الثورة المُضادة في المَجَر عام 1956- خطاباتها وأسلحتها (5)

مالك ابوعليا
2021 / 3 / 16

كاتب الموضوع: الشيوعي الهنغاري يانوش بيريتش

د- ايمري ناجي ودعوة اذاعة أوروبا الحُرة القوات السوفييتية للانسحاب من هنغاريا.
كخطوة أولى، شل التحريفيون القيادة. فيما بعد تسببوا في تفكك سلطة البروليتاريا.
وافق ايمري ناجي على برنامج عمل القيادة المركزية. لهذا تم ضمه هو وبعض أتباعه الى القيادة. كان ايمري ناجي هو من أعلن الأحكام العرفية. لقد أدان الانتفاضة المضادة للثورة وتعهّد بالتطبيق الصارم للقانون ضد أولئك الذين يواصلون أعمالهم المضادة للثورة. وافق على مشاركة القوات السوفييتية في اخمادالثورة المضادة. وقال ايمري ناجي في بث اذاعي يوم 25 تشرين الأول: "سوف تتراجع القوات السوفييتية فوراً بعد استعادة السلام والقانون والنظام. تدخّلت القوات السوفييتية في القتال لمصالح اقتضاها الدفاع عن نظامنا الاشتراكي". حتى المُعجبين بايمري ناجي في الغرب يشيرون الى أن "... هناك أدلة تشير الى أنه وافق على قرار ادخال الدبابات السوفييتية"(72). ولكن، شَرَعَ ايمري ناجي ومجموعته على الفور في أنشطة عملية تهدف الى نسف تنفيذ البرنامج العسكري.
في ساعة متأخرة من يوم 23 تشرين الأول، تم انشاء مركزين مؤيدين لايمري ناجي. كان أحدهما في المقر المركزي للحزب حيث اجتمع فيرينس يانوشي Ferenc Jánossy، صهر ايمري ناجي، وزعماء نادي بيتوفي وعدد من الكُتّاب والصحفيين للضغط على القيادة وشل الجهاز القيادي للحزب. لقد أشركوا القيادة المركزية في نقاشات مستمرة وبدلاً من دعم الاجراءات العسكرية والسياسية، شددوا على ضرورة حل الأزمة بطريقة سياسية صرف. كانت الأهداف الرئيسية للمجموعة التحريفية بقيادة ناجي هي خيانة النضال المسلح للقوى الاشتراكية وتغيير التقييم السابق لطبيعة الاحداث الجارية. "لم يكن ايمري ناجي قادراً على التصرف بأي طريقة أُخرى غير ذلك، أي أنه أراد للحزب أن يذهب أبعد مما يُمكن تحقيقه في ظل الظروف المعنية". هذا ماكتبه زميله الخائن بالاج ناجي balázs nagy في عدد كانون الثاني من (المجلة الهنغارية) Hungarian Review في بروكسل لعام 1960.
كيف نحكم على موقف وأفعال ايمري ناجي؟ أثار هذا السؤال جدلاً بين صفوف أتباعه الذين فرّوا الى الغرب. انتقدت احدى المجموعات، بما في ذلك ميراي ورفاقه ايمري ناجي لمناوراته في الأيام الأولى بدلاً من الانفصال الجذري عن الحزب والتوجه علانيةً نحو المتمردين. رأي آخر، شاركه أعضاء معهد ايمري ناجي (بروكسل)، اعتبر أن ناجي قد تبنّى التكتيك الصحيح المُتمثل في "تركيز جهوده على تقريب الخط الرسمي للحزب من خط الثوار". بعبارة أُخرى، قام ناجي "فقط" بمحاولة جعل الحزب يُراجع تقييماته الأولية بشأن طابع الانتفاضة، بدون الحاجة الى افتعال قطيعة تامة معه. في الحقيقة، هذا ما كان ايمري ناجي يحاول فعله في الأيام الأولى.
زارت وفود "عُمّالية" من رابطة الكُتّاب والجامعات وغيرهم مجموعة ايمري ناجي مُعربةً عن دعمها لهذه التكتيكات. في 26 تشرين الأول، أجرى وفد رابطة الكُتّاب مناقشات مع فيرينس دوناث Ferenc Donathو غيزا لوشونزي من ثم مع ايمري ناجي نفسه. "اتفقوا على القضايا الرئيسية، لا سيما أن الانتفاضة والحركة الشعبية المتعاطفة معها كانت ذات طابع قومي ديمقراطي..."(73). لكنهم لم يشعروا أن هذه لحظة مناسبة للكشف عن اتفاقهم. انتظروا يومين آخرين قبل اعلانه على الملأ.
المركز الآخر المؤيد لايمري ناجي الذي يعمل في مقر شرطة بودابست، أعاق بشكلٍ مُباشر الكفاح المُسلّح ضد العصابات المسلحة المضادة للثورة. عَمِلَ كُلٌ من تاماش آزيل Tamás Aczél وميكلوش جيميز Miklós Gimes وجورجي فازاكاش György fazekas وآخرين بجد، لاقناع كبار ضباط الشرطة بأن ما كان يحدث هو ثورة وطنية تستحق دعمهم.
لقد نجحوا في اقناع الكثيرين، وجعلوا قائد الشرطة يوزع الأسلحة على أعداء الثورة وأمر بالافراج عن المتمردين الأسرى. وهكذا حدث عدة مرات أن أفرجت الشرطة عن أفراد وجماعات أسرتهم الوحدات العسكرية. كان لهذه الخيانة أثر كارثي على الروح المعنوية للقوات المسلحة التي تقاتل دفاعاً عن سلطة العمال. في غضون ذلك، توغّل ممثلوا الجماعة في قيادة الجيش وبثوا الاضطراب تحت شعار: "لا تطلقوا النار على الناس!" وقد تزامن هذا تماماً مع الموقف الذي اتخذته القيادة السابقة التي تملّكها الرعب والذعر.
تمكّن ايمري ناجي، بالاعتماد على سلطته من اعاقة القمع المسلّح للثورة المضادة. لم يتم تنفيذ الأحكام العرفية. تم تأجيلها عدة مرات. في 25 تشرين الأول رفع ناجي حظر التجوّل ودعا العمال للعودة الى العمل. ومنذ ذلك الحين فصاعداً، تمكّن المعادين للثورة المسلحين من التحرّك بحرية. في 28 تشرين الأول الساعة 5:30 صباحاً، هدّد بالاستقالة اذا لم يتم الغاء العمل العسكري الحاسم ضد المركز المعادي للثورة في منطقة كورفين.
مارس ايمري ناجي وجماعته ضغوطاً هائلة على القيادة المركزية، لحملهم على مراجعة التقييم الأولي للوضع. عشية يوم 27 تشرين الأول، عقدت القيادة المركزية جلسةً دون أن تدعو أعضاء اللجنة العسكرية اليها. كان هذا في الشق الأول من الجلسة. طالب ايمري ناجي وأتباعه في الجلسة الغاء العمل العسكري ضد المتمردين. لقد اعتبروا الحل السياسي فقط هو المقبول والممكن. كانت القيادة المركزية على استعداد تام للتردد وكانت تميل الى قبول المفاوضات كوسيلة للخروج من الأزمة. ومع ذلك، حوالي الساعة 5 مساءاً انضم أعضاء اللجنة العسكرية الى الاجتماع، ونتيجةً لمشاركتهم قررت القيادة المركزية مواصلة الكفاح المسلح. تم منح الثقة للجنة العسكرية. ولكن، في اجتماع 28 تشرين الأول الذي عقدته القيادة المركزية تم اتخاذ قرار مختلف. عُقِدَ هذا الاجتماع على خلفية من الارتباك الشديد. كانت الوفود المتتالية تتدفق داخل وخارج المبنى وتصل تقارير عن الخيانة من قِبَل ضباط الجيش، واستحالة الحصول على صورة واضحة للوضع-كل هذه العوامل عمِلَت لصالح المعارضة التحريفية. هاجم ايمري ناجي وأنصاره بشدة أولئك الذين استمروا في قتال العصابات المسلحة. صاروا عازمين بشدة على تولي السلطة الكاملة على الأحداث، ووصفوا أولئك الذين يدافعون عن سلطة الشعب بالقتلة. وفي اشارة الى المفهوم القومي للوحدة الوطنية طالبوا ونجحوا في تغيير تقييم القيادة المركزية للأحداث. لعبت دوراً رئيسياً في هذا التطور مقالة افتتاحية في عدد صحيفة الحزب الصادرة في 28 تشرين الأول بعنوان (فلتنتصر العدالة) True to Justice. وصف هذا المقال الثورة المضادة بأنها "حركة قومية ديمقراطية" قبل اجتماع القيادة المركزية، وتبنّت المقالة القرار الذي دعا اليه ايمري ناجي.
في الواقع، كانت هناك انتفاضتان في هنغاريا في وقتٍ واحد: واحدة خرجت الى الشوارع من قِبَل الثورة المضادة واستخدمت السلاح، وحدثت الثانية داخل الحزب من قِبَل ايمري ناجي وأتباعه واستخدموا النقاش والمطالب والضغط والخيانة. بدون الثانية، لم يكن للأولى أن تكسب نصراً سياسياً.
لم تكن الانتفاضة المسلحة بل الخيانة هي التي حققت النصر عندما ذهب رئيس الوزراء "الشيوعي" ايمري ناجي الى الاذاعة في تشرين الأول وطالب بوقف فوري لاطلاق النيران وانسحاب القوات السوفييتية من بودابست. وصف ايمري ناجي الثورة المضادة بأنها حركة قومية ديمقراطية تهدف الى "استقلالنا القومي وتقرير المصير" ثم أعلن: "...ستدعم الحكومة الهيئات الديمقراطية المستقلة الجديدة التي بادر الشعب بانشاؤها وستدمجها في ادارة الدولة". وفي خيانة شديدة لقوى الاشتراكية، أعلن عن اشناء قوة أمنية جديدة من "وحدات الجيش والشرطة وكذلك وحدات العمال والشباب المسلحة"(74).
شلّت تصريحات ايمري ناجي هذه نضال كُلٍ من القوات المسلحة والقوى الاشتراكية. أعلن رئيس الوزراء أن أعداء الثورة والفاشيين والمجرمين والرجعيين والقتلة أنهم ثوار. في رأي رئيس الوزراء "الشيوعي" هذا، أصبح كل عامل وفلاح وجندي يناضل من أجل الدفاع عن سلطة الشعب مُعادياً للثورة. وبذلك تم ارتكاب أفظع أعمال الخيانة في التاريخ الهنغاري:
هاجم رئيس الوزراء من الخلف السلطة ذاتها التي أقسم على الدفاع عنها. لقد خان ايمري ناجي الثقة التي منحته ايها سلطة الشعب.
كان "انسحاب القوات السوفييتية، هو مفتاح حل الوضع في هنغاريا" كما كتب أصدقاء ايمري ناجي(75).
وبالفعل، جاء هذا المطلب على رأس قائمة مطالب الثورة المضادة. كان كُلٌ من العدو الخارجي والداخلي يُدرك جيداً حقيقة أنه طالما كانت القوات السوفييتية متمركزة على أراضي جمهورية هنغاريا الشعبية، فسيكون من المستحيل على الثورة المضادة الاستيلاء على السلطة. كان العُصاة المسلحون يُدركون أنهم لم يكونوا أقوياء بما يكفي للسيطرة على حرب الشوارع. كان من الممكن دائماً لقوى الاشتراكية أن تنسحب مؤقتاً وتُعيد تجميع صفوفها وشن هجوم مضاد طالما كانت القوات السوفييتية موجودة. كما أدى وجود القوات السوفييتية الى الحد من احتمالات التدخل الخارجي. كان المهاجرون الرجعيون يتوافدون الى هنغاريا، وأُرسِلَت شاحنة محملة بالأسلحة والذخائر، لكن لم يتم تقديم مساعدة كبيرة للثورة المضادة. كانت المُخاطرة المنطوية على هذا العمل رادعاً من نوعٍ ما.
في كتابه (Dulles Over Suez)، كتب البروفسور هيرمان فينر من جامعة شيكاغو عن كيف دعا بعض مستشاري جون فوستر دالاس، تحت ضغط اللحظة، الى التدخل الأمريكي في هنغاريا في الأيام الأخيرة من تشرين الأول عام 1956. واستطرد قائلاً أن مستشارين آخرين اعترضوا على محرقة مروعة نتيجة حربٍ نووية قد يؤدي اليها التدخل الأمريكي. لا يُمكن أن يكون هناك شك في حقيقة أن وجود القوات السوفييتية في هنغاريا قد منع دوائر مُعينة من الشروع في مغامرة مرعبة واسعة النطاق: التدخل العلني بنطاق واسع.
أدركت الامبريالية والمجرمين المعادين للثورة أن أُمةً صغيرةً منخرطةً في البناء الاشتراكي غير قادرة على الدفاع عن حريتها واستقلالتها في مواجهة هجوم مفتوح مكثّف تشنه الامبريالية الدولية والقوى المحلية الرجعية دون مساعدة من الاتحاد السوفييتي، خاصةً أن صفوفه الداخلية كانتفي حالة فوضى بسبب الخيانة. ولهذا السبب اختاروا أسلوب التحريض السافر كخط رئيسي لأنشطتهم الدعائية في مُحاولة منهم لتأليب الشعب الهنغاري ضد الاتحاد السوفييتي وانسحاب القوات السوفييتية من هنغاريا.
كان "مركز المعارضة الشعبية في العالم الحر" يعلم جيداً في عام 1956 أن القوات السوفييتية كانت متمركزة على الأراضي الهنغارية بشكلٍ قانوني، بموجب اتفاقية دولية سارية المفعول، وكان من حقها المشاركة في مكافحة العصيان. في 25 تشرين الأول، كان مقر مفوضية راديو أوروبا الحرة في نيويورك صريحاً تماماً بشأن ما اعتبروه الطريقة الوحيدة لتحصيل انسحاب سوفييتي. "لا يُمكن تنفيذه الا من خلال الموقف الحازم للزعماء الهنغاريين. ايمري ناجي هو الأمل الوحيد". بالفعل، كان هو الشخص الوحيد القادر على تحقيق انسحاب القوات السوفييتية. كان يملك السلطة، كرئيس لوزراء هنغاريا، واستمرت الجماهير في تصديقه على أنه شيوعي.
في المرحلة الأولى من الثورة المضادة، ارتبك العديدون من تصريحات أوروبا الحرة المتناقضة بشأن ايمري ناجي. كان عادةً ما يتعرض للهجوم. لكن كان هذا نتيجةً لفشل اذاعة أوروبا الحرة في ميونيخ باستمرار في تنفيذ التعليمات الصادرة عن نيويورك. في 24 تشرين الأول، على سبيل المثال، قالت نيويورك: "ان دعوة ناجي القوات الأجنبية لاستعادة النظام هي حقيقة سيتعين عليه أن يتعايش معها". نصّت التعليمات الواردة من نيويورك في 25 تشرين الأول على أن "مسألة من استدعى القوات السوفييتية هي أقل أهمية من مسألة ما اذا كان ناجي يستطيع أن يفي بوعده بمحاولة سحب جميع القوات السوفييتية الى الأبد". وهكذا أعطت التعليمات الأولوية لدعم ايمري ناجي وليس انتقاده، حتى لو كان البث الفعلي من ميونخ قد عكس ترتيب الأولويات.
في 25 تشرين الأول،اختُتِمَ التعليق الخاص رقم 4 الذي أذاعته اوروبا الحرة بملاحظة أن الحكومة بقيادة ايمري ناجي جيدة. وفي بث اذاعي آخر، تم القاء حبل النجاة لايمري ناجي: قال مذيعو أخبار اذاعة اوروبا الحرة أنهم لم يعرفوا بعد الظروف التي تم بموجبها تم توقيع (المرسوم المُخزي)، والى أي مدى، كان اسم ايمري ناجي مُنخرطاً في اتخاذ القرار. وأضافوا أنه كان من المؤكد أن الأحكام العرفية مررها "الستالينيين". بعد بضعة أيام، بدأت مجموعة ايمري ناجي نفسها في نشر نفس الكذبة في جميع أنحاء هنغاريا. في الوقت نفسه، أدت الهجمات الشديدة على ايمري ناجي في بثوث أُخرى لاذاعة أوروبا الحرة الى تحسين صورته كثيراً في عيون الشرفاء. في 25 تشرين الأول، على سبيل المثال، في البث رقم 9 تم التنديد به لموافقته على دعوة القوات السوفييتية للمساعدة. رئيس تحرير اذاعة أوروبا الحرة اندور جيليريت Andor Geliert أخذ الميكروفون بنفسه ليصف ايمري ناجي بأنه "أعظم خائن في كل التاريخ الهنغاري"(76). تأخر ايمري ناجي في تقديم تبريره الخاص لأن تفكك القيادة الثورية في هنغاريا لم يتحقق بعد. لهذا السبب، حظيت جميع اجراءاته الجديدة، بما في ذلك دعوته لوقف اطلاق النار، باستقبال نقدي من قِبَل اذاعة أوروبا الحرة، تلتها عدة مطالب جديدة منه. في 29 تشرين الأول قال راديو أوروبا الحرة في نغمة هستيرية جديدة أن على أعداء الثورة أن يرفضوا القاء اسلحتهم "... اولئك الذين يمتلكون السلاح يمتلكون السلطة!"، "لا تضعوا أسلحتكم جانباً"، وطالب البث بتشكيل حكومة جديدة وأعطى تعليمات تكتيكية للمعادين للثورة باحتلال الوزارات التي تُدير القوات المسلحة.
كان ايمري ناجي على قدر توقعات مقر اذاعة أوروبا الحرة في نيويورك عندما أعلن في بث اذاعي يوم 28 تشرين الأول أن القوات السوفييتية ستبدأ في مغادرة بودابست استجابةً لمطالبتهم بالانسحاب.

هـ- المرحلة الثانية من الثورة المضادة: الاستعادة و"الحيادية".
بدأت المرحلة الثانية من الثورة المضادة في 29 و30 تشرين الأول. في هذين اليومين، ظهرت القوى الردعية المعادية للثورة المتخفية الى العلن. تحت غطاء الارهاب الذي تُمارسه العصابات المسلحة، بدأت الدوائر السياسية الرجعية وشبه الفاشية بالتنظيم علانيةً بهدف الاستيلاء على السلطة. عكست مجموعة من المطالب والبرامج الهدف الفمزدوج ولكن الموحّد للثورة المضادة في مرحلتها الثانية: 1- توسيع العملية المضادة للثورة وتنظيم وحدة كل القوى الرجعية، والاستيلاء على مناصب السلطة والبدء في استعادة النظام الاجتماعي القديم القائم على المُلكية الخاصة. 2- فصل هنغاريا عن مُجتمع الدول الاشتراكية وربطها بأكبر عدد من الخيوط مع العالم الراسمالي، وتحويلها الى قاعدة للنضال السياسي أو العسكري ضد الدول الاشتراكية، وقبل كل شيء، الاتحاد السوفييتي.
سيكون محاولة وصف الحركة الاجتماعية بأكملها في المرحلة الثانية تجاوزاً لنظاق هذا الكُتيّب. سنقتصر على وصفٍ موجز للاجراءات والتدابير التي اتخذتها الثورة المضادة لتحقيق هدفها المُزدوج. يجب أن يُوضّح هذا الى أي مدىً خدمت هذه الاجراءات مصالح الامبريالية العالمية(77).
ابتهجت القوى المُعادية للثورة بنبأ انسحاب القوات السولفييتية من بودابست. لقد اعتبروه انتصاراً جُزئياً ولكنه مُهم. في وقتٍ لاحق كان هناك الكثير من الجدل حول مسألة ما اذا كان من الضروري للغاية سحب القوات السوفييتية من بودابست في 29 و30 تشرين الأول. هل كان من الأفضل البحث عن حل آخر؟
لقد كانت أفعال الخونة الناشطين في القيادة تؤدي الى جعل قوى الثورة الاشتراكية قريبةً من نقطة التفكك(78). كانت الٌقوى الثورية في حالة من الفوضى وعاجزة وغير قادرة على التحرك لانه لم يتم كشف الخيانة بالكامل، وكان من الصعب معرفة أين يقف الناس والى أين يتجهون. في هذه الأثناء، لم يزل ايمري ناجي وأتباعه يتحدثون عن الاشتراكية ويصفون أنفسهم بالشيوعيين. في 28 و29 تشرين الأول، استعرضوا أفعالهم كأنها دفاع عن الاشتراكية، قائلين أن اختاروا فقط حلاً مُختلفاً للأزمة. وجادلوا بضرورة وضع حد لاراقة الدماء. كل هذا منع القوات السوفييتية من اتخاذ اجراءات فعالة. لم يعد تكتيك استعراض القوة مُجدياً. كان من المُستيحل الانتقال فوراً الى القمع العسكري لمراكز الثورة المسلحة عندما نجح الخونة في منع كل محاولة للتصرف بشكلٍ حاسم عن طريق تهديداتهم وتعاونهم المُباشر مع العصابات المسلحة.
اضطرت القوى الاشتراكية للانسحاب وكسب الوقت لتقييم الوضع ودراسة امكانيات توحيد القوى الاشتراكة وتقرير ما اذا كان ينبغي شن هجوم مضاد. واذا كانت الاجابة بنعم، فكيف ومتى. غادرت القوات السوفييتية بودابست كجزءٍ من انسحابٍ مؤقت من المشهد. غادروا المدينة، لكنهم اتخذوا مواقعهم حول بودابست.
أصدرت الحكومة السوفييتية في 30 تشرين الأول بياناً أظهر أنه لا يُمكن أن يكون هناك حل سياسي وأشار الى الاتجاه الذي يكمن فيه الحل. حلّل البيان العلاقات بين الدول الاشتراكية، وحدّد النقاط الاشكالية ولخّص المبادئ الأساسية للتعاون والوحدة. أكدت الحكومة السوفييتية أنها مُستعدة، على أساس الأفكار المشتركة لبناء المجتمع الاشتراكي ومبادئ الأممية البروليتارية، لتعزيز الصداقة والتعاون مع الدول الاشتراكية، ولتحقيق ذلك اقترحت محادثاتٍ بين حكومات الدول الاشتراكية. حدثت هذه المُحادثات في نهاية عام 1956 وأوائل عام 1957.
اتخذت الحكومة السوفييتية موقفاً حازماً في معاهدة وارسو. أكد الاتحاد السوفييتي على أهمية الالتزام السياسي والعسكري الذي تعهدت به الدول الأعضاء في معاهدة وارسو بتبني "الاجراءات المُتفق عليها لتعزيز قوتها الدفاعية من أجل حماية عمل شعوبها السلمي، وضمان حُرمة أراضيها والقدرة على الدفاع ضد أي عدوان". كان هذا تحذيراً غير مُباشراً للحكومة الهنغارية بأن تمركز قوات أي دولة عضو في معاهدة وارسو على أراضي دولة عضو أُخرى تم على أساس اتفاق بين جميع الدول الأعضاء وبموافقة الدولة المعينة. ويتبع ذلك أن انسحاب هذه القوات يتطلب موقفاً مُشتركاً من قِبَل جميع الدول الأعضاء في الاتفاقية. حذرت الحكومة السوفييتية، من خلال التأكيد على النقطة أعلاه، من أنه سيكون من غير الحكمة اتخاذ خطوات غير مدروسة ومنفردة يُمكن أن تؤدي الى مغامرات غير مسؤولة تُعرّض الاشتراكية في هنغاريا للخطر، وتُشكّل في الوقت نفسه تهديداً خطيراً لسلام وأمن منظومة الدول الاشتراكية ككل.
أعرب البيان الصادر عن الحكومة السوفييتية عن دعمه لمطالب الشعب العامل الهنغاري المُبررة، لكنه في الوقت نفسه قدّم تحذيراً صادقاً عندما أشار الى أن: "هذه التحركات الشعبية التقدمية قد انضمت اليها قوى الرجعية الظلامية المُعادية للثورة التي تسعى الى استغلال استياء قسم من العمال من أجل تقويض اسس النظام الديمقراطي الشعبي في هنغاريا واستعادة النظام الاقطاعي القديم والرأسمالية". في الوقت نفسه، أوضحت الحكومة السوفييتية أن التطور الوحيد الذي كانت مُستعدةً لدعمه في هنغاريا هو التطور الاشتراكي. ووجهت الحكومة السوفييتية نداءاً الى العمال الهنغاريين: "الدفاع عن المُنجزات الاشتراكية لجمهورية هنغاريا الشعبية هو اليوم الواجب الأسمى للعمال والفلاحين والمثقفين".
"تُعرِب الحكومة السوفييتية عن ثقتها في أن شعوب الدول الاشتراكية لن تسمح للقوى الرجعية الخارجية والداخلية بزعزعة أُسس النظام الديمقراطي الشعبي، الذي انتصر وعزز نضال عمال وفلاحي ومثقفي تلك البدان".
لم تفهم الحكومة بقيادة ايمري ناجي التحذير الوارد في البيان. قام ايمري ناجي وفصيله بفصل كل الأشخاص الأمميين الذين لم يثقوا بهم بعد كل تعديل وزاري يومي. أصبتت مسيرة الأحداث أنه لا يُمكن وقف العملية المضادة للثورة بتقديم تنازلات. كانت الرجعية في وضع هجومي شرس بحيث كان المُستحيل صده دون تدمير قواته.
شَرَعت القوى المُعادية، بعد وقف اطلاق النار في 28 تشرين الأول بتقييم الوضع وتعديل التكتيتكات وفقاً لذلك. تم املاء الخطوات التالية من قِبَل راديو أوروبا الحُرّة. في 28 تشرين الأول، أرسلت قيادة راديو أوروبا الحُرّة في نيويورك الى ميونيخ ما شعروا أنه يجب أن يكون الحد الأدنى من الشروط المقبولة "لمقاتلي الحُرية". لخّصَت التعليمات البرقية المطالب في 8 نقاط:
1- الانسحاب الفوري والكامل لجميع القوات السوفييتية من الأراضي الهنغارية.
2- الحل الكامل لجميع قوات أمن الدولة ÁVH. يجب أن تكون السيطرة على أي قوات شرطة أو أمن جديد بيد وزير غير مرتبط بأي حكومة سابقة أو هيئة شيوعية مركزية.
3- اصدار عفو شامل لجميع المناضلين من أجل الحرية الذين شاركوا في الانتفاضة.
4- استبعاد اولئك الأشخاص المرتبطين بأي شكل من الأشكال بالنظام أو الحكومة أو قيادة الحزب العُليا قبل استلام ايمري ناجي لرئاسة الوزراء.
5- يتم اختيار غالبية أعضاء الحكومة الجديدة المؤقتة من مُختلف الهيئات القومية على أساس تمثيلي.
6- الدعوة الفورية لجمعية تأسيسية، يتم اختيارها بالاقتراع الشعبي السري الحُر، لوضع اطار لميثاق جديد لحكومة وبرنامج عمل جديد. يجب تقديم الميثاق والبرنامج للقبول أو الرفض من قبل الشعب في التصويت الحر والسري خلال فترة مُحددة، مثل ستة أشهر.
7- على هنغاريا أن تنسحب من حلف وارسو.
8- استمرار عمل المجالس العُمالية المحلية واللجان القومية التي تشكلت ابان الأزمة والتواصل المستمر فيما بينها حتى تتحقق الشروط المذكورة أعلاه.
قام بث خاص من ميونيخ في 29 تشرين الأول باذاعة هذه المطالب بالكامل(79).
كانت الاستجابة ذات طابع فوري في هنغاريا. أصبحت النقاط الثماني أساس المطالب التي عبّرت عنها التنظيمات المسلحة المُعادية للثورة. احدى الجماعات السياسية المُعادية للثورة (اللجنة الثورية القومية الهنغارية) بقيادة دوداس، نشرت في مجلة (الاستقلال الهنغاري) 25 نقطةً في 30 تشرين الأول، كانت تستند الى النقاط للثمانية التي بثتها اذاعة أوروبا الحُرة. كانت مطالبهم تحمل عنوان "نحن نرفض الاعتراف بالحكومة الحالية". كانت بعض النقاط الرئيسية:
"... 3- نطلب من مجلس الأمن التابع للأمم المُتحدة ارسال مواد ومعونة عسكرية اذا لزم الأمر للدفاع عن استقلال هنغاريا.
4- الشعب الهنغاري والمجلس الثوري القومي يُلغيان مُشاركة هنغاريا في معاهدة وارسو... يجب أن ينسحب الروس من الأراضي الهنغارية فوراً تحت راياتٍ بيضاء.
5- على هنغاريا أن تُعلِنَ حيادها.
6- نلتزم بوقف اطلاق النار، لكننا لا نُلقي أسلحتنا.
7- ان لدى المناضلين من أجل الحرية الحق في الدفاع عن الحرية التي تم تحصيلها في أي مكان وفي أي وقت وضد أي شخص...
11- يجب تشكيل حكومة مؤقتة جديدة
16- يُمكن انشاء أحزاب ديمقراطية في هنغاريا. يُمكنها البدء بنشاطها على الفور دون تدخل أي جهة...
19- حل مؤسسة مجلس أمن الدولة ÁVH."
استقبل رئيس الوزراء ايمري ناجي دوداس ووفد "مُقاتلي الحُرية" في 30 تشرين الأول. أفادت وكالة الأنباء الهنغارية أن "المُحادثات تجري في جوٍ مُلائم وسيقوم ايمري ناجي بتقديم مطالب لثوار الى مجلس الوزراء". تم ادراج المطالب التي قدمتها "الحكومة البديلة" التي تشكلت في 30 تشرين الأول في عدد 31 تشرين الأول من مجلة (الجبهة البيضاء الجديدة) új fehérvá. ومن أجل أن تبدو المطالب بحلة جديدة فقد تم تكثيفها في 14 نقطة. هذه بعض من أهمها:
"1- يجب على الحكومة، بعد انسحاب القوات السوفييتية في موعدٍ أقصاه كانون الثاني 1957، أن تُجري انتخابات عامة سرية بمشاركة عدة أحزاب...
11- يجب على المقاتلين من أجل الحرية أن يُشاركوا في الحكومة الجديدة...
12- يجب على الحكومة أن تُعلن حياد هنغاريا في الأمم المتحدة...
14- ما لم تُلبي الحكومة هذه المبادئ والمطالب الهامة، فلن نعترف بها حتى كهيئة مؤقتة...".
هذه الأمثلة تكفي لاظهار كيف تكثّف التدخل الخارجي، وقبل شيء الدور الذي لعبته اذاعة أوربا الحُرّة في هذا الصدد في المرحلة الثانية. تم تصعيد دور هذا النوع من الدعاية الى درجة هائلة، وهذا ينطبق على دور راديو أوروبا الحرة في الأجواء الشاذة التي كانت سائدة في هنغاريا في تشرين الأول عام 1956. عندما كان الناس يشعرون بأن حياتهم ومستقبل وطنهم على المحك فانهم يصبحون متعطشين للأخبار ويتطلعون الى تفسيراتٍ للموقف والأحداث. ليس فقط المعادون للثورة النشطاء هم الوحيدين الذين استمعوا الى اذاعات أوروبا الحرة. قامت اللجان المحلية المُضادة للثورة، لا سيما في قرى وبلدات منطقة ترانسدانوبيا transdanubia بتركيب مُكبرات للصوت في الساعات الرئيسية العامة لنقل بث اذاعة أوروبا الحرة. كان هذا هو الحال على سبيل المثال في لينتي حيث تم تضخيم صوت أخبار راديو أوروبا الحرة بواسطة مكبرات الصوت. في فاربالوتا، وهي مدينة تعدينية في ترانسدانوبيا، نقل السجناء المُفرج عنهم راديو أوروبا الحُرّة على مراحل من الاستوديو المحلي. ووقع حدث مميز في مدينة فاتس Vác حيث أرسل "العُمدة" المُعادي للثورة تعليماتٍ كتابية في 30 تشرين الأول الى رئيس مكتب البريد المحلي "لادراج راديو أوروبا الحرة في خدمة الأخبار الاذاعية". كما استعارت "المحطات الاذاعية الحُرّة" التي ظهرت في عدة أماكن خلال الثورة المضادة في (غيور وميشكولز وغيرها) برامج من اذاعة أوروبا الحرة وبثت نشراتٍ اخبارية وبرامج تبعت الخط الذي حدده "المصدر الرئيسي" للمعلومات. حتى أن المحطة الاذاعية في ميشكولز أعلنت في 30 تشرين الأول أنها على اتصالٍ مُباشرٍ باذاعة أوروبا الحرة. بطبيعة الحال، كانت اذاعة أوروبا الحرة سعيدةً للغاية ببث وتضخيم بث هذه "المحطات الاذاعية الحُرة" التي يتوافق خطها وتحريضها المُعادي للسوفييت مع أهدافها الخاصة تماماً. تم استخدام جميع الامكانات التقنية التي كانت تحت تصرف راديو أوروبا الحرة لتضخيم بث هذه المحطات المحلية. وفي أوائل تشرين الثاني تم انشاء محطات رصد وتضخيم جديدة بالقرب من الحدود الغربية لهنغاريا.
في 31 تشرين الأول، رأى راديو أوروبا الحرة أن المُعادين للثورة يتقدمون على الطريق الصحيح من أجل تحقيق النصر في نهاية المطاف. بناءاً على تحليله للوضع، تم ارسال الرسالة التالية الى نيويورك: "... يبدو أنه من المُمكن اعادة الديمقراطية المُتعددة الأحزاب الى هنغاريا، وأن هنغاريا قد تكون قادرة على اتخذا الوضع المُحايد على النمط النمساوي"(80).
كانت "الديمقراطية" و"الحياد" البرجوازيتين هما الدعوتان الأكثر تحشيداً والتب أمِلَت كل القوى الرجعية من خلالهما تحقيق أهدافهما. أثبتت الثورة المضادة أنها قادرة تماماً على مُمارسة ديمقراطيتها الحقيقية، المُتمثلة في الارهاب الأبيض.

و- المحاولات لتصفية سلطة العُمال
أظهرت العصابات المسلحة المضادة للثورة ايضاً هدفها البرنامجي الخاص: في 30 تشرين الأول، تحت غطاء وقف اطلاق النار وبعد انسحاب القوات السوفييتية من بودابست بمهاجمة مقر لجنة الحزب في بودابست.
شاركت جميع العصابات المسلحة في هجوم عسكري جيد التخطيط والتنسيق. قاموا بتطويق المبنى وفتحوا النار باشارة مُعدة مسبقاً. قاوم الحراس المناوبون وعمال المبنى داخل المقر عدة ساعات. وفي الوقت نفسه، أرسلوا عدة نداءات بطلب المساعدة الى مختلف السلطات، حتى الى ايمري ناجي نفسه. تم اخبار الأنصار السابقين المُعادين للفاشية الذين كانوا على اسىتعداد للذهاب لمساعدة المدافعين عن المبنى أن الوحدات العسكرية كانت في الموقع بالفعل. وقيل للجنود أنه تم ارسال وحدات من من الميليشيا ذهبت للمساعدة. وقيل للميليشيا أن الأنصار السابقين كانوا في طريقهم الى مقر الحزب. تم اقناع كل المستعدين للذهاب لمساعدة مقر الحزب أن وجودهم لن يؤدي الا الى ارباك المدافعين واعاقتهم. في هذه الأثناء، دخل المعادين للثورة الى المبنى وبدأوا بسفك الدماء بلا رحمة. أُصيب أثناء الحصار ايمري ميزو أمين لجنة حزب بودابست المُخضرم في العديد من الصراعات الطبقية والمعارك، بجروحٍ قاتلة بينما كان على وشك انهاء الدفاع اليائس من أجل انقاذ مجموعة من المدافعين.
قدّمت الصحافة المُعادية للثورة تبريراً للهجوم يقول بأن مقر حزب بودابست كان آخر معاقل قوات مجلس أمن الدولة ÁVH، وأن "المقاتلين من أجل الحرية" قد تعرضوا للاستفزاز. ومن الأدلة على التأثير التراكمي للدعاية عديمة الضمير أن حشوداً من المتفرجين كانت تُشاهد آلات الحفر تمزق الميدان بحثاً عن ممرات سرية تحت المبنى. نشرت الصحف كذبةً عن وجود "أنفاق سرية" حيث تم احتجاز الأسرى الوطنيين وبأن عناصر من قوات مجلس أمن الدولة كانوا يختبئون هناك. وغنيٌ عن القول أنه لم يتم العثور على أي شيء. لم تكن هناك ممرات سرية. لكن استمرت حملة الأكاذيب بغض النظر عن اي نتيجة.
في الواقع، كانت حراسة المقر مؤلفة من فصيل من المُجندين الشباب تحت امرة ملازمين من قوات أمن الدولة. وكان في المبنى أيضاً 30-40 مدنياً من العاملين في الحزب. حارب المجندين الذين تراوحت أعمارهم من 21-23 عاماً، والذين كانوا ينتمون الى الطبقة العاملة والفلاحين بشكلٍ بطولي دفاعاً عن المبنى، ولم يستفزوا أحداً قبل شن الهجوم(81).
كان أحد الأسباب الحقيقية للهجوم هو الهدف المتمثل في تدمير هذا المكان الذي يُعد مركزاً يعمل على تنظيم مقاومة العمال للثورة المضادة. في مساء يوم 29 تشرين الأول قام يانوش كادار بزيارة ايمري ميزو في مقر حزب بودابست. ناقش الرفاق الوضع الذي جعل من الضروري تنظيم مركز ثوري جديد وتشكيل وحدات من العمال المسلحين. في الوقت نفسه، بدأ سبعة من ضباط جيش الشعب، بتوجيه شخصي من ايمري ميزو في تنظيم تسليح العمال(82).
كان الهدف الآخر الأكثر أهميةً لهذا الهجوم هو توجيه ضربة قاضية للحزب وترهيب الثوى الموالية للاشتراكية. كان اعداء الثورة ينوون اظهار أنهم لن يلتزموا بوقف اطلاق النار حتى يُزيلوا جميع قواعد الحزب الداعمة. وفي اليوم نفسه، اقتحمت عصابات مسلحة مباني الميليشيا والحزب في منطقة بودابست العاشرة لأن أفرادها تمكنوا من الحفاظ على النظام في المنطقة. كانت هجمات 30 تشرين الأول اشارة لشن هجوم واسع ضد التقدميين وبدء مُلاحقة الشيوعيين.
في غضون ذلك، صدرت مئات من "دعوات الحرية" من قِبَل لجان "ثورية" مختلفة وانتشر الارهاب في الشوارع. استمرت حملة الدعاية المُضللة، وصبت الصحافة والاذاعة سيلاً من التقارير العاطفية والمقالات والأخبار حول الثورة والحرية والديمقراطية. أثار احد تقارير "جمعية المُحلقين" المُنشأة حديثاً الذي بث عزماً حماسياً لأعضائها بأنهم يريدون أن يُحلقوا في "بلد حر على أجنحة حُرة في أجواءٍ حُرة"، أثار أجواءاً عاطفية ولا بد أنه قد جلب "دموع الفخر" الى أعين قراءه. روجت لجان لا تُعد ولا تُحصى لـ"الصحافة الحرة" و"الديمقراطية الحرة" و"الكنيسة الحرة و"الحرية الحرة" وما شابه. وبالطبع، بدأ اضطهاد وملاحقة الأشخاص الموالين للاشتراكية تحت غطاء هذه العبارات التي تبدو نبيلةً من الخارج. تم اعتقال المئات من المسؤولين المُنتخبين من ضباط الجيش والشيوعيين في القرى والبلدات. في بلدة كوبوشفار تم اعتقال 64 شخصاً من بينهم 13 ضابطاً من جيش الشعب في 31 تشرين الأول. تم احتجاز 3000 شخص في جميع انحاء البلاد، وكان هناك 10000 اسم في قوائم الموت المُختلفة التي جمعتها الثورة المضادة. وكان من بين الشهود على الفظائع التي أعقبت ذلك مندوبو نقابات العمال النمساوية والألمانية الذين وصلوا الى بودابست في 31 تشرين الأول. ورغم تعاطفهم مع المُعادين للثورة الا أنهم سجلوا هذا المشهد. "كان هناك مجموعة متحمسة وغير متماسكة تُشير ملامحها الى أنها تعتزم قتل شخصٍ وقع بين أيديهم. في غضون دقائق، كان الخصم الذي أسروه يتأرجح مشنوقاً من حبلٍ تم ربطه على جذع شجرة، في نسيم الخريف البارد"(83).
حتى الصحافة المُعادية للثورة اعترفت بحقيقة الارهاب الأبيض. كتب عدد 30 تشرين الأول من صحيفة (الحرية الهنغارية): "... هناك تقارير على المكتب أمامنا، لكننا بالكاد نجرؤ على تصديق أعيننا. يوجد هنا أدلة موثوقة على التخريب والذبح". كتبت نفس الصحيفة في 1 تشرين الثاني: "حاولت عناصر غير مسؤولة في عدة قُرى من منطقة تشونغراد csongrád اشعال النار في المباني...". كتب عدد 2 تشرين الثاني من (صحيفة كيزتهيلي) keszthelyi újság "يتعرض الناس للاعتداء في الشوارع". ومع ذلك فان هذه الصحف لم تكن تحتج على الارهاب الأبيض في حد ذاته. كانوا يُدافعون عن ضرورة الباس رداء الشرعية لكل ما يجري. كتبت صحيفة "هنغاريا الجديدة" بشكلٍ مُطمئن في 2 تشرين الثاني: "بدأت قواتنا بعملية التطهير تحت سيطرة لجنة القوات الخاصة الثورية".
كما بدأت "عملية التطهير" في المصانع والمؤسسات. تم طرد اولئك الذين لم يتعاطفوا مع الثورة المضادة واللجنة المذكورة أخيراً. تم منع مئات الأشخاص الشرفاء من دخول أماكن عملهم. ولكن كان هناك اجراءات أكثر تعقيداً. حيث طُلِب من العمال الذين تُسيطر هذه اللجنة على مصانعهم من تقديم "الاستقالة". وسُرعان ما استُكمِلَت التهديدات المُسلحة والجسدية بترهيب الضمير والوجود المادي.
تركزت الجهود الرئيسية لقادة الثورة المضادة الآن على السيطرة على جيش الشعب الهنغاري واعادة تنظيمه. في وحدات الجيش، تم تشكيل مجالس الجنود في 30 و31 تشرين الأول، وكان الغالبية العُظمى من أعضاءها تحت سيطرة الضباط القُدامى ذوي التوجهات الرجعية والمتنفعين والمتلونين. وفي الوقت نفسه، تم القاء القبض على قادة بارزين في الدفاع عن سلطة العمال، وفصل آخرين بعد اخطارهم بفترة قصيرة.
كان الهدف الأساسي للضباط الذين انحازوا الى جانب الثورة المضادة هو انشاء مركز لتولي مسؤولية اعادة التنظيم المُعادي للثورة لجيش الشعب. وقد أوضح الخطاب الرجعي للجنرال بيلا كيرالي Béla Király الذي حاول تنظيم جيش الشعب بطريقة تخدم الثورة المضادة، هذا الهدف: "في المرحلة الثانية من الثورة، كان لا بد من تغيير القوات المسلحة لتصبح جهازاً موالياً لحكومة ايمري ناجي. أخيراً، كان لا بد من تنظيم مؤسسات الثورة الدفاعية الجديدة"(84).
تشكلت احدى المؤسسات الدفاعية الجديدة للثورة المضادة، وهي اللجنة التحضيرية للقوات المسلحة الثورة، في الساعات الأولى من يوم 30 تشرين الأول. وأفاد راديو كوشوت بودابست أن رئيس الوزراء ايمري ناجي قد أقر بتشكيلها وأكد عملها في نفس اليوم. داخل الجيش، تم تأسيس "لجنة الدفاع الثورية لجمهورية هنغاريا" بقيادة بيلا كيرالي وبال ماليتر في 31 تشرين الأول. ونتيجةً لذلك، صار المتآمرين المتورطين في الثورة المضادة، وبقايا نظام هورثي الرجعي والخونة والمجرمين هم القادة الرسميين للقوات المُسلحة. بناءاً على أوامر صارة عن بيلا كيرالي وبال ماليتر، تم نقل عشرات الآلاف من الأسلحة (معظمها رشاشات خفيفة وقنابل يدوية) من ترسانات الجيش وثكناته الى قواعد العصابات.
كما بدأ التحوّل في ادارة الدولة من أجل ضمان تأثير الثورة المضادة. تم تدمير المجالس المحلية عملياً في كل مكان بحلول 30 تشرين الأول، وقتل العديد من رؤسائها. وافق ايمري ناجي على دمج المجالس واللجان المضادة للثورة في تشكيل السلطة كما صرّح في خطابه الاذاعي في 30 تشرين الأول: "... تعترف الحكومة بجميع السلطات المحلية الديمقراطية المستقلة التي أنشأتها الثورة. نحن نعتمد عليها ونطلب دعمها".
خاضعاً للضغط المستمر والمطالب المُلحة للقوى المُضادة للثورة، شرع ايمري ناجي في اعادة تشكيل حكومته بشكلٍ تدريجي والقضاء على ما تبقى من سلطة العمال في المركز.
هذه هي الطريقة التي يصف بها كاتب سيرته موقفه في ذلك الوقت: "لقد خاض النضال ليس من أجل ما يُسمى بـ"الحرية الاشتراكية"، ولكن ببساطة من أجل الحرية بالمعنى التقليدي للكلمة، أو بالمعنى الديمقراطي البرجوازي للكلمة"(85). وعليه، أعلن في 30 تشرين الأول أن "مجلس الوزراء يُلغي نظام الحزب الواحد ويضع حكومة البلاد على أساس التعاون الديمقراطي بين ائتلاف أحزاب كما كان في عام 1945". كان ايمري ناجي، عندما تم اصدار هذا الاعلان، قادراً على الحديث حول حل حزب الشعب العامل الهنغاري. صوّت أتباع ايمري ناجي بالأغلبية على قرار حل الحزب، وشكلوا لجنة السبعة التي أقاموها لتنظم الحزب الاشتراكي الهنغاري.
أنشأ ايمري ناجي نفسه مجلس وزراء أصغر، داخل الحكومة كخطوة أولى، وبعد ذلك أعفى الوزراء الشيوعيين من مناصبهم. في 2 و3 تشرين الثاني أعاد تشكيل حكومته مرةً أُخرى. يُرضي هذا التحالف الجديد الذي يقوده ناجي، الى حدٍ كبير مطالب الثوار المسلحين. أصبح بال ماليتر وزير الدفاع. وشملت قائمة الوزراء التي أرادها ناجي يانوش كادار. لكنه لم يكن في بودابست. لقد انفصل كادار عن مجموعة الخونة بقيادة ناجي. كان ناجي على علمٍ بهذه الحقيقة لانه أرسل في 2 و 3 تشرين الثاني الى الرفيق كادار، الذي كانت زوجته وواحد أو اثنين من مساعديه مُحتجزين في مبنى البرلمان. عندما أدرجَ ناجي كادار في حكومته، كان يُريد استغلال اسم الرفيق كادار في محاولة لتضليل الشيوعيين والعمال.
لا تتحدد ضرورة وشروط وجود الأحزاب السياسية بنوعٍ من "الطبيعة الانسانية العامة" بل من خلال ظروف تاريخية مُحددة وعلاقات القوة الطبقية. يُمكن بناء الاشتراكية من خلال نظام الحزب الواحد أو النظام متعدد الأحزاب تحت قيادة حزب قائم على الماركسية اللينينية,. هذا هو السبب في أنه من الضروري فحص الظروف الفعلية في كل حالة من أجل التمكن من فهم دور الأحزاب.
كان التخفيض التدريجي الذي تلاه القضاء النهائي على الأحزاب الديمقراطية التي قَبِلَت ببرنامج البناء الاشتر اكي في عام 1949 خطوةً خاطئة. كان من الممكن لهذه الأحزاب، تحت قيادة حزب الطبقة العاملة، أن تلعب دوراً مهماً في تثقيف وتعبئة الشرائح الاجتماعية المُختلفة في بناء الاشتراكية. كان لتيار الجبهة الوطنية الشعبية الذي حل محل الأحزاب المتوعة عيوب كثيرة. وبالتالي، لم يستطع أن يسد الثغرات التي خلفها حل الأحزاب الأُخرى. لم يكن يُمكن حل التوترات التي نشأت حتى بعد أن وجد قادة هذه الأحزاب السابقون الذين قَبِلوا بصدق برنامج البناء الاشتراكي مكانهم في مجالاتٍ مختلفة من الحياة الاجتماعية والسياسية.
كانت اعادة انشاء الأحزاب تسير على قدمٍ وساق تحت راية الرجعية. بدأ قادة الأحزاب السابقون المُعارضون للاشتراكية في تنظيم أحزابهم الجديدة القديمة. أدرجت أجهزة الامبريالية العالمية مطلب نظام التعددية الحزبية في برنامج "التحرير". في 15 أيار عام 1956 صاغت اذاعة أوروبا الحرة الشعار التالي: "دع الأحزاب الديمقراطية تعمل"!". وقد دأبت على التشهير بالتجمّع الوطني والديمقراطية الشعبية. كانت رسالة برامجها أنه طالما لم يكن هناك "معارضة ولا أحزاب" لا يُمكن أن تكون هناك ديمقراطية في هنغاريا. شهدت الأيام الأولى من شهر تشرين الثاني نمواً للأحزاب من جميع الأنواع كما نمو الفطر. نشأ سبعين حزباً بين عشيةٍ وضحاها. في الوقت نفسه، تم شن الهجوم المُضاد للثورة على سلطة العمال وتم اطلاق العنان للارهاب الأبيض ضد التقدميين والشيوعيين. كانت هذه الديكتاتورية البرجوازية بحاجة الى ائتلاف من الأحزاب السابقة لتعمل كغطاء "ديمقراطي" داعم لها.
تم اطلاق العنان لاعادة تنظم الأحزاب الائتلافية السابقة، مثل الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب أصحاب الحيازات الصغيرة المستقل، وحزب الفلاحين القومي، من قِبَل أشخاص كانوا غير مُهادنين لسلطة الطبقة العاملة في وقتٍ سابق وكانوا يُعارضون بناء الاشتراكية. بدأت الخلافات تسري بينهم في وقتٍ مُبكرٍ خلال فترة اعادة تأسيس هذه الأحزاب، حول تقسيم الغنائم وحول البرنامج الذي يجب تنفيذه. كان اولئك الذين يفضلون استعادة الرأسمالية ذوي تأثيرٍ مُتزايد ويمارسون نفوذاً كبيراً.
وَصَفَ يانوش تشوربا Janos Csorbaأحد قادة حزب أصحاب الحيازات الصغيرة برنامج الحزب في صحيفة (الحقيقة) في عددها الصادر في 1 تشرين الثاني: "يُريد حزب أصحاب الحيازات الصغيرة حكومةً ائتلافيةً جديدةً على أساس النِسَب الحزبية العائدة لعام 1945. نُريد دستوراً هنغارياً جديداً ونريد أن نُلغي المجلس الرئاسي، ونريد جمهوريةً بدلاً من جمهورية شعبية". كما صاغ قادة الأحزاب الأُخرى أهدافهم بصراحة تامة. ووفقاً لتعميم صادر عن قيادة فرع مقاطعة غيرو سوبرون التابع لحزب أصحاب الحيازات الصغيرة في 31 تشرين الأول فان الحزب "يستند الى أسلوب الحياة البرجوازية وعلى مبدأ المُلكية الخاصة غير المشروطة". وجاء في التعميم "أنه يدعم المؤسسات الخاصة والاقتصاد الخاص غير المشروط" هذا هو بالضبط ما يقصدونه بـ"النِسَب الحزبية" لعام 1945 و"الجمهورية".
أعلن جوزيف باستور Josef Pásztorالقيادي الاشتراكي الديمقراطي: "... الحزب الاشتراكي الديمقراطي ليس مجرّد حزب للناس العاديين ولكنه مفتوح لأي شخص مستعد لقبول برنامجه. ان هذا الحزب يقبل المُلكية الخاصة لوسائل الانتاج". ورَد هذا التصريح في مجلة Szabolcs-Szatmár Népe في 2 تشرين الثاني.
ظَهَرَ الأشخاص الشرفاء أيضاً، الذين يُريدون الدفاع عن المُنجزات الاشتراكية في الأحزاب هذه. لكن تم اسكاتهم وعزلهم في نهاية المطاف في هذا الطوفان الرجعي الجارف.
لقد تشكلت بأعداد كبيرة الأحزاب التي تُفضل الاستعادة العلنية للرأسمالية والتي أعلنت سياستها الرجعية وشَرَعت في الصراع من أجل السلطة. في 31 تشرين الأول تم الاعلان عن تشكيل الكُتلة القومية للاحزبيين. وتضمنت مطالبها: "يجب فرض مُراقبة بوليسية على الأنصار السابقين المُعادين للفاشية... يجب منع الحزب الشيوعي والنقابات العمالية في المصانع". تم الاعلان عن عبارة: "أفكارنا تُمثّل أفكاراً برجوازية" في محضر الاجتماع التأسيسي لحزب الاستقلال الهنغاري بقيادة بايفر. فيما يلي نُقطتان جديرتان بالملاحظة من برنامج الحزب: "4- حُرمة المُلكية الخاصة... 6- تطبيق الديمقراطية البرجوازية الأبدية". تضمنت الأحزاب التي تشكلت حديثاً الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب المسيحي الهنغاري وحزب الشعب الكاثوليكي وحزب الشباب الثوري الهنغاري. كان هناك عدد غير قليل من الأحزاب الكاثوليكية. تم نشر معلومة مُثيرة للاهتمام في الصحافة في 1 تشرين الثاني: "ستعقد القيادة المؤقتة للجبهة المسيحية، بعد عشر سنوات من نشاطها السري، اجتماعها الأول بعد ظهر يوم الجمعة. تم انشاء الجبهة المسيحية بهدف توحيد جميع التجمعات والأحزاب السياسية المسيحية". كانت هذه هي نفس المنظمة التي ناقشناها سابقاً فيما يتعلق بحركة الشباب غير الشرعية التي يقودها رُهبان وقساوسة سابقون.
في المرحلة الثانية من الثورة المضادة، كان الكاردينال المسيحي جوزيف ميدزينتي József Mindszenty هو المركز الذي احتشدت حوله القُوى الأكثر رجعيةً. لقد حَمَل آمال جميع قُوى استعادة الرأسمالية الداخلية والخارجية وكان رمزاً لهم، وكان سعيداً جداً للعب هذا الدور. عندما أُطلِقَ سراحه من الاقامة الجبرية في 30 تشرين الأول، أدلى بالتصريح التالي: "سأستمر من النقطة التي أُجبِرتُ على التوقف عندها قبل ثامني سنوات". كان في ذلك الوقت الزعيم الفكري وحامل الراية السياسية لجميع القوى الرجعية المتطرفة والأعداء اللدودين للتقدم الاجتماعي والاشتراكية.
لم يكن تمجيد الكاردينال ميدزينتي غائباً عن الدعاية الامبريالية ولو ليومٍ واحد. عُقِدَت الاجتماعاتـ، ونُظمَت المواكب وجُمِعَت الأموال لأغراض "التحرير" باسمه. اعتباراً من صيف عام 1956، تم اجراء محاولات متكررة وبكثافة متزايدة لاقناع الناس أن "ميدزينتي هو القائد الفكري والمثل الأعلى للأمة بأكملها". بعد نشر برنامج الحزب لشهر تموز، قالت اذاعة روما في 24 تموز: "بعد سقوط راكوشي، لم يعني غيرو أكثر من مجرد مرحلة مؤقتة... المستقبل ليس مع هؤلاء الأشخاص، بل مع الأمير الرئيس ميدزينتي الذي كان مُعادياً للشيوعية باستمرار". في 5 أيلول طالبت اذاعة أوروبا الحرة بـ"اعادة الاعتبار للكاردينال ميدزينتي السجين السياسي البريء". في تلك الفترة كان اسمه يتردد كل يوم حتى تكون الرجعية الداخلية على علمٍ به باستمرار.
لذلك كان من الواضح تماماً أنه في صباح الأول من تشرين الثاني وافق الاجتماع الذي عقده الرئيس ايزنهاور على تقرير قدمه الين دالاس: "المُشكلة في هنغاريا هي أن المتمردين يفتقرون الى زعيمٍ قوي وموثوق! ايمري ناجي فاشل والمتمردون يُطالبون باستقالته. يُمكن أن يكون الكاردينال ميدزينتي هذا القائد اذا دعمته الحماسة الرومية الكاثوليكية للشعب الهنغاري. تتحدث الصحف هذا الصباح عن اطلاق سراحه من الاقامة الجبرية وعودته الى بودابست"(86). هذا ما استذكره الرئيس الأمريكي من الاجتماع في مُذكراته وبذلك تمت الموافقة أيضاً على المرحلة الثانية من الثورة المضادة من قِبَل أعلى مستويات الادارة في الولايات المتحدة.
شرعت اذاعة أوروبا الحرة على الفور في تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع الأمريكي الكبير. استقبل هذا الكاردينال، بعد الافراج عنه، وفداً من أربعة أعضاء من القسم "الهنغاري" في لجنة راديو أوروبا الحرة، والذي ضم بالينت زوبي bálint czupi والبارون أنتال رادفانسكي Antal Radvánszky ولايوش هايدو-نيميت Lajos Hajdu-Németh وأرباد باكاشاني Arpad Baksanyi والذين ناقشوا معه تنظيم حركة روم كاثوليك. توافق هذا، بالمناسبة، مع المتطلبات الأمريكية ايضاً منذ يوم وصولها من واشنطن. لقد أرادوا جعله رئيس وزراء هنغاريا في محاولة لبدء بناء دولة يستعيد فيها كبار مُلّاك الأراضي والكنيسة ممتلكاتهم وامتيازاتهم. كان هذا هو الهدف السياسي الكاثوليكي لاذاعة أوروبا الحرة(87).
كانت الرسالة مفهومة في هنغاريا. وفقاً لتقرير صادر عن صحيفة (الحقيقة) في صباح يوم 31 تشرين الأول "انعقد الاجتماع الأول لحزب الثوار الهنغاريين في منطقة راكوزي rákóczi tér وكان المتحدث الرئيسي هو استفان ايليس István Illés الذي دعا الى تشكيل حكومة بقيادة جوزيف ميدزينتي". توجه المُشاركون بعد الاجتماع الى ساحة البرلمان للتظاهر دعماً لمطالبهم بـ"حكومة يرأسها ميدزينتي". أصبح سكن هذا الكاهن في بودابست مقراً رئيسياً. التقى السياسيون الرجعيون هناك. أجرى ميدزينتي مناقشاتٍ مع ممثلي الحكومة، وأجرى مُحادثاتٍ هاتفية مع أشخاصٍ من الخارج وأجرى مُكالمتين هاتفيتين الى واشنطن. كان كل من يرتبط معه يذهبون الى نقر اقامته بأعداد كبيرة. وكان من بينهم مُمثلون عن مُنظمات الصليب الأحمر السويسرية والألمانية الغربية وجاء الأمير روبرت لوفينشتاين Prince Rupert Loewenstein. كما أرسل الفاتيكان ممثليه: "وَصَلَ الأسقف المونسينيور جين رودين Monseigneur Jean Charles François Rodhain مبعوث الكرسي البابوي الى العاصمة حيث أجرى مُحادثاتٍ مع الكاردينال ميدزينتي الذي أَطلَقَت حكومة ايمري ناجي سراحه للتو من الاقامة الجبرية . بعد أن تم اطلاع المونسينيور على الوضع، قام الأخير بتسليم المبلغ الذي أرسله البابا للكاثوليك الهنغاريين الى الكاردينال ثم عاد الى الفاتيكان حاملاً وثائق سرية ذات قيمة من بودابست. بعد فترةٍ وجيزة قام المونسينيور زاغون رئيس المعهد البابوي الهنغاري، برحلةٍ مُماثلة"(88). بعد سلسلة من المُحادثات التي أُجريت مع مجموعة متنوعة من الناس، عَرَضَ ميدزينتي برنامجه لاستعادة الرأسمالية في خطاب اذاعي مساء يوم 3 تشرين الثاني.

ز- حقيقة مسألة "هنغاريا المُحايدة"
بعد حل الحزب، انسحب القادة الشيوعيين لتنظيم مركزٍ جديد. كان عليهم أن يُفكروا في كيفية التصرف عندما كان كل السلاح في ايدي الرجعية التي أرهبت القوى الاشتراكية. ان وسائل الدعاية والاعلام والاديو والصحافة وما الى ذلك خدمت أغراض الانتفاضة. أغرق طوفان من التصريحات والبث وغيرها أي رأيٍ آخر. انجرف الناس، وخاصةً الشباب، الى عاصفة الرومانسية الثورية مما جعلهم غير قادرين على تحديد القوى الفعلية الكامنة وراء الأحداث. تألّف الواقع بالنسبة لهم من أصوات السلاح وأجواء سفك الدماء في أعقاب "حكم الشعب"، ورفع الأعلام الوطنية واثارة المظاهرات ومشاعر الترنيم المتكرر للنشيد الوطني. ساهمت سلسلة المناشدات وقوائم المطالب والنشاطات التنظيمية الحاشدة وتشكيل الأحزاب السياسية واطلاق العنان للتصريحات، كل هذا ساهم في خلق أوهام حول الحرية.
تكمن جريمة الكُتّاب والصحفيين الذين اعتبروا أنفسهم شيوعيين وطنيين في حقيقة أنهم في هذا الوقت من الخطر الحقيقي المُتمثل في استعادة الرأسمالية قاموا بتوفير الأسس الايديولوجية للدعاية المضللة. من هؤلاء الكُتّاب جاء شعار "نحن شعبٌ صغير، لكننا نُكافح من أجل عالمٍ واحد". كان هذا يُمثل ادعاءاً زائفاً وبطولة قومية زائفة وروج هذا الشعار لفكرة أن سياسة الطريق الوسط المُحايدة ممكنة على أرض الواقع. نشر أعضاء المجموعة بقيادة ايمري ناجي صحيفتين في تلك الأيام (الحقيقة) و(الحرية المجرية). كانت هاتان الصحيفتين اليوميتين، في 30 تشرين الأول، هما اللتان عرضتا الخطاب الرسمي لحملة التحريض التي أعقبت ذلك. يُمكن تلخيص رسائلها الواضحة في بضعة أسطر: حتى الآن كان كل شيء كذبة كبيرة ولا يُمكن الوصول الى هنغاريا ديمقراطية الا اذا غادرت القوات السوفييتية البلاد، والا اذا تم القضاء على كل عنصر من الحياة العامة تم تطويره في السنوات الأخيرة. في الوقت نفسه، غرقت كلتا الصحيفتين في التمجيد القومي للذات وهذا ما فعلته الصحف الأُخرى. أكدت عناوين الصحف الرئيسية شعارات من مثل "نحن نصنع تاريخ العالم"، و"نحن شعبٌ صغير، ليس أكثر من قطرة من مُحيط شعوب العالم الأُخرى الشاسعة، ولكننا أمةٌ عظيمة وبطولية تنحني لها جميع الشعوب الحرة وتقدم لها الاحترام". في الأيام الأولى من شهر تشرين الثاني بلغ هذا التمجيد ذروته وأعادت الصحف نشر المدائح التي توجهت لهنغاريا والتي ملأت العالم الرأسمالي الغربي. في 1 تشرين الثاني كانت صحيفة (الاستقلال الهنغاري) مُتحمسةً للغاية: "لقد تمت الاشادة بنا عبر الهواء من خلال أجهزة الراديو في جميع الدول الحرة". في نفس اليوم أفادت صحيفة أُخرى أن دبلوماسي بريطاني أخبر مراسليها في مقر المفوضية البريطانية أنه لم يسمع قط في حياته بمثل هذه الثورة الرائعة. وحذرهم الدبلوماسي من ضرورة ضمان عدم حرمان هنغاريا من ثمار هذه البطولة الرائعة.
أعلن اصدقاء ايمري ناجي الآن صراحةً عن خطط السياسة الخارجية التي كان قد وضعها في وقتٍ سابق. في 30 تشرين الأول كتبت صحيفة Magyar Szabadag: "هنغاريا بلد صغير، انها بحاجة الى كل صديق... انها بحاجة الى كل دعم". في نفس اليوم توجهت صحيفة (الحقيقة) igazság التي أُطلِقَت حديثاً الى الغرب: :"نحن نناشدكم ايتها الأمم الكبيرة والصغيرة. من جانبنا، نحن على استعداد لفعل كل شيء، ساعدونا!". وقال ايمري ناجي مُخاطباً حشداً نتجمّعَ أمام البرلمان في 31 تشرين الأول، أن هنغاريا تريد "الغاء الالتزام الذي فرضته علينا معاهدة وارسو". في اليوم التالي، في تعليق تحريري على هذا العنوان، يقول: "هنغاريا المستقلة يجب أن تكون مُحايدة!". وقالت صحيفة Magyar Szabadag أن على هنغاريا أن تلعب دور "الجسر بين الشرق والغرب". تكررت الفكرة الافتتاحية على النحو التالي: "الشعب الصغير يحتاج الى أصدقاء كُثُر".
أعلن ايمري ناجي في خطابٍ اذاعي، في 1 تشرين الثاني، دون اذنٍ من أي هيئةٍ دستورية أو مشاوراتٍ سابقة "حياد هنغاريا"، واختتم خطابه بقوله: "عاشت هنغاريا الحرة المستقلة والديمقراطية المحايدة!". لقد أسقطَ الاشتراكية من مفرداته السياسية بطبيعة الحال. والآن بعد أن وقفت الدولة تحت قيادته أما أبواب الغرب، فانها سعت الى الاعتراف بـ"الحياد" المُعادي للسوفييت، حيث كان ذكر الاشتراكية غير مقبول بتاتاً لمن يتوسل اليهم.
دعونا الآن ندرس ما كان يعنيه الحياد في الواقع في الوضع العالمي المُعطى لعام 1956. كان ذلك الحياد يعني أولاً، وقبل كل شيء، انسحاقاُ تدريجياً في النظام الرأسمالي العالمي وأن تصبح هنغاريا دولةً طرفيةً فيه تحت عباءة "الازدهار الاقتصادي المُحايد". في هذا المجال، من الطبيعي أنه تم اتخاذ الخطوات الأولية فقط. لكن رسمت وسائل الاعلام المُعادية، على الجبهة الدعائية، تبايناً بين حاضرٍ اقتصاديٍ قاتم مزعوم ورؤية مُستقبلية مُشرقة: "هنغاريا المُحايدة يُمكنها أن تصبح واحدةً من أغنى دول أوروبا". كانت صحيفة يومية سياسية "مُستقلة" أُخرى، وهي صحيفة (العالم الهنغاري) مُستعدةً لوصف النجاح الاقتصادي: "على هنغاريا أن تُحطّم الستار الحديدي"، و"سوف تجلب العلاقات الاقتصادية مع الغرب فوائد عظيمة". اعتمد مكتب الاشتراكية الدولية في اجتماع فيينا قراراً بانشاء منظمة دولية يُمكن أن تُساعد في تحقيق هذا البرنامج الاقتصادي. في 3 تشرين الثاني نقلت صحيفة (صوت الشعب) التابعة للحزب الاشتراكي الديمقراطي القرار بحماس: "يجب جعل اعادة بناء اقتصاد هنغاريا مُمكناً في أقرب وقت. سيكون من المناسب لو اتخذت منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي التي تعمل بنجاح منذ سنوات، تدابير لتعزيز الانتعاش الاقتصادي لهنغاريا دون تأخير". ولجعل هذا النوع من الأمور مقبولاً، أضافت الصحافة تقارير تُفيد بأن الرئيس ايزنهاور عَرَضَ على هنغاريا 20 مليون دولار كمساعدة، وأن ألمانيا الغربية ستتبرع بمليون مارك ألماني، وأن نداءات جمع الأموال في الغرب ستجلب مساعداتٍ كبيرة لهنغاريا. وظهرت عناوين أُخرى مثل "قلوب العالم تنبض من أجلنا" أو "النساء الهنغاريات ليس لديهن سبب للخوف من الشتاء" حملت نفس الرسالة. مما لا شك فيه أن ديماغوجية الرفاهية والازدهار هذه كانت فعالةً بين قطاعات كبيرة من الجماهير.
عدا عن عودة الرأسمالية في هنغاريا، كان الحياد، في ظل الوضع الدولي المُعطى يعني أن هنغاريا "المُحايدة" ستواجه الدول الاشتراكية المُجاورة كونها بؤرة عدوانية تُشكل تهديداً مُحتملاً لعملها الاشتراكي السلمي، وتهديداً للشعب الهنغاري نفسه كذلك. كان رأي المُهاجرين المؤيدين لايمري ناجي مُنقسماً حول قضية الحياد. صاغ ميراي أحد الآراء كالتالي: "... كان من المستحيل انكار أن الفاشية لها جذور في هنغاريا". اشار ميراي الى أن هنغاريا كانت احدى الدول التي مهّدت للفاشية، وخَلُصَ الى أن التيارات القومية المتطرفة كانت ستظهر بالتأكيد"(89). من المعروف بالطبع أن القومية الهنغارية كانت دائماً موجهة ضد الشعوب المجاورة وأنها اتخذت، منذ عام 1917 سمات خبيثة مُعادية للسوفييت أيضاً.
خرجت مجموعة أُخرى بقوة ضد رأي موراي وأنكرت بشكلٍ قاطع وجود الخصائص والميول القومية الرجعية في هنغاريا. اعتقدت هذه المجموعة أن الأحداث الجارية كانت تعبيراً عن الأممية "التي وجدت تعبيرها في مطلبين أساسيين، وكلاهما كان له تأثير قوي: كان أحدهما ادراك الشعب الهنغاري كونه جزء من أوروبا، والآخر الدعوة الى اتحاد كونفدرالي وسط وشرق أوروبي"(90). سيكون من المفيد التوقف للحظة للنظر في هذه الحجة.
ان القاء نظرة على الآراء والمواقف التي أبدتها القوى المختلفة خلال الثورة المضادة تُظهر أنه لم يتم التركيز الا قليلاً على فكرة الكونفدرالية. كان هذا، في أحسن الأحوال، مجرد شعار لبعض الأشخاص، وفي أسوأ الأحوال مجرد قناع لأهداف أُخرى أكثر أهميةً. تم ذكر فكرة الكونفدر الية مرةً واحدة فقط، في عدد 1 تشرين الثاني من مجلة Magyar Szabadag، ولم يتم تخصيص غير جُملة واحدة لها فقط. وبالعودة الى الماضي، بالطبع، قيل الكثير وكُتِبَ الكثير عن الاتحاد الكونفدرالي من قِبَل فريق البحث في معهد ايمري ناجي في بروكسل. ومع ذلك، كان الهدف الرئيسي لعملهم هو انكار أن الميول القومية المتطرفة كانت تنتظر الظهور الى العلن. ولكن، فان الحقيقة هي أن الثورة المضادة أطلقت حملة تحريض مُعادية للدول المُجاورة المنخرطة في بناء الاشتراكية. لعبت المحطات الاذاعية "الحُرّة" دوراً رائداً في هذه الحملة. اعتباراً من 31 تشرين الأول، أشارت النشرات الاخبارية عمداً الى "اضطرابات" في رومانيا وتشيكوسلوفاكيا. في هذه النشرات كان يُقال أن هناك "حوادث في بوخارست" و"شيء ما يختمر في جمهورية ألمانيا الديمقراطية". لقد تصرّفت هذه الاذاعات "الحرة" بطريقة هوجاء وحساسة ضد حقيقة أنه في كلا البلدين المذكورين أخيراً تم الابلاغ اعلامياً عن الأهوال الحقيقية والخطر الذي تنطوي عليه الثورة المضادة في هنغاريا. واتهمت الصحافة الهنغارية التي يُسيطر عليها الرجعيين الاذاعة الرومانية "ببث الافتراءات" وراديو برلين بـ"قول الأكاذيب". ليس من الصعب تخيّل التأثير الذي أحدثته التقارير من هذا النوع في وقتٍ كانت في الصحف تزخر بالمقالات الطويلة حول الاعجاب العالمي بهنغاريا.
كان خطر الاتجاهات القومية المتطرفة واضحاً للغاية. وزعت لجنة الطلاب الثوريين في الجامعة منشوراتٍ في أوائل تشرين الثاني بعنوان: "نداء الى شباب تشيكوسلوفاكيا". كانت النبرة التي تم تبنيها استفزازيةً الى حدٍ بعيد: "الصحافة الشيوعية التشيكوسلوفاكية تكذب كما يكذب عملاء موسكو في براغ وكذلك الراديو التشيكوسلوفاكي. لا تصدقوا قصص الرعب حول الثورة الهنغارية المضادة". طُلِبَ من الشباب في تشيكوسلوفاكيا رفض تحليل بلدهم للأحداث في هنغاريا وقبلول تحليل سيلون لويد وزير الخارجية البريطاني أو البابا بيوس الثاني عشر الذي تحدث لصالح "قضية هنغاريا". كان يكمن جوهر هذه المطالبات في جملة واحدة: "تعالوا ادعمونا وسندعمكم في كفاحكم المستقبلي من أجل تشيكوسلوفاكيا حرّة". كان هذا يعني في السياق، تشيكوسلوفكايا التي لم تعد اشتراكية، ومثّل هذا استفزازاً وتحريضاً ضد السوفييت.
بث راديو ميشكولز الحرة في 30 تشرين الأول: "نحن نرى وضعكم أيها الرومانيون والسلوفاك والصرب، تُعانون من نفس النير الذي نحن على وشك التخلص منه!". لو انتصرت الثورة المضادة بالفعل، فقد كان يُمكن للدعاية العدوانية الرجعية التي أُطلِقَت عندما اعتقدوا أن فجرها قد بَزَغ، أن ترتقي الى مرتبة السياسة الرسمية للنظام الجديد القديم.
في الأول من تشرين الثاني عام 1956، في العدد الأول من صحيفتهم، تمت صياغة مفهوم السياسة الخارجية لحزب أصحاب الحيازات الصغيرة لأهمية أن تكون "هنغاريا مُحادية" تحت بند مُراجعة أخبار الصحف الأجنبية. لخّص العنوان جوهر هذا المفهوم: "لقد أوجد الكفاح الهنغاري امكانية تسوية أوروبية عامة". دعونا نفحص نوع التسوية العامة التي كان الكاتب يُفكر بها. تم فتح الامكانية الجديدة من خلال "التحوّل في علاقات القوة الذي أحدثته هنغاريا". بعبارة أُخرى، يجب كبح جماح القوى الاشتراكية وفي نفس الوقت توسيع النظام الرأسمالي العالمي كأساس للنظام الأوروبي الجديد. أوضح مؤلف المقالة، من أجل تجنب أي شكوك محتملة أنه "يُمكن تحقيق تسوية جديدة بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي من أوروبا الشرقية". كان "انسحاب السوفييت" في قاموس الغرب يعني تسهيل عملية "تحرير" الدول الاشتراكية والذي بدوره كان مُطابقاً لاستعادة النظام الرأسمالي. ولكن كان لا بُد من تقديم شيء ما مُقابل "تفكيك كتلة أوروبا الشرقية"، أي أن على الغرب أن "يُقدّم المساعدة الاقتصادية المُكثفة لدول شرق ووسط أوروبا في المستقبل نظراً أنه من المهم أن لا تُواجه هذه الدول صعوباتٍ اقتصادية".
وعلى الرغم من وجود خلافات فيما يتعلق بالطريقة المُقترح اتباعها لتحقيق غاياتها، فان كلاً من الطريقتين التين تُريد بهما الثورة المضادة المتطرفة و"المعتدلة" الذهاب باتجاه الرأسمالية، تُشكّل تهديداً لأمن الدول المجاورة وحياتها السلمية.
كانت السمة الأساسية للسياسة الخارجية لـ"هنغاريا المُحايدة" هي الموقف المُعادي للسوفييت والاستعداد لشن حرب ضد الاتحاد السوفييتي.
رغم خطورة التحريض القومي ضد شعوب الجوار، الا أن دوره كان محدوداً. ولكن كانت المواقف المُعادية للسوفييت لا تُشكّل تهديداً للاتحاد السوفييتي كدولة مُجاورة وحسب، بل كان الشكل الأكثر فظاظةً وعدوانيةً من العداء للشيوعية وكراهية الاشتراكية وسلطة العُمّال. كان لها مُحتوىً رجعي عام، وسلاحاً ايديولوجياً دائماً للامبريالية العالمية. ان العداء للسوفييت هو سلاح موجه ضد التقدم الاجتماعي، وكان سلاحاً ايديولوجياً رئيسياً للثورة المضادة. هذا هو الحال دائماً في أي مكان وفي كل حين يعمل الأعداء الداخليون والخارجيون ضد قوى الاشتراكية.
بينما كان مجلس الوزراء برئاسة ايمري ناجي مُنشغلاً باعلان الحياد، كان قادة الثورة المضادة العسكريون يعملون بجد للاعداد للقتال ضد القوات السوفييتية. صاحَبَ هذا النشاط، في السياق الطبيعي للأحداث، حملةً دعائيةً مُكثفة. في 31 تشرين الأول تم توزيع آلاف المنشورات التي تُعلن أن "ثوار" قيادة الدفاع الجوي القومي على استعداد لخوض معركة ضد القوات السوفييتية. في 1 تشرين الثاني ناقتبست صحيفة magyar Függetlenségi عن مقالٍ افتتاحي لصحيفة ديلي تيليغراف أن الاتحاد السوفييتي هو "العدو الوحيد لهنغاريا وأنه لا يجب أن يربطها اي اعتبار سياسي به. من الواضح أن الاقتباس كان يهدف الى التعبير عن موافقة دوداس ومجموعته على هذه الفكرة.
في الأيام التي أعقبت ذلك، عمِلَت الصحف المُضادة للثورة على خلق جوٍ من الهستيريا حول تقارير تحركات القوات السوفييتية و"الخطر الذي يُحيق بانجازات الثورة". لذلك كان من الواضح تماماً ما كان يدور في ذهن الجنرال بال ماليتر المُعيّن مؤخراً، عندما قال للصحافيين الغربيين في "مقره الرئيسي": "ولكن جيشنا يمتلك أسلحةً ويُمكنه الدفاع عن نفسه ضد المتدخلين اذا لَزِمَ الأمر".
كان الجنرال بيلا كيرالي مسؤولاً عن اعداد الجيش لمُحاربة الاتحاد السوفييتي. في 30 تشرين الأول أخبر الاجتماع الذي أنشأ القوات الخاصة أن بودابست يجب أن تكون جاهزةً للقتال. ولهذه الغاية تم تشكيل طاقم كيرالي وبمساعدة "المجلس الثوري لقيادة الدفاع الجوي القومي" راقبوا مواقع وتحركات القوات السوفييتية لاعداد خريطة للمعركة. أمر الجنرال كيرالي ان يتم اتاحة خريطة النظام المدفعي الدفاعي لبودابست لفريقه المُقاتل، والذين بدأوا بعد ذلك خُططاً للدفاع ضد المدرعات. تم ارسال مُمثلين من بودابست الى وحدات الجيش المُتنوعة لبدء الاستعدادات للقتال ضد القوات السوفييتية بالتعاون مع "المجالس الثورية" المحلية. على سبيل المثال، في 1 تشرين الثاني، وصلَ ثلاثة أشخاص في زيٍ مدني الى طاقم الفرقة الثالثة في كيتشكيميت مُحملين بالمهمة المذكورة أعلاه. كانت خطوتهم الأولى هي اعتقال الضباط الذين اعتبروا أنهم غير موثوقٍ بهم لتنفيذ غرضهم.
كما كان فريق كيرالي هم الذين نظموا تسليح "الحَرَس القومي" تم الحصول عليها من الترسانة العسكرية. كان لديهم ثقة أكبر في موقف الحرس القومي المُعادي للسوفييت أكثر من امكانية استخدام وحدات جيش الشعب من أجل القيام باستفزاز ضد القوات السوفييتية. كانت هذه الثقة مُتبادلة. حتى تقرير الأمم المتحدة سيء الذكر اعترف بأن المتمردين لا يثقون بالضباط، ولهذا السبب، تُركِكت القيادة في أيدي المدنيين. ومهما كانت التعليمات التي صدرت لهم، فانهم لم يرغبوا في قبولها الا في حالة "تأكيدها من قِبَل شخصية يثقون بها، مثل الجنرالات ماليتر وكيرالي".
تم اتخذا قرار بتشكيل فيلق من الضباط السابقين وكبار ضباط النظام الهورثي، من أجل انشاء نواة رجعية لجيش الشعب. في غضون أيام قليلة قدّم أكثر من 500 شخص من هذا النمط طلباتهم لاعادة ادرجاهم في الخدمة في الجيش. وكان من بين المتقدمين العديد من مُجرمي الحرب والمتآمرين والأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضد الدولة. شكّل الجنرال بيلا كيرالي لجنة اعادة التأهيل المكونة من ثلاثة أعضاء في 1 تشرين الثاني للتعامل مع طلبات التقديم. كانت اللجنة تتألف من ضابطين سابقين وهو نفسه. أغرقت هذه العناصر وزراة الدفاع واحتشدت حول الوزراء في مبنى البرلمان. تقدّم كثيرون منهم بخدماتهم لقيادة الدفاع الجوي خاصةً بعد أن أصدرت ندائها المذكور سابقاً. شكّل هؤلاء العسكريون الرجعيون العنيدون والمعادون للشعب الأساس الراسخ، الذي كان مخفياً عن الجماهير، للديكتاتورية العسكرية والحرب ضد السوفييت.
في تلك الفترة اتسع التدخل الامبريالي الخارجي، مُستفيداً من أكثر الطرق خداعاً، لتحقيق أهدافه. قام جهازان من أجهزة الارسال والاستقبال اللاسلكية غير القانونية في مفوضية الولايات المتحدة في بودابست، بابقاء "مركز المقاومة في العالم الحر" على اطلاع على الوضع الداخلي والأحداث المتوقعة، وتلقيا التعليمات والنصائح بشأن التكتيكات التي سيتم اعتمادها. أفادت الصحيفة الأمريكية أن عميد الحرب الباردة ويليام دونوفان William J. Donovan الذي ترأس الاستخبارات الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، أنشأ مقراً رئيسياً في النمسا خلال أحداث تشرين الأول كرئيسٍ لـ"لجنة الانقاذ القومية". وفقاً لصحيفة واشنطن ديلي نيوز، زار دونوفان هنغاريا عدة مرات من مقره خلال تلك الفترة. بالاضافة الى ذلك، قام عدد غير قليل من "الخبراء الآخرين" بزيارة هنغاريا كمُمثلين لبعض المنظمات أو كصحفيين.
كانت البعثات الأجنبية المُطلعة جيداً في بودابست على اتصال بالقادة العسكريين المُعادين للثورة. زار السيد كويد مسؤول المفوضية الأمريكية ثكنة كيليان في 30 تشرين الأول، واستفسر عن الوضع السياسي بعد أن قدّم نفسه. ذهب أعضاء البعثات الأجنبية الأكثر نفوذاً لرؤية بال ماليتر. في الأول من تشرين الثاني ظهر جيمس كاولي James N. Cowley وهو "كولونيل نحيل وطويل وهو مُلحق عسكري للمملكة المتحدة" في "مقر" الجنرال ماليتر. في تقريرٍ عن الزيارة وصف العدد الصادر في 2 تشرين الثاني من الصحيفة العسكرية (الجُندي الهنغاري) الكولونيل بأنه قدّم آراءاً بشأن الأحداث ونصائح حول كيفية "التمسّك بالنتائج المُحققة" وبشأن توحيد الجماعات المُسلحة. مما لا شك فيه أن نصيحته التي ارتبطت بمسائل السياسة العسكرية خدمت أولاً وقبل كل شيء أغراض التحضير للقتال ضد القوات السوفييتية وأكدت على الحاجة الى اقامة ديكتاتورية عسكرية. "في المُقابل"، أبلغ بال ماليتر الكولونيل كاولي عن تحركات القوات السوفييتية ونواياها المتوقعة. اكتمل التعاون بين الضابطين، وهي نقطة أفاد بها ماليتر بشيْ من الفخر في أحد اجتماعات مجلس الوزراء.
ليس لدينا حتى أرقام تقريبية لعدد الشخصيات التي أرسلها الغرب للمشاركة في أحداث هنغاريا. لكن من المؤكد أنها كانت كثيرة، وخاصةً في ترانسدانوبيا، المنطقة القريبة من الحدود الغربية والتي وفّرت سهولة دخولهم وخروجهم. ان حقيقة ومدى خطر التدخل الامبريالي تم توضيحه في الواقع من خلال المُخططات الخاصة بالمجلس الوطني لترانسدانوبيا.
السؤال الذي يطرح نفسه هو ما اذا كان المجلس الوطني لترانسدانوبيا حكومةً مُنفصلةً أم لا؟ لا تعتمد الاجابة على ما اذا كان للهيئة المعنية وزراء أو ما الذي كانت تعتبر نفسها على هذا النحو، بل على الدور الذي لعبته في الممارسة ونوع الأفكار التي بدأت هذه الهيئة، التي كان مقرها في مدينة غيور، في ترجمتها على الأرض. كانت هذه الهيئة، في تطورها، قُطباً من أقطاب الثورة المضادة. طرح المؤتمر الوطني، وهو الهيئة التي أنشأت المجلس الوطني لترانسدانوبيا مطالب للحكومة من أجل جذب دعم كل القوى المُعادية للثورة. في جلسة 30 تشرين الأول، دعا المجلس الوطني لترانسدانوبيا الأجهزة "الثورية" في المنطقة الى الانضمام الى المجلس وأعلن أن مقاطعات عدة، منها سيبيل في بودابست قد انضمت الى المجلس. تم تمرير قرار حتى على شكل رقم: "سيتم تمثيل المُقاطعات التي انضمت الى المجلس الوطني لترانسدانوبيا بأربعة مندوبين".
أدرك قادة لجنة أوروبا الحرة بسرعة، امكانات هذه المُنظمة الجديدة. حتى المُهاجرون المؤيدون لايمري ناجي لم يُحاولوا انكار الحقائق وأُجبِروا على الاعتراف بوجود خطة امبريالية لتقسيم البلاد الى جُزئين: ترانسدانوبيا هي جزء من هنغاريا على حدود النمسا ويفصلها نهر الدانوب عن باقي أنحاء البلاد كحدود طبيعية. كانت سياسة القُوى الغربية التي لم تتحدد بعد آنذاك، هي تشكيل حكومة مستقلة في هذا الجزء من هنغاريا لفصلها عن بقية البلاد وجعل مدينة غيور عاصمتها وبالتالي انشاء هنغاريا المقسومة الى جزئين مثل ألمانيا. هكذا تم وصف المُخطط في عدد كانون الثاني عام 1960 من مجلة بروكسل. ولكن مؤلف هذا المقالة أخطأ في قوله أن صانعي هذا المُخطط غير معروفين، لأن كبار مُخططيه كانوا موظفين اذاعة أوروبا الحُرة في ميونيخ.
في مُحاولته لترجمة الفكرة الى ممارسة، ذهب أوريل ابارنيي Aurel Ábrányi رئيس مكتب التجسس في فيينا التابع للجنة راديو أوروبا الحرة وكالمان كونكولي Kalman Konkoly مسؤول اذاعة أوروبا الحُرة في ميونيخ، الى غيور. تم تكليفهم بمهمة كسب دعم قادة المجلس الوطني لترانسدانوبيا واقناعهم لمناشدة الأمم المتحدة برسالة للحصول على الدعم. كما اضطلع الناتو بدور في تنفيذ الخطة الجوهرية. بدأت حملة تحريضية بهدف اقناع الشخصيات السياسية في الدول الأعضاء في الناتو بدعم هذه الخطة. على سبيل المثال، اقترح فان زيلاند van Zeeland وزير الخارجية البلجيكي السابق، في أروقة مبنى برلمان بلده، ضرورة تقسيم هنغاريا(91). "في الأمم المتحدة تعهد مندوبو القوى الغربية بتأمين التصويت لصالح ارسال قوات شرطة دولية الى ذلك الجزء من البلاد الذي يُمكن أن يستقل عن الحكومة الهنغارية ويكون خالياً من القوات السوفييتية، في حالة قيام دولة ما بتقديم اقتراح". وكان سفير ايطاليا في فيينا هو من قام بالمهمة(92).
ومع ذلك، لم تُرسل اذاعة أوربا الحرة ضباط اتصال فحسب، بل قدّمت ايضاً المساعدة الفنية. تم ارسال مُرسل اذاعي بقدرة 10 كيلو واط الى غيرو من ميونيخ. تم نقل شحنة راديو أوروبا الحُرة مع 8 أو 10 أجهزة ارسال واستقبال ونشرها في جميع أنحاء ترانسدانوبيا وانخرطت في الدعاية المُعادية للثورة. وصل الجنرال زاكو زعيم (الرابطة الأخوية للمحاربين الهنغاريين) والوفد المرافق له الى مدينة غيرو لتقييم الوضع العسكري والامكانات المُتاحة. تباهى أعضاء تنظيم (صليب السهم) السابق، وهو الحزب النازي الهنغاري، في عدد تشرين الثاني من مجلتهم بأن "زعيم الحركة الهنغارية صليب السهم عَبَرَ الحدود الهنغارية من النمسا بصحبة هيئة التحرير للحصول على معلومات حول الوضع" من الواضح أن هذا النوع من الرحلات خدمت الاستعدادات للتدخل المُسلّح بأبعاد متعددة.
ساعدت الأنشطة التي قام بها المجلس الوطني لترانسدانوبيا في تنفيذ هذه الخطط بالغة الخطورة. احتوت دعايتهم على اشارات مُستمرة حول ترانسدانوبيا بوصفها أرض موحدّة ومستقلة، وبذلك يجب اخضاعها لقيادة موحدة. أحياناً في بعض الأماكن، وخاصةً في اذاعات المحطات الاذاعية المحلية "الحُرّة" تم ذكر مُصطلح "جمهورية ترانسدانوبيا الحُرّة".
لكن كان الخطر الحقيقي يكمن في القرار رقم 7 الذي صدر عن اجتماع انتخاب مجلس ترانسدانوبيا الوطني: "يرى المجلس الوطني لترانسدانوبيا أنه من المرغوب فيه تنظيم قيادة عسكرية موحدةّ". شَرَعَ عدد من الضباط في تأسس "قوات ترانسدانوبيا المُسلحة". في 1 تشرين الثاني أذاعوا اعلاناً عن انضمام وحدات عسكرية من مُدُن غيرو وبابو papa وزالاغيرسيغ وساربوغارد sárbogárd اليهم. كما كانت المُحادثات جارية مع "المجالس العسكرية الثورية" للوحدات الأُخرى حول الانضمام للقوات المسلحة لترانسدانوبيا وتقديم الدعم لـ"استقلال" هذا الاقليم.
سافر بعض مُمثلي المجلس الوطني لترانسدانوبيا الى الحدود بين هنغاريا والنمسا، وذهب آخرون الى فيينا لاجراء اتصالات مُباشرة مع القوى الرأسمالية المُستعدة لتقديم المُساعدة. على سبيل المثال، ذهب زولتان بيريان Zoltan Berjan الى فيينا ودعا الى "مُساعدة الشعب الهنغاري". في 1 تشرين الأول، ذهب وفد من 4 اعضاء الى فيينا وطلبوا المساعدة من مجموعة متنوعة من المنظمات الدولية وزعماء المُهاجرين. يُسجّل أحد المندوبين، وهو عضو في المجلس هرب الى الغرب، أن أوسكار هيلمر Oskar Helmer وزير الداخلية النمساوي استقبلهم أيضاً"(93).
في 7 تشرين الثاني نوفمبر أجروا مُحادثات مع العقيد بيل (جوليان بورساني) سيء الصيت من اذاعة أوروبا الحرة. بالنظر الى حقيقة أنه لم يكن لديهم سوى أيام قليلة تحت تصرفهم، فقد عملوا بالفعل بسرعة "ثورية" في ارساء الأساس لهذا المُخطط الامبريالي والذي شكّل تهديداً على وجود الشعب الهنغاري، وعلى العالم بأسره ايضاً. في الوقت نفسه، لم يترددوا في اغلاق الحدود مع تشيكوسلوفاكيا لمنع أي امكانية لوصول المساعدة لجيش الشعب الهنغاري والقوى الاشتراكية. سعى الشيوعيين التشيكوسلوفاكيين والنشاطاء الحزبيين وعمال السكك الحديدية والفلاحين العاملين الى الاتصال بمعارفهم الهنغاريين ورفاقهم القدامى لتقديم المُساعدة لرفاقهم الطبقيين في وضعهم الصعب. أرسلوا كمية كبيرة من المنشورات والصحف باللغة الهنغارية عبر الحدود تدعو العمال الهنغاريين للدفاع عن ديكتاتورية البروليتاريا وعدم نسيان الدروس المُستفادة من أحداث جمهورية السوفييتات الهنغارية عام 1919. لهذا السبب أمر المجلس الوطني لترانسدانوبيا باغلاق الحدود بين هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا بالكامل.
كان "التحريض المُرتبط بالأمم المتحدة" مُصمماً لصرف انتباه الرأي العام الهنغاري عن الطابع الخطير لخطط ترانسدانوبيا التي قد تُشعل فتيل حرب عالمية ثالثة. انتشرت الأوهام حول دعوات الأمم المتحدة على نطاقٍ واسع. شعر المُعادون للثورة بأنهم مُلزمون بتمويه التحضير للصراع المُسلّح ضد القوات السوفييتية، لأن الناس كانوا خائفين من أن الأحداث في هنغاريا قد تؤدي الى اندلاع حرب عالمية جديدة. ولتحقيق هذه الغاية لجؤوا الى خُدعة مُنمقة بالحديث حول وجوب "وضع هنغاريا تحت وصاية الأمم المُتحدة". بثت اذاعة أوروبا الحرة تقارير من نيويورك أدت الى الاعتقاد بأن التدخل الغربي كان وشيكاً. طمأن راديو أوروبا الحرة "مُقاتلي الحرية" الهنغاريين على أن "العالم بأسره" متضامن معهم وشجعهم على مواصلة الكفاح المسلح. استعارت الصحافة المُعادية للثورة الأخبار من اذاعة أوروبا الحرة ونشَرَت تقاريرها بصدد خططها وأفكارها وآمالها كأنها حقائق. دعونا نرى كيف ازدادت الآمال المتعلقة بـ"تدخل الأمم المتحدة" الى مستوىً أعلى يوماً بعد يوم.
في 1 تشرين الثاني كتبت صحيفة حزب أصحاب الحيازات الصغيرة اليومية "... يأتي العديد من الصحفيين الأجانب الى هذا البلد أساساً لغرض التحضير للزيارة القادمة للأمين العام للأمم المتحدة الى هنغاريا".
في 2 تشرين الثاني كتبت الصحيفة المُتحدثة باسم دوداس ومجموعته أن "لجنة الأمم المتحدة ستصل الى بودابست غداً ظهراً". كانت صحيفة (الجنود الثوريين) Magyar Fuggetlenseg أكثر تفاؤلاً بما كتبته: "... سيصل وقدٌ من الأمم المتحدة الى بودابست بعد ظهر اليوم".
أوردت (صحيفة العمال الشباب) في عدد 3 تشرين الثاني آمالاها على أنها حقيقة: "وصلت لجنة من مُراقبي الأمم المتحدة الى هنغاريا خلال الـ48 ساعة الماضية عبر مدينة بوجونيي Pozsony التشيكوسلوفاكية. بدأ مُمثلي المنظمات الدولية بمهمة انجاز أعمالهم "النبيلة" والمحفوفة بالمخاطر دون تأخير. صاروا يستخدمون كل الوسائل المُمكنة لمتابعة الأحداث بما في ذلك المُراقبة الجوية، مع التركيز بطبيعة الحال على أي تطورات تتعلق بخطر التدخل العسكري الأجنبي. وتم ابلاغ جهاتهم المسؤولة باستمرار بملاحظاتهم، وتم بثها على فترات متكررة بواسطة اذاعة الأمم المُتحدة.
كانت مسؤولية تغطية أخبار "تدخل الأمم المتحدة" تقع على صحيفة (الحقيقة) valóság. في 3 تشرين الثاني نشرت هذه "الصحيفة اليومية الهنغارية المستقلة" تقريراً غير رسمي فريد من نوعه، حيث كتبت: "وصل شاب ثوري من بودابست الى الحدود النمساوية الهنغارية بسيارته في منتصف ليلة 1 تشرين الثاني تقريباً. نجح في التحدث الى قوات الأمم المتحدة المتمركزة الآن على طول الحدود. وأبلغه عدد من جنود الأمم المتحدة، بينهم جنود بريطانيين وأمريكيين أنهم في حالة تأهب. لكنهم لم ينووا أن تطأ أقدامهم الأراضي الهنغارية طالما لم يتلقوا دعوة مُحددة من ايمري ناجي لدخول المجر. وكما هو معروف فقد صرّح رئيس الوزراء مُسبقاً وبث في الاذاعة الهنغارية أنه اذا رفضت القوات السوفييتية مغادرة البلاد بعد الدعوات المتكررة لها بالانسحاب وبعد الغاء عضوية هنغاريا في معاهدة وارسو، فاننا سنستفيد من مساعدة الأمم المُتحدة لكي تجعلها تنسحب".
ان تكرار الصحافة والاذاعة المجرية المستمر لبرقية ايمري ناجي التي أرسلها الى الأمم المتحدة واجراءاته المُعادية للسوفييت أعطى مصداقية لتقارير الأمم المتحدة. حتى لجنة اذاعة أوروبا الحرة كانت راضية عن هذا الأمر. دعت التعليمات الصادرة عن اذاعة اوروبا الحرة في ميونيخ في 2 تشرين الثاني بعباراتٍ حازمة الى دعم الحكومة الجديدة وانهاء الهجمات على ايمري ناجي.
بدأت اذاعة أوروبا الحرة تُدرك انه يجب تعزيز أساس "النظام الجديد" وخطه المُعادي للسوفييت. وبثت في 2 تشرين الثاني: "اليوم هناك حاجة ماسة للوحدة القومية من النوع الذي دعا اليه رئيس الوزراء أكثر من ذي قبل". في نفس اليوم حتى المجلس الوطني لترانسدانوبيا قرر أن حكومة ناجي لبّت مطالب "الثورة" وأكد دعمه لها.
خرجت اللجان الثورية الجامعية التي كانت تعمل بشكلٍ رئيسي في الأنشطة الدعائية بتأييد قوي للغاية لفكرة "الوحدة القومية" حول ايمري ناجي. وقامت ما تُسمّى باللجنة الفرعية لجامعة بودابست باعلان "مرسوم اليوم رقم 1": "ان واجبنا الأقدس تجاه شعبنا والثورة القومية هو تحقيق أكبر قدر ممكن من الوحدة، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يُمكن من خلالها توحيد جميع القوى لحماية مصالح ثورتنا"(94).
كما أصدرت لجنة الطلبة الثوريين في الجامعة منشورات ومقالات نشرتها في صحيفتها (شباب الجامعة) تُطالب بالتعليق المؤقت للنضالات الحزبية والجانبية من أجل تحقيق الوحدة القومية، ووصفت هذه الطريقة بأنها الطريقة الوحيدة للدفاع عن "منجزات الثورة الديمقراطية والنضال من أجل الحرية"(95).
لا علاقة لـ"الوحدة القومية" التي دعا اليها أعداء الثورة بالمصالح الفعلية للشعب الهنغاري. ان الشيوعيين الذين تعرضوا للاضطهاد والكثير من الشرفاء الذين تم اعتقالهم لم يُشاركوا في هذه "الوحدة". كم تم استبعاد العمال الذين يُدافعون عن المصانع ذات المُلكية العامة والفلاحين الذين حصلوا على الأرض عندما وُزعت عليهم في اطار الاصلاح الزراعي، والمواطنين الشرفاء الذين يدعمون التقدم الاجتماعي ويكرهون سادة النظام البائد. وبغض النظر عن عدد المرات التي رددوا فيها عبارات مثل "شعبية" و"وطنية"، فان دعاة هذه الوحدة الزائفة لم يتمكنوا من اخفاء ضيق قاعدتها الاجتماعية. في هذا المجال من "الوحدة القومية" المُعادية للسوفييت، تقاطع ايمري ناجي وفرسان "التحرير" واحتضنوا بعضهم.
في الوقت الذي تعرّضت فيه القوى الشيوعية والتقدمية للارهاب الأبيض وتنكيل الرجعية، واستعدّت فيه لخوض الصراع ضد سلطة الشعب الهنغاري العامل والسوفييت، شجع ايمري ناجي "الوحدة القومية". لقد فتح الباب على مصراعيه أما قوى اليمين ونأى بنفسه عن قوى الاشتراكية. تشبث بمفهوم الوحدة هذا في دراسته التي كتبها بعد 4 تشرين الثاني: "هذه الوحدة القومية (في النضال من أجل الاستقلال) احتضنت جميع الطبقات الاجتماعية وكل الاتجاهات السياسية"(96). في الواقع، كانت هذه الوحدة موجودة فقط الى الحد الذي توحدت فيها جميع العناصر والجماعات اليمينية للقضاء على الاشتراكية.
وكما أشرنا، فان مفهوم "هنغاريا المُحايدة" لم تُهاجم التقدم الهنغاري والعمل الخلاق المستقل للشعب الهنغاري وحسب، بل شكّل تهديداً لأمن الشعوب المجاورة وكل العالم أيضاً. تضمنت الاجراءات المُعادية للسوفييت التي قام بها أعداء الثورة خطر اندلاع حرب عالمية ثالثة. تتضح صحة هذا التقييم للوضع، بشكلٍ خاص، اذا أخذنا في الاعتبار حدوث العدوان الامبريالي المفتوح ضد استقلال وحرية وسيادة مصر، الدولة التي حصلت على ساتقلالها قبل عام 1956. لقد شنّت الامبريالية في هذه الأوقات هجوماً عاماً.
في بث اذاعي مساء 3 تشرين الثاني، قام الكاردينال ميدزينتي بالقاء كلمة وهو يشعر بسعادة مخمورة بالنصر، وقال أنه سيدفن "النظام الساقط". بعد مقدمة امتدح فيها "الشعب" و"الكفاح المسلح" وأشار بازدراء الى "الامبراطورية الروسية"، انتقل سريعاً الى عرض برنامجه الخاص بما أن "النظام القديم قد انهار بالفعل". وهدد "أعضاء وأتباع النظام المُنهار" وأعلن أنهم "يتحملون مسؤوليةً كاملةً عن أنشطتهم" وأنه "يجب أن تتم محاسبة ما قاموا به في جميع مجالات الحياة". وفي معرض التعبير عن أهداف برنامجه الاجتماعية، قال: "نريد أن نكون دولةً وأمةً ذات روح ثقافية قومية فريدة تقوم على المُلكية الخاصة التي يُقيدها التمثيل الاجتماعي". يجب على استعادة المُلكية الخاصة لوسائل الانتاج أن يعقبها انتخابات "تحت اشراف دولي". على الرغم من أنه لم يُطالب بشكلٍ صريح باستعادة الأرض التي تملكها الكنيسة والتي تم توزيعها على الفلاحين عام 1945، الا أنه لا يُمكن أن يكون هناك شك في ما عناه عندما قال أن هناك سبباً وجيهاً لنتوقع "استعادة مؤسسة وجمعيات الكنيسة الكاثوليكية".
لقد كانت الثورة المُضادة، التي تمتعت بدعم الرجعية الدولية، تُمارس طقوس الاحتفال بدفن جسد هنغاريا الاشتراكية. وفي الوقت الذي كانوا يفعلون ذلك، كان الشيوعيين الهنغاريين يستعدون لشن هجمة مُضادة من شأنها أن تؤدي الى قمع الثورة المضادة.

72- R. T. Holt: op. cit., p. 188
73- P. I. Archives. E. Gy. C/V/2. Shorthand minutes of the membership of the Writers’ Association held on December 28, 1956.
74- Szabad Nep, October 29, 1956
75- M. Molnar and L. Nagy: op. cit., p. 143
76- R. T. Holt: op. cit., pp. 188-189
77- A thorough going and profound analysis of the counter-revolution is given by J. Moln&r in his book entitled: Ellenforradalom Magyarorszagon 1956-ban (Counter-Revolution in Hungary in 1956). Akademiai Kiado, Budapest 1967
78- J. Kadar: op. cit., p. 169
79- R. T. Holt: op. Cit., p. 191
80- R. T. Holt: op. cit., p. 192
81- Budapest Party Committee Archives. Records Concerning the Attack on the Budapest Party Headquarters
82- Comrade Imre Mezo’s participation in the organization of the struggle against the counter-revolution was described in detail in a book by I. Komjat entitled “Imre Mezo”, published in 1968 by Kossuth Kbnyvkiado, Budapest.
83- Four Days ofFreedom. Published by the International Federation of ree Trade--union-s. Brussels, 1958, p. 86
84- Latonatar (New Horizon), September 1966
85- M. Molnar and L. Nagy: op. cit., p. 138
86- D. Eisenhower: The White House Years. Vol. 2: Waging Peace, 1956-1961. New York 1965, p. 82
87- Horvath and Vamos: Tiltakozas! (Protest). Latohatar, February 1962
88- Journal de Geneve, December 13, 1956
89- T. Meray: Thirteen Days That Shook the Kremlin. Praeger 1959, pp. 176-180
90- Szemle, Brussels 1960, Issue No. 1
91- F. Eross: Magyar Munkasvezerek Nyugaton. (Hungarian Workers’ Leaders in the West). Pannonia, Budapest 1961, p. 78
92- M. Szabo: Foglalkozasuk: emigrans (They Are Emigres by Profession). Kossuth Konyvkiado, Budapest 1958, p. 79
93- Tanulmanyok a Magyar forradalomrol (Studies about the Hungarian Revolution). Aurora Books, Munich 1966, pp. 288-289
94- Magyar Jövő (Hungarian Future). November 3, 1956
95- See Egyetemi Ifjúság (University Youth). November 3-4, 1956
96- I. Nagy: Gondolatok — emlekezisek (Thoughts and Memories), Sna- gov 1956-1957

ترجمة
Counter-Revolution in Hungary 1956: Words and Weapons, János Berecz, Second Edition, Akademiai Kiado, Budapest 1986

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي