقادات الغير؛ والاهتمام بالآراء المُخالفة لِمواقفنا؛ وتنظيم لِقاءات مُباشرة، وحوارات (شفوية، وكتابية، حول هذه الخلافات)، فيما بين قِيَادِيِّي اليسار؛ والجُرْأَة على مُمارسة النـقد المكتوب، والمسؤول، والبَنّاء؛ والحِرْص على نـقد الأفكار وليس الأشخاص؛ والتَحَرُّر من «الأفكار المُسْبَـقَة» (préjugés) التي قد تَحملها قوى اليسار عن بعضها البعض؛ وخَوض الصِّرَاع السياسي النظري، المَكْتُوب، والعَلَنِي، بِأُسْلُوب بَنَّاء، ومُقْنِـع. ويجب أن يكون هدف هذا الصِّراع السياسي، ليس هو عزل المُخالفين، أو تحطيم المُنَافِسِين، وإنما هو مُنَاصَرَة الحَقيقة الثورية، وتَـقْوِيم الأشخاص المُخْطِئِين. وَوَاجب الاحترام المُتَبَادَل، لَا يَمْنَعُ النـقد، ولا يَنْـفِي الصَّرَاحة، ولا يُلْغِي الصَّرامة العِلْمِيَة، ولا يُبرّر المُهادنة إلى حدّ النِّـفَاق. بالإضافة إلى ضرورة خَوْض «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، باعتبارها وِعَاءَ التفاعل والتثوير المُتبادلين. ▪كما يَتَوَجَّبُ على قيّادات أحزاب اليسار بَلْوَرَة علاقات مُتنوِّعة، وسَهْلَة، ومَرِنَة، تَسْمَحُ بِتَنْسِيق مُتَوَاصِل، وبِتَعَاوُن صَادِق، وبِمُشاركة جماعية، ومُسَاهَمة فَعَّالة، في خَوْض، وَتَأْطِير، وإِنْجَاح، أكثر ما يُمكن من «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، الجارية في المُجتمع. ▪ويجب الاِمْتِنَاع عن القيّام بأيّ عَمل يُحْدِثُ التَبَاعُدَ فيما بين قوى اليسار. ▪كما يجب أن تَتَخَلَّصَ كل قوى اليسار من سُلوك «التَجَاهُل المُتَبَادَل»، و«الاحتـقار المُتبادل»، الذي كانت تُمارسه فيما بينها. وإذا لم تَلتزم كل قوى اليسار بالتواضع، والتَعَاوُن، والتكامل فيما بينها، فإنها ستبقى كلّها ضعيفة.
الفـكرة رقم 9 : ضرورة الـمُراجعة النَــقْدِيَة الشَّامِلَة
▪تَستوجب معالجة ضُعف قوى اليسار بالضرورة الدُخُول في سَيْرُورَة مُراجعة شَامِلَة، ونـقدِيَة، لِكُلّ مُكَوِّنَاتِ خُطُوطِهَا السياسية (أي المُكَوِّنَات الفكرية، والنظرية، والسياسية، والتنظيمية، والنضالية، والتواصلية، والتطبيقية، والاستراتيجية، والتكتيكية، إلى آخره). عبر سيرورة زَمانية قد تَدُوم سنوات. وتستوجب أيضًا التَـقْوِيم (rectification) الحازم، والجذري، لكل النـقائِص التي نَـكْتَشِفُهَا بالتَدْرِيج، سَوَاءً كانت هذه النقائص في التصوّرات السياسية، أم في أساليب النضال، أم في نَوْعِيَةِ النضالات التي نَخُوضُهَا. وبدون هذه المُراجعة النـقدية الشَّاملة، يستحيل تَـقْوِيَة اليسار.
الفكرة رقم 10 : التـنـظيم ضروري، لكنه لَا يـكـفـي
‏ ▪الأحزاب التي تنحصر استراتيجيتها في المُشاركة في الانتخابات (البرلمانية والمحلّية)، تكتفي بِانْخِرَاط أعضائها في الحزب. ولا تطلب منهم أكثر من المشاركة في إنجاح أكبر عدد ممكن من مُرَشَّحِي الحزب. بينما الحزب اليساري أو الثوري يطلب من أعضاءه أكثر من ذلك.. ▪و«التنظيم» (سواءً في حزب، أو نـقابة، أو جمعية، أو حركة) هو دائمًا ضَرُوري، وأساسي. لأنه هو الذي ‏يُحدّد حُظُوظ نجاح النضال الجماعي. ▪لكن «التنظيم» وحده لا يكفي، ولَوْ كان مُحكمًا، ومُتْـقَنًا، وصلبًا، ومركزيا، وديموقراطيا. ▪حيث يحتاج الحزب الثوري أيضًا إلى توفّر أعضاءه على جَوْدَة عالية في عناصر أخرى، منها: وضوح الرُّؤْيَة السياسية، والتَكْوِين الشّاسِع، وجودة التصوّرات النظرية، والقُدرة على النَـقد، والقُدرة على أخذ المُبادرة الثورية، ونوعية التكتيك، وأساليب النضال، وصِنْف ‏التحالفات، وسَدَاد الأهداف، إلى آخره. ▪وبدون هذه العناصر الأخرى، يصبح التنظيم مُتَرَهِّلًا، وَفَاتِرًا، وعاجزًا. ‏ ‏
الفكرة 11 : الوحدة في العُــقول أهم من الوحدة في التـنـظيم
▪مثلًا أعضاء "حزب الاشتراكي الموحّد"، هم مُوحّدون في التنظيم الحزبي، لكنهم مُشَتَّتُون نِسبيًّا في عُقولهم. الوحدة في العُقول أهم من الوحدة في التنظيم. ▪وفي ظُروف القمع السياسي، وفي إطار الحاجة إلى الاحتياط، سيكون من الأفضّل أن لَا تَتوحَّد قِوى اليسار كلّها في حزب واحد. لأنه إذا تعرّضت قيادة هذا الحزب المُوَحَّد إلى قمع استئصالي، أو إذا تَسَرُّبت عناصر بُوليسية داخل قيادة هذا الحزب المُوحّد، فَمِنْ المُمكن أن يُصبح هذا الحزب مَشْلُولًا. ▪ومن الأحسن أن يتكوّن حاليًّا اليسار من حزبين، أو ثلاثة أحزاب يسارية ومتنافسة، بِشرط أن تكون هذه الأحزاب مُتَعَاوِنَة ومُتَكَامِلَة فيما بينها. ▪والعُنصر الأكثر أَهَمِّيَة، ليس هو اندماج كل قِوَى اليسار في حزب واحد مُوَحَّد. وإنما هو أن يكون كُلّ مُناضلي اليسار حَرِيصِين أَشَدَّ الحِرص على وحدة اليسار، في أفكارهم، وطُمُوحَاتهم، وممارساتهم. ▪كما أنه من المهم أن يَلتزم كل مناضلي اليسار بِالمُشاركة في مُجمل «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، مهما كان الطرف الدّاعي إليها.
الفكرة 12 : الفرق بين الـخط السياسي المُعلن والـخط الـمُطَبَّــق
▪يجب على المناضلين أن يتذكّروا دائمًا أنه يمكن أن يُوجد فرق هام بين «الخط السياسي المُعْلَن (في المُؤتمرات، والوثائق، والخِطَابات، والطُمُوحَات)، و«الخط السياسي الفِعْلِيّ» المُطَبَّق على أرض الواقع. ▪فلا يصحّ تقييم حزب مُعَيّن على أساس خطّه السياسي المُعْلَن، وإنما على أساس خطه المُطبّق. ▪لأن الحزب لَا يكون بالضرورة منسجمًا على مُستوى تَركِيبته الطبقية. ‏▪ولأن الصراع الطبقي يخترق حتّى الحزب. ولأن الحزب هو نفسه ميدان للصراع الطبقي. ولَا يقدر الحزب على النجاة من تأثيرات الصراع الطبقي الجاري في المجتمع. ▪ولأن العناصر الطبقية المتواجدة داخل الحزب المعني، تُكَيِّـفُ خطّه السياسي المُعلن، أو تُعِيدُ تَوْجِيهَهُ، وذلك حسب طُمُوحَات أو مصالح هذه العناصر ‏الطبقية، أو حسب تصوّراتها الخاصّة «للأهداف المُشتركة، أو الثورية».‏ ▪ولأن «الخط السياسي المُطَبَّـق فعليًّا» هو دائمًا نتيجة مُرَكَّبَة لكلّ هذه ‏التدخّلات الممكنة. ▪ومن الممكن أن يتحوّل الحزب الثوري أو اليساري إلى حزب ‏انتظاري، أو إصلاحي، أو رأسمالي، أو يميني، دون أن يَعِيَ أعضاءه ذلك ‏التحوّل. (أُنظر مثلًا نموذج «حزب الاتحاد الاشتراكي» ما بين سنتي 1975 و 1995). ▪وبدلًا من كَبْتِ الخلافات السياسية، أو طَمْسِهَا، داخل الحزب، سيكون من الأَفْيَد تَنْظِيم الصّراع النظري والفكري والسياسي داخل الحزب، بشكل وَاعٍ، وَعَلَنِي، ومنظّم، وعَقلاني، وَبَنَّاء، بهدف فَرْز وَتَغْلِيب الحقائق الثورية الأكثر تقدّمًا.
الفكرة رقم 13: أهمية عِلم الماركسية الثورية
▪من أين يأتي «ضعف» قوى اليسار اليوم؟ يأتي أساسًا من كون نسبة ‏كبيرة من قِيَّادِيِّي وأعضاء أحزاب اليسار، تأثّروا سَلبيًّا بِانهيار الاتحاد السُّوفْيَاتِي (في ‏قرابة سنة 1989)، وأصبحوا لَا يُؤْمِنُون لَا بِـ «الاشتراكية»، ولَا بِـ ‏‏«الماركسية الثورية»، ولَا حتّى بِـ «الثورة المُجتمعية». وأصبح هؤلاء ‏المناضلين تائهين، وبدون أيّة مَرْجِعِيَة نظرية يَسْتَرْشِدُون بها، وبدون أيّ أُفُـق ‏سياسي يطمحون إليه. وَغَدَوْا جماعات مُشَتَّتَة، وأَفْرادًا حَائِرِين، وتَائِهِين، لَا يعرفون ما ‏يريدون، ولَا يُدركون عن أيّة أهداف يُكافحون. ولاحظنا أن مُجمل الأشخاص الذين تَخَلَّوْا عن دراسة الماركسية الثورية، تحوّلوا إلى رأسماليّين، أو لِيبِيرَالِيِّين، أو مُحافظين، أو يَمِينِيِّين. فَلَا تُمكن مُعالجة «ضُعف» قِوى اليسار إذا لم يَتَـعَلُّم من جديد كلّ مناضلي ‏اليسار نظرية «الماركسية الثورية» بمناهج جديدة، وإذا لم تُسَدِّد قِوَى اليسار هدفها ‏نحو «الاشتراكية الثورية»، ونحو «الشيوعية التحرّرية». لأن «الماركسية الثورية» ‏هي نظرية الثورة المُجتمعية. ولأن «الماركسية» هي عِلْم المُجتمع، وهي التي ‏تُمَكِّن من فهم، وتغيير، وتثوير، المجتمع. وبدون استعمال ٍنظرية «الماركسية الثورية»، ‏يستحيل النجاح في تحرير الطبقات الكادحة والمستغلّة من الاستغلال، ومن ‏الاضطهاد. ‏
▪مِن بين أهمّ دروس التجارب الثورية في العالم، أن طبقة البرجوازية الوَطَنِيَة عاجزة على قِيّادة وإنجاح الثورة المُجتمعية. فَمِن الخطأ الاعتماد على البرجوازية الوطنية لكي تلعب دورًا رَائِدًا، أو حَاسِمًا، في تغيير وتثوير المُجتمع. ▪ومن بين شروط نجاح الثورة المُجتمعية في عصرنا، أن تكون هذه الثورة تحت قيّادة حزب ثوري، يستند على التحالف الطَّبَـقي للعمّال والفلاحين، ويسترشد بِالنَظَرِيَة الماركسية الثورية(3). ولَن يَـقْدِرَ أيّ فاعل سياسي على تغيير المُجتمع، في اِتِّجَاه ثوري وتحرّري، إذا هو اِسْتَنَدَ على طبقات أخرى غير الكَادِحِين المُسْتَـغَلِّين والمُضْطَهَدِين، أو إذا هو عَمل بنظرية أخرى غير نظرية الماركسية الثورية. ▪وإذا كانت الطبقة العاملة الصِّنَاعية صغيرة الحجم في بلادنا، فهذا الوضع يرجع لكون بلادنا تُوجد ضِمْنَ بلدان العالم الثالث، الخاضعة للتَّبَعِيَة للإمبريالية. وما دامت بلادنا خاضعة للتبعية للإمبريالية، فمن الأكيد أنها ستبـقى عاجزة عن تحقيق تنميتها الاقتصادية أو الصناعية. (ولو أن التَبَعِيَة للإمبريالية ليست هي العَائِق الوحيد للتنمية). وبدون تنمية اقتصادية مُستـقلة وقوية، ستبقى الطبقة العاملة الصناعية بالضّرورة هَزيلة. وصِغَرُ حَجْم الطبقة العاملة في ميدان الصناعة، لَا يَتَنَافَى مع وُجود كَادِحِين مأجورين مُسْتَـغَـلِّين في مَجالات أُخرى، أبرزها الخَدَمَات. ▪وتحقيق الهدف الاستراتيجي، المُتَجَلِّي في إنجاح ثورة مُجتمعية ابْرُولِيتَارِيَة، مُضَادَّة للرّأسمالية، يَسْتَوْجِب وجود حزب ثوري ابْرُولِيتَارِي، تَسْتَرْشِدُ قِيَادتُه بالنظرية الماركسية الثورية. وهو مَا عَنَاهُ افْلَادِيمِير لِينِين بِمَقُولته المأثورة (في كتابه «ما العمل؟») : «لَا حركة ثورية، بدون نظرية ثورية». وأضاف لِينِين: «وحده حزب يَسترشد بنظرية طليعية سيقدر على القِيَّام بدور المُكَافح الطَليعي»(4). ▪ويلزم هذا الحزب الثوري أن يخوض، في نفس الوقت، ليس صِنْـفًا واحدًا من الصِّرَاع (السياسي)، بل أربعة أصناف من الصّراع: 1) الصّراع السياسي، 2) الصِّراع الاقتصادي، 3) الصِّراع النظري، و 4) الصِّراع التنظيمي(5). ▪وبعض قوى اليسار الحالي تَدَّعِي أنها «اشتراكية»، لكنها تُخفي تَخَلِّيَها التَّام عن «عِلم الماركسية الثورية». وبعد انتشار موجة الشَكّ الناتجة عن "انهيار الاتحاد السُّوفْيَاتِي" في سنة 1989، لم تَعُد بعض قوى اليسار تُؤْمِنُن بِـ «الاشتراكية»(6). ‏▪وَبِـقَدر مَا تبتعد بعض قوى اليسار عن نظرية الماركسية الثورية، بِـقَدْرِ مَا تَغْدُو فَعَالِيَتُها ضَعِيفَة. ▪ولِمُعَالَجَة مشاكل المُجتمع، لَا نتوفّر سوى على طَرِيقَيْن فقط: فَإمَّا أن ‏نَتّبِعَ طريق الرأسمالية، وإمّا أن نَسْلُكَ طريق الاشتراكية الثورية في اِتّجاه الشيوعية. ولَا يُوجد ‏خِيَّار آخر. وتُبَيِّن أوضاع معظم بلدان العالم أن الرأسمالية أعطت أقصى ما ‏يُمكن أن تُعْطِيّه. وأصبحت الرأسمالية تُنْتِج الكَوَارِث المُجتمعية أكثر مِمَّا تُنتج السِّلَع. ▪والمصدر الأساسي لمشاكل المُجتمع يَكْمُنُ في الرأسمالية. ▪والسبب في انتشار الفَرْدَانِيَة، والأَنَانِيَة، والغِشّ، والانتهازية، والانهزامية داخل الشعب، يَكْمُنُ في ‏الاِسْتِلَاب (‏aliénation‏) الناتج عن هيمنة الرأسمالية على المُجتمع. ▪وكلّ شخص يَنْفِي وُجُود الصراع الطبقي، أو يَتَخَلَّى عن الماركسية الثورية، أو عن ‏الاشتراكية الثورية، سيؤدّي به اختياره هذا إلى حَبْسِ نفسه داخل سِجْن الفكر ‏الرأسمالي المُسْتَلَب (‏aliéné‏). ‏‏▪ومن واجب مُجمل قِوَى اليسار أن تُعِيدَ الاعتبار إلى النظرية الماركسية الثورية، لكن بِدُون ‏دُوغْمَاتِيَة (‏dogmatisme‏). ‏▪ومِن بين مهام قيادة الحزب الثوري، تنظيم تَعْلِيم عِلْم الماركسية الثورية لأعضاء الحزب الثوري ولأنصاره.
الفكرة 14 : ضرورة الاستعداد للانتـفاضات الـمُحتملة
▪من المُحتمل أن «السَّيْرُورَات الثورية»، ومَوْجَات «الربيع الديموقراطي»، التي اِشْتَعَلَت في ‏بعض البلدان الناطقة بالعربية، مثل تُونس، ومصر، ‏سوريا، والسودان، والجزائر، ولبنان، والعراق ‏‏(بين سنوات 2010 و 2019)، سَتَحْدُثُ مَثِيلَتُهَا في المستقبل بِالمغرب. ‏▪ويمكن أن تَتَطَوَّرُ هذه «النضالات الجماهيرية المشتركة» بسرعة نِسْبِيَة، من ‏‏«الاحتجاج» ضدّ البِطَالَة والفساد والاستبداد، إلى رَفْع شِعَار ▪«إسقاط النظام». ‏▪ومن واجب قوى اليسار بالمغرب أن تَتهَيَّأَ لكي تكون جاهزة لمثل هذه الاحتمالات، أو ‏‏"السِّينَارْيُوهَات". ولَنْ نَـقْبَلَ من قوى اليسار أن تَكون مرّةً أخرى مُفاجأة، أو مُرْتَبِكَة، أو مُتَجَاوَزَة، في حالة اندلاع حِرَاك شعبي شبيه بِـ "حركة 20 فبراير". ‏▪وعليها أن تُهَيِّئ ما يلزم من تَصوّرات، وبرامج، وتنظيمات، وأُطُر، وخِبرات، إلى آخره. ▪ولا يمكن للنضال المُشترك أن يكون فَعَّالًا إلّا إذا كان الحزب كلّه مُوَحَّدًا على الاختيارات الأساسية، ومنضبطًا للقرارات المركزية. ولَا بُدّ من التخلّص من أسلوب «التيارات» التي تحوّلت إلى مُبرّر للتصرّف كَحِزب داخل الحزب، والتي أصبحت مثل «قبائل سياسية»، عَصَبِيَة، وَوَفِيَة لزعيم مُزْمِن(7).
الفـكرة رقم 15 : الـخلاف حول الاستراتيجية
▪تَختلف أحزاب اليسار الأربعة بالمغرب حول الاستراتيجية. وهي قسمان: قسم أوّل (يُوجد فيه حِزْبَيْ "الاشتراكي المُوحّد"، و"المُؤتمر الاتحادي") يُؤمن بإمكانية تَلْطِيف الرأسمالية، ويختارُ الالتزامَ بِـ «سَـقف المَلَكِية البرلمانية». ويُركّز على إمكانيات الإصلاح السياسي عبر الانتخابات البرلمانية والمحلية. ويرفض النضالات التي تَتجاوز «سقف المَلَكِية البرلمانية». وقسم ثان (فيه حِزْبَي "النهج"، و"الطليعة") يُناهض الرأسمالية، ويرفض الاقتصار على المُشاركة في الانتخابات العامّة، ويُـفَضِّل أن يبقى مُنـفتحًا على أكثر ما يمكن من الاحتمالات النضالية والثورية. ▪هذا الخلاف موضوعي، ويُعبّر عن تناقضات بين فِئات طبقية، ▪وينعكس على الكثير من القضايا. ▪لكن المهم هو أنه لَا يَجُوز لهذه الخلافات حول الاستراتيجية، أن تمنع مُشاركة مُجمل قِوَى اليسار في خَوض أكثر ما يمكن من «النضالات الجماهيرية المُشتركة».
الفكرة رقم 16 : أهمية تكوين الحزب لِلكَوادر الكُـفـئـة
▪مستوى تكوين مناضلي أحزاب اليسار ضعيف. ▪وكل حزب يساري يَـفْـتَـقِرُ إلى أُطُر (أو كَوَادِر) ثورية ‏كُـفْـئَـة، سيبقى ضعيفًا. ▪وَلَا يمكن لأيّ حزب أن يتـقدّم، أو أن يَنْمُوَ، أو أن يَتَـقَوَّى، إِلَّا إذا كان هذا ‏الحزب يُوَفِّرُ لأعضائه تَكْوِينًا مُتَنَوِّعًا، ومُتَوَاصِلًا، بهدف تَـقْوِيَة قُدُرَاتِهِم، ‏وتحسين فَعَالِيَّاتِهم. ‏‏▪ويحتاج الحزب الاشتراكي، أو الثوري، إلى كثير من الأُطُر الكُفْـئَـة، والكَوَادِر المُتَنَوِّعَة. فمن أين سيحصل على هذه الأُطُر المُـقْتَدِرَة؟ ▪إذا لم يكوّنها الحزب بنفسه، فلن يكتسبها. ▪وكل حزب لا يتوفّر على أطر كُفئة وكافية، يصبح مجرد حَشْد مَائِع، وعَاجِز، من الأشخاص العاديِّين. ▪وكيف نُكَوِّن الأطر والكوادر الكُفئة؟ لا ينجح الاعتماد على «العفوية» في مجال التكوين، أي الاعتماد على أن يُكوّن المناضلون أنفسهم بأنفسهم، عبر التجربة والقراءة والدراسة. لأن النظام الرأسمالي ينزع من المواطنين إمكانيات التأمّل والقراءة والدراسة. ▪إذا اِتَّكَلْنَا على العَفْوِية (أي على الجُهد الذاتي للأشخاص) في تكوين أعضاء الحزب، فسنحتاج إلى انتظار مُرُور قرابة 10 أو 20 عامًا. وهو زمان طويل جدًّا. وبهذه العفوية، لن يتحوّل 80 % من أعضاء الحزب إلى أُطُر، وإنّمَا سيتحوّل إلى أُطُر فقط مَا بين 5 وَ 10 في المئة من أعضاء الحزب. وهي نسبة هزيلة. فما هو الحل البديل إذن؟ ▪الحل هو التّالي: تحتاج أحزاب اليسار إلى تنظيم عدّة أنواع من المدارس المُشتركة، المُتخصِّصة في تكوين الأطر الثورية الكُفْئَة. ▪ويُستحسن أن يُدَرِّس في هذه المداس العُلَمَاء، والخُبَرَاء، وكذلك المناضلون ‏الثوريون الأكثر تَجربة وَخِبرةً. ‏▪ويجب أن تتميّز هذه المدارس بِوَثِيرَة عَالية، وبِفَعَالِيَة كبيرة، وبِجَوْدَة كَافية، في مجال تكوين الأُطُر. ▪وماذا سنعلّم لهؤلاء الأطر الناشئة؟ المواضيع والمواد التي يجب تعليمها تَنْتُجُ عن نوعية استراتيجية الحزب المعني، وتَكْتِيكَاته. ▪ويحتاج تكوين الأُطُر الثورية إلى مدارس عِلمية ومضبوطة. كما يحتاج إلى ‏مُكَوِّنِين ثوريين، ذوي تَجَارِبَ وخِبَرَات دَقيقة في مجالات النضال الثوري. ‏ويَنْبَغِي أن يَتَـضَمَّنَ هذا التكوينُ تَدْرِيسَ مَعَارفَ مُعَمَّـقَة، وخِبْرَات ثَورية ‏مُتَجَدِّدَة، ومناهج عِلْمِيَة دَقيقة. ▪وأدنى ما يجب فِعله، هو مُرَاكَمَة التَجَارِب والمَعَارِف، وقِيَّام الأجيال المُسِنَّة ‏من المناضلين الثوريين، بِتَمْرِير مَعَارِفِهَم، وتَجَارِبَهم، وخِبْرَاتِهَم الثورية، إلى ‏أجيال المناضلين الشَبَاب. دون أن ننسى مُهمّةَ إخضاع تلك المعارف ‏والتجارب للتَّـقْيِيم، وللنَّـقد، وللتَّـقْوِيم، ولِلتَّثْوِير. ▪يجب أن نُكوّن جيشًا مُتَنَاميًا من «ضُبَّاط الثورة المُجتمعية»، ومن «مُهَنْدِسِي الثورة ‏المُجتمعية»، ومن «الفنّانين البارعين في ميدان صِنَاعَة الثورة المُجتمعية». ‏ ‏‏▪وبدون وُجُود حَدٍّ أدنى مُحدّد من المناضلين الثوريين المُحْتَرِفِين، ‏المُتَـفَرِّغِين للعمل الثوري، لَا يمكن للثورة المُجتمعية أن تَنْضُج أو أن ‏تنجح. ‏ ▪وبقية تفاصيل موضوع هذا «التكوين» حسّاسة، ولا يصح نـقاشها بشكل علني في الساحة العُمومية.
الفكرة رقم 17 : هل كل القِيَادِيين قادرين على التَــثْـوِيـر
هل جميع القياديِّين في قِوى اليسار الحالية قَابِلين، وَقَادِرَين، على إنجاز مهام «التقييم والتـقويم والتثوير» المعروضة سابقًا؟ لَا، بعض القياديّين يرفضون منهج «التثوير»، أو يُـقاومونه، أو يُريدون طمسه، أو تَلَافِيه. لأنه يتعارض مع استراتيجياتهم الشخصية. وعلى المناضلين الثوريين (في كل حزب أو تنظيم) أن يجدوا السُّبُلَ الملائمة لإنجاز مهام «التقييم والتقويم والتثوير». وبدون قيادات ثورية، قادرة على إنجاز «التقييم والتقويم والتثوير»، يستحيل التقدم إلى الأمام.
الفكرة رقم 18 : ضرورة المُـحْتَرِفِـيـن الثوريــيـن
▪لا تتوفر مُعظم أحزاب اليسار على قَادَة مُتـفرّغين للعمل السياسي، وللنضالي الثوري. ومجمل قِيّاديِّي أحزاب اليسار يُمارسون شُغْلًا مِهَنِيًّا، ويَنْشِغِلُون به طيلة أيام الأسبوع. ولا يقدرون على دراسة قضايا النضال السياسي إلّا خلال وقت الرّاحة الأسبوعية. وإذا كانت قيادة حزب يساري مُعَيَّن من الهُوَّاة، وليس فيها مُحْتَرِفُون ثوريون، فإن هذا الحزب سيكون بالضرورة مُتَرَهِّلًا، أو هَشًّا، أو ضعيفًا. وتَـقْوِيَة أحزاب اليسار تتطلّب أن تكون نسبة هامّة من قِيَّادَاتِها مُتفرّغة للعمل السياسي وللنضال الثوري. بل يمكن اشتراط هذا التَفَرُّغ في الأشخاص المُرشين لمناصب قيادية مُحدّدة في الحزب.
الفكرة رقم 19 : شَرط تَعاون اليَساريين مع الإسلاميين
هل نـقبَل بأن تَتَعاون قِوَى اليسار مَعَ أحزاب أو حركات إسلامية أصولية؟ لَا نـقبل تعاون اليساريّين مع إسلاميين، إِلَّا إذا التزموا رَسْمِيًّا وفِعليًّا، بالمبادئ التالية: مَنْعِ التَكْفِير، والفَصْل بين الدِّين والدولة، والفصل بين الدِّين والسياسة، ‏وحرّية العَقِيدَة، وحرّية العِبَادَة، وحرّية عَدَم العبادة، وعدم الاستقواء بدول ‏أجنبية في الصراعات السياسية الداخلية. لأنه لا يُعقل أن يتعاون من يُدافع عن الحُرّيات، مع من يُحاربها(8).
الفكرة رقم20 : أهمّية تأطير واستـقطاب الشباب
▪تَتَّجِهُ النسبة المِئَوِيَة للشباب في قوى اليسار بالمغرب إلى الانخفاض بشكل كبير. (أقصد بِـ «الشباب» الفئة العُمرية المُتراوحة بين 18 و 35 سنة). وَنِسْبَة «الشُيُوخ» (séniors) في اليسار غدت غالبة، أو طاغية. ▪أصبحت أجيال الأعضاء في قوى اليسار مهدّدة بالانـقراض. ▪بينما نعلم أن القُوّة الرئيسية في كلّ الثورات المُجتمعية هي الشباب. ▪=> فَلَا يُمكن أن تُوجد حركة ثورية، بدون جماهير حَاشِدَة من المناضلين الشباب! ▪من أين أتى هذا المُشكل؟ جاء من إهمال نسبي لأهمية العمل في أوساط الشباب. ولماذا حدث ذلك؟ لأن النـقد السّابق (الذي مارسناه في نهاية سنوات 1970، أو بداية سنوات 1980) ضدّ نظرية «الشبيبة المدرسية مقدّمة تكتيكية»، وبهدف التركيز على العمل في الطبقة العاملة، مَارسناه بشكل مُطلق، ومُبالغ فيه. حيث ركّزنا على تفضيل العمل في الطبقة العاملة، إلى حدّ احتـقار، بل إلغاء، أهمية العمل في الشباب. => وهذا خطأ، ويجب تصحيحه بسرعة.
الفكرة رقم 21 : تَـرتيب الطبقات الـمُسـتـهدفة
في مجال توجيه الحزب لِعَمله السياسي نحو طبقات مُحدّدة من المُجتمع أكثر من غيرها، ارتكبنا في الماضي خطأ محاولة التركيز على طبقة واحدة (هي الطبقة العاملة)، إلى درجة إهمال، بل إلغاء، العمل في الشباب، وكذلك في طبقات أخرى. وهذا خطأ، لأن الطَّـلِيعِيَة المُفْتَرَضَة في الطبقة العاملة، لَا تَنْـفِي أن كلّ طبقات الشعب تتكامل. وكلّ طبقة لها (أثناء الثورة المُجتمعية) مساهمة خاصّة (spéciale)، وضرورية (nécessaire). والترتيب المُقترح في مجال الطبقات المُستهدفة هو: الشباب (من الجِنسين)، طبقة المُسْتَـغَلِّين (العمال في الصناعة والزراعة والخدمات)، طبقة الذين لَا يَسْتَـغِلُّون ولَا يُسْتَـغَلُّون (فلاحين، وحِرفيّين، ومستقلّين)، طبقة المُسْتَـغِلِّين الصغار (البرجوازية الصغيرة)، طبقة المُسْتَغِلِّين المتوسطين (البرجوازية المتوسطة). مع ضرورة مُراجعة وتثوير أساليب التأطير، والاستقطاب، والتَعبئة، والتنظيم، والتكوين.
الفكرة رقم 22 : الأهمية الـحاسـمة لـتــثــقيف عامة الشعب
سبق لِي أن أوضحتُ في كتاب "Le Sociétal"، وكذلك في كتاب "نـقد الشعب"، أنه إذا كانت نِسبة كبيرة مِن أفراد الشعب غارقين في حالة عميقة من الجَهل، و الأنانية، والغِشّ، يصبح من الصّعب، بل من شبه المستحيل، سواءً على الدولة، أم على اليسار، أن يُحَـقِّـقَا تغييرات هامّة في المُجتمع. وسمّيتُ حالة الشعب هذه بِـ «المِكْبَح المُطْلَق» (le frein absolu). ▪ولَا يمكن للمستبدِّين، وللمُسْتَغِلِّين، أن يصلوا إلى السُّلطة، ولَا أن يُحافظوا عليها، إذا لم يحصلوا على دعم قَوِيّ وفَعَّال، من طرف جزء من أفراد الشعب البُسطاء، أو الفقراء، أو المُسْتَغَلِّين. فَلَا يمكن تحرير الشعب من الاستبداد، ومن الاستغلال، إذا لم تتحرّر غَالِبِيَة كُبرى من الشعب من الأفكار الخاطئة. ▪وضُعف قِوى اليسار مرتبط نسبيًّا بتخلف الشعب. لكن من المُفترض في اليسار أن يكون طَلِيعَة الشعب. ▪وتقويم اليسار يتطلب تقويمًا، ولو جزئيا، أو نسبيا، للشعب. => ▪فَتَبْرُزُ الحاجة إلى خلق وإشاعة حركة ثـقافية ثورية شاملة لكلّ المُجتمع، تكون عميقة، ومتواصلة. => ▪يجب خَلق قناة تِلِيفِزْيُونِيَة مُشتركة فيما بين قوى اليسار، يكون مقرّها في بلد أوروبي (تَلَافِيًّا لاحتمالات القمع). ويمكن أن تكون مثلا على شكل «شركة ذات مسؤوليات محدودة» (s.a.r.l.). ويُستحسن أن تكون مُشتركة فيما بين أكثر ما يمكن من قوى اليسار (من المغرب، أو من عدّة بلدان ناطقة بالعربية). ويمكن بيع أسهمها إلى المواطنين المتطوّعين. ▪وسائل التثـقيف القديمة، مثل الجريدة، والمجلّة، والإذاعة، غدت غير كَافية، أو غير فَعّالة، بالمقارنة مع قناة تَلْفَزِيَة. ▪بفضل التقنيات الحديثة، أصبحت تكاليف قناة تَلْفَزِيَة، بما فيها تَكْلُفَة المُشتغلين فيها، أقل من السّابق. ويكفي أن يتفرّغ لها 2 أو 3 أشخاص أكفاء.
الفكرة رقم 23 : ضرورة الاحتياطات ضد القمع
▪يحتاج الحزب اليساري إلى معرفة الأجهزة القمعية، وأساليبها، ووسائلها. وبدون حدّ أدنى من الإجراءات الاحتياطية، يمكن أن يفقد الحزب اليساري استقلاله، وحرياته. ▪يجب على لجان متخصّصة داخل قوى اليسار أن تدرس التحوّلات الكيفية التي حدثت في الأجهزة القمعية بالمغرب (منذ سنة 2011 إلى الآن). ويجب على قيادات قوى اليسار أن تأخذ هذه التحوّلات بعين الاعتبار. فإذا افترضنا أن اليسار يتوفّر على برنامج متقدّم في مجال تقويم قوى اليسار، وإذا كان تعامل اليسار مع عنصر القمع دون المستوى اللازم، فمن الممكن أن يقدر هذا القمع على إفشال مجمل تَخطِيطات اليسار، وعلى منعه من تقوية نفسه. وتوجد بعض الاقتراحات مطروحة للدرس في مجال مقاومة القمع. لكنه من غير المعقول مناقشتها بشكل مفتوح في الساحة العمومية.
°°°°°0°0°°°°°
تلك هي نماذج جزئية من الأفكار المطروحة في مجال التَـقْييم، والتَـقْوِيم، والتَـثوير، بهدف تَـقْوِيَة قِوَى اليسار.
رحمان النوضة (وحرّر في الدار البيضاء، في أكتوبر 2019)
[مُـقتطف من كتاب جديد، لم يُنشر بَعْدُ، لِلكاتب رَحمان النوضة، تحت عنوان: «نـقد تعاون اليساريين مع الإسلاميين»].
------------------------------
الـنـقـط الـهـامـشـيـة :
1 La faiblesse de la gauche marocaine ne réside pas seulement dans la ‎faiblesse de sa quantité, mais elle réside essentiellement dans ‎l insuffisance de sa qualité.
2 مثلُا في مقال نشره مؤخّرًا عبد الله الحريف (مسؤول في قيادة "حزب النهج")، في 26 فبراير 2020، على موقع "الحوار المتمدّن"، تحت عنوان: "واقع اليسار بالمغرب": قال فيه: «أهم سمات اليسار اليوم هي: الضعف الكمي لتنظيماته المختلفة».
3 Charles Bettelheim, Les luttes de classes en URSS, 1ère période 1917-1923, Seuil Maspero, p.99.
4 Vladimir Lénine, œuvres Tome 5, Que faire?, Editions Sociales, Paris, Editions du progrès, Moscou, 1976, p.377.
5 لِينين، كتاب "ما العمل؟".
6 أنظر: رحمان النوضة، "هل ما زالت الاشتراكية صالحة بعد انهيار الاتحاد السُّوفْيَاتِي؟"، [موجود على موقع الحوار المتمدّن، وعلى مُدوّنة الكاتب: "LivresChauds.Wordpress.Com"، وعلى موقع "nokkade.wordpress.com"].
7 أنظر نقد أسلوب «التيارات» في كتاب "نقد أحزاب اليسار"، رحمان النوضة.
8 أنظر كتاب: رحمان النوضة، "نـقد تعاون اليساريّين مع الإسلاميّين". ويمكن تنزيله من الموقعين : "LivresChauds.Wordpress.Com"، ومن "nokkade.wordpress.com".

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي