أزمات القفز على واقع التركيبة الطبقية وتبعيات العولمة بين مطرقة التنمية وسندان التكافؤ

مكارم المختار
2021 / 3 / 16

الترابط بين البعد الاقتصادي والعولمة، عميق بما لا يغفل عنه أو لا يشار إليه، بل حتى مع الإبعاد السياسية والثقافية والاجتماعية للعولمة، وكلها تحديات، وتحديات لابد من مواجهتها، خاصة في البلدان العربية، حيث بعض الأنظمة العربية الرخوة، قد تصل إلى درجة الانهيار، في ضل تراجع دور سياسي أو استلاب الدور هذا لحساب مجال سياسي معولم، كذلك حتى الثقافة الوطنية والقومية والتقدمية، حينما تتراجع من جهة لحساب الثقافة الاستهلاكية، وثقافة التخلف من جهة أخرى، ويتجلى على الصعيد الاجتماعي انعكاسات المخاطر الاقتصادية، مخاطر قد تنجم عن تزايد أشكال التراكم الرواتي، والاتساع المتزايد للفجوة بين الأغلبية من الساحقة من جماهير الفقراء والقلة من الأغنياء الأثرياء، مع أضطراد في الفقر والتخلف والتهميش للأغلبية الساحقة " الفقراء " .

ويأتي المزيد من التبعية والتهميش، لدرجة الارتهان، والارتهان لشروط هيمنة متجددة، حين تتراكم عوامل الهبوط المؤدي إلى هذا الانتقال والتحول من حالة التبعية السياسة ـ الاقتصادية لكثير إن لم " معظم البلدان العربية "، حتى لتكون قاصرا في دورها على حماية مصالحها، والمصالح الرأسمالية " الخارجية والداخلية " المشتركة والمتشابكة، مع تراجع الدور الإنتاجي والخدماتي في مراحل ما وسابقة، والتي معها يتراجع الدور الوطني والاجتماعي، وتغطية بعض الاحتياجات الشعبية والجماهيرية، وحيث تترعرع المصالح الشخصية " البيروقراطية " والطفيلية، وتحت مسمى "الخصخصة" والانفتاح، وذلك كله ومنه كثير، ما يؤدي إلى تفكك الروابط الوطنية والقومية، ومن ثم يأتي بعوامل مساعدة، التفكك وشبه الانهيار المجتمعي " الداخلي "، والذي يؤشر منه ويؤتى عنه، التخلف بكل تفريعاته، وإنتاج مظاهر تفريعات طائفية ودينية وحتى عائلية، والتي تعمق الفجوة الاجتماعية وترافق أشكال التحرك والحراك الاجتماعي الشاذ وغير الطبيعي، وفي أطار الفساد العام والمستجدات عن كل وضع، وعن مستحدث من ما ينجم من ثروات طارئة .

تستفحل الأوضاع المتدهورة في بلدان العالم الثالث نتيجة أزمة التطور السياسي الاقتصادي والاجتماعي، مما يزيد من تبعيتها للعلاقات المشروطة للالتحاق بالرأسمالية الجديدة، فرأس المال المعولم، لابد لآستيراتيجية تنسجم مع نزوعه التوسع والامتداد الدائم، وإخضاع لمقتضيات ومشروع هيمنة، وحيث استهداف مقتضيين متكاملين في " تعميق العولمة الاقتصادية " وتدمير قدرة الدول والشعوب والقوميات على المقاومة السياسية "، بسيادة سوق عالمية، ومن ثم ليستمر صراع في ظروف دولية لا تتوازن القوى فيها وليس من دور يعد أو مكانة للتوازن هذا، وسيؤول الأمر إلى من سيملأ الفراغ الناجم عن انهيار التوازن الدولي، وسيكون لأقوى دولة هذه الهيمنة والقوة الوحيدة وحيث يستوجب، عليه، سيتمهد الطريق لمخططات توسعية، حيث الطريق مفتوح من فراغ سياسي واقتصادي وايدولوجي، والتوسعات صوب المزيد من السيطرة حيث الرأسمالية، حتى وان ضد قيم إنسانية وعدالة اجتماعية ومساواة، وفي ضوء هذا، ستصبح السياسة التجارية للدول المستقلة، ليس عملا من أعمال السيادة الوطنية أو القومية الخالصة، بل شانا دوليا معولما، حتى تبات حصص ونصيب البلاد النامية من التجارة العالمية ثابتا، وإنها من ثم لن تستفيد من تدفق الاستثمارات الأجنبية " المباشرة " لان ذهابها

 سيؤول إلى البلدان المتقدمة .

جراء ذلك وغيره، ستعاني البلدان النامية، من وضع غير متكافئ لها في الاقتصاد العالمي، تحت تأثير سرعة اندفاع العولمة والتحرر المتسارع لاقتصادات البلاد هذه، اندماجا بالاقتصاد العالمي، والتزاما بقواعد العولمة والليبرالية والتحرر الاقتصادي، بسبب ما وضع من عقبات في وجه التنمية، وإفقاد القدرة على حماية الصناعة الوطنية، وتعرض لمنافسة غير متكافئة مع الواردات الأجنبية، مع ارتفاع التكلفة المعرفية والتكنولوجية، واحتمال استيلاء عمالقة الشركات، متعددة الجنسيات، على المشروعات الوطنية والمجالات السياسية، وهذا ما يدفع إلى تقليص قدرة البلدان النامية

وعلى صياغة وتصميم سياستها التنموية والتجارية، بسبب انتقال صياغات وصناعات الكثير من القرارات إلى منظمة التجارة العالمية من المستوى الوطني .

على خضم ما تقدم وسلف، لابد من وعي بمحددات وامتلاك قيم ومفاهيم جوهرية، وان تكون هناك رؤية وحدوية تلغي المفروض من المجبرات التي لا تخلق قوة قادرة على مشروع نهوضي يخرج من مأزق وينطلق بما يقتضي، وبما يسعى لاستيعاب ثقافة التنوير والحداثة، وسمات أساسية تتضمن العقلانية العلمية وروح النقد الإبداعية واستكشافية، مع إدراك لموضوعية الوجود المادي، والوجود الاجتماعي، وما يعنيه من إدراك دور، وسعي للتحرك والانطلاق، وقدرة على الابتكار والتغيير في الحاضر والمستقبل، وفق أسس بأفاق ديمقراطية وعدالة اجتماعية وإطار مشروع كضرورة، ومجابهة التناقضات، وما لا يمكن تحقيقه أو لا يمكن والنقيض في الواقع القائم .

حضارية شاملة هي ما تضمن توليد علاقات تعاونية الطابع اجتماعية الصورة، وتؤكد على حق الأفراد والجماهير الشعبية، في حق ملكية الثروات والموارد عبر مؤسساتها الديمقراطية، التي ترى في الحوافز الفردية والدوافع الذاتية، شرطا للإبداع والبناء، وضمانة التطور المتجدد والاستمرار وديمومة التنمية، ولو إن ذلك قد يشكل تحديا حقيقيا في وجه مشروع وتجدد، ذاك حين تصاب ليس الجوانب السياسية الاجتماعية بالضرر، وإنما حين تمس الأسس الفكرية أو المفاهيم العامة أيضا، ويجب من ضرورات خلق عوامل التحدي الدائم لمواجهة كل أشكال الحياة وظروفها، كيلا يغاب عن مسرح الواقع، ولا تغيب قضايا التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، أو يغيب المنهج العقلاني والنهج العلمي في فهم واستيعاب ومعالجة المشكلات وحلها، مع الحرص على حضور القيم الاجتماعية " الايجابية " وانتفاء اعتمادها في السلوك العام والخاص، مع وجوب التحصن من الانحرافات والمفاسد " الداخلية " منها، والخارجية كعدو ومواجهتها.

عليه، لابد من وضع وصياغة منظومة معرفية معاصرة، عبر رؤية وممارسة جديدتين، وللثقافة في هذا، ضرورة ملحة ووجوب، حيث الثقافة من الناحية الموضوعية من القدرة على وضع الأسس المعرفية لهذه المنظومة وآفاقها المستقبلية، وحيث إن تعدد الأنماط والتركيبة الاجتماعية ـ الطبقية، مشوهة باتسامها بتعدد الأنماط الاجتماعية القديمة والمستحدثة وتداخلها، مع اتسامها بالسيولة وعدم التبلور الطبقي بصورة محددة، البرجوازية " التبعية للعولمة والرأس مال المعولم، لتكون هذه " البرجوازية " من ألأدوات والآليات المهمة للعولمة في البلدان العربية . فالثقافة والمثقف العرب، جمعا وتنظيما، مسؤولية في صراع لتوليد معالم، في إطار وحدة جدلية بين القوى والفعاليات على مساحة وطن، دون القفز على واقع المجتمع وأزمات راهنة أو تتجلى .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير