أزمة نزع الأيديولوجيا في الفلسفة

مالك ابوعليا
2021 / 3 / 20

كاتبة المقال: الماركسية السوفييتية نينا ستيبانوفنا يولينا*

ترجمة مالك أبوعليا

ان الرغبة في جمع نتائج تطور الفكر الفلسفي في القرن العشرين، من أجل تحليل الجوانب التي تُميزها وما تنطوي عليه من نجاحات واخفاقات، قد ظهرت بوضوح في الأدب البرجوازي في العقدين الماضيين. لا يوجد شيء يُثير الدهشة في هذه الحقيقة على هذا النحو. يُعَد منتصف القرن العشرين مَعلَماً زمنياً ذو أهمية تكفي لدفع المفكرين للنظر ورائهم والتفكير في المسار الذي اجتازوه، في حين كانت الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم الى نظامين يبدو معلماً كفيلاً لاجبار هؤلاء المفكرين على القاء نظرة جديدة ليس فقط على التاريخ السياسي للنصف الأول من هذا القرن، بل وتاريخه الفكري كذلك. ان حقيقة أن الماركسية أصبحت عاملاً مُهماً في الحياة الايديولوجية للعالم المعاصر قد فجّرَت الهدوء الأكاديمي للفلسفة البرجوازية وأجبرت المفكرين الغربيين على مراجعة ترسانتهم الفكرية(1).
هناك عامل آخر ساهم أيضاً في الحاجة الى تقييم الكتابات. لقد أصبح الأدب البرجوازي يُدرك بوضوح (بشكل تراجيدي متزايد) حقيقة أن التعاليم والمفاهيم التي تم تجميعها مؤخراً تحت مقولة "فلسفة القرن العشرين الكلاسيكية" هي في حالة أزمة، وأنها لا تستطيع أن تُحدّد حالة الفلسفة البرجوازية في الخمسينيات والستينيات. لقد تغيّرت القِيَم التي تتوجه اليها تلك الفلسفة، وتغيّرت معها التغيرات في موضوعها ولغتها ومناهج تفكيرها الفلسفية.
لقد وَصَلَت الاتجاهات الفلسفية للنصف الأول من القرن العشرين الى نهاية تظرها. ينطبق هذا على الكانطية الجديدة والهيغيلية الجديدة والبرغسونية والبراغماتية وغيرها. يُمكن رؤية عمليات الأزمة في النظريات التي اكتسبت شعبيةً مؤخراً نسبياً (الوضعية الجديدة والتوماوية الجديدة والوجودية). وبعد أن اثارت الاتجاهات الفلسفية الأولى عالم الفلسفة لفترة قصيرة، فقد فقدت رونقها، وصارت، الى حدٍ كبير، موضوعاً للنصوص التاريخية والفلسفية التاريخية. تسعى النظريات والتعاليم التي وُلِدَت أو تشكّلَت في فترة ما بعد الحرب جاهدةً لتحل محل ما كان قبلها. يدور صراع تنافسي شرس بينهما من أجل الهيمنة في السوق الفلسفية ومن أجل كسب الحق بأن يُطلق عليها "الفلسفة المُميزة للقرن العشرين".
باختصار، لقد أثبتت هذه المراجعة، بغض النظر عن الرغبات الذاتية للمؤرخين، أنها نعي "لفلسقة القرن العشرين الكلاسيكية". أدى انكماش الكُتّاب "الكلاسيكيين" الى تكثيف حالة الأزمة وولّد تدفقاً من الأدب النقدي، مما أدى الى توسيع نطاق البحث عن "نقاط اتصال جديدة بين الفلسفة والواقع".
ليس من المبالغة القول أن الفلسفة البرجوازية هي اليوم في حالة اعادة تنظيم لذاتها، في حين أن النظرة الجديدة لقيمها هي نفسها نقدية بطبيعتها. حدث شيء مُشابه سابقاً في بداية القرن.
من المُثير للاهتمام أن المسألة الرئيسية التي تم الاشتباك معها في ذلك الوقت ظهرت اليوم مرةً أُخرى في المقدمة، واتخذت مساراً جديداً بكل نطاقاتها. أنها مسألة ماهية الفلسفة: ما هو موضوعها ومهامها ووظائفها ومنهجها الذي يُميزها. حتى الطريقةالتي طُرِحَ بها هذا السؤال ظلت كما هي منذ قرنٍ مضى. يسعى المفكرون البرجوازيون الى تعريف ما هو خاص بالفلسفة من خلال بحث علاقتها بالعلم من ناحية، وبالايديولوجيا من ناحية أُخرى (يُنظَر الى الأخيرة على أنها "توجه نحو القِيَم"، باعتبارها نوعاً مُحدداً تاريخياً من وجهة نظر مُجتمع مُعطى). في النصف الأول من القرن العشرين لم يتم التشكيك الجدي بهذه الصياغة للعناصر التي تنطوي على طرح العلم والايديولوجيا على أنهما شكلين من النشاط الفكري مُتعارضين ومُستقلين. ظلّت النقاشات فقط حول أيٍ من العنصرين يجب أن يُعطى الأفضلية في حل الخلاف حول ما هو خاص بالفلسفة.
وان كنا نريد أن نستبق الأمور قليلاً، يُمكن القول أن الفلاسفة البرجوازيين في النصف الأول من القرن العشرين كانوا يميلون الى حسم الاختيار بين "العلم والايديولوجيا" لصالح الطرف الأول، أو على وجه الدقة، ليس لصالح العلم بقدر ما هو "ضد الايديولوجيا". ان الرأي الذي تبلور تحت تأثير نجاحات العلوم الطبيعية والذي مفاده أن تقدّم كل المعرفة مُرتبط بتحررها من "القِيَم"، قد كان مُتضمناً في عددٍ من الاتجاهات التي تشكلّت في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.
في تلك الفترة، كان هناك هجمات على بقايا الاقطاع في المجالين الاجتماعي والفكري، وهي فترة من عملية تصنيع عاصفة جنباً الى جنب مع الانتصارات التي تحققت بفضل تحالف الصناعة والعلوم التجريبية. وتمتعت بالشعبية الفلسفة التي كانت تستند الى التنوير، والتي بموجبها كان سبب عُقم الفلسفة وعدم قدرتها أن تكون عملية هو نتيجة للعنف الذي مارسته الأوهام القديمة والتحيزات الايديولوجية. لا تحتاج الفلسفة، في هذه السياق، الا الى التحرر من كل ما هو "خارجي" عنها، وأن على موضوعها ومنهجيتها ووظائفها ومهامها تحتاج فقط الى التحديد الصحيح، وسنحصل بذلك على فلسفة لن تقل أهميةً في نجاحاتها عما حققه العلم.
يتخلّى الفلاسفة البرجوازيين في النصف الثاني من القرن العشرين عن وجهة النظر هذه بشكلٍ مُتزايد. ان الفكرة القائلة بامكانية تحرير الفلسفة من التأثيرات الايديولوجية تصير موضع شك. على الرغم من أن الفلسفة الوضعية لا تزال هي النوع السائد في الفلسفة (خاصةً في بريطانيا والولايات المتحدة)، الا أن نموذج "الفلسفة العلمية الصارمة" لم يعُد يُثير الحماس الذي كان يُثيره في السابق. يواصل المفكرون البرجوازيين بحثهم عن ما يُميّز الفلسفة في الاتجاهات الأكثر تنوعاً، وهم أكثر ميلاً الى توجيه أنفسهم نحو الايديولوجيا أكثر من العلم.

***

ان الفكرة القائلة بأن الفلسفة الغربية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية قد تبلورت الى حدٍ كبير كنفي لفلسفة النصف الأول من القرن العشرين "الكلاسيكية" ستصير أكثر واقعيةً اذا وجهنا الانتباه الى شعارات وأمزجة وحركات مُهمة تُشكّل القناة التي تكوّنت فيها فلسفة النصف الأول من القرن العشرين، واذا تتبعنا المصير النهائي لهذه الأفكار.
كما نعلم، حدث ظهور المدارس الجديدة وتشكّلها في سياق نقد الفكر الفلسفي في القرن التاسع عشر، وقبل كل شيء، الفلسفة الكلاسيكية الألمانية. هذا هو السبب في أنه من المُعتاد في الغرب تصوير القرن العشرين على أنه "ثورة دائمة في الفلسفة" أو حتى "فلسفة الثورة"(2).
في الواقع، لم تكن هناك فلسفة برجوازية واحدة أو أي تيار ذي تأثير لم يزعم أنه قام باعادة تنظيم أساسي للفلسفة وفق روح العصر الجديدة والمسائل والمعطيات العلمية الجديدة. أعلن هوسرل وديوي والواقعيون الجدد والواقعيون النقديون ونيتشه وجورج سانتيانا george Santayana ووايتهيد وبرغسون وراسل وفيتغنشتاين ونيكولاي هارتمان و"فلاسفة الحياة" عن نيتهم تدمير بُنية الفلسفة القديمة وخلق مفهوم جديد جوهرياً لها. خضعت جميع مناطق الفلسفة وجوانبها الى "ثورة": مفاهيم موضوع دراستها ومنهجيتها ووظيفتها ولغتها وعلاقتها بالعلم والتجربة. كانت "الابتكارات" الجديدة هذه ذات اتجاهات مختلفة وعمِلَت بأشكال متنوعة.
كان اولئك الذين شاركوا بأنفسهم في هذه الحركات الجديدة يميلون الى وصفها بأنها اتجاهات ذات مغزى في الفلسفة. كان هذا صحيحاً في الواقع. في عملية النفي النقدي للفلسفة السابقة، تم انجاز قدر مُحدّد من العمل البنّاء. فُتِحَت مجالات جديدة للبحث الفلسفة وطُرِحَت مشاكل جديدة وأصبحت المشاكل القديمة أكثر دقة وأُعيد صياغتها. خضعت منهجية ومنطق ولُغة الفلسفة لتحليل دقيق.ولكن، كان هناك، كقاعدة عامة، وعي ضعيف بأهم سبب "لاعادة البناء" التي كانت جارية في كل مكان: السبب الايديولوجي. كانت "الثورة في الفلسفة"، في المناخ الايديولوجي والفكري للعقود الأولى من القرن العشرين بمثابة رد فعل ايديولوجي على أسلوب التفكير ذاته الذي أنتجته هيمنة الأنظمة الفلسفية "المَلَكية". على النقيض من الأولى، تم الاعلان عن "حرية البحث" و"ديمقراطية النظريات" و"المساواة في المبادئ" (وهي شعارات ليس من الصعب العثور على أساسها الاجتماعي المُحدد). كان تحرير الفلسفة من قمع "المبادئ المُطلقة" يعني، بالنسبة للكثيرين، التحرر من ضغط الايديولوجيا الرسمية المُقدّسة والراكدة. ليس من قبيل الصدفة أن أحد المكونات الموجودة في جميع أنحاء هذه الحركة كان انتقاداً للتقليدانية. على الرغم من تنوع المدارس "الابتكارية"، فقد كان لديها سمة مُشتركة واحدة: الموقف النقدي السلبي (غالباً ما كان يصل الى العدمية) تجاه الفلسفة السابقة.
تم التعبير عن نقد التقليدانية في محاولات فصل الفلسفة الحديثة عن التعاليم والمفاهيم التي حظيت باهتمام كبير في الدورات الأكاديمية عن تاريخ الفلسفة، وقبل كل شيء فصلها عن عقلانية القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. تم الاعلان عن تاريخ الفلسفة باعتباره تخصصاً لا علاقة له بحل المشاكل المُعاصرة، وأن تاريخ الفلسفة هو عبارة عن مجموعة من الالتباسات والأخطاء التي يتم دراستها فقط حتى لا تتكرر في المستقبل. حتى عندما لم يتم تجاهل فلسفة الماضي علانيةً، فقد "تمت قراءتها من جديد" بطريقة جعلت ذلك الجزء من محتواها الذي حَمَلَ النزاعات الحالية بين الاتجاهات الجديدة، يحتل مركز الصدارة حتماً.
من المؤكّد أن نقد الفلسفة السابقة تضمّن جوانب عقلانية. لكن اختيار مواضيع متنوعة وغالباً ما كنت متناقضة من تاريخ الفكر السابق من أجل انتقادها، والتقييمات المتناقضة التي تم التوصل اليها من التعاليم المُختلفة، هو دليل على أن هدف الفلسفة البرجوازية في العشرينات والثلاثينات لم يكن منذ البداية القيام بمراجعة ذات ذات مغزى لتاريخ الفلسفة، بل كانت مُراجعة ايديولوجية لها. تم استخدام تاريخ الفلسفة كوسيلة للصراع الايديولوجي، وكان نقد فلسفة الماضي وسيلةً لتأكيد المفهوم الجديد للوظيفة الاجتماعية للفلسفة.
من الوسائل الفعالة الأخرى لازالة "الأعشاب الفلسفية الضارة" كان يجب جعلها عيانيةً، وتحويل الفلسفة من تخصص تأملي الى تخصص خاص وفرع خاص من المعرفة الوضعية القائمة على الحقائق والتجربة. تم رسم الخطوط العامة لحركة جعل الفلسفة عيانية وتخصصاً خاصاً في وقتٍ مُبكرٍ من القرن التاسع عشر، وشكّل أحد نتائج الثورة في العلوم الطبيعية.
بدت منهجيات الفلسفة القديمة، على خلفية الاكتشافات الهائلة في العلوم التجريبية وفعاليتها، كأنها عديمة الفائدة، بالنسبة للعديد من المفكرين. تم اتخاذ تدابير فعالة للبحث عن مجالات وأشكال جديدة من النشاط الفلسفي وتطبيق التقنيات التي أثبتت أنها مُثمرة في العلوم الطبيعية، على الفلسفة.
هذه الحركة، مرةً أُخرى، انطلقت تحت راية تحرير الفلسفة من "الفيتيشات الايديولوجية" (أي التأملات التي لا يُمكن اثباتها، ومفهوم الفلسفة على أنها "علم العلوم"، ومن الفلسفة الطبيعية والتاريخية، الخ). كان الجوهر الداخلي لمعنى هذه الحركة، حسب تعبير ديوي، البحث عن اليقين أو "الأساس المتين" للفلسفة. وكترياق ضد التحليقات التأملية و"التعميمات الايديولوجية"، تم تقديم جُرعة تحويل الفلسفة الى "تخصص خاص" و"علم صارم" و"بحث تجريبي"، الخ.
اتخذت حركة جعل الفلسفة تخصصاً تجريبياً أشكالاً مُختلفة في بلدان مُختلفة، وكان لها مجموعة من التلوينات، واختلفت اختلافاً كبيراً في المحتوى. هنا نجد كلاً من الحركة من أجل فلسفة التخصصات الملموسة و"فلسفة العلم" و"فلسفة الثقافة" و"فلسفة الفن"، الخ، وحركة أنصار "فلسفة الممارسة" الذين رأوا أن التجريدات الميتافيزيقية غير المُجدية والعقيمة يجب أن تُفسح المجال للبحث الملموس، وكذلك ما يُسمى بـ"الحركة التجريبية" التي تُطالب باعادة بناء الفلسفة على أساس متين من "الحقائق التجريبية". تحت راية البحث عن اليقين، تطوّرت ايضاً المدرسة الواسعة المُسماة بفلسفة الحياة Lebensphilosophie والتي تجلّت بوضوح خاص في أعمال فليلهلم ديلتاي، والتي اتخذت فيما بعد شكل الوجودية.
بالطبع، سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن الاتجاه نحو التخصص الضيق والتطبيق العملي المُمارسي كان شاملاً. على الرغم من النقد الغاضب الذي انصب على التأملات و"النظمنة"، لم تختفِ الفلسفات التأملية من ساحة الفلسفة البرجوازية. كانت فلسفات بيرغسون وكروتشه وسانتيانا ووايتهيد وبيرنارد بوسانكيه Bernard Bosanquet وهوكينغ مطلوبةً وذاعة الصيت بين الانتلجنسيا الغربيين. ولكن حتى في أعمال هؤلاء المفكرين أيضاً، تم تغيير فكرة "النظمنة" وفقاً لـ"روح العصر". عبّروا جميعهم تقريباً عن انتقاد "الميتافيزيقيا" (اي الفلسفة التأملية) وامتنعوا عن اشتقاق أنظمة من "المبادئ المُطلقة". تم استبدال بناء المنظومات بـ"النظاميات Systematics" والاستنتاج العقلاني بـ"التمييز البديهي للجوهر"، وهكذا دواليك. ومع ذلك، على الرغم من أن هذه الفلسفات حاولت تحديث ترسانتها، الا أنها لم تعد قادرة أن تدّعي أنها تحمل الراية الفكرية. لقد تعرضوا لضغوطٍ متزايدة بسبب التعاليم الفلسفية التي تطورت تحت راية تحويل الفلسفة الى تخصص ملموس على قدم المساواة مع العلوم الطبيعية.
ان الدعوات لتفعيل "ثورة في الفلسفة" وتحويلها الى علمٍ تجريبي يحتوي فقط على معرفة يُمكن التحقق منها ويُمكن اثباتها تجريبياً، هي سمة خاصة للفلسفة الانجلو-أمريكية، وفوق كل شيء، لتنويعاتها الوضعية الجديدة. طالبت الوضعية الجديدة بتحرير الفلسفة من المسلمات الميتافيزيقية التي لا يُمكن اثباتها، وأن يتم تطهيرها من العوامل الذاتية والقِيَم الايديولوجية(3). تم تقديم المبادئ التالية كمنهجية أولية: التوجه نحو المنهج العلمي للتفكير، والصرامة والدقة في التفكير الفلسفي، وامكانية التحقق من الافتراضات الفلسفية، وقابلية تطبيق الأدوات العلمية، وخاصةً الرياضيات على الفلسفة. كما نعلم قدّم هذا الاتجاه الزخَم لحركة تجاوزت حدود الوضعية الجديدة على ذلك النحو، أي لما يُسمى بـ"حركة ما بعد الفلسفة" Metaphilosophy والتي يكمن جوهرها في حقيقة أنه يتم استبدال الاهتمامات "الخارجية" التقليدية للفلسفة- العالم والانسان والمعرفة بدراسة مكونات الفلسفة المختلفة: لغتها ومنطقها ومنهجيتها وكيف تعمل في المُجتمع. في المقابل، ظهرت الى الوجود تخصصات مثل "ما بعد المنطق" و"ما بعد الأخلاق" و"ما بعد الابستمولوجيا" وما الى ذلك.
كان يُمكن رؤية عملية مُماثلة في السوسيولوجيا. على الرغم من الهوة المتزايدة الاتساع بين الفلسفة والسوسيولوجيا، فقد تطورت الأخيرة أيضاً تحت شعارات "تسقط الايديولوجيا! تحيا التجريبية!". تم طرح مُهمة تحويل السوسيولوجيا الى علم "ملموس" و"تجريبي" و"عملي" والذي لا يقتصر على طرح الوصفات المعيارية، بل وانشاء حقائق Truths مُعينة حول الحقائق Facts التجريبية التي لها وجود واقعي. وكشرط ضروري وأولي لتحويل السوسيولوجيا الى "علم اجتماعي" تمت المُطالبة بتحريره من "الميتافيزيقيا" الاجتماعية والنهج التاريخي وتأثيرات علم الأخلاق والسياسة.
كان لعملية اعادة التنظيم هذه أهميةً بالغةً لجميع المعارف الاجتماعية. أدت الحركة من أجل سوسيولوجيا عيانية والتي تطورت تحت شعار نزع الايديولوجيا De-ideologization، بسرعة كبيرة الى تأسيس هيمنة التجريبية. أصبح التوجه نحو تضييق المشكلات وهيمنة التحليل الكمّي والتوجه نحو الاستبيانات والمقابلات والبحث الاحصائي لتمظهرات الوعي الاجتماعي معياراً أساسياً لـ"السوسيولوجيا الجادة"، والتي خضعت بشكلٍ مُتزايد للتحولات التي أدت بها الى أن تصير "هندسة اجتماعية" وظيفتها "العلاجية" هي علاج كل نوع يُمكن تصوره من الأمراض الاجتماعية وتعديل الصراع الاجتماعي والحفاظ على الاستقرار في المجتمع وما الى ذلك.
النتيجة المُهمة الثانية لاعادة تنظيم السوسيولوجيا هو تراجع الفلسفة الاجتماعية. باستثناء عدد قليل من الشخصيات مثل فيفريدو باريتو وماكس فيبر وبيتريم سوروكين، الذين يُنظر الى أعمالهم عموماً على أنها تنتمي لتقاليد القرن التاسع عشر، فان أعداد مؤيدي هذا التخصص من بين السوسيولوجيين المُحترفين يقل بشكل مُتزايد. في أحسن الأحوال، يتم تكليف هذه الفلسفة الاجتماعية بمهمة أن تكون منطق البحث الاجتماعي وتنقية لغة السوسيولوجيا وما شابه ذلك من مهام "تقنية". بعبارة أُخرى، يُنظر الى الفلسفة الاجتماعية على أنها "ما بعد السوسيولوجيا".
كان لكل التغيرات المذكورة أعلاه في مجال الفلسفة والسوسيولوجيا تأثيراً خطيراً على مُحتوى وتنظيم عمل الفلسفة المُعاصرة في الغرب. أدى الموقف المُزدري لتاريخ الفلسفة، والتوجه نحو التخصص الضيق، ومواجهة الفلسفة بالسوسيولوجيا الى تمايز حاد بين النظريات الفلسفية. حيت تميّزت فلسفة القرن التاسع عشر بعدد محدود نسبياً من المواقف المُتّخذة ووجود أرضية مُشتركة لمحتوى النظريات المتنوعة، الا أن ما يلفت النظر عند فحص فلسفة النصف الأول من القرن العشرين هو كثرة التيارات والمواقف والتقنيات واللغات الفلسفية.
أدى هذا التمايز الى تعيقيد العلاقات داخل الفلسفة البرجوازية نفسها. فقد أدى الى رسم خطوط فاصلة بين التيارات والجماعات، وعزز انهيار الترابط فيما بينها، وعمّق عزلتها الذاتية. تجلّى هذا "الرُهاب من الغير" xenophobia في المدارس والاتجاهات في أكثر الأشكال تنوعاً: نشر المجلات المُصممة لمجموعة ضيقة من المتخصصين، تنظيم المؤتمرات والندوات التي لا يُدعى اليها مُمثلو الاتجاهات الأُخرى، وغياب لغة مُشتركة في المؤتمرات الفلسفية الدولية، الخ.
كان التمايز يحدث أيضاً في كل مدرسة على حدة. على سبيل المثال، تميّز تاريخ الوضعية الجديدة بأكمله بانشقاق المجموعات المستقلة وعزل نفسها في دوائر ضيقة. حدث نفس الشيء في الوجودية، حيث كان هناك عدد من تنويعات "فلسفة الحياة" تخوض صراع خطير ضد بعضها البعض. أدى تآكل الفلسفات الوطنية وتشرذم المدارس الى انشاء أنواع جديدة من الروابط. تبرز المجموعات والاتجاهات ليس على أساس وجهة نظرة الى العالم مُشتركة فيما بينها، بل على أساس حلول مماثلة لمشاكل خاصة في الفلسفة: المعرفة والقِيَم وما الى ذلك.
يُمكن للمرء أن يقول، عند تقييمه لما يُسمى بالحركة العلمية في فلسفة النصف الأول من القرن العشرين، أن فكرة توجّه الفلسلفة الى العلم، كانت في حد ذاتها، مُثمرةً بالتأكيد. في السعي من أجل تطبيق هذا النهج، ثبُتَ أنه من المُمكن التغلب على العديد من الادعائات والأوهام الفلسفية التي لا أساس لها من الصحة، وفتح مجالات جديدة للبحث الفلسفي وطرح مسائل جديدة واعادة صياغة المسائل القديمة، وما الى ذلك. ولكن، واجهت الفلسفة صعوبة جدية في ضوء حقيقة أن المُشاركين في هذه الحركة سعوا الى اخضاع الفلسفة لدوغما وشرائع جديدة بدون الالتفات الى قوانينها الخاصة وأغراضها ووظائفها (أي أنها استرشدت بدوافع ايديولوجية مُحددة للغاية). نشأ وضع بحلول منتصف القرن العشرين يعتبره الفلاسفة البرجوازيين أنفسهم حرجاً الى أعلى مستوى. انعسكت مسألة الانعزال عن تاريخ الفلسفة وفقدان الروابط بين المدارس واللامبالاة بتقاليد الثقافة الوطنية وتفاهة الموضوعات والشكلية والانشغال بـ"فلسفة الفلسفة" على حساب فلسفة الواقع وفقدان الاهتمام بمسائل النظرة الى العالم وما الى ذلك، انعكست جميعها على موقع الفلسفة في المُجتمع. تبيّنَ في المُمارسة العملية، ان محاولات اضفاء الطابع العملي على الفلسفة وتوجيهها الى نيل الحقائق Truths التي يُمكن التحقق منها عن طريق التجربة، تبين أن هذا يعني فقدان الاتصال مع المُمارسة نفسها، لأن هذا كان يعني عدم الاكتراث بالمسائل الواسعة المتعلقة بالنظرة الى العالم والتي تُهم ملايين الناس اليوم.

***

عندما يفقد رجل الدين الايمان فانه يترك دعوته، وعندما يحصل نفس الشيء مع الفيلسوف فانه يُعيد تعريف موضوع بحثه. برتراند راسل

بحلول خمسينيات القرن العشرين أصبح من الواضح أن الفلسفة البرجوازية في النصف الأول من القرن العشرين لم تحل بشكل أساسي السؤال المُلِح الذي يتعلق بالفلسفة وموضوعها ومنهجها ووظائفها وما الى ذلك. ظلت مُشكلة علاقة الفلسفة بالعلم والايديولوجيا حادة كما كانت من قبل. نشأت أيضاً موجة جديدة من المسائل.
ومع ذلك، فان الخبرة الماضية لم تختفِ ببساطة دون أن تترك أثراً. لقد أظهرت ضلال الثورات الفلسفية وبددت العديد من الأوهام وكشفت عن عدم صحة العديد من الادعاءات وأدخلت تعديلاتٍ في التصريحات البرنامجية. كما كان لها أهمية مُحددة في تغيير اتجاه البحث عن معنى الفلسفة.
لو حاولنا، من هذا المُنطلق، تحديد السمات المُميزة لأزمة الفلسفة البرجوازية في عصرنا، فاننا سنتفاجئ بشدة من عدم شعبية شعار نزع الايديولوجيا عن الفلسفة وفقدان تأثير فكرة "الفلسفة العلمية".
كما نعلم، في العقود الأولى من القرن العشرين تقريباً، كانت جميع المدارس الجديدة تتقدم ببرنامج "اعادة التنظيم الأساسية للفلسفة". تُعتَبَر مثل هذه التصريحانت اليوم ظاهرةً نادرة الى حدٍ ما، والأمر ليس مُجرّد وجود عدد قليل من النظريات الأصيلة التي يُمكن العثور عليها الآن. لقد أفلست فكرة الحاجة الى الانفصال الجذري عن الماضي في الفلسفة. حتى "المُبتكرون" لا يسعون الى الاعلان عن انفصالهم عن التقاليد. على الرغم من الاستياء المُتزايد من الحالة الراهنة والندم على الخطوات الخاطئة التي تم اتخاذها في العقود السابقة، فان النقد المدمّر الكاسح لا يحظى بالشعبية.
نَمَت الحركة المُحافظة التي تهدف الى اعادة أشكال الفلسفة القديمة الى موقعها على نطاقٍ واسع وأصبحت أقوى. ان البرامج المُبتكرة لأحدث التنويعات الوجودية والوضعية الجديدة ومُمثلي الانثروبولوجيا الفلسفية، اضطرت الى أن تخوض صراع تنافسي في السوق الفلسفي مع البرامج "التقليدية" للتوماوية الجديدة والأرثذوكسية الجديدة والأرسطية الجديدة.
في كُلٍ من النواحي النظرية والايديولوجية تُعتَبَر النزعة المُحافظة الفلسفية ظاهرةً مُعقدة تُظهر ميولاً متنوعة غالباً ما تكون متناقضة. يُمكن للمرء أن يرى، في اعادة الاعتبار لأفكار الماضي، محاولات لتكييف أنظمة الماضي مع الاتجاهات الايديولوجية المُعاصرة. ان الغرض من اللجوء الى الماضي، في هذه الحالة هو توظيف سُلطة تاريخ الفلسفة للحفاظ على النظريات المُتداعية والتي عفا عليها الزمن ولاخفاء تزوير الأفكار والتقاليد العقلانية التقديمة حقاً. في الوقت نفسه، يُمكن للمرء أن يجد بعض العناصر التقدمية في هذه المذاهب الفلسفية: مُحاولات لاعادة التفسير العقلاني للفلسفة السابقة، واتخاذ موقف ايجابي مُحدد فيما يتعلق بالاستمرارية في تاريخ الفلسفة، على عكس مُحاولات الحداثة والعدمية الفلسفيتين التي تُحاول أن تجد المخرج من الأزمة عن طريق استعادة أشكال التفلسف التي بررت نفسها في أوقات مُختلفة في الماضي، وهكذا.
أجبرت النظرة الجديدة نحو التقاليد، المؤرخين البرجوازيين، على تبنّي نظرة جديدة نحو الترابط النظري بين المدارس والاتجاهات المُتصارعة الآن. أصبحت أفكار "التركيب" و"ووحدة التعددية" رائجةً للغاية. أصبحت حالة عدم الرضا عن عُزلة المجموعات الفلسفية والعداء المُتبادل فيما بينها مُنتشرةً على نطاقٍ واسع. ترتفع الأصوات بوتيرة مُتزايدة فيما يتعلّق بضرورة بدء حوار بين "الثقافات والمدارس الفلسفية" لالقاء الضوء على مشاكلها ووجهات نظرها المُشتركة. يدعو الفلاسفة البرجوازيين من على منصة المؤتمرات الى وقف السياسة الانعزالية واقامة تفاهم مُتبادل بهدف تطوير ما هو مُشترك بينها.
كما أنه لا يوجد نقص في برامج تحقيق الوحدة. يزعم البعض أن الاختلافات الفلسفية والنفي المُتبادل يقومان على خلافات دلالية ولغوية صرف، وبالتالي، يجب ايجاد مهرب من الأزمة في بعض الاصلاحات في هذا المجال. يعتقد الفلاسفة ذوي القناعات الوجودية أن الافتقار الى التواصل بين فلاسفة الغرب ينشأ كنتيجة لحقيقة أن المناهج الخاصة بالفلسفة غير متطورة، وأنه كان هناك نقل غير نقدي لأنماط التفكير المُميزة للعلم الى الفلسفة. يدعو التوماويون بقوة جديدة، للتغلب على الانفصالية والتعددية من خلال اللجوء الى تاريخ الفلسفة. يتم اتخاذ خطوات أكثر نشاطاً من أجل التغلب على الحواجزالدوغمائية التي تفصل التوماوية عن التيارات الأُخرى. تتعالى الأصوات التي تُنادي بضرورة "التواصل" و"الاثراء المُتبادل" بل وحتى "قراءة جديدة للقديس توما الاكويني" من وجهة نظر الفينومينولوجيا والوجودية والتحليل اللغوي و"الفلسفة الدياليكتيكية" وما شابه(4).
وفي خِضَم هذا السعي من أجل الوحدة، تُسمَع تنويعات مُختلفة من الآراء. يعترف الفلاسفة البرجوازيون بأن العصر الحالي قد طَرَحَ العديد من المشاكل الفلسفية الجديدة والتي من المُستحيل حلها دون العمل المُشتَرَك من جانب المُتخصصين من مُختلف التخصصات. لكن يترتب على هذه الانفصالية مناهج عمل بدائية ومُضاعفة الهجمات على المسائل التي تم حلها بالفعل، وتجاهل انجازات مُعينة للاتجاهات ذات الصلة. بدأ المزيد من الفلاسفة يُدركون أن شكل عملهم صار مُفارقةً تاريخية وعَقَبة في طريق تطور المعرفة الفلسفية. ان العامل الأساسي الذي يدفع الفلاسفة البرجوازيين الى السعي وراء "الوحدة في التعددية" هو أن نشاط الفليلسوف البرجوازي الفردي التقليدي صار يتعارض مع الطبيعة العامة للعمل الفكري والايديولوجي في عصر الامبريالية.
ثم انسحبت على الفلسفة، عملية التوحيد والتنميط التي أثرت على جميع مجالات الحياة الايديولوجية. تتطلب الرأسمالية التي تُنظمها الدولة في مرحلتها الاحتكارية مشاعر مُنظمة، وايديولوجيا منظمة وعقلاً مُنظماً. وسواءاً رَغِبَ المفكرون البرجوازيون في ذلك أم لا، فان نشاطهم يخضع لمعيار الحياة الفكرية هذا.
من المُفيد أن نُلاحظ أن الدين، الذي دائماً ما تميّز باستجابة حساسة للضرورات الاجتماعية، قد استجاب بالفعل، في شكل الحركة المسكونية ecumenical movement لمطلب التكامل الايديولوجي. هذه الحركة التي ربما قد تكون اليوم الظاهرة الأكثر بروزاً في الحياة الدينية للبلدان الرأسمالية. يُمكن مُلاحظة ظاهرة مُشابهة اليوم في الفلسفة أيضاً.
كما يجب أن لا ننسى أن العامل الرئيسي الذي يُجبر الفلاسفة البرجوازيين على عبور حواجز مدارسهم والبحث عن منصة واحدة هو وجود الماركسية بحد ذاته، التي تُفّر حلاً واحدياً لمجموعة من المسائل الفلسفية. ان الرد على الماركسية يُثير الفوضى والتذبذب بين الفلاسفة البرجوازيين ويدفعهم في نفس الوقت الى الاتفاق في النضال "ضد العدو المُشتَرَك".
يظهر الانقسام بين البناء الفلسفي والفلسفات المُتخصصة في علاقةٍ جديدة. تم استبدال النقد الموجه ضد "الفلسفات الكُبرى" الذي كان سِمةً للعقود الأولى من القرن العشرين، بالنقد الموجه ضد التخصص الضيق والانجذاب نحو المُشكلات التقنية" والمُتخصصة للفلسفة. تحظى الفلسفات التي تدّعي احتضان مجموعة واسعة من مسائل النظرة الى العالم بشعبية مُتزايدة. ومن أسباب هذا التغيّر، هو التغيّر في طبيعة ومسائل المعرفة العلمية اليوم. لقد طَرَحَ تطور العلم بشكلٍ حاد مسألة تطوير نظرة جديدة الى العالم، وتصنيفاً جديداً للعلوم. أدى السعي الى "التركيب" الذي يُميز المعرفة العلمية الحالية، الى ظهور حركة مُماثلة في الفلسفة.
ان حقيقة أن الاتجاهات الوضعية تشهد درجة من الأزمة في داخلها هي سبب مُهم لهذه الحركة "التركيبية". قدّم الوضعيون، في العشرينيات والثلاثينيات، عدداً من المُطالبات المُحقة وساهموا مُساهمةً جادة في مُعالجة مُشكلات فلسفة العلم والمشكلات في منطق المنهجية وتحليل اللغة.
ان المطالبة بالصرامة والدقة في التفكير الفلسفي، ووجوب التحقق من الافتراضات الفلسفية والأهم من ذلك والتوجه نحو نمط علمي من الفكر، قوّض سلطة التيارات المثالية واللاعقلانية صراحةً بشكلٍ خطير. ومع ذلك، في اطار جهودهم لموائمة الفلسفة مع المناهج العلمية الأولية ومُسائلة وظائفها (وظائف الفلسفة) في مجال النظرة الى العالم (وهذا تطوّر ميّزَ بشكلٍ عام العلموية كحركة ايديولوجية) والتي (اي النظرة الى العالم) تطوّرت خلال القرون وحظيت باهتمام كبير اليوم، فقد قوّض الوضعيون الجُدد أساساً المَثَل الأعلى للفلسفة العلمية وموضوعها الأساسي. لقد كَشَفَ العقد الماضي بوضوحٍ خاص عن عدم امكانية الدفاع عن ادعاءات الوضعية الجديدة بأنها تغلّبت على "الميتافيزيقيا" وبأنها تغلّبت على الصراع بين المادية والمثالية وبأنها طبّقَت المنهج العلمي على الفلسفة. عندما انتقل الوضعيون الجُدد من التصريحات الى جزئية تنفيذ برنامجهم، فقد اتضح أن ما يقوم عليه التحليل المنطقي واللغوي هو نفسه المُشكلات "الميتافزيقية" التي ادّعوا أنهم أزالوها: مسألة العقل والمادة، والمكان والزمان وطبيعة الكون الخ. حتى ذلك المنهج التحليلي الذي عُقِدَت عليه آمال كبيرة، ثَبُتَ من نواحٍ عديدة أنه مرتبط بالمناهج التي استخدمها المثاليون في الماضي: هيغل ولايبنز وغيرهم.
لقد وصلت الآن مرحلة عملية التحوّل في المُقدّمات الأولية للوضعية الى حد أن الوضعيين الجُدد أنفسهم لم يعودوا قادرين على تحديد معايير دقيقة يُمكن من خلالها التمييز بين ما هو "علمي و"غير علمي". وبالتالي تتهيأ الظروف بذلك لمحو الحد الفاصل بين النمط العلمي للفلسفة ، والأنماط غير العلمية "فلسفة الحياة" و"الفلسفة الدينية" الخ.
ان الميل نحو نزع الأنسنة Dehumanize عن الفلسفة قد استدعى ادانةً ملحوظة من مدارس فلسفية متنوعة للغاية. تتعرض لنقدٍ حادٍ جداً، جهود مؤيدي "المعرفة التي يُمكن التحقق منها بدقة" والتي تسعى الى تحويل الفلسفة الى تخصص يتعلق بالمنطق والادراك فقط.
من اللافت للنظر أن الجهد المبذول لايجاد معايير نهائية تُحدد دقة المعرفة ويقينها في مجال المنطق ونظرية اللغة قد أدى بالعديد من الفلاسفة البرجوازيين، وخاصةً الشباب منهم، الى الابتعاد عن الفلسفة. أصبح تواصلهم مع البراكسيس الآن في مجالٍ آخر غير مجال الفلسفة. صاروا في أغلب الأحيان، مُستشارين في مراكز الكمبيوتر التابعة لهذه الشركة أو تلك. تجلّت الرغبة عند جزءٍ كبير من المثقفين البرجوازيين في مُحاولتهم لفصل مسألة مصداقية المعرفة عن مشاكل النظرة الى العالم والاكسيولوجيا، في الانفصال عن صراعات العالم المعاصر وعن مشاكل حادة تتعلق بالنظرة الى العالم. ليس من قبيل المصادفة أن التحليل المنطقي واللغوي يوصَف غالباً في الأدب الغربي المُعاصر بأنه "هروبية" فلسفية و"زُهد علمي". ان التخلي عن الجهود لحل المسائل ذات الأهمية الحيوية في الفلسفة، يعني، في الواقع، الاعتراف بأن هذه المسائل غير عقلانية. من المهم القول أن الفلسفات اللاعقلانية والدينية تتنشط كثيراً مع تهاوي ادعاءات الوضعية وتبيّن أنها تفتقر الى التبرير الصحيح.
ان ازمة الوضعية هي أحد الأسباب المُهمة التي جعلت من أصوات الفلاسفة البرجوازيين الذين يضعون الوظائف "المتافيزيقية" والأخلاقية والاجتماعية والايديولوجية للفلسفة في المُقدمة، صاخبةً وواثقةً جداً. من اللافت للنظر أنه حتى عام 1940، كانت فكرة أن "الفكر الميتافيزيقي يلفظ أنفاسه الأخيرة"(5) بدت وكأنه لا مجال للشك فيها. يعتقد الكثيرون اليوم أن الميتافيزيقيا قد بدأت "تتنفس من جديد"(6).
ومن الخصائص المُميزة أيضاً أن احياء "الميتافيزيقيا" يُعتَبَر من قِبَل الكثيرين أهم سمة حاسمة لفلسفة المُستقبل. يتفق مُمثلو الاتجاهات المتنوعة بشكلٍ مُتزايد على أن الفلسفية المُستقبلية يجب أن تكون نوعاً من "التركيب العالي". ان مسألة أن الفلسفة هي وسيلة نظمنة أو حتى كونها في حد ذاتها نظاماً، تُثار مرةً أُخرى. كتب بول تيليش Paul Tillich انه "منذ زمن تدمير التركيب العظيم للمسيحية والفكر الحديث الذي حققه فريدريك شلايرماخر وهيغل والليبرالية في القرن التاسع عشر، فقد ترسّخ اشمئزاز من (المنظومات) في أذهان الناس الذين لم يكونوا مستعدين لقبول أيٍ من البديلين (انكار الايمان أو الفلسفة). وعانى عدد كبير جداً من المنظومات من الفشل حتى يتمكنوا من القيام بمحاولات لتأسيس تركيبات جديدة. لكن ليس لدينا مخرج آخر. وعلينا أن نُحاول القيام بذلك مرةً أُخرى"(7).
بالانتقال الى التكهنات الملموسة فيما يتعلّق بفلسفة المُستقبل (نحن ندرسها على أساس بيانات الأدب الفلسفي الأمريكي)، فهي تختلف اختلافاً كبيراً ويحمل كلٍ منها بصمات الموقف الذي يتخذه حالياً المؤلفون المعنيون. على العموم، يُمكن القول أن هذه الاختلافات تتحدد من خلال مُناقشات الاتجاهات الرئيسية في في الفلسفة البرجوازية المُعاصرة حول العلاقات المُتبادلة بين الفلسفة والعلم والايديولوجيا، وبشكل أساسي المناقشات في الوضعية الجديدة والطبيعانية والوجودية والأرثذوكسية الجديدة والتوماوية الجديدة.
تحظى فكرة تركيب الفلسفات التجريبية والتأملية بشعبية واسعة. يعتقد الكثيرون أن فصل الفلسفات التجريبية عن الفلسفات التأملية كان ظاهرةً تاريخية ضروريةً، وان كانت مؤقتة، وهو نوع من التحضير لـ"التركيب المُستقبلي"، وأنه "لا يوجد اليوم مهمات أكثر جديةً من توحيد هذين العنصرين المتناقضين في فلسفة القرن العشرين"(8).
تم اكتساب "حيوية جديدة" من خلال الفكرة التي تؤكد على الحاجة الى رؤية عالمية شاملة فعالة وتأخذ في الاعتبار تنوع الخبرات الفكرية والاجتماعية. "اننا نشعر بالحاجة الى فلسفة جديدة قابلة للتطبيق، والتي، على عكس الماضي، من شأنها أن تتفاعل بحساسية مع انجازات المنطق والعلم المُعاصرين والميتافيزيقيا واللاهوت والتاريخ والعلوم، وبالتالي ستكون في وضع يُمكّنها من مواكبة العصر الذي نعيش فيه"(9).
وتم اكتساب "حيوية جديدة" من خلال الفكرة القائلة بأن فلسفة المستقبل يجب أن تكون "تركيبية" و"شاملة" synoptic وعليها مرةً أُخرى أن تُصبح "مَلِكة العلوم" و"يجب أن تُوجه جهودها نحو اعادة تنظيم بعيدة المدى للتقسيم المُعاصر للمعرفة الانسانية"(10).
ومع ذلك، تجب الاشارة الى أن أعضاء أكثر الاتجاهات والمدارس تنوعاً يعترضون على التوجه الوضعي الأصلي نحو العلم. يتم التأكيد باستمرار على أن "الميتافيزيقيا يجب أن تُطور اجراءاتها الخاصة التي تنطبق على موضوع بحثها بدلاً من حشر المنهج العلمي عُنوةً واجباره على العمل في مجال غير مُخصص له"(11). يتوصل الدافع العام للنقد الى حقيقة أن تاريخ الفلسفة المُعاصرة يُزعم أنه يشهد على الحاجة الى التمييز بين المعرفة الفلسفية والمعرفة العلمية، وليس الحاجة الى التعاون بينهما. وهكذا، يُصبح نقد الفلسفة الوضعية انكاراً لفكرة الفلسفة ذاتها باعتبارها نظاماً مُوجهاً علمياً وقادراً على المُحاججة العقلانية.
هذا المزاج يجعل التعاطف مع موقف الفلاسفة الدينيين مفهوماً في الغرب. وفقاً للتوماويين، فان على فلسفة المستقبل أن تكون "تعاليم القديس توما الاكويني التي لم تستنفد صلاحيتها مع مرور القرون" والتي تُطوّر مبادئها الخاصة من داخلها ولا تحتاج الى "مساعدة من العلم" أو أي "دفاع ايديولوجي عنها"(12).
ان وجهة النظر "الانثروبولوجية" والتي بموجبها تكون المسألة الأساسية في الفلسفة هي "مسألة الانسان" وموقعه في المُجتمع وخصائص سلوكه ككائن اجتماعي، وما الى ذلك، تحظى بشعبيةٍ واسعة الى حدٍ ما(13). وتستمر الشعبية بالتزايد من خلال المفهوم الوجودي الفلسفي الذي يُركّز الانتباه على "وجود الانسان" والعالم الحي للتجربة الانسانية بقلقها وحريتها وابداعها.
يتم، بتواتر مُتزايد، طرح مسألة السماح الواعي "لعوامل القيمة" وهي التأثيرات ذات الطبيعة الثقافية والاجتماعية والسياسية وما شابهها. من الأهمية بمكان في هذا الصدد العمل الذي قام به العلماء البرجوازيون في دراسة طبيعة القِيَم والثقافة الفكرية وآلية الايديولوجيا والاشتراط الاجتماعي للمعرفة وعلم نفس العملية الابداعية.
الى جانب الحركة من أجل احياء وظائف الفلسفة فيما يتعلق بالنظرة الى العالم، فان استعادة مكانة الفلسفة الاجتماعية التي حدثت في الماضي القريب تجذب انتباهنا. في كثيرٍ من الأحيان يتم طرح ومناقشة المسائل التي تم تصنيفها على أنها "ميتافيزيقيا اجتماعية" (اي تلك المسائل المُتعلقة بجوهر العملية الاجتماعية وقواها الدافعة والحرية والضرورة في التاريخ وما الى ذلك). من الجدير بالذكر أن الاهتمام المُتزايد بهذا التخصص لا يُلاحظ فقط بين الفلاسفة والسوسيولوجيين، ولكن أيضاً بين مُمثلي العلوم الأخرى(14).
يرجع الاهتمام المُتجدد بالفلسفة الاجتماعية الى عددٍ من الأسباب. هنا يُمكن للمرء أن يوجه الانتباه الى الحاجة التي نشأت في سياق تراكم المعرفة الاجتماعية، أي الحاجة الى تصوّر شامل للعمليات الاجتماعية والأهمية المُتزايدة للنظريات الاجتماعية-الايديولوجية في الحركات السياسية والقومية في يومنا هذا، والى الجهد الذي يبذله المنظرون البرجوازيون لمواجهة المادية التاريخية ببعض نظريات الأشكال العامة للتطور الاجتماعي. تظهر، في كتابات العديد من السوسيولوجيين، فكرة الحاجة الى احياء الفلسفة الاجتماعية كنتيجة لخيبة الأمل من السوسيولوجيا التجريبية، والتي أثبتت فاعليتها في حل المسائل الجُزئية ولكنها تقف عاجزةً في مواجهة المشاكل الأساسية للمُجتمع. اقتنع الباحثون، الذين قَبِلوا في وقتٍ من الأوقات فكرة فيبر حول بناء "سوسيولوجيا خالية من القِيَم"، من خلال خبرتهم الخاصة، بأن "السوسيولوجيا الخالية من القِيَم" ليست مُمكنةً أكثر من مُجتمعٍ خالٍ من القِيَم. تأكد هذا الاستنتاج من خلال تاريخ السوسيولوجيا التجريبية. أقنعت أكثر من 3 عقود من تطورها الكثيرين بأن "التجريبية ليست مُجرّد منهجية سوسيولوجية بل ايديولوجيا اجتماعية"(15) وأنها، بالاضافة الى ذلك، ايديولوجيا من نوع مُحدد للغاية، من نوع تبريري وامتثالي ومُدافع عن الوضع الراهن.
من الجدير بالملاحظة، أن مُنظري "نهاية الايديولوجيا" الذي توقعوا مؤخراً "انقراض المشاعر الايديولوجية" في ظل ظروف "الديمقراطية المتطورة" يتخلون اليوم بشكلٍ أساسي عن هذه المواقف. على سبيل المثال، ديفيد بيل، الذي أكّد مؤخراً في نهاية الخمسينيات أنه في المُجتمع "الصناعي" المُعاصر ذو التنظيم العالمي الذي يسترشد بشكلٍ مُتزايد بالعلوم الاجتماعية وليس الاعتبارات الأخلاقية، تزول فيه الايديولوجيات بالتدريج(16)، مُضطرٌ اليوم لتسجيل تصاعد الصراع الايديولوجي في الولايات المتحدة وظهور حركات ايديولوجية جديدة (خاصةً الايديولوجيات اليمينية)(17).
لا يزال من المبكر الحديث عن السمات التي تُميّز الفلسفة الاجتماعية البرجوازية في عصرنا. يُمكن القول، حالياً، انها ليست أكثر من رغبات وتخمينات فيما يتعلق بموضوع دراستها ومنهجيتها ووظائفها وأهجافها التي يتم التعبير عنها. ولكن حتى هذه الشذرات تُهمنا، لانها تُشير الى حدٍ ما الى مسار اعادة توجيه الفكر الاجتماعي المُعاصر.
يُصاب المرء بالدهشة بسبب تشابه الرغبات المُعرَب عنها في الفلسفة الاجتماعية والفلسفة بحد ذاتها. من المُفترض أن على الفلسفة الاجتماعية أن تتولى مهمة تجميع المعرفة الاجتماعية وتنفيذ تنسيقها وتكاملها في نفس الوقت. يتم التركيز بشكلٍ خاص على الحاجة الى احياء وظائف الفلسفة فيما يخص النظرة الى العالم (نظرة شاملة للتاريخ البشري والمؤسسات الاجتماعية والعلاقات الانسانية وما الى ذلك)، أي تلك الوظائف ذاتها التي يعتبرها مُنظروا "نهاية الايديولوجيا" بأنها "مُفارقةً تاريخية"و لا تتفق مع مستوى وطابع المعارف في "الديمقراطية المتطورة". على عكس مفهوم "المُناهضين للآيديولوجيا"، فان هناك فكرة مطروحة تقول بأن "العلوم الاجتماعية غير الفلسفية ليست ممكنة أكثر من الفلسفة الاجتماعية غير الايديولوجية"(18).
تجب الاشارة الى أن التأكيدات من هذا النوع تصدر من قِبَل سوسيولوجيين من مُختلف المُعسكرات، بما في ذلك النُقّاد ذوي الميول الليبرالية الذين أزعجهم نزع انسانية المعرفة الاجتماعية الحديثة وفصلها عن المشاكل الاجتماعية والفكرية المُلحّة. من وجهة نظرهم، تُعتَبَر الفلسفة الاجتماعية قبل كل شيء، أساساً نظرياً لنوع من البرامج الانسانية القادرة على تحفيز الجماهير على الفعل في مجال الثقافة والتغيير الاجتماعي. هذا يوضّح سبب عدم رضا مؤيدي الفلسفة الاجتماعية عن "التركيبات" "السوسيولوجية العامة" من النوع الذي صَعَدَ مؤخراً مثل بناءات تالكوت بارسونز وسوروكين ومؤيدي "السوسيولوجيا الماكروية". لا تتناسب البنيوية الوظيفية مع أغراضهم بسبب امتثاليتها وتبريرها للوضع القائم وافتقارها الى امكانيات التوقّع المستقبلية. دب الحماس لديهم عندما ظهرت تعاليم رايت ميلز C. Wright Mills والتي تضمنت نداءاً لتأسيس عالم انساني وفي نفس الوقت علوم اجتماعية نقدية. ليس من قبيل المصادفة أن كتاباته حظيت بشعبية أكبر، بعد وفاته، واكتسبت تعاليمه أتباعاً أكثر مما كانت عليه قبل الستينيات.

***

وهكذا، فان نفس منطق تطور المعرفة والثقافة والخبرة الاجتماعية للمفكرين البرجوازيين قد أدى الى استنتاج مفاده أن الفلسفة هي بطبيعتها نظره الى العالم، وبالتالي لا يُمكن تحريرها من تأثير الايديولوجيا. ان أي مُحاولة لتحويل الفلسفة الى "علم نقي" من خلال عمليات ازالة "التراكبات الايديولوجية" ستفشل دائماً لأن "نهاية الايديولوجيا" دائماً ما يتضح أنها نهاية ما هو فريد لهذا التخصص وانحلاله الى أشكال أُخرى من المعرفة. بعبارة أُخرى، ينتج من تعريف الفلسفة لنفسها من خلال "التطهير الايديولوجي" نفياً لذاتها.
من ناحية أُخرى، يسمع المرء اصراراً شديداً على فكرة أنه لا يُمكن تسهيل تقدّم المعرفة الفلسفية وتحصيل الحقائق Truths التي يُمكن التحقق منها من خلال اعادة التنظيم "الثورية" لموضوع الفلسفة ومنهجها ووظائفها أو الجهود المبذولة لايجاد مجالات مُميزة من أنشطة خالية من التراكبات الايديولوجية، بل في اطار الايديولوجيا ذاتها. الايديولوجيا هي شكل يضع بصمته بطريقة أو بأُخرى على كل معرفة انسانية، وبالتالي فهي مُقيدة بحدود تاريخية واجتماعية. لكن في الوقت نفسه، لا يُمكن تحقيق المعرفة الموضوعية الا بهذا الشكل.
يُمكن اعتبار كل هذه الاعترافات الى حدٍ ما بمثابة تأكيدات غير مُباشرة للقيمة الايجابية للموقف الماركسي القائل بأن الفلسفة اجتماعية بطبيعتها، وهي تتعلق بالنظرة الى العالم. ليس من غير المألوف أن يُشير المفكرون البرجوازيون مُباشرةً الى أولية الماركسية في تحديد طبيعة المعرفة الفلسفية (أنظر ببساطة سوسيولوجيا المعرفة). ولكن، يجب التأكيد على أن المفكرين الغربيين في الوقت الحاضر ما زالوا بعيدين عن طرح طرح مسألة زيف نفس المُعادلة (اما ايديوزلوجيا واما علم). في أغلب الأحيان، يُفهَم الاشتراط الايديولوجي للمعرفة الفلسفية على أنه تشويهٌ لها، باعتباره ابتعاداً عن الحقيقة. ان الفكرة القائلة بأن الايديولوجيا، التي تعكس الميول الاجتماعية التقدمية يُمكن أن تكون حافز قوي لتطور المعرفة، هي فكرة غريبة عن المُفكرين البرجوازيين.
من أجل الحُكم على الاتجاه الواضح في الفكر الغربي الحالي، الذي يُريد اعادة تأسيس اتحاد الفلسفة والايديولوجيا، من الضروري مُراعاة أن الدوافع التي تقود مجموعة مختلفة من المفكرين الغربيين الى تقدير وظائف الفلسفة على أنها نظرة أخلاقية وثقافية الى العالم، تختلف اختلافاً كبيراً.
من بين المؤيدين المُتحمسين لـ"الفلسفات ذات التوجهات القِيَمية"، هناك العديد من المفكرين ذوي الميولات الانسانية الذين ينزعجون من المخاطر التي تتضمنها الحركة المُعادية للايديولوجيا. انهم يعتقدون، عن حق، أن التخلّي الواعي عن الأشكال النظرية للنظرة الى العالم والتفسير الفلسفي لمسائل الأخلاق والسياسة المُلحة وما شابه ذلك، يفتح الطريق أمام التحيزات والأساطير الايديولوجية الرجعية ويُحوّل الجماهير الى مُتلقين سلبيين للدعاية الرسمية. لكن كقاعدة عامة، من الواضح أن البُنى النظرية التي قدّمها بعض الفلاسفة من النوع العلماني لم يتأتى بسبب "توقهم الى الميتافيزيقيا". غالباً ما يتوقفون في منتصف الطريق، مُدركين أن الصعوبات الهائلة التي تقف على طريق انشاء نظام فلسفي يُمكن اثباته بصرامة تنطوي على خطر الانزلاق الى التأمل واستحداث فلسفة مبادئ قَبلية ومناهج حدسية ولاعقلانية.
لكن يوجد من بين دُعاة الفلسفات التي تمتلك نظرات واسعة عن العالم، عدد كبير من اولئك الذين يريدون، من خلال امتداح التخصصات القِيَمية ونقد الوضعية، رفض فكرة الفلسفة العلمية ومناهج الاثبات العقلاني في الفلسفة، وبالتالي اضفاء الشرعية على اللاعقلانية والايمان بالله. غالباً ما يرتبط رفع أهمية الوظائف الايديولوجية للنظرة الى العالم في هذا النوع من الفلسفة ليس بموقف مُعادٍ للعلم وحسب، بل وأيضاً بالدعم الواعي للايديولوجيا السائدة في المُجتمع الرأسمالي المُعاصر. لذلك فان هذا النوع من استعادة أهمية وظيفة النظرة الفلسفية الى العالم، يجب اعتباره خُطوةً الى الخلف عند مقارنته بالنظريات التي تطوّرت خلال النصف الأول من القرن العشرين.

* نينا ستيبانوفنا يولينا 1927-2012 تخرجّت من قسم الفلسفة في جامعة موسكو الحكومية عام 1950. حصلت على درجة الدكتورة في الفلسفة عام 1979. كانت يولينا مُهتمة في مجال الفلسفة الحديثة في الولايات المُتحدة والفلسفة التحليلية وفلسفات جون ديوي وبوبر وفلسفة العقل ومسألة الميتافيزيق في الفلسفة والعلاقة بين الفلسفة واللاهوت، والفلسفة النسوية. من دراساتها: (بعض مسائل الفلسفة الحديثة) 1960، (الاتجاهات الفلسفية الايديولوجية في الولايات المتحدة) 1971، (مسائل الميتافيزيقيات في الفلسفة الأمريكية في القرن العشرين) 1978، (الفلسفة واللاهوت في الفكر الديني الأمريكي في القرن العشرين) 1986 وغيرها.
1- كان لمسألة تأثير الماركسية على الفلسفة الغربية مُعالجة واسعة في أدبنا السوفييتي انظر:
Istoriia filosofii, Vols. V and VI, 1961, 1965 Sovremennaia filosofiia i sotsiologiia v stranakh zapadnoi evropy i Ameriki, Moscow, 1964 Sovremennyi ob’ektivnyi idealizm, Moscow, 1963, and other sources
لذلك يركّز الاهتمام في هذه المقالة بشكل أساسي على العمليات التي تحدث داخل الفلسفة البرجوازية.
2- See WKaufmann, Critique of Religion and Philosophy, New York, 1961, p. 20
3-´-or-greater detail on this, see V. A. Lektorskii, “From Positivism to Neopositivism” [Ot pozitivizma do neopositivizmu], Voprosy filosofii, 1966, No. 9
4- see R. Harvanek, “The Crisis in Neo-Scholastic Philosophy,” Thought, Vol. 38, No. 151, 1963
5- K. Hamilton, The System and the Gospel, London, 1963, p. 1
6- see Prospect for Metaphysics. Essays of Metaphysical Exploration, edited by Y. Ramsey, New York, 1961
7- Paul Tillich. Biblical Religion and the Search for Ultimate Reality, Chicago, 1956, p. 57
8- M. White, The Age of Analysis, Boston, 1955, p. 242
9- The New Outlook,” in American Philosophers at Work, edited by Sidney Hook, N.Y., 1957, p. 306
10- R. Dewey, “The Future of Philosophy,” The Journal of Philosophy, Vol. LIII, No. 5, 1956, p. 190
11- E. W. Hall, “Metaphysics,” in Twentieth Century Philosophy, edited by Dagobert Runes, 1947, N.Y., p. 170
12- G. P. Klubertanz, Introduction to the Philosophy of Being, New York, 1955, p. 278
13- (see F. Mayer and F. Brower, Patterns of a New Philosophy, Washington, 1955
14- تُخبرنا الصحافة الأمريكية، على سبيل المثال، أن الدورات التدريبية في الفكر الاجتماعي والسياسي، والتي يتم فيها ايلاء الكثير من الاهتمام للمسائل العامة للعملية الاجتماعية، يتم تقديمها في علم الاقتصاد وعلم النفس والتاريخ وأقسام أُخرى للعديد من الجامعات.
15- Irving Louis Horowitz, “Introduction to the New Sociology,” in The New Sociology, I. L. Horowitz, ed., New York, 1964, p. 6
16- David Bell, The End of Ideology: On the Exhaustion of Political Ideas in the Fifties, New York, 1961
17- David Bell, ed., The Radical Right, New York, 1964
18- D. C. Hodges, “And the Withering Away of Social Philosophy,” Philosophy and Phenomenological Research, Vol. XXV, No. 4, 1965, p. 473

ترجمة لمقالة:
The De-Ideologization Crisis in Philosophy, N. S. Iulina, Soviet Studies in Philosophy, 6:2, 39-50. 1967

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية