م3 ف 6 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 828

أحمد صبحى منصور
2021 / 3 / 20

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى عن سنة 828 :
( شهر شعبان، أوله الاثنين: )
صراعات أكابر المجرمين
( وفي آخر هذا الشهر: أفرج عن الأمير طرباي من سجن الإسكندرية، ونقل إلى القدس ليقيم به غير مضيق عليه، وأنعم عليه بألف دينار .) . تخصّص سجن الإسكندرية للمغضوب عليهم من أمراء المماليك ، قد يموت فيه أحدهم أو يُطلق سراحه ، وقد يعود للخدمة ، أو يكون ( بطّالا ) خارج الخدمة .
الصراع المملوكى الصليبى
( في ثالثه: أنحدر غراب ثامن. )
النيل
( وفيه جاء قاع النيل خمسة أذرع وعشر أصابع، ونودي عليه من الغد خمسة أصابع. وهي ابتداء النداء على النيل . )
كوارث
1 ـ ( وفي يوم السبت سادسه: حدث عند شروق الشمس زلزلة قدر ما يقرأ الإنسان سورة الإخلاص، ثم زلزلت ثانياً مثل ذلك، ثم زلزلت مرة ثالثة، فلو لا أن الله لطف بسكونها، لسقطت الدور، فإن الأرض مادت، وتحركت المباني وغيرها حركة مرعبة، بحيث شاهدت حائطا خرج عن مكانه ثم عاد. وأخبرني من لا أتهم أنه كان وقت الزلزلة راكباً فرسه فخرج عن السرج حتى كاد يسقط . ) . المقريزى يسجل من واقع المشاهدة ، مع التوثيق ممّن يثق في صدقه .
2 ـ ( وفي غده: نودي- عن أمر السلطان- بصوم الناس ثلاثة أيام من أجل الزلزلة، فما أنابوا ولا سمعوا .). هل صام السلطان ؟ هل تاب عن الاجرام ؟
3 ـ ( وفي ليلة الخميس ثامن عشره: وقع الحريق بثلاثة أماكن فما طفئ إلا بعد جهد . )
إحتكار السلطان للسكر
( وفي ثامنه: نودي بأن لا يباع السكر إلا للسلطان ولا يشترى إلا منه، فعاد الأمر كما كان )
غلاء
( وفي هذا الشهر: بلغ الفول ديناراً لكل أردب، بعد ما كان كل ثلاثة أرادب ونصف بدينار. وتجاوز القمح المائتين بعد مائة وخمسين. وقل وجود الغلال، وطلبها الناس، فشحّت أنفس أربابها وخزنتها، هذا مع توالي زيادة النيل . )
حادثتان غريبتان :
( وفي هذا الشهر: اتفقت حادثتان غريبتان.
( إحداهما أن رجلاً مر في سفره ببلاد الغربية على أتان له، وتحته خرح فيه قماش، فخرج عليه بعض قطاع الطريق ، وأخذه وما معه فحاد به عن الطريق الى شاطئ النيل ، وكتفه والقاه إلى الأرض ليذبحه، فقال له: بالله اسقني شربة ماء قبل أن تذبحني فألقى الله تعالى في قلبه عليه رحمة، لما يريده به. وفتح خرج الرجل وتناول منه إناء وعبر في الماء حتى يغترف في الإناء منه، فاختطفه تمساح، وذهب في الماء فكسره، وأكله، والرجل يراه وهو مكتوف، وأتانه واقف مع فرس قاطع الطريق، قائمان قريباً منه. فأقام كذلك حتى مر به أناس عن بعد، فصاح بهم إلى أن أتوه، فأعلمهم بما جرى له، وما كان من هلاك عدوه، فحلوا أكتافه وأتوا به وبالفرس والأتان، والخرج، إلى الوالي، فقص عليه قصته فأخذ الفرس وخلاه لسبيله. فمضى بأتانه وخرجه، فكان في هذا موعظة لمن اتعظ وكفي بالله نصيراً . )
التعليق:
لنا بحث غير منشور عن ( أثر التصوف في بعث المعتقدات الفرعونية في مصر المملوكية ) . في أحد الغارات من أمن الدولة على بيتى في المطرية صادروا بعض مقالات كانت في دور الاعداد من هذا البحث . أهم مظهر بعثه التصوف من العقائد الفرعونية هو تقديس الحيوانات كالقط والتمساح والبقرة والعجل ، ثم أضيف اليها ـــ بسبب إحتلال العرب لمصرـــ تقديس الجمل ، وكان ضمن الكرامات أن الولى الصوفى ( يتطوّر ) أي يتشكل في شكل قط أو جمل ، وكانت تنتشر أقاصيص عن كرامات للجمال والتماسيح والقطط والبقر. التمساح كان أشهر الحيوانات المقدسة في مصر القديمة ، وحملت بعض البلاد المصرية حتى الآن إسم التمساح ( سوبك / شوبك ) . من القصص التي شاعت في الحوليات التاريخية عن التمساح هذه القصة التي ينقلها المقريزى مُصدّقا لها . ولقد روى قصصا مماثلة عن كرامات الجمل . وتنتهى كل تلك الأساطير بعدم العثور على بطل القصة ، وهو الحيوان ، سواء كان ( جملا ) أو ( قطّا ) أو ( تمساحا ) أو ( بقرة ) تنطق وعظا للناس .
نرجع للمقريزى في حكايته الأخرى :
( والثانية: أن متولي الحرب بتلك النواحي وسّط سبعة رجالة من قطاع الطريق وعلقهم على ممر المسافرين، كما هي عادتهم في ذلك. وأكد على الخفراء أرباب الدرك في حراستهم طول الليل، خوفاً من مجيء أهاليهم وأخذهم إياهم، وحلف بأيمانه لئن فقد أحد منهم ليوسطن الجميع فباتوا يحرسونهم حتى كاد الليل يذهب، أخذهم النوم ثم إنتبهوا في السحر، فإذا بعدة الموسطين قد نقصت واحد. فمن شدة خوفهم أن يطلع النهار ويبلغ الوالي أن الموسطين قد أخذ منهم واحد فيوسطهم بدله، مروا في الدرب المسلوك ليأخذوا من انفرد من المسافرين، يوسطوه ويعلقوه بدل الذي نقص من العدة فإذا هم برجل على حمار وتحته قفتين، فأخذوه، ووسطوه، وعلقوه مع الموسطين. فلما طلع النهار جاءهم مقدم الوالي لكشف حال الموسطين، فإذا عدتهم قد زادت واحداً فأنكر على الخفراء وأحضرهم إلى الوالي، وأعلمه الخبر ، فلم يجدوا بداً من الصدق وأخبروه أنهم ناموا آخر الليل، وانتبهوا سحراً فرأوا العدة قد نقصوا واحداً فما شكوا في أنه أخذه أهله، فأخذوا رجلاً على حمار من المارة ووسطوه وعلقوه مكان الذي نقص. وحلفوا أيماناً عديدة أنهم ما رأوهم إلا ناقصين واحداً. فأمر بفتح القفتين اللتين كانتا على حمار المقتول، فإذا في كل قفة نصف امرأة قد نقشت، فعلم الوالي ومن حضره أنه كان قد قتل هذه المرأة وسرى بها سحراً حتى يواريها، فقتله الله بها. وكان في هذه تذكرة لمن وعي أن الجزاء واقع . ).
تعليق
هذه الرواية ليس فيها تحديد المكان ولا تحديد الأشخاص ، ولكنها تحفل بثقافة عصرها ، فمتولى الحرب الذى لا نعرف إسمه يستطيع أن يوسّط من يشاء من المجرمين ، والتوسيط هو قطع الشخص نصفين منفصلين ، وكانت العادة صلب الجثة إرهابا للناس . الحبكة في القصة هنا أن الخفراء غلطوا في العدد ، وظنوا أنه ناقص واحد ، فقاموا بتوسيط أحد المسافرين وصلبوه ، فزاد العدد واحدا ، ثم إكتشفوا أنه قتل امرأة . هذه الحبكة ترجّح انها قصة مصنوعة للوعظ .

( شهر رمضان، أوله الثلاثاء: )
صراعات وحركة وظائف لأكابر المجرمين
1 ـ ( وفي يوم الثلاثاء ثامنه: قبض على الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله أستادار، وعلى ولده الأمير صلاح الدين محمد، وعُوّقا بالقلعة . )
2 ـ ( وفي يوم الخميس عاشره: خلع على الأمير زين الدين عبد القادر ابن الأمير فخر الدين عبد الغني بن أبي الفرج. واستقر أستادارا عوضاً عن الصاحب بدر الدين حسن ابن نصر الله. )
3 ـ ( وفي ثاني عشره: أفرج عن الصاحب بدر الدين، ونزل إلى داره، وقد ألزم بحمل نفقة الشهر وعليقه، وذلك نحو ثلاثين ألف دينار. وترك ابنه الأمير صلاح الدين بالقلعة رهينة على المال، فأخذ في بيع أملاكه وخيوله وثيابه وأثاثه . ). إذا عُرف السبب بطُل العجب . العزل والتعويق في القلعة هو لارغامهما على دفع المعلوم .
4 ـ ( وفي رابع عشره: خلع على جمال الدين يوسف بن الصفي الكركي، واستقر في كتابة السر بدمشق، عوضاً عن بدر الدين حسن ). التولية أيضا بمال رشوة حسب الشريعة السنية المملوكية .
الأسعار
( أهل هذا الشهر وقد انحل سعر الغلال، ( أي رخُص ) وكثرت في العراص ( مخازن الغلال ) والساحل ، من غير سبب يظهر في ارتفاعها أولا، ثم في انحطاطها، إن الله على كل شيء قدير، وبالناس لرءوف رحيم. )
( وفي هذا الشهر: عز وجود اللحم بالأسواق . )
النيل
1 ـ ( وفي يوم الثلاثاء ثاني عشرينه- الموافق له رابع عشر مسرى-: أوفي النيل ستة عشر ذراعاً. ونزل الأمير ناصر الدين محمد ابن السلطان ففتح الخليج على العادة بعد تخليق المقياس، وركب في خدمته الصالح بن ططر . ).
تعليق
الأمير الصغير ( محمد ) ابن برسباى يتصدر المناسبات ، ويخدمه ( محمد ) ابن السلطان ططر الذى كان سلطانا قبل ذلك ثم عزله برسباى . والآن يقوم برسباى بتجهيز ابنه لخلافته . وسيحدث لابن برسباى ما حدث من قبل لابن ططر ، ولا أحد يتعلم حتى الآن. هذا يؤكّد أن الذى يجلس على عرش السلطة تلتصق مؤخرته بالعرش ويفقد عقله ، وينسى الحكمة القائلة : ( لو دامت لغيرك ما وصلت اليك ) ..!!
2 ـ ( وفي يوم الأربعاء- صبيحة الوفاء-: نودي على النيل بزيادة عشر أصابع. ونودي في يوم الخميس بزيادة عشر أصابع. وهذا من نوادر زيادات النيل. )

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي