مأزق حراكات وناشطي أكتوبر

جلال الصباغ
2021 / 3 / 13

بعد انطلاق انتفاضة أكتوبر نهاية العام ٢٠١٩ نتيجة تراكمات القمع والافقار والبطالة وانعدام الخدمات، كانت قوى الانتفاضة الرئيسية من العمال والمعطلين والطلبة والنساء وغيرهم من القوى الأخرى، تتخوف من التنظيم وتتهم كل من يدعوا الى تنظيم الجماهير بأنه يريد ركوب الموجة والتسلق على تضحيات المنتفضين، في خلط يعبر عن غياب رؤية سياسية واضحة لطبيعة الصراع بين الجماهير والسلطة، وتماشيا مع خطاب القوى المسيطرة التي يهمها ان تبقى الجماهير مشتتة وتحركها العفوية والانفعالية بعيدا عن أي رؤية سياسية مضادة.

بعد الخسارات الكبيرة التي دفعتها جماهير المنتفضين وأساليب السلطة الوحشية معهم، فرض الواقع نفسه على هذه القوى وبدأت بالعمل على تأسيس التنسيقيات والجبهات والاتحادات من اجل ترتيب عمل قوى الانتفاضة وهي خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها ظلت مفرغة من محتواها، فقد تحولت الكثير منها وأنضوت في أحزاب تود دخول الانتخابات التي تتحكم بها وتوجهها أحزاب وقوى السلطة المليشياوية! ذات القوى التي قتلت وخطفت ومارست عمليات النهب والافقار للجماهير طوال السنين الماضية !

حافظت قوى اخرى على "نقائها" وقاطعت بشكل جذري دعوات النظام للانخراط والمشاركة في عملية سياسية قائمة على اساس الطائفية والقومية والتقسيمات المصطنعة الاخرى، لكن هذه الحراكات بقيت هي الأخرى، حبيسة نفس منطق القوى الحاكمة، فغالبيتها تنطلق من ذات الأرضية التي تعتمد القومية والطائفية والدين ومبنية على أساسات ليبرالية تؤمن بسيطرة فئة صغيرة على ثروات البلاد، وضرورة إعطاء القوى الرأسمالية العالمية الدور الأساس في التحكم بالاقتصاد في العراق وبالتالي التحكم بمعيشة الجماهير وارزاقها، وهذا الأمر واضح في بيانات واطروحات وبرامج هذه الجهات.

ما ان تدخل في حوار مع هذه الأطراف حتى تجدها في واد غير وادي الجماهير الكادحة والمفقرة والتي تتطلع للعمل والحرية والمساواة الاجتماعية والاقتصادية وتعمل من خلال نضالها اليومي من اجل الحياة المرفهة بعيدا عن هيمنة السراق والبلطجية على مقدراتهم.

مشكلة هذه الجهات التي تدعي تمثيلها للجماهير المنتفضة انها، لا تمثل سوى نفسها، فهي في حقيقتها منفصلة عن هموم العمال، من الحمالين وبائعي السجائر والشاي وسائقي التكتك وعمال الأجر اليومي ومن ساكني العشوائيات والنساء المعنفات ومنتهكات الحقوق في مختلف مناطق العراق ومن جميع الشرائح والفئات المفقرة والمُستغلة التي تطمح لتغيير واقعها نحو الأفضل.

ان خلاص الجماهير في العراق يتعلق اولا بالخلاص من هيمنة ممثلي البرجوازية من الاسلاميين والقوميين والليبراليين الذين ينفذون أجندات وشروط القوى الرأسمالية العالمية التي ترعى وتحافظ على بقاء هذا النظام بأية طريقة، وليس عبر الدعوة لتدخل امريكا او أوربا او الأمم المتحدة التي هي طرف اساسي في ديمومة حكم هذه الطغمة كما تدعوا لذلك الكثير من شخصيات وحراكات اكتوبر.

لدينا في العراق تجربة استثنائية لحكم أقطاب البرجوازية في فترة زمنية قصيرة نسبيا، توضح بشكل لا لبس فيه ان الفرق قليل جدا بين حكم الأنظمة البرجوازية التي توالت على حكم البلاد بدعم دولي واقليمي، فحكم البعث القومي جعل السلطة والمال بيد فئة قليلة وبقية الشعب يعاني من المجاعة والملاحقة والتغييب، وحكم الاسلاميين بالتشارك مع القوميين الكرد والعرب لا يختلف كثيرا، فالقتل والخطف والتهجير والبطالة هي حصة الغالبية، بينما حصة زعماء الأحزاب ورجال الدين والشلل المحيطة بهم هي مليارات الدولارات.

ان البعث او الاسلاميين او كل القوى التي تتحدث باسم الوطنية اليوم، وتعد نفسها معارضة لسلطة الاسلاميين انما هم من ذات المنبع، اي منبع تحكم الأقلية بمصير الأكثرية عن طريق الهيمنة على مصادر رأس المال، وجعلها رهينة بيد القوى الامبريالية، ولا حل لجماهير العراق دون حركة اشتراكية شيوعية صميمية تعمل على استلام السلطة وجعلها بيد الأكثرية من الكادحين والعمال والمعطلين وكل القوى الثورية المؤمنة بالمساواة والتحرر.

مشكلة الكثير من الجهات التي أفرزتها انتفاضة أكتوبر سواء أكانت تجمعات او أفراد، انها لا تؤمن بالجماهير ولا تعول عليها، ودائما ما نسمع ذلك منها بشكل علني! فجل هذه الحراكات يقودها افراد من المثقفين البرجوازيين الذين يمزجون الوطنية بالطائفية بالقومية، ليشكلوا تجمعات ممسوخة وبلا ملامح قد تدعوا إلى إسقاط النظام، لكنها تريد تأسيس نظام لا يختلف كثيرا عن سابقيه.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب