رسالة مفتوحة إلى كل العراقيات والعراقيين من ذوي الضمائر الحية

كاظم حبيب
2021 / 3 / 18

منذ فترة وأنا أفكر في توجيه رسالة مباشرة إلى كل العراقيات والعراقيين من ذوات وذوي الضمائر الحية والقيم الإنسانية النبيلة والتقاليد والإرث الثقافي والحضاري الإيجابي للشعب العراقي الذي يعود لأكثر من خمسة ألاف سنة، رسالة إلى من هم في داخل الوطن المستباح ومن هم في الخارج، رسالة إلى المعذبين والمحرومين في أرض العراق. هذه الرسالة التي قررت توجهها اليوم لا تريد أن تذكرهم بما عانوه خلال نصف القرن المنصرم، رغم أن ذاكرة الشعب ليست قصيرة بحيث لا يتذكرون ما عانوه في فترتي حكم البعث 1963 و1968 و1988 في حرب الإبادة ضد الشعب الكردي ومجازر الكيماوي ضد حلبچة، ونحن في ذكراها ألـ 33 المريعة، حتى العام 2003 أولاً، ولا يمكن أن ينسوا ما يعيشون تحت وطأته منذ إسقاط الدكتاتورية البعثية الفاشية الغاشمة منذ العام 2003 حتى الآن تحت حكم القوى الطائفية والقومية الفاسدة ثانياً، إذ أنهم عاشوا الكوارث البعثية الأولى، ومازالوا يعيشون كوارث الطائفيين الفاسدين الجارية فحسب، بل تريد وتريد أن تطرح على بنات وأنباء الشعب الغيارى مجموعة من الأسئلة التي مسَّت وماتزال تمس حياتنا وتقض مضاجعنا وتفترس شبيبتنا وتنهك قوى شعبنا، والتي يستوجب أن يجيب عنها كل إنسان عراقي وإنسانة عراقية مخلصة لهذا الوطن بكل صراحة وشفافية عالية ومع نفسه قبل كل شيء، أي أن يخلوا كل فرد منّا وجميعاً إلى نفسه ويصارحها القول عما يجري في العراق، وعلى الأقل منذ أن تسلَّمت القوى السياسية الطائفية الشيعية، وبالتنسيق والتعاون والتحالف مع القوى الكُردية، ومن ثم مع الأحزاب والقوى السنية الطائفية، قيادة الحكم في البلاد وبمساومة معروفة بين الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة التي احتلت العراق وعاثت فيه فساداً ومازالت افعالها الدنيئة في سجن "أبو غريب" شاهداً على سلوكها المشين دولياً من جهة، وبين إيران، الدولة التي كانت وماتزال تريد استعمار العراق وجعله جزءاً من الإمبراطورية الفارسية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، حتى أن قادتها لا يخفون هذا الهدف ويعلنون عنه جهاراً نهارا حتى اليوم، من جهة ثانية. فماذا يدور في بالي من أسئلة، أشعر بضرورة طرحها لأنها عادلة ومشروعة؟ إليكم مجموعة من هذه الأسئلة:
** هل كان هذا النظام السياسي الطائفي الفاسد الذي تعيشون تحت وطأته هو النموذج الذي كنتم تسعون إليه قبل إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة، أم كانت لكن تصورات أخرى؟ وما الموقف منه؟
** هل خيّبت هذه القوى الطائفية الحاكمة آمالكم وأمانيكم في حكم البلاد وفي إنقاذ العراق من عواقب الاستبداد والحروب الصدامية نحو الداخل والخارج والتي كلفت العراق مئات الألاف من الضحايا البشرية وآلاف المليارات من الدولارات الأمريكية والخسائر الحضارية؟ وإذا كان كذلك فما الموقف الذي ينبغي اتخاذه؟
** وهل أنتم سعداء بنشوء دولة عميقة تُسيَّر العراق والسلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضاء، على وفق إرادة ومصالح ورغبات الدولة الجارة والمتجبرة إيران وقادتها، تحت ستار وشعار طائفي مقيت وكاذب ومخادع هو التناغم المذهبي بين الأكثرية الشيعية والرؤية الشيعية الصفوية لقادة الفرس في إيران؟
** وهل أنتم سعداء بما حصل في الموصل ونينوى لأجزاء مهمة وأصيلة من شعب العراق، للمسيحيين والإيزيديين والتركمان والشبك وسنة الموصل الطيبين من إبادة جماعية ونزوح وتهجير قسري وتكفير وآلام مبرحة وسبي واغتصاب للنساء والأطفال وتدمير للمدن والآثار العظيمة على أيدي عصابات الدواعش، بسبب نهج وسياسات النظام الطائفي الفاسد وقادته الفاسدين؟
** وهل أنتم فرحون وسعداء بما تعانون منه من نقص في الخدمات العامة، لاسيما الكهرباء والماء الصالح للشرب وبنايات المدارس المخربة والأجهزة والمعدات الدراسية البالية ونقص النقل العام والسكن وتزايد المناطق العشوائية.. إلخ، رغم المليارات التي وجهت لهذه الأغراض وحطَّت في جيوب، ومن ثم في البنوك الأجنبية، بأسماء الفاسدين من حكام العراق وكثرة من ذويهم ومن هم حولهم، أو ذهبت إلى إيران وحزب الله وللنظام الدموي الفاشي والفاسد والتابع لإيران في سوريا؟
** وهل أنتم فرحون بما يُسرق يومياً من أموال طائلة من خزينة الدولة تفوق كل تصور في أي بلد فاسد آخر بين العالم، وهي أموالكم ولقمة عيشكم وسعادتكم، إضافة إلى نهب النفط وتهريبه دون خوف أو خشية من الرب الذي يعبدوه، ويبدو أن ربهم هو المال وليس الله؟
** وهل أنتم أكثر سعادة بوجود وفعل المليشيات الطائفية المسلحة التي تبتزكم يومياً وتقتل أبناء الشعب وتختطف من تشاء وتغُيّبْ من تشاء وتسجن وتُعذب من تشاء وتسرق ما تشاء وممن تشاء دون حساب أو رقيب، لأن السلطة التنفيذية ذاتها والسلطتين التشريعية والقضاء تغطي كل ذلك وتساهم فيه أو لقبولها به أو سكوتها عنه؟
** وهل أنتم يا بنات وأبناء الشعب النجباء راضون عما يحصل من تمزيق لوحدة الوطن والشعب ولما يعاني منه أتباع الديانات والمذاهب في العراق بسبب سياسات التمييز القومي والديني والمذهبي والتمييز ضد المرأة ومعاناة أطفال العراق اليومية، ووجود الملايين من النساء الأرامل والأطفال اليتامى والمشردين في شوارع البلاد والمعرضين لاختطافهم من عصابات الجريمة المنظمة والميليشيات الطائفية المسلحة وقوى الإرهاب الأخرى في البلاد وتحويلهم إلى مجرمين وقتلة؟
** وهل أنتم راضون، يا بنات وأبناء الرافدين، يا من عُرفِتم بالتفاعل والاعتراف المتبادل والتسامح، بأن العراق قد خسر حتى الآن أكثر من1،250،000عراقي تركوا العراق من مواطناتنا ومواطنينا أتباع الدين المسيحي، وأكثر من 600,000 من أتباع الدين الإيزيدي، وأكثر من 80,000 عراقي من أتباع الديانة المندائية، إضافة إلى كثرة من التركمان الشيعة والشبك، وكذلك كثرة من شيعية وسنة العراق بسبب القتل على الهوية وهروباً من انتهاكات الميليشيات الطائفية المسلحة وقوى الإرهاب الإسلامي السياسي التكفيري الأخرى، بحيث عاد ليصبح عدد العراقيات والعراقيين في الشتات العراقي يتراوح بين 4,5-5,0 مليون نسمة؟
** وهل أنتم سعداء بما جرى ويجري من ملء العراق بتجار المخدرات بكل أنواعها القادمة من إيران وأفغانستان أو غيرهما والمدمرة لصحة ووعي الشبيبة العراقية، أو المتاجرة بأعضاء الناس الفقراء والمعوزين، لاسيما الأطفال، أو المتاجرة بالآثار العراقية النفيسة؟
** وهل أنتم فرحون بقتل أكثر من 700 مناضلة مدنية ومناضل مدني في انتفاضة تشرين الأول 2019 وأكثر من 26000 جريح ومعوق على أيدي السلطة التنفيذية في حكومة الجزار الخبيث عادل عبد المهدي، لأنهم كانوا يطالبون باستعادة الوطن المستباح وممارسة الحقوق المغتصبة والمصادرة والحصول على فرصة عمل. وعمليات القتل والاختطاف والاعتقال والتعذيب للمتظاهرات والمتظاهرين لم تتوقف حتى الآن، بل تساهم فيها أجهزة أمنية ويسكت عنها ويغطى عليها بذريعة نزاعات عشائرية، وهي كذبة كبرى حتى لو اعترف المتهم بها، لأنه يحاكم عندها على وفق قانون العشائر وأعرافها، كما حصل أخيراً بعد اختطاف المحامي المدني علي جاسب، حيث تم قتل جاسب حطاب والد المختطف، لأنه طالب بالحرية لابنه علناً وعبر بابا الفاتيكان فرنسيس أثناء زيارته للعراق وعبر رئيس الوزراء العراقي والرأي العام؟
** وهل أنتم راضون بسرقة المزيد من الأراضي الزراعية وتحويلها إلى صنف أخر يربح منها المضاربون بالمال والعقار وغسل الأموال، أو بما يجري من تغيير ديمغرافي مستمر لأراضي المسيحيين في محافظة الموصل وبعض مناطق كردستان، حيث هي مناطق سكن العائلات المسيحية، أو سرقة الدور الحكومية أو شراء تلك الدور والبنايات بأسعار رمزية لأقطاب الحكم ومن هم حولهم؟
** وهل انتم أخيراً وليس آخراً، مرتاحون لما يجري من ابتعاد عن التنمية الاقتصادية، لاسيما في قطاعي الصناعة والزراعة، وما نشأ عن ذلك من بطالة هائلة وبيع المزيد من مشاريع الدولة الصناعية أو تعطيلها أو التخلي التام عن دعم القطاع الخاص ليوجه رؤوس أمواله صوب هذين القطاعين المنتجين، والتوجه صوب المزيد من الاستيراد، لاسيما من إيران وتركيا والصين، مما يجعل العراق مكشوفاً على تلك الدول وعموم الخارج أولاً، كما يزيد من تبعية العراق لاقتصاده الريعي النفطي الذي يزيد من قدرة الحكام على فرض الاستبداد والتحكم بالعاملين في أجهزة الدولة وعموم المجتمع؟
** وهل أنتم مستبشرون خيراً بوجود رئيس وزراء أوعد ولم يوفِ بأي وعد فعلي، سواء أكان بملاحقة قتلة قوى الانتفاضة التشرينية ومحاكمتهم، أم بنزع السلاح المنفلت من أيدي الميليشيات الطائفية المسلحة والعشائر وغيرها، أم عدم تقديم ملفات الفاسدين والمفسدين الكبار في البلاد إلى المحاكم، وبالتالي يريد إجراء انتخابات مبكرة بوجود سلاح منفلت وأموال بأيدي الفاسدين لتزوير الانتخابات وقوى قادرة على منع المواطن من إعطاء صوته للناس الطيبين من بنات وأبناء الشعب؟
هذه بعض الأسئلة وهناك كثرة من الأسئلة التي يمكن أن تطرحوها أنتم على أنفسكم من خلال حياتكم ومعيشتكم اليومية في ظل نظام جاهل وأمي وطائفي وفاسد وتابع وخاضع في آن واحد. أثق بقدرتكم على توجيه أسئلة أكثرية حيوية، كما أنكم أكثر قدرة على الإجابة الصائبة والدقيقة لأنكم تعيشون المأساة والمهزلة في آن واحد في عراق اليوم، حيث تحكم الأحزاب والنخب الإسلامية السياسية والقومية العراق منذ 18 سنة بالحديد والنار والكذب والتزوير والنهب وباسم الدين! وكم كان المنتفضون على صواب حين رفعوا شعار باسم "الدين باگونه الحرامية".
وإذا كنتم راضين على ما يجري في العراق، فعندها أنتم تستحقون مثل هذا النظام، وإذا كنتم رافضين له، فلماذا لا تستنهضوا الهمم وتتحركون سوية مع المتظاهرين في محافظات الوسط والجنوب، لاسيما ذي قار والبصرة وواسط وبابل وكربلاء وميسان والمثنى وبغداد، للخلاص ممن استهتر ومازال بالوطن وبالشعب يومياً وفي كل ساعة ولحظة!!!

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول