فيلم ( الصوت النائم ) ينتصر لنضال المرأة في العالم بشكل عام والاسبانية بشكل خاص

علي المسعود
2021 / 3 / 17

The ing Voice (La voz dormida(


قد تعتقد ، مع تجاوزنا العام الثمانين منذ اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية ، أن الإسبان سيبدأون في نسيان الصراع الذي مزقهم ، وترك الندوب تلتئم و كثير من الإسبان يريدون أن ينسوا. الناجون من كبارالسن للغاية ، وأطفالهم في منتصف العمر - الذين أصبحوا بالغين أثناء النهضة الديمقراطية لإسبانيا - لا يتذكرون سوى القليل ، وربما بالكاد سمع أحفادهم عن فرانسيسكو فرانكو. يميل موضوع الحرب الأهلية الإسبانية إلى إعادتي إلى الوراء ، لأنه يسبب لي الكثير من الألم ، ولكن على الرغم من ظهور العديد من التفاصيل المحزنة في هذه الرواية ، لكن من الضروري معرفة التاريخ حتى لا يتكرر مرة أخرى ، وحتى ينكشف وحشية الانظمة الديكتاتورية التي تركت جروحاً وتلك الجروح لم تغلق أبدا. الفيلم ألاسباني ( الصوت النائم) إالذي أخراجه ( بينيتو زامبرانو ) ، يوثق نضال المرأة الاسبانية في تلك الحقبة الزمنية ، الفيلم مستوحي من رواية بنفس العنوان للكاتبة الاسبانية " دولشي تشاكون" وهي شاعرة وروائية توفيت عام 2003 بعد معاناتها مع مرض السرطان ، تكشف في روايتها وجه من أوجه نضال المراة الاسبانية ونضال النساء الشيوعيات ضد حكم "فرانسيسكو فرانكو" الذي يعد واحد من أشرس الحكام الأوروبيين في العصر الحديث .
(الصمت النائم)” الهامد” فيلم يحكي عن الفترة التي تلت إنتهاء الحرب الأهلية الإسبانية التي وقعت بين عامي 1936 و1939 ، بعد أن نجح تحالف الكنيسة مع القوميين الشوفينين لضرب قوى اليسار والشيوعيين ، وبعد 3 سنوات من الرعب والموت ، ونهاية هذه الحرب لم تجلب المصالحة او المسامحة أوالسلام ، بل روح الانتقام التي تشبعت بها أرواح العسكر الفاشيست وبمباركة الكنيسة ، الجمهوريون رغم هزيمتهم خلال الحرب وعدم قدرتهم على الحفاظ على السلطة أواستعادتها مرة أخرى، لم ييأسوا وقاموا بالنضال ضد نظام فرانكو القومي الشوفيني بطريقة حروب العصابات .
في البداية ، هذا الفيلم يشيد بجميع النساء اللواتي بكين بصمت على ابواب المقابر أو اللواتي ضحين بارواحهم لاجل الحرية والدفاع عن المسجونات و المضطهدات ، أو اللواتي قتلن او ماتوا تحت التعذيب في مراكز التحقيق . يفتتح الفيلم الاسباني في مدريد نوفمبر من عام 1940 في سجن "فينتاس" مجموعة من النساء المحتجزات في سجن فينتاس بمدريد بسبب دعمهن للجمهوريين الخاسرين . إنهنّ يشعرنّ بالبرد والجوع ويتعرضّن لقسوة ووحشية ، ولا يعرفنّ أبدًا متى سيتم محاكمتهنّ أو إطلاق النارعليهنّ . يشترك الجميع في الرغبة في التمتع بحياة كريمة وحرة وعادلة ، سواء أكان مرتبطا بالحزب الشيوعي أم لا . االمعتقل كان يضم عددًا لا حصر له من النساء اللائي حُكم عليهن في كثير من الأحيان بالإعدام لمجرد أنهن يؤمنن بمثل المساواة والحرية التي أعلنها الأطراف التي قادت الجمهورية الإسبانية في الثلاثينيات من القرن الماضي ، مدى عناد المرأة وصبرها وصمودها تستحق الإعجاب المطلق. هورتينسيا ، وريمي ، وإلفيرا ، وتوماسا ، وبيبيتا ، ودونيا سيليا نساء بسيطات ، ومجتهدات ، وصادقات. فقدنّ والديهنّ وأطفالنّ وأزواجهنّ وحتى عائلاتهنّ بأكملها ، إنهنّ يخسرنّ سنوات في السجن جسديًا أو نفسيًا ، لكنهن لا يستسلمنّ !!.
إنهم يدعمنّ بعضهنّ البعض ويسجلنّ شهادات في الكفاح من أجل الحياة و الحرية و العدالة ، يمكن للسجان إسكات أصواتهنّ ، لكن الحرية التي تم حرمانهنّ منها الآن ليست ميتة ، إنها مجرد نائمة وستستيقظ مرة أخرى إذا كافح الجميع من أجلها . مجموعة كبيرة من النساء المعتقلات وهن في رعب وخوف قبل كشف اسماء المرشحات الى ساحة الاعدام ، الراهبة وبوجها العبس والمشحون بالحقد و الكراهية و مديرة سجن النساء الصارمة ، أنتباه أيتها النزيلات : التالية أسماءهن يجهزنً و يخرجن بسرعة ، " وتقرأ اسماء مجموعة من النساء اللواتي سيعدمنّ الليلة ، وسط رعب الاخريات من المعتقلات ، احداهن السجينة ( آنا) تبكي وتصيح" انني لم أفعل شيئاً ، ذهبت الى النادي لأرقص فحسب ، قلت ذالك ألف مرة ، لم أفعل أي شئ ، صديقي كان عضوا في الحزب الشيوعي ، ذهبت الى هناك لاني أحب الرقص!! ،" تبكي ولاتستطيع الوقوف على قدميها تخبررفيقتها في السجن ( هورتينيزا ) انها تبولت على نفسها ،" أمي المسكينة تفقد ابناءها ، أخبروها إني أحبها ، أشعر بألاسى على والدتي!" ، تحاول ( هورتينيزا ) وهي معتقلة لانها زوجها احد مناضلي الحزب الشيوعي وهي حامل حين تم اعتقالها ، تحاول أن تقوى من عزيمتها "لاتبكين ولا تجعلينهم يرون دموعك التي ستمنحهم الارتياح ، كوني قوية "، تجرها السجانة بعنف صوب ساحة الاعدام . وفي مشهد الاعدام الجماعي يصطف مجموعة من العسكر ببنادقهم الموجهة نحو مجموعة من الثوار من النساء والرجال وهم يجابهون رصاص الفاشيست وجنوده بالهتاف (يسقط الفاشية القتلة وليحيا الحزب الشيوعي) ، اثنا عشر طلقة تطيح باثنا عشر جسد وروح حالمة بحياة حرة وسعيدة ، الشخصية الاخرى التي تلعب دورا مهما هي شخصية (بيبيتا ) وهي أخت المعتقلة هورتينيزا والتي تاتي من قرطبة للوقوف مع اختها خلال فترة السجن والمحاكمة ، الشقيقة الصغرى البريئة لهورتنسيا بيبيتا (ليون) ، فتاة ريفية ذات شخصية بسيطة ، تصل إلى مدريد لتكون بالقرب منها ، وجدت على الفور وظيفة في منزل رجل ثري يعمل (طبيب ) ومتعاطف مع الثوار، على الرغم من أن والده له علاقات وثيقة مع الجنرال فرانكو. يتم تقديمها الى سيدة المنزل دونا أمبارو (ميريام جاليغو) ، وهي سيدة متغطرسة ورسامة ( تظهر وهي ترسم لوحة لأولاد يرتدون الزي الرسمي وهو يؤدون التحية الفاشية ، هذا السيدة لها اثنين من الاخوة قتلوا في الحرب الاهلية الاسبانية وتحمل الشيوعيين مسؤولية موتهم ، لهذا السبب تضمر الحقد والكراهية للشيوعيين .وصلت بيبيتا (ماريا ليون) ، بعيون وشفافة بشكل مذهل) إلى مدريد من جنوب إسبانيا من أجل مساعدة أختها الحامل المسجونة ، هورتينسيا (إنما كويستا) . عبر الوسيطة سيليا (تيريزا كالو) ، التي تمتم ، "لا يمكنك الوثوق بأي شخص في مدريد" ، تجد بيبيتا طريقها إلى منزل دونا أمبارو (ميريام جاليغو) ، في البداية ترفض تشغيلها ، ولكنها تتوسل ووترجى من أجل مساعدة المسجونة و الحامل . أقسمت هورتينسيا ، التي يمكن تمييزها بسهولة عن السجينات الأخريات بسبب صمودها وإيمانها بقضيتها وعلى الولاء للمُثُل الجمهورية حتى الموت. " لم تركع " هورتينيزا" على ركبتيها ولم تعلن توبتها وترضخ الى تعاليم رجال الكنيسة الفاسدين والذين وضعوا إيديهم بيد الديكتاتور فرانكو القاتل ، والتي تدير االسجون والبلد الى جانب جنرالات فرانكو المتوحشين ، وفي اول زيارة ل (بيبتا) الى اختها ( تينسي)هورتينيزا في السجن ، تطلب منها توصيل رسالة الى زوجها فيليبي (دانيال هولغوين) ، الذي لا يزال يقاتل في الجبال خارج العاصمة الإسبانية . وعند خروجها من السجن ، تستلم الرسالة مع بطاقات هوية مزيفة وتصاريح سفر، وعليها توصيلها الى ( فيليبي ) ورفاقة حتى يتمكنوا بالهرب الى فرنسا ، الشابة (بيبيتا ) ذات العيون الزرقاء ، الخجولة والتي لا تحب السياسية ، هي الصلة بالعالم الخارجي . تعيش في منزل دونا سيليا التي فقدت ابنتها ولاتعرف عن مصيرها ، وتصل بيبتا المنطقة التي تحصن بها الثوار ، وتلتقي بالشاب الثائر (بولين غونزاليس) الذي يقوم بدوره (مارك كلوت) ، تقع في حبه كما يحدث له نفس الشئ ، ويخبرها ان ( فيلبي ) زوج شقيقتها اصابته رصاصة ويحتاج الى طبيب لاخراج الرصاصة ويطلب منها (بولين غونزاليس) ان تتصل بالطبيب التي تعمل عندهم في معالجته واخراج الرصاصة ، تتوسل بيبيتا به و تترجاه ان يقوم بتطبيبه وبالفعل ، يجازف الدكتور وهو إبن كبار جنرالات فرانكو في الذهاب وإتمام المهمة وبدون علم زوجته التي تكره الشيوعيين . وعن طريق شقيقتها ( بيبتا ) تصل رسالة الى ( تنيسي ) من زوجها ( فليبي ) ، ويبرز اداء الممثلة (إنما كويستا ) في إظهار المشاعر تبديها الممثلة الرائعة في التعبير عن الفرح والامل الذي توهج في عينيها الدامعتين من خلال حروف الحبيب والزوج الثائر والمناضل بوجه الفاشيست . وعند وصول السجانة يتم تمزيقها و ابتلاع اجزاءها من قبل السجينات !! . وعند طلب السجينات من قبل القاضي وهوعسكري برتبة كبيرة ، يعلمهن بأنهن متهمات بجرائم كبرى في الانضمام الى مجموعة من المسلحين والمشاركة بجرائم ضد القوميين مثل مساعدة الثوار ، وعقوبتها لكن هو الاعدام لجميع النساء، بالنسبة الى المتهمة (هورتينيزا رودريجيز جارسيا) ، يؤجل تنفيذ حكم بالاعدام بعد ولادتها. وبأوراقه المزيفة يزور "فيلبي" السحن ويلتقي (هورتيننيزا ) ، تلد "هورتينيزا" مولدها وكانت طفلة جميلة ويتم نقلها الى قسم السجينات الامهات ، وفي السجن تقوم احدى العاملات في السجن بمساعدتها في الحصول على الحليب اوغسل الطفلة وهذه الموظفة هي بالاصل كانت معلمة وللأن راتبها لايكفي للعيش فتضطر الى للعمل في السجن ، تعتقل( بيبتا ) الفتاة الطيبة بيبيتا من امام باب السجن بعد القاء القبض على فيلبي زوج شقيقتها وحبيبها (باوليني ) ، وتتعرض الى ابشع انواع التعذيب ومنها الصعق الكهربائي في مناطق حساسة من جسمها ، وتنكر معرفتها بهم ، وبعد اسبوع ياتي والد الطبيب الجنرال (غونزالو) ، ويجدها عارية في زنزانة باردة وفارغة ، ويسألها (هل ذكرت اسم ابني في التحقيق ) وحين تنفي ذكرها لأسم ولده يعمل على إخراجها من الزنزانة ، ليخرجها تفاديا لذكر إسم ابنه الطبيب في التحقيق والتي لم تعترف عليه رغم التعذيب الرهيب ، وفي هذا الموقف الصعب تفكر في أختها وتذكر الجنرال بوعده في مساعدة أختها ، فيخبرها الجنرال " الوحيدان اللذان يمكنان مساعدتها هما الجنرال فرانكو والرب ، وليس لي النية في إزعاج أي منهما"، تخرج من المعتقل ولكن يموت شقيق زوجها المناضل الشيوعي تحت التعذيب ، في أحد المشاهد تهتف أحدى السجينات " يحيا فرانكو" وهن واقفات في صفوف متراصة ، وأمامهن السجانة تقيم النظام والراهبة تحذرهن من عدم الالتزام ، فالعقاب سيكون قاسيا سيمنعن عن الزيارات لمدة شهر ، الراهبة تحمل في يدها تمثال صغير للمسيح الطفل ، وتطلب من كل سجينة تقبيل قدميه الصغيرتين حتى تشملها الرحمة السماوية ، وتنقي روحها الملعونة من همهمات الشيوعية البغيضة ، بعض النساء تضعفن وتقبل التمثال واحدة تلو الأخرى قدم المسيح ثم يد الراهبة ، إلا أن أحداهن ترفض ذلك وتقول للراهبة القواعد لا تقول شيئا حول تقبيل الدمي، أنا غير مؤمنة ولن أقبل قدم أي دمية ، تصفعها الراهبة على وجهها وتقول "كيف تجرؤين وتصفين المسيح بالدمية ؟ ، سوف تقبلين قدمه لأنني أردت ذلك أيتها الشيوعية اللعينة ، أنت لا تستحقين الهواء الذي تتنفسين ، سوف أعلمك معنى الاحترام" ، في هذه اللحظة يسقط المسيح الطفل وينكسر فتصاب الراهبة بالذعر، وتلطم المرأة على وجهها مرة ثانية ثم تضربها بهراوة السجانة بقسوة شديدة ، قائلة لها "سوف تخلدين في الجحيم إلى الأبد مع من بقي من أمثالك" ، ثم تتوجه لباقي السجينات "جميعكن ملعونات لا خلاص لأي منكن ، لن يسود السلام في هذه الدولة ولن يسامحنا الله حتى يقبع كل الشيوعيين في السجون أو يلقوا حتفهم " وفي ليلة الاعدام المعتقلة (هورتينيزا )، تترجى السجانة الجديدة الطيبة و رفيقاتها ان تسلم الطفلة الى شقيقتها( بيبيتا ) وأن تاتي شقيقتها لاستلام الطفلة كي لاترسل الى دار الايتام ، وتطلب من رفيقاتها في ان يساعدوها في أن تكون قوية وأن لايرى الفاشست دموعها . في يوم تنفيذ حكم الإعدام يحق المناضلة "هورتنيزا"، يدور حوار بين هذه السجانة الجديدة وسجانة أخرى حول الطفلة الرضيعة التي تبكي لأنها جائعة ، فتقول السجانة لزميلتها الرقيقة القلب "لو أن الله حباها طفلة كهذه لن تقحمها في غمار السياسة ، فالشيوعيون لا يحبون أطفالهم كما نحب نحن"، فترد الأخرى عليها "بالطبع لا فهي تحب ابنتها "، فتقول الأخرى" كيف هذا وهي لم تقم بتعميدها من قبل الراهبات ولم تذرف دمعة واحدة عليها "، فتقول السجانة الطيبة " هناك أكثر من طريقة الحزن والبكاء ، هذه طفلة بريئة لا ذنب لها فيما يحدث ، علينا أن ندخلها لأمها كي ترضعها " ، يدور هذا الصراع بين السيدتين حتى تدخل الطفلة لأمها فترضعها . حاول المخرج من خلال هذا الحوار أن يبين أن هؤلاء السيدات لسن جميعا قاسيات ، فمنهن من أصبحت سجانة رغما عنها لأنها لم تجد عملا آخر سواه فقد كانت تعمل السجانة الرقيقة معلمة في إحدى المدارس قبل اندلاع الحرب الأهلية .
تساق "هورتبنيزا"، الى ساحة الاعدام وسط صيحات رفيقاتها المعتقلات (الموت للقتلة ، وليحيا الحزب الشيوعي) ، و قبل تسديد الرصاص الى قلب المناضلة " هورتينيزا جارسيا" تصرخ بوجه الجلاد "تحيا الحرية !،وتسقط الفاشية ! ، تحيا الجمهورية ". تاتي اختها (جوزيفا رودريجيز) أو بيبيتا في زيارة شقيقتها في السجن لكنها تصدم باعدامها ، وتسلّم لها الطفلة من السجن بعد التوقيع على استلامها ، وفي نهاية الفيلم ، يكون صوت الطفلة التي اصبحت شابة وهي تروي لنا نهاية تلك الحكاية المأساوية " خالتي بيبيتا والتي هي أيضاً أمي ، كانت دائما تقول على ألالام الحرب ان تنتهي مع نهاية الحرب نفسها، لكن الامر لم يكن كذالك !! ، أسبانيا (فرانكو) كانت متخمة بالصمت والحِداد وبألانتظار ، خالتي "بيبيتا" تعايشت مع الأنتظار، (بولين جونزاليس) حكم عليه بالسجن 30 عاماً ، بعد أن نجا من عقوبة الاعدام ، لم يثبتوا إنه كان نفسه ( السترة السوداء) المطلوب الرئيسي من قبل السلطة الفاشية ، والذي وعدته خالتي ان تنتظره طول الحياة ، وقد أنتظرته 19 عاماً ، وسُمح لها بزيارة واحدة في العام ، ورسالة واحدة كل اسبوعين ، وعندما خرج العم ( خايمي ) من السجن ، أول شئ فعلاه هو الزواج . في ذات الليلة التي استقلوا القطار الى قرطبة ، حلم خالتي المؤجل منذ زمن طويل قد تحقق للعودة الى مسقط رأسها (قرطبة ) وكانت بعمر 39 عاماً، والعريس بالكاد قبلها ثلاث قبلات . وقررت أنا أبقى في مدريد لأطل وضع الزهزر على قبر والدتي ، ولأنفذ مهمة وهي أن أجد جثة أبي وأدفنهما معاً ، ووليبقيا معاً في أبدية العاشقين ، وفي كل مرة ارى صورة أمي وخالتي والتي هي أمي أيضاً مبتسمان وسعيدان قبيل الحرب ، ابكي كثير وبحزن وغيض ،لأن تلك الحرب اللعينة ، وكل ماجاء من بعدها كان يجب أن لا تحدث". بالنسبة للمحللين والسياسيين المؤرخين بات الامر واضحاً:" (أننا خسرنا الحرب) ، لكن أخلاقياً ،ربما قد فزنا بها " أنطونيو ماتشادو (شاعر أسباني). الفيلم اهداء من الى المخرج الى الكاتبة ( دوليس تشاكون) لروايتها الرائعة ، ولشقيقاته ( لويزي ) و (مكاو) و(إيفا ) . إنها حكاية مؤلمة وحزينة عن أمراة أحبت وطنها وحلمت بعالم افضل وعادل لها ولطفلتها ، أجمل شئ هو نهاية الرواية والفيلم على لسان الفتاة التي تستحضر ماضي ونضال ابيها وأمها في بناء مستقبل لاظلم ولا قهر ولا أستبداد فيه ، وعلى حد قول شاعرداغستان الكبير" رسول حمزاتوف" ( أذا أطلقت نيران رشاشتك على الماضي ، سوف يطلق المستقبل نيرانه عليك!!).
هذا الفيلم أستطاع أن يحرك المشاعر تجاه هؤلاء السيدات اللواتي لم يخضعن لنظام مستبد حكم إسبانيا لقرابة الأربعة عقود حتى وفاة "فرانكو" عام 1975 ، تم سجنهم وتعذيبهن ّفي زنازين خانقة يسودها صمت مضطرب ، وأستطاع المخرج زامبرانو في الإبحار وعلى مدار ساعتين في فيلم " الصوت النائم " في عالم النساء الاسبانيات المناضلات ضد حكم فرانكو الاستبدادي، حيث عانت نساء هذه الفترة كثيرا على مستويين الأول فقداهن لأسرهن ، والثاني سجن المعارضات منهن وإعدام المئات. فرانكو الديكتاتور حارب الثقافة وكان العدو اللدود للفن، ويكفي أن الشاعر العظيم لوركا ، كان أول ضحاياه . لابد من من الاشادة بالاداء الرائع الذي قدمته البطلة الجذابة "ماريا ليون "، والذي إستحقت عليه جائزة أفضل ممثلة في مهرجان سان سيباستيان ، حين استطاعت التنقل بسهولة بين الدراما والكوميديا . يرصد فيلم "الصمت النائم " الماخوذ عن رواية للكاتبة والشاعرة دولشي تشاكون عن النساء اللائي خسرن الحرب: السجينات اللائي عانين من أبشع الفظائع في حقبة الحرب الإسبانية الأكثر بؤسًا ، وأجبرن على التزام الصمت. صمتهم - صوتهم النائم - انتهى الآن فقط. حققت رواية تشاكون نجاحًا كبيرًا عندما ظهرت في إسبانيا. حيث كانت الرواية تستند إلى شهادات النساء اللواتي قضينّ سنوات في زنازين الديكتاتور فرانكو. هذه قصة شقيقتين ، وآمالهما وحبهما والظلم الذي لحق بهما في زمن الحرب . منذ أن شاهدت الفيلم ، شعرت بوضوح تام أن قصة هذا الفيلم غير عادية ، لأنه يستند إلى شهادات النساء اللواتي قضت سنوات في تعقبهن ، فهي تشبه قصص كثير من النساء اللواتي غيبتهم سجون الانطمة الديكتاتورية العربية ، جريمتهن أنهنّ حلمنّ بحياة كريمة و بأوطان سعيدة ، دراما مروعة تحول المحنة المؤسفة للسجينات في إسبانيا ما بعد الحرب الأهلية إلى فحص قاتم لقسوة النظام على المرأة ، يروي "الصوت النائم" قصة رائعة يجب روايتها وإعادة سردها وتظل هذه الصورة الجذابة بذكاء في الاتجاه السائد بينما تتعمق في أعماق الحزن والعنف ، وغالبًا ما تكون مكثفة بشكل لا يطاق في تصويرها للفظائع ، وتؤثر في تصويرها لصمود المناضلات ضد السياسة الاستبدادية والنظام الديكتاتوري . يستحق فيلم "الصوت النائم" أن يُسمع ويرى في الخارج ، لان الفيلم نموذج لبطولة المرأة وتعرض لكثير من الشخصيات النسائية ، كثير من النساء السجينات في مراحل عمرية مختلفة ، والسجانات اللاتي يبدو على وجوههن القسوة ، والراهبات اللاتي يحاولن إثناء السجينات الشيوعيات وكسر عزيمتهنّ ، الفيلم اصطدم بمسألة الدين وكيف تناول النساء الشيوعيات في صراعهن مع الراهبات أن الدين لم يكن سوى قناع لتجميل صورة نظام "فرانكو" القمعي ، فالراهبات اللاتي يرتدين زي العفة لا يختلفن كثيرا عن الشيطان .
ما يلاحظه المشاهد في في فيلم" الصوت النائم" هو طغيان اللون الرمادي في أغلب المشاهد ، فقط في مشهد واحد وهو لقاء "بيبيتا "بحبيبها الثائر بولينو( مارك كلوت ) لاول مرة عند تسلم رسالة شقيقتها ، وكان اللقاء في بستان في هذا المشهد تتغير الالوان القاتمة الى ألاخضر وهو من الالوان المفرحة والمبهجة، وتعمد المخرج في ذالك ، كما أضفت عدسات أليكس كاتالان على مشاهد السجن صبغة زرقاءغامقة ، مع جعل الأجزاء الخارجية تبدو كئيبة بالمثل . والشئ الاخر جعل نهاية الفيلم تروي من قبل الفتاة التي تمثل جيل جديد ويمثل امتدادا الى نضال الام وصمود الاب ، وتعمج المخرج أن الراوي بصوت أمراة و التي تعني هي الحياة .
في الختام : أختتم بالإشارة التي لا مفر منها إلى مجموعة من النساء العراقيات المناضلات اللواتي دفعن حياتهن ثمنا لمواقفهن ورفضهم الديكتاتورية ، تم ذكرهم عدة مرات في ( الصوت النائم) ومقارنتهم بشخصيات نسائية ، مثلهم ، فقدوا حياتهم أو لسنوات عديدة خلف القضبان لمجرد أنهم دافعوا عن المثل العليا وجدت صورهن واصواتهم مع النساء السجينات في سجن (فينتاس) السئ الصيت . الفيلم الأسباني ( الصوت النائم ) يحكي عن الاستبداد والظلم في عهد الجنرال فرانكوالفاشي الشرس وما تعرض له الشعب الأسباني وخاصة النساء في السجون والمعتقلات ، الفيلم تحية إلى جميع النساء المناضلات في هذه الحياة و صرخة بطلة الرواية والفيلم ( هورتيسنا ) العظيمة " كل ما أطلب لأجلها إسبانيا خالية من القساوسة والطغاة " تظل باقية وخالدة في كل مكان و زمان .

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا