هربرت ماركيوزه (1898 - 1979)

غازي الصوراني
2021 / 3 / 18


"فيلسوف ألماني أمريكي، ومفكر وعالم الاجتماع السياسي، معروف بتنظيره لليسار الراديكالي وحركات اليسار الجديد ونقده الحاد للأنظمة القائمة، ولد في برلين لعائلة يهودية، خدم في الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الأولى ودرس في جامعتها وحصل على الدكتوراه من جامعة فرايبورغ عام 1922 وعمل بعدها لغاية عام 1928في بيع الكتب ثم انضم إلى مساعدة "مارتن هايدجر" في دراساته، وكان منتسباً لمعهد الدراسات الاجتماعية في فرانكفورت .

عمل خلال الحرب العالمية الثانية في أجهزة الاستخبارات الحربية الأمريكية (مكتب المعلومات الحربية ومكتب الخدمات الاستراتيجية) حيث عمل في الدعاية المضادة للنازية وتفكيك النازية، وخلال الخمسينات درّس الفلسفة والسياسة بشكل متتابع في جامعات كولومبيا وهارفارد وبرانديس وفي جامعتي كاليفورنيا"([1]).

"على صعيد الفلسفة "تمكن ماركيوزه من ادماج الفلسفة النفسية – المستوحاة من مدرسة التحليل النفسي عند سجموند فرويد – في بنية فكرية واحدة مع تفسيره الهيجلي للماركسية؛ ورأى ضرورة تحرير الفرد (اللاوعي) من أنواع الكبت الاجتماعي والجنسي بواسطة العقل الواعي بقدر ضرورة تحرير الجماهير – بالثورة الاجتماعية- من السيطرة البيروقراطية ومن الاستغلال الاقتصادي؛ وقد عبر عن هذا الموقف في كتابه المشهور الكبير الثاني: "الجنس (ايروس) والحضارة"، وفي عام 1958 أكد عداءه للتفسير اللينيني / الستاليني الضيق للماركسية وللدولة – النظام السياسي- الذي اقامته البلشفية في الاتحاد السوفيتي، وذلك في كتابه : "الماركسية السوفيتية" حيث أدان ذلك النظام من وجهة نظر نقدية كشفت عن حقيقة المجتمع باعتباره مجتمعاً وقع في قبضة فئة بيروقراطية فاسدة وجامدة، شيدت مجتمعاً "صناعياً يقوم على التكنوقراط والعمال الاجراء" لدى الدولة التي تملكها تلك البيروقراطية"([2]).

هربر ماركيوزه هو أحد الرواد الأوائل المؤسسين لمدرسة فرانكفورت، وبقي فيما بعد عضواً فيها مع ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو، وكان يمثل الجناح اليساري فيها، حيث كان لموقفه هذا تأثيراً فكرياً وسياسياً هاماً على القيادات الطلابية التي قادت الاحتجاجات الطلابية التي عمت جامعات أميركا وأوروبا عموماً، وفرنسا بشكل خاص، خلال أواخر عقد الستينات.

ركز ماركيوزه في كتاباته على نقد الرأسمالية عموماً و"المجتمع الصناعي" خصوصاً، وطالب بتجديد الأطروحات الماركسية وخاصة دور البروليتاريا في الثورة الاشتراكية حيث أعلن –في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"- أن "المجتمع الصناعي" الرأسمالي مجتمعاً "ذا بعد واحد"، بمعنى أن كل الطبقات المنتجة إليه، تعي "وجودها" المتشابه، مبدئياً، من حيث الكيفية، ولذا فإن أية طبقة منها –بما في ذلك البروليتاريا- لا يمكن أن تكون ثورية، وأشار إلى أن العامل البروليتاري في أوروبا أصبح في وضع مادي ومعيشي قادر على أن يوفر مستوى اجتماعي مُرِيح، بحيث أصبح بامكان هذا البروليتاري شراء سيارة ومستلزمات المنزل من الأدوات الكهربائية الحديثة كما هو الحال لدى الرأسمالي، مما أفقده الحس الثوري الاشتراكي وجعل من البروليتاري أقرب إلى الاعتدال وعدم الميل إلى الثورة، وبناءً على ذلك توصل هربرت ماركيوزه إلى أن القوى الثورية القادرة على تهديد الأنظمة الرأسمالية القائمة ومن ثم القيام بالثورة هي الطلاب والزنوج والاقليات وأصحاب المهن الرثة (البروليتاريا الرثة) وليس طبقة العمال أو البروليتاريا، وكان قد دعا في كتابه: "العقل والثورة" (1941م)، إلى نظرية اجتماعية جدلية مناقضة للعلم الاجتماعي الوضعي كما عند "أوجست كونت".

عُرِفَ ماركيوزه بعدائه الشديد للهيمنة التقنية، وكان يعتبر العقل المنغلق سببا في استلاب الإنسان، وتحويله إلى آلة انتاجية ليس إلا. ومن ثم، "فقد بلور فلسفة تشاؤمية بسبب اغتراب الإنسان في المجتمع الصناعي الحديث الذي تَغْلُب عليه التقنية، ويضيع فيه الإنسان باعتباره ذاتاً وكينونة ووجودا، وهي نفس النزعة التشاؤمية الموجودة عند ماكس فيبر، ويرجع هذا التشاؤم إلى شعور فئة معينة من المجتمع، أي: الشريحة العليا المثقفة من الطبقة الوسطى، أوالصفوة المثقفة بالإحباط وخيبة الأمل، لذا " عُرف ماركيوزه بعدائه الشديد للهيمنة التكنولوجية وللمجتمعات الصناعية المعاصرة، ورغم فلسفته التشاؤمية فقد آمن -كما يقول د. كمال بومنير- بإمكانية ظهور قوى ثورية جديدة ستظهر في المستقبل داخل المجتمع الحديث يقودها المهمشين والمنبوذين والطلبة، وسيتم التحرر الاجتماعي عن طريق الإشباع الجنسي كما يبين ذلك في كتابه “الحب والحضارة” "([3]).

في هذا الجانب يؤكد د. كمال بومنير على أن "موضوع العقلانية التكنولوجية، قد أخذ مكانة أساسية في فلسفة هربرت ماركيوزه، فعندما نتحدث عن هذا الفيلسوف نستحضر آلياً موضوع العقلانية التكنولوجية التي تمخضت عن عقلانية “فلسفة الأنوار”، والتي حادت عن غاياتها الانسانية لتأخذ طابعاً مزدوجاً للسيطرة، فمن السيطرة على الطبيعة تحولت فلسفة الانوار ــ اضافة الى ذلك ــ الى السيطرة على الانسان نفسه، وعلى الرغم من ذلك -كما يضيف بومنير- نجد أن ماركيوزه يعتبر العقلانية التكنولوجية ـــ فضلا عن كونها أداة للسيطرة ــ وسيلة لتحرر الانسان وانعتاقه من السيطرة والمراقبة، حيث يعتبر ماركيوزه أن الطبقة العمالية (البروليتاريا) التي عول عليها ماركس في احداث التغيير والانعتاق من البرجوازية والرأسمالية، لم تعد قادرة على ذلك اليوم في ظل اندماجها كليا في المجتمع الصناعي المتقدم، فقد فقدت هذه القوى دورها التاريخي واصبحت عاجزة عن القيام بالثورة، وفي هذا السياق يرى ماركيوزه أن ثمة قوى جديدة للتحرر يمكن أن تبرز الى الوجود وتعمل على تحرير الانسان من قيود السيطرة، وهذه القوى التحررية الجدية التي يعنيها ماركيوزه هي القوى التي لم تندمج ولم تستوعب في المؤسسات القائمة في المجتمعات الصناعية، وهي قوى بقيت على هامش المجتمع، بل بقيت ترفض دوما عملية الاندماج وتعارضه لأنها ترفض السيطرة، وتتجلى هذه القوى حسب ماركيوزه في فئتين اجتماعيتين وهما: فئة المهمشين والمنبوذين والعاطلين عن العمل في المجتمع، وفئة الطلاب والشباب المتمرد على مجتمع الوفرة الرافض للروح الاستهلاكية السائدة فيه"([4]).

ولذلك يقترح ماركيوزه في معالجته لموضوع التقنية ضرورة الانتقال من المستوى الأنطولوجي (الوجودي) كما عبر عنه هيدغر إلى مستوى التحليل الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي المتعلق بالموجود الانسان مستثمرا في ذلك النظرية الماركسية، آخذين بالاعتبار – كما يستطرد د. كمال بومنير – أن ماركيوزه اعتقد أن تطور وسائل الانتاج وتطور التقنية بشكل عام جعل الانسان العامل اكثر خضوعا واندماجا وتكيفا مع الآلة، بحيث بات يقلد الآلة ويحاكي (تصرفاتها) وكأنها تمارس عليه نوعا من التنويم المغناطيسي إن صح التعبير، اضافة الى أن هذا التطور الهائل في انتاج البضائع والسلع جعل الانسان كائنا استهلاكيا بطريقة غير مسبوقة، حتى أن هذه الانتاجية أفقدت الانسان وعيه بالحاجات الضرورية، وقدمت اليه (عن طريق الدعاية الاعلامية) حاجات جديدة اسماها ماركيوزه “الحاجات المزيفة”، بمعنى أن الانسان المعاصر اصبح يستهلك أشياء لا تستحق الاستهلاك، وبهذا المعنى، يرى ماركيوزه أن الانسان المعاصر والطبقة العمالية على وجه التحديد قد اصبحت متكيفة ومندمجة بشكل رهيب ما جعلها تفقد دورها التاريخي كما حدده ماركس"([5]).

" لقد بين ماركيوزه في كتابه: "الإنسان ذو البعد الواحد" –كما أشرنا آنفاً- باختفاء الدور التاريخي الفعال للطبقة البورجوازية والطبقة البروليتارية على حد سواء، إذ أن هناك قوة واحدة مخفية متحكمة في مسار هاتين الطبقتين معاً هي العقلانية العلمية التقنية، وبالتالي رأى ماركيوز عدم وجود طبقة معارضة، حيث تم استيعاب الطبقة العاملة واسترضاؤها من خلال تحفيزات مادية استهلاكية، وترشيد عملية الإنتاج ذاتها، كما يقول في كتابه المذكور، مؤكداً في الوقت نفسه على أن بديل الطبقة العاملة متوفر في الشباب الطلاب الجامعيين بشكل خاص والبروليتاريا الرثة المتمثلة –كما يقول ماركيوز- في فقراء الزنوج وعمال الخدمات الفقراء والملونين بشكل عام، وقد أثارت أفكار ماركيوزه: "استجابة سريعة لدى حركة الطلبة الأمريكية في أواخر الستينيات بمعارضتها للنظام، ولدى حركات طلابية أخرى في دول أوروبية شتى إلى حدما.

تتركز أفكار هربرت ماركيوزه سياسياً حول ثلاث قضايا شائكة: دور الطلاب في العالم الرأسمالي، والحركة الطلابية في فرنسا عام 1968م، ودور الطبقة العاملة الحديثة في الغرب.

هذا، وقد آمن ماركيوزه بقوى ثورية جديدة ستظهر في المستقبل داخل المجتمع الحديث، وسيتم التحرر الاجتماعي عن طريق الإشباع الجنسي كما يبين ذلك في كتابه: "الحب والحضارة"، وقد برهن فيه سيكولوجيا : "بأن تجاوز الندرة المادية في المجتمعات الصناعية المتقدمة، سيخلق الشروط المناسبة لإحراز البشر هدفهم في السعادة من خلال التحرر الجنسي، وتفوق مبدأ المتعة، الذي تصوره كأساس للانعتاق الشامل المؤثر في كافة العلاقات الاجتماعية.

أما بالنسبة لآليات السيطرة في ظل العقلانية التكنولوجية، فقد عمل ماركيوزه -كما يقول د.كمال بومنير- "على البحث عن الآليات التي تعتمدها المجتمعات المعاصرة للسيطرة على الانسان وقمعه، وفي الحقيقة فهو لا يفرق بين المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية، فكلاهما يمارس السيطرة والقمع وإن اختلفت الوسائل في ذلك، ويبدو لماركيوزه أن السيطرة في المجتمعات الصناعية المتقدمة قد اتخذت أشكالا مغايرة عن معاني السيطرة القديمة، فإذا كانت تلك المجتمعات تسيطر على الانسان في أبعاده الخارجية (الجسد)، فإن السيطرة في المجتمعات الصناعية الحديثة إضافة الى أنها تسيطر على جسد الانسان الخارجي فهي أيضا تسيطر على أبعاده الداخلية النفسية والروحية ولعل هذا أشد أنواع السيطرة بلا شك.

وعلى الرغم من تأثر ماركيوزه بالتحليل الماركسي في نقد بنية المجتمع الرأسمالي، فإنه يرى أن هذا التحليل لم يعد كافيا لأنه تحليل تجاهل أو أغفل الجانب النفسي الذي تحدثه هذه السيطرة، ولذلك يشدد ماركيوزه -كما يقول كمال بومنير- على ضرورة العودة الى “سيغموند فرويد” والاستفادة من تحليلاته النفسية.

أخيراً ، إن ما يدعو إليه ماركيوزه لأجل التحرر من سيطرة العقلانية التكنولوجية هو الاستخدام المتزايد على الدوام لنجاحات الحضارة التكنولوجية، بمعنى أن ماركيوزه يعتبر التحرر مشروطا بوجود مستوى عالٍ الى أبعد الحدود من التقدم العلمي والتكنولوجي، الذي بإمكانه تحرير الانسان على الرغم من أن التكنولوجيا نفسها تعد وسيلة لبسط السيطرة، وهنا نلاحظ تأثر ماركيوزه بماركس الذي ذهب الى أن التحرر والانعتاق من الأوضاع اللاانسانية التي يعيشها الانسان يفترض تحقيق مستوى عالٍ من التطور في قوى الانتاج، هذا الاستغلال المتزايد للتكنولوجيا الذي يعنيه ماركيوزه يجب أن يكون مؤطرا بشيء واحد وهو اعادة الاعتبار للغايات الانسانية النبيلة التي تغافلت عنها العقلانية التكنولوجية عندما ركزت على الانتاج السلعي المتزايد دون غيره"([6]).

توفي ماركيوزه عام 1979 بسكتة دماغية أثناء زيارته لألمانيا وكان برفقته يورغان هابرماس وهو منظر من الجيل الثاني من جماعة فرانكفورت.




([1]) موقع ويكيبيديا - https://ar.wikipedia.org

([2])سامى خشبة – مرجع سبق ذكره - مفكرون من عصرنا – ص 753 - 754

([3]) رابح زريق – عرض لكتاب كمال بومنير "جدل العقلانية في النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت" – 27/9/2018 – موقع https://bluenoqta.com/.

([4]) المرجع نفسه .

([5]) المرجع نفسه .

([6]) المرجع نفسه.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول