النص الإلهي لايحرم الخمر

هيبت بافي حلبجة
2021 / 3 / 18

النص الإلهي لا يحرم الخمر
بداءة من الضروري أن نبدي الملاحظات التالية :
الملاحظة الآولى : يؤكد التيار العام في المعتقد بغالبيته المطلقة إن الدين يتكون من قسمين ، النص الإلهي ، والنص النبوي ، وإن الطاعة هي أيضاٌ على موضوعين ، طاعة إله المعتقد ، وطاعة نبي هذا الإله . في هذين الأمرين تكمن مخالفات قاتلة ، ففي موضوع الطاعة ، فإنها لا تجوز إلا لإله الكون ، إن وجد ، ولاتجوز لغيره ، وإن حدثت فهي تشرك بإله هذا الكون . وثمت آيات عديدة ترتكب هذه المخالفة المنطقية ، يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاٌ ، النساء 59 . من يطع الرسول فقد أطاع الله ، النساء 80 . وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول ، النور 56 . قل أطيعوا الله والرسول ، آل عمران 32 . وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولاتبطلوا أعمالكم ، محمد 33 . وهذا الإشراك والشرك بإله المعتقد ليس غريباٌ لإن الركن الأول يشرك بالإله ، أشهد إن لا إله إلا هو وأشهد إن نبيه رسوله ، هذه الشهادة توازي مابين إلهين ، الإله والنبي ، وفي الأصل فإن ديانة هذا المعتقد ليست توحيدية على الإطلاق ، فهي كذلك في الظاهر البسيط أما في الواقع فهي تشرك بإله الكون . وأما في موضوع النص الإلهي والنص النبوي ، فإن الأول هو الوحيد في تقرير ماهو محرم ، ولايحق للثاني أن يدنو ، أصلاٌ ، من هذا المجال لأسباب عديدة جداٌ نذكر منها ، لإن المحرم هو محرم من الأساس ، من عند الذات الإلهية . وثم هل ينقص إله الكون في تعداد المحرمات حتى يأتي نبيه يكملها له . ثم إن صاحب النص النبوي هو من الممكن الوجود حسب أصحاب وفلاسفة هذا المعتقد ، والممكن الوجود كان من الممكن ألا يكون . ثم لايوجد كائن معصوم من الخطأ والنص الإلهي يؤكد على ذلك في معاتبة نبيه ، يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم ، التحريم 1 .
الملاحظة الثانية : يؤكد التيار العام في المعتقد بغالبيته المطلقة إن السياسة التشريعية إعتمدت على مبدأ التدرج ، من الأدنى إلى الأعلى ، من الأضعف إلى الأقوى والأشد ، من السهل المتيسر إلى ماينبغي أن يكون عليه ذلك التشريع ، ففي مثالنا هنا يؤكدون إن إله النص قد تدرج في فرض مايسمى خطأ بتحريم الخمر على ثلاثة درجات . وفي موضوع المحرمات يرتكب هذا التصور جملة من المغالطات ، المغالطة الأولى إن مفهوم التدرج ينم عن إن النص الإلهي يخص وضعاٌ معيناٌ ، يخص قوما محدودون ، يخص إشكالية معينة ، وهذا يدل على إنتفاء مايمكن أن نسميه بالتشريع العام . المغالطة الثانية إن مفهوم التدرج يعني إنتفاء المعنى الفعلي لتلك النصوص ، أي إنها أصبحت بحكم المعدوم . المغالطة الثالثة ماهو حكم هذه الآيات إذا قررت مجموعة من البشر ، وهم مدمنون على الخمر ، أن يعتنقوا هذا المعتقد ، فهل يطبق بضم الياء عليهم حكم وسياسة التدرج أم ماذا . المغالطة الرابعة هل كان إله الكون يقتفي سياسة التدرج لو إن الخمر كان غائباٌ في نلك التجمعات ، ثم ما مدى علم إله الكون بهذا التدرج أم إن الواقع والبيئة هما اللذان فرضا عليه محتوى هذه الآيات .
الملاحظة الثالثة : في موضوع إن الحرام بين وإن الحلال بين ، ندرك بكل سهولة ويسر إن هذا الحديث لامعنى له وغير صحيح في بنيته ، فلو صدق هذا القول ، لما كان هذا الجدل المحتدم مابين الباحثين في هذا الأمر ، ثم نحن نعلم إن التاريخ قد بدأ بمرحلة تنسب الأطفال إلى الأم على الرغم من ممارستها للجنس مع أشخاص عديدين ، ثم نحن نعلم إن كان هناك زواج من الأخت ، ثم نحن نعلم إن الصحابة ، بأنفسهم ، كانوا يشربون الخمر في عهد النبي المزعوم وفي مرحلة ماقبل مايسمى بالإسلام ، ثم إن النبي نفسه كان يشرب الأنبيذ ، ويفسر الدعاة هذا الأمر إن النبيذ لايتخمر لمدة ثلاثة أيام !!! إفلا يدل ذلك على إن الحرام ليس بيناٌ وإن الحلال ليس بيناٌ .
الملاحظة الرابعة : في موضوع ما أسكر كثيره قليله حرام ، ندرك بكل وضوح إن هذا مخالف لمفهوم الحرام ، فالحرام ينبغي أن يكون لسبب ، لعلة فيه ، وفي أصله ، وفي أساسه ، أو لصفة بنيوية فيه ، لا أن يكون الحرام حراماٌ بسبب كثرته ، فالكثرة لاتبرر التحريم إن لم يكن محل التحريم محرم لذاته . أضف إلى ذلك إن مفهومي الإكثار والسكر نسبيان ، والنسبي لاعلاقة له بموضوع التحريم .
الملاحظة الخامسة : في موضوع الحلال والحرام والمباح ، فالأصل في الأشياء هو أن يكون الشيء مباحاٌ ، ثم يخضع للتخصص شريطة وجود الإرادة ومقوماتها وخصائصها . والمباح هو بالضرورة حلال من حيث الأصل والتأصيل . وهنا ينبغي أن نمايز مابين الأشياء كما هي ، والأشياء عندما تخضع لطارىء ما .
وفي الحالة الأولى ، أي الأشياء حينما تكون في وجودها الأصلي ،إذا أدركنا مضمون العلاقة البنيوية مابين حقيقة هذه المفاهيم أي الحلال والحرام والمباح ، ندرك إن حقيقة العلاقة هي مابين المباح والحلال ، وأما الحرام فهو يمثل حالة أستثنائية خاصة ، ويشكل قيداٌ عليهما معاٌ ويأتي بعدهما . وهنا لابد أن نمايز مابين فرضين ، الأول وجود خالق للكون حسب الديانات ، الثاني الطبيعة هي صاحبة نفسها والأشياء ، في الفرض الثاني لاوجود لمنطوق الحرام إلا مايسنه الإنسان لنفسه كمحتوى للأخلاق والآداب وكذلك النظام العام في موضوعي النهي والمنع . وفي الفرض الثاني ينبغي أن يكون الحرام حراماٌ منذ الأزل لعلة في طبيعته وأن يقرره خالق الكون ، وفقط خالق الكون .
وفيما يتعلق بالحالة الثانية ، أي الأشياء عندما تخضع لطارىء ما ، و بما إن الخمر هو من هذه الأشياء ، فإلحاق صفة التحريم به لايرتبط بأي سبب خاص في وجوده ، إنما يلحقه في إحدى صفاته البنيوية ، ولقد فسر كافة الفقهاء إن التحريم يلحق بالخمرلإنه يحجم العقل ، وهذا التفسير مردود من نقطتين ، النقطة الأولى لاتوجد آية قرآنية تقول مثلاٌ : حرم عليكم مايحجم العقل . النقطة الثانية إن الخمر لايحجم العقل بالضرورة ، فمابين التحجيم واللاتحجيم مئات من الحالات ، بل إن في كثير من الأحايين بعض المشروبات الروحية مفيدة ، فقدح من البيرة يومياٌ له فائدة قصوى ، والأنبيذ الأحمر كذلك ، والفرنسيون يشربونه يومياٌ فهل عقولهم محجومة !! .
وأما فيما يخص تلك الآيات التي تدرج بها النص الإلهي في سياسة التحريم فهي : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فأجتبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بيتكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل إنتم منتهون ، المائدة 90 ـ 91 . يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما أثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ، البقرة 219 . يا أيها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة وإنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولاجنباٌ إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءٌ فتيمموا صعيدأ طيباٌ فأمسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفواٌ غفوراٌ ، النساء 43 .
وقبل أن نتطرق لهذه الآيات الثلاثة ، من الضروري أن نكشف الإشكالية في حقيقة هذه الآية والتي نكترث بها لوجود مفردة الإثم ، حيث يركز الشيوخ على إن الإثم محرم حسب هذه الآية ، وطالما إن في الخمر أثم كبير حسب ، البقرة 219 يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما أثم كبير ، فإن الخمر ، حسب هؤلاء ، محرم : قل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها ومابطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناٌ وأن تقولوا على الله مالاتعلمون ، الأعراف 33 . والغريب في هذه الآية ، إننا قد ندرك الفواحش ماظهر منها ، لكن مابطن منها كيف تكون محرمة !! ، وكذلك البغي بغير الحق ، فهل ثمة بغي بحق !! وكذلك هل يمكن أن نشرك بالله في حال وجود حجة ( سلطاناٌ ) !! . وأما في خصوص مفردة الإثم فينبغي أن ندرك التالي ، إن التحريم لايقع على مفردة الإثم إنما يقع على قضية هي أساس موضوع الإثم ، فإذا قلنا حرم ربي الإثم ، فهو في الحقيقة لم يحرم شيئاٌ ، لإنه لم يحرم شيئاٌ محدداٌ نتفادى إرتكابه ، لكن إن قال حرم الزنى ومن يرتكبها فقد أرتكب إثماٌ عظيماٌ ، حينئذ نعلم إن المشكلة هي في الزنى ، هي في البغي والعدوان ، هي في الشرك بالله ، هي في أن تقولوا على الله مالاتعملون . فهذه هي المحرمات ، إن وجدت ، ومن يقترفها فسوف ينال إثماٌ جزاءاٌ له ، أي إن الإثم هو نتيجة إرتكاب المحرم ، لذلك يؤكد النص الإلهي في آيات عديدة وكثيرة : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله فمن أضطر غير باغ ولاعاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ، البقرة 173 . إجتنبوا كثيراٌ من الظن إن بعض الظن إثم ، الحجرات 12 . ولاتكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ، البقرة 283 . فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، البقرة 203 . ومن تأخر فلا إثم عليه لمن أتقى وأتقوا الله ، البقرة 203 . إذن :
أولاٌ : في موضوع الآية الأولى ، يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ، البقرة 219 . نجد إن هناك من يسأل عن الحكم الشرعي للخمر ، أي يسأل إله الكون عن رؤيته في تقرير فيما إذا الخمر حرام أم حلال ، أي لايسأله عن رأيه في مواصفات الخمر ولاعن محاسنه ولاعن مساوئه ولاعن مذاقه ولاعن أضراره ولاعن فؤائده . ومن جانب ثان إن صاحب السؤال هو جاهز لتلقي الجواب ، هل هو حرام ، هل هو حلال . فيجيب إله الكون إن فيه إثم كبير ومنافع للناس وإن إثمهما أكبر من نفعهما . نرى بوضوح إن هذا الجواب لايليق بمستوى السؤال ، ويتناقض معه في النواحي التالية ، الناحية الأولى لاتوجد أية علاقة بنيوية مابين الإثم ومابين المنفعة . فالمستويان مختلفان تماماٌ ، ولايجوز الربط مابينهما ، فالأول وهو الإثم يستند في موضوعه على إله الكون فقط ، وأما المنفعة فهي أمر نسبي يخص الإنسان كإنسان ، لذلك لايمكن القول إن في الزنى إثم كبير ، موضوع إلهي ، ومنافع للناس ، موضوع إنساني . الناحية الثانية إن الجواب هو الجواب عن السؤال التالي : ماهو الخمر ، وليس له أية علاقة بالسؤال الحقيقي الفعلي : ماهو الحكم الشرعي للخمر ، أي إن مبدأ المقارنة ، رغم إنها مغلوطة في أسها ، مرفوضة في حيثياتها . فالسؤال الأصلي لايتطلب المقارنة مهما كانت نوعها ، إنما يقتضي مفردتان ، حرام أم حلال . الناحية الثالثة إن وجود مفردة المنفعة والنفع لدليل على أمر آخر في غاية الخطورة ، وهو إن مفهوم التدرج لم يكن ، أصلاٌ ، موجود في ذهن إله الكون ، بل أكثر من ذلك ، إن إله الكون ماكان يدرك ماهو المطلوب منه ، ولم يخطر على باله ، بالمطلق موضوع الحكم الشرعي ، موضوع الحلال والحرام . و بالتمعن الفعلي في محتوى هذه الآية ، ندرك بكل يسر إن الموقف الإلهي في خصوصية الخمر ، وفي كيفية التعامل معه ، كان متعثراٌ متردداٌ مرتبكاٌ ، وهذا له دلالات عظمى في موضوع ، هل ثمت إله للكون ، هل هناك نبوة ، من كان يحرر هذه المواضيع !! .
ثانياٌ : في موضوع الآية الثانية ، يا أيها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة وإنتم سكارى حتى تعلموا ماتقولون ولاجنباٌ إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءٌ فتيمموا صعيداٌ طيباٌ وأمسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفواٌ غفوراٌ ، النساء 43 . نجد إن لدينا ثلاثة أمور ، الصلاة ، السكر ، والخمر . والأمر الأساسي هو ، بلا ريب وإرتياب ، الصلاة لذلك أوردنا الآية كلها ، وموانع الصلاة هي ، حسب هذه الآية ، وإنتم سكارى ، ولاجنباٌ ، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء . وهكذا يكون الخمر خارج نطاق هذه الآية لإنه ليس المقصود بذاته ، إنما المقصود والمبتغى هو كيفية إقامة الصلاة بصورتها الشرعية . أضف إلى ذلك إن العلاقة هي مابين إقامة الصلاة ومابين حالة السكر ، فلايجوز أن تقام الصلاة في حالة السكر إنما ، وحسب منطق هذه الآية ، أن تقام الصلاة في حالة شرب الخمر ، فطالما لم تحقق حالة السكر ، ورغم شرب الخمر ، يجوز للشخص أن يقيم الصلاة شرعاٌ إن إنتفت الموانع الأخرى . والذي يدلل على صحة ومصداقية هذا الفهم أمران أثنان ، الأمر الأول هو تكملة الجملة الأولى من الآية : يا أيها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة وإنتم سكارى حتى ، أكرر ، حتى تعلموا ماتقولون ، فالغاية هي ، إذن ، حتى تعلموا ماتقولون ، أي إن الإشكالية ليست في شرب الخمر ، إنما إن السكر قد يقطع العلاقة مابين الصلاة ومابين حتى تعلموا ما تقولون . الأمر الثاني إن لا الناهية قد لحقت بالصلاة ، لاتقربوا الصلاة ، ولم تلحق بالسكر ، أي إن يجوز للشخص ، حسب الدلالة الشرعية لهذه الآية ، أن يشرب الخمر ويبلغ حالة السكر ، فالسكر ليس حرامأٌ حسب هذه الآية ، لكن إذا تحققت حالة السكر فلايجوز إقامة الصلاة . وهكذا نصل إلى نتيجة خطيرة جداٌ ألا وهي : يحق شرعاٌ للشخص ألا يصلي إذا كان في حالة السكر ، دون أن يرتكب أي إثم ، فالعبارة واضحة وجلية ، لاتقربوا الصلاة وإنتم سكارى ، أي لاتقيموا الصلاة إذا كنتم سكارى .
ثالثاٌ : في موضوع الآية الثالثة ، يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والإزلام رجس من عمل الشيطان فأجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل إنتم منتهون ، المائدة 90 ، 91 . نجد موضوع الخمر ، الرجس ، فإجتنبوه ، الشيطان ، الذي يريد أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة .
من ناحية أولى : من الواضح إن موضوع هذه الآية هو الشيطان ، والعلاقة مابينه ومابين الخمر والميسر ، فإذا إنتفى الوجود الإنطولوجي له إنتفى معنى الآية وأصبحت كأنها لم تكن . والشيطان لايمكن أن يتجاوز في وجوده حدود فرضين ، الأول أن يكون إلهاٌ مستقلاٌ عن إله الكون المفترض ، الثاني ألا يكون موجوداٌ أصلاٌ . في الفرض الأول ينتهي إله الكون كإله ، وفي الفرض الثاني تنتهي الآية في معناها ودلالاتها . واما لماذا لايكون الشيطان من مخلوقات إله الكون فقد بينا ذلك في حلقة سابقة عن مفهوم الشيطان .
من ناحية ثانية : إن الشيطان ، حسب هذا المعتقد ، هو من مخلوقات إله الكون وكان من أعظم الملائكة قرباٌ إليه ، ولقد سبق وجوده وجود آدم ، فكيف يمكن أن تلصق تهمة الحرام بإعماله ، أي إذا كان الخمر رجساٌ من عمل الشيطان فمن الضروري أن تكون هذه الفرضية صادقة ، أيضاٌ ، في عهد قربه من إله الكون ، حينما كان من أعظم الملائكة قدراٌ ، وإذا كانت كاذبة في ذلك العهد فإنها كاذبة ، بالضرورة ، في عهد نزول هذه الآية .
من ناحية ثالثة : إذا دققنا في المعنى الغائي للآية ندرك بيسر إن سبب إجتناب الخمر والميسر هو إن الشيطان يوقغ بينكم العداوة والبغضاء ويصدكم عن ذكر الله ويصدكم عن الصلاة ، أي إذا لم يستطع الشيطان أن يوقع هذه الأعمال بشارب الخمر فيحق له أن يشربه ، إذن نحن إزاء فرضين ، إما إنه يستطيع أو إنه لايستطيع ، وفي الأصل هو لايستطيع لإنه لو أستطاع لدل ذلك على إنه يسيطر على الشخص قبل شرب الخمر ، فهو يسيطر عليك كي تمارس الزنى ، كي تشرك بالله ، كي تقتل ، كي تشرب الخمر ، وهذه فرضية سخيفة ، والأسخف منها هو نسب إعمال الإنسان إلى الشيطان .
بمثابة الخاتمة : ندرك بكل يسر إن إله الكون لم تكن لديه أية فكرة عن موضوع الخمر ، إنما الواقع هو الذي فرض عليه نزول الآية الأولى ، ثم الآية الثانية ، ثم الآية الثالثة . ولولا أسباب النزول في الأرض ماكانت هذه الآيات ، لذلك فإن الخمر ليس حراماٌ في هذه الآيات . وإلى اللقاء في الحلقة الثامنة بعد المائة .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول