بوتين لبايدن.. الله يشفيك

كريم المظفر
2021 / 3 / 19

لا ندري لماذا تبادر الى ذهننا ونحن نسمع رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بهدوئه المعهود، وبعيدا عن التشنجات و المهاترات الكلامية، على تصريحات نظيره الأمريكي ، التي وصف بها الرئيس بوتين ( بالقاتل الذي سيدفع ثمن كل شيء ) ، الكلمات التي كنا نطلقها أيام الشباب ، على أولئك الذين يحاولون الدفاع عن إخفاقاتهم ، وكذبهم ، وخسارتهم اللعبة ، بإطلاق نبرات صوتية ترتفع تدريجيا عن مستوى النقاش والذي من المفترض أن يكون هادئا واعتماده كأسلوب للإقناع ، والتهديد تارة بعمل كذا وكذا ، مع علمه المسبق بأنه لا يقدم على ذلك ليس لعدم القدرة بسبب ضعفه ، ومن ثم التجريح او تشويه الحقائق ، لأنه يعرف شخصيته التي تعاني من حالة الضعف في الوعي ، وبالتالي فإنه ينتظر من المقابل كلمة تعودنا اطلاقها على أمثال من شاكلة هؤلاء الأشخاص بالدعوة لهم ( الله يشفيك ) .
واستذكر الرئيس الروسي لحظات تقييم الناس الآخرين أو عندما تقييم الدول أو الشعوب الأخرى، فأنهم دائما كمن ينظر في المرآة ويرى نفسه فيها، " لأننا دائما نحمل الشخص الآخر ماهية أنفسنا في واقع الأمر" ، وخصوصا أنه في أيام الطفولة " وكنا نقول عندما نتجادل مع بعضنا في أفنية المنازل: من ينعت الآخر بشيء ما، فإن ذلك من صفاته هو.. وهذا ليس مصادفة أو مجرد مزحة أطفال، فهناك معنى نفسي مهم جدا فيها، إذ أننا دائما نرى في الشخص الآخر صفاتنا الخاصة ونعتقد أنه مثلنا وانطلاقا من هذا، نقوم بتقييم أفعاله ونعطيه تقييما عاما" ، وكأنه يريد القول " أيها المعيُب لا تعيب فان العيبُ فيك " .
ولا ندري لماذا استذكرنا والحالة هذه شخصية رئيس الحكومة العراقية الأسبق والسياسي المعروف أياد علاوي، بكلمته المشهورة (والله ما أدري) ، والتي باتت الصفة الملازمة لهذا السياسي العريق ، فالرئيس الأمريكي وخلال لقاءه الصحفي كان الجزء الروسي فيه هو الأكثر فضيحة ، واهمها الرد على أسئلة المذيع جورج ستيفانوبولوس ، حول راديكالية الاتهامات الموجهة للقيادة العليا لروسيا ، تجاوز كل من سبقوه في البيت الأبيض ، مؤكدًا أنه يعتبر فلاديمير بوتين "قاتلًا"، ، حيث طرح على رئيس البيت الأبيض سؤالًا رئيسيًا: "إذن أنت تعرف فلاديمير بوتين ، هل تعتقد أنه قاتل؟ " ظهر السؤال الذي فجر مسار المحادثة بشكل غير متوقع، لأن ستيفانوبولوس نفسه لم يشرح بأي شكل من الأشكال نوع القتل أو القتل الذي يمكن أن يتهم فلاديمير بوتين بارتكابه، ومع ذلك ، أجاب جو بايدن ، الذي كان مترددًا بعض الشيء ، ولم ينطق مطلقًا بكلمة "قاتل" ، بعد توقفٍ ثانٍ ، بالإيجاب: "مممم ... حسنًا ... أعتقد" ، وهنا تذكرنا ان الرئيس الأمريكي لو أعيد له السؤال مرة ثانية فقناعتنا ستكون قاطعة بان جواب الرئيس بايدن سيكون ( والله ما أدري ) ، خصوصا واذا ما علمنا بان الرئيس الأمريكي دخل في عامه التاسع والسبعين وهو مقارب لعمر السياسي العراقي اياد علاوي الذي وصل الى السابعة والسبعين .
مثل هذه الحوادث لطالما لازمتنا في ممارسة هوايتانا الرياضية ، او الغلبة في أقناع الغير في أمر ما ، والذي يتطلب استحضار المعلومات القيمة ، واستذكار التاريخ او الأحداث التي تسمح بالأقناع ، ما يدعو بالخاسر الى الذهاب الى الأسلوب الآخر ، والذي يخرجه من طوره الحضاري بإستخدام هذه الطريقة للتغطية على خسائره أو خيبته ، ومثل هذا الحال ينطبق على الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي راح يطلق بالوناته الصوتية تجاه روسيا وعلى شخص رئيسها فلاديمير بوتين في سابقة دبلوماسية لم تشهدها الساحات الدولية من قبل ، وعلى ما يبدو أن النشاط الدبلوماسي الروسي، كما فسرته الخارجية الروسية قد أثار حفيظة الإدارة الأمريكية، وأخرجها عن طورها بعد أن أخرجها عن حصافتها الدبلوماسية، بتلك التصريحات التي خرج بها الرئيس الأمريكي، دون أن العلم ما إذا كانت تلك التصريحات، التباس في الإدراك لدى الرئيس، يشبه ذلك الذي أصابه منذ أيام، حينما عجز عن تذكّر اسم وزير دفاعه، أو أنها تصريحات مدروسة ومقررة سلفاً مع فريق إدارته .
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، حاول استخدام اللغة الهادئة والهادفة والبعيدة عن التصعيد ، واقترح لنظيره الأمريكي اجراء حديث على الهواء مباشرة " ودون أي مماطلات وإنما في محادثة صريحة ومباشرة" ، لأنه يعلم بأن نظيره كان قد نسى ما قاله بعد ساعة من لقاءه الصحفي ، وسيكون جوابه ( والله ما أدري ) ، وهو ما أكده الرئيس الروسي الأسبق ونائب رئيس مجلس الأمن الروسي الحالي ديميتري ميدفيديف بالقول ان ما حدث يعود إلى "عمره ( بايدن ) الكبير" ، والاشارة الى أنه التقى الرئيس الأمريكي الحالي، جو بايدن، في مناسبات دولية مختلفة، وترك انطباعا جيدا ، " ولكن، على ما يبدو، أن الزمن لم يرحمه" ، لذلك فانه ( أي ميدفيديف ) لا يوجد لديه شيء للتعليق عليه سوى استذكار اقتباسا لفرويد (المختص بدراسة الطب العصبي ومؤسس علم التحليل النفسي) الذي يقول فيه:" لا شيء أغلى في الحياة من المرض والغباء".
وعلى ما يبدو أن بايدن بذلك قد اعلن بداية الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، قبيل انقضاء فترة المائة يوم من تسنمه منصبه ، وحاجته الى مناسبة لإثارة الداخل الأمريكي الذي يعيش أسوء فترات حياته السياسية بعد أحداث نتائج الانتخابات ، وكذلك مع الذكرى السنوية السابعة لإعادة توحيد شبه جزيرة القرم الى روسيا، وفشل مشروع المعارض الروسي، أليكسي نافالني، ومجهودات واشنطن الهيستيرية لوقف مشروع "السيل الشمالي-2" ، وأيضا الخطوات الدبلوماسية الاستثنائية التي سبقت التصريحات " البادونية "، وأيضا يأتي ذلك كله عقب جولة ناجحة لوزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى منطقة الخليج، زار فيها الإمارات والسعودية وقطر، وصفتها المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بـ "أكثر من مثمرة"، حيث لم تكن بروتوكولية بقدر ما كانت معمّقة، طالت مجمل العلاقات الثنائية بين روسيا وهذه الدول، وكذلك التوجهات والإجراءات العملية على صعيد القضايا الدولية والشؤون الإقليمية.
الرئيس الأمريكي وأدارته ، على ما يبدو دخلت في مرحلة الهواجس المقلقة الناجمة عن استعادة روسيا لدورها ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب ، وفشل " مؤامراتها " فيه ، والتي كادت أن تعصف بالدولة السورية، وتزيلها من الوجود ، لهذا تعتبر الإدارة الأمريكية أن الاتفاق الجديد للتنسيق بين روسيا وتركيا وقطر، بانه بات يمثّل بادرة أمل لعودة سوريا إلى محيطها العربي ، ناهيك عن التقارب الروسي التركي ، معتبرة الذي يعتبر من وجهة نظرها بمثابة اختراق لحلف الناتو بشكل عام، ويتعارض بشكل خاص مع سياسة الحلف في المنطقة ، ناهيك عن النشاطات الدبلوماسية الروسية في الخليج والتقارب مع قادتها في وجهات النظر في العديد من القضايا المهمة التي تهم أمن الخليج ، بعيد عن لغة الابتزاز التي تمارسها الولايات المتحدة تجاه دوله بكل ادارتها السابقة والحالية .
يجمع الكثيرون هنا ان تصريحات الرئيس الأمريكي والتي شكلت أكبر فضيحة وسابقة خطيره لا يمكن أدراجها الا في خانة الصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين الذين يحاولون استخدام موضوع عامل خارجي ضد خصومهم ، فقبل مغادرته الرئاسة ، حاول دونالد ترامب الحصول على تقرير من المخابرات حول التدخل في انتخابات 2020 ، على أمل أن يتحدث عن محاولات للتأثير على نتائجها من جانب بكينة، وهذا من شأنه أن يعطيه حجة إضافية للضغط على الصين ، ومع ذلك ، فإن الإدارة الجديدة في البيت الأبيض اليوم ليست مربحة للتدخل في موضوع التدخل الصيني ، لأنه بعد ذلك اتضح أن بكين تعارض دونالد ترامب ، وساعدت جو بايدن على الفوز في الانتخابات ، فهل ساعدت الصين بايدن ؟ ( والله ما أدري ) .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول