نحو انتفاضة شبابيّة تحرّرية واعدة

عزالدين بوغانمي
2021 / 3 / 13

عدد غير محدود من الشباب التقدمي واليساري عبّر عن غضبه الشديد وسُخطه وسخريته وشعوره بالخديعة على إثر حضور أحد اليساريين المعروفين في برنامج تلفزي بدا لهم مبتذلًا وخليعًا. والحقيقة أن منسوب الغضب يتعدّى واقعة المشهد التلفزي محلّ احتجاج الشباب على الناطق الرسمي باسم الجبهة سابقًا، ويتعدّى الفكرة الضعيفة لصراع الأجيال.

نعتقد أنّ جيل اليسار الماضي سقط سقوطًا مضمونيًّا في خريف 2014. وظلّ يُكابر ويتخابثُ حتى سقط سقطته السياسية الكبرى في 2019. ومنذ ذلك الحين، وبحكم كونه مات ولم يقتنع بموته، ظلّ يُعاند موته بالاختباء في الثلّاجة متظاهرًا بالحياة، إلى أنّ فاحت رائحته وعفّن مُحيطه بالكامل، إلى درجة العجز على مجرد القيام بالمراجعة المطلوبة. بحيث استمر في السكوت عما جرى مُستسهلًا تفسير الأحداث بذرائع كاذبة. وبدل السعي الجادّ والصادق للتعرف على الأعطاب ومواجهتها بجرأة قصد الإصلاح والتجاوز، واصل في على نفس النهج، فلا يكاد الناس ينسون فضيحة حتى يُقدِمُ على أخرى أكثر مدعاة للسخرية.

هذا هو بدقّة سبب ما تعيشه الحركة الوطنية التقدمية ومعسكر الثورة والتغييرمن حالةٍ ضياع وانعدام الوزن وفقدان البوصلة. وهو الجذر السّببي الحقيقي لما يعيشه شباب اليسار من غربة ومن غياب الثقة وغياب التفاهم وغياب التعاون، ممّا يحرمه من المشاركة في تقرير مستقبل بلاده.

ويبدو أنّ الحلّ يبدأ بالإقرار بأن الجيل السابق، بكل ما يمثله من أفكار وتقاليد وشعارات غامضة وحِيَلْ صغيرة وطلعات غبيّة وغرور ونرجسية وألاعيب قد انتهى. وهذا لا يترتب عليه الفرار وراء فكرة الفشل وانعدام القيادة. بل يتعيّن على جيل الشباب الذي عاش الثورة، وشارك في تضحياتها، أن يقطع الأمل بهؤلاء الذين خرّبوا تجربة الجبهة الشعبية، حتى يتمكن من تجميع بعضه البعض، واحتلال مواقع القيادة التي أصبحت شاغرة منذ انتخابات 2019.

على الشباب أن يدركوا، وبقناعة تامّة، أن سبيل الخروج من هذه الأحوال الكارثية ،لن يكون ممكنا من دون اتّخاذ قرار جماعي شُجاع بالقطع الحاسم والنّهائي مع تجارب الفشل بكلّ عناوينها وحوانيتها الحزبية الحزينة الفارغة من الذّكاء والجدّية والإخلاص. ولن يكون ممكنا دون تعاونهم على بناء إطار سياسي ديمقراطي جديد منفتح على الشباب في الأحياء الشعبية وفي الجامعات والمعاهد والجمعيات الرّياضية، وعلى كلّ الطاقات الوطنية في جميع القطاعات العلمية والإعلامية والمهنية. ولن يكون ممكنا من دون التّعاون على كتابة مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي واضح ومفهوم وذكيّ وقابل للتطبيق، وخالي من الجمل الغامضة والشعارات الفضفاضة وخطاب الكراهية واستعداء دول العالم، ومن كلّ تلك الأعوار المُنفّرة للمواطنين.

دون قرار تاريخي كهذا لن تكون هنالك إمكانية لتجاوز حالة الانقسام والتشتت والتنازع القبلي البغيض الذي يعيشه اليسار اليوم، ويفرضه على الأجيال المُتلاحقة. وإذا أخفق الشباب في اقتحام المشهد وإحداث نُقلة نوعيّة فارقة تفصل بين زمنُيْن، فإن هءا الوضع سيتواصل لفترة طويلة مقبلة كما المرض العُضال يتمدّد دون علاج جذريّ.

كما أنه الوسيلة الوحيدة لتحقيق التّآخي والتّعاون بين الشباب في معسكر الثورة والتغيير، ورصّ صفوفهم، ليأخذوا زمام الأمور بآياديهم، ويُنظّموا شؤون وطنهم ومجتمعهم بأنفسهم، ويشاركوا بفعّالية تُناسب طاقاتهم في تأمين مستقبلهم، هي تحرّهم من قبضة رموز الفشل ومن ثقافة الفشل وتقاليدها السّيّئة القائمة على الأحقاد والنّرجسية والانتقام والاعتقاد بأنّ الثّورة قامت من أجل فُلان أو علّان.

إننا نقول هذا الكلام بكلّ ثقة وارتياح، لأنّ جيل النّكبات المتلاقة، هو جيل غير مسؤول، وعاجز حتى على مراجعة تجربة ما بعد الثورة، والتثبّت في جدوى خياراته، والاعتراف بالأخطاء التي ترقى إلى مستوى الجرائم، والبناء على دروسها المُرّة.

بالتأكيد حركة النهضة انتهجت سياسة إجرامية على امتداد عشرة سنوات. وانخرط معها نداء تونس في الإجرام إبّان التّوافق. ولكن القيادات الحزبية اليسارية أيضا ارتكبت جريمة التخلّي عن الشّعب وتضحياته، وجريمة هدر نتائج الثورة والتفريط في مطالبها. ولقد آرتُكِبت هذه الجرائم على نحو موصُوف حين تمّ تحويل الجبهة الشعبية إلى مجرّد منصّة للانتخابات. وحين تمّ إهمالها عمدًا وتركها مُفكّكة مُمزّقة بلا مؤسّسات ولا برنامج موحّد. وحين أُخضِعت غصبا عن مناضليها وأنصارها لمنطق المُحاصصة واقتسام المناصب من قبل مجموعة صغيرة من لصوص الكراسي. وحين مُنِعت من بناء أذرع منظّمة جاهزة للانخراط في الحركة الشعبية. وحين تمّ طرد المستقلّين من صفوفها. وحين شُطِبت معركة دم الشهداء من جدول أعمالها. وحين تمّ إقصاء النّساء من دوائر القرار. وحين آتُّخِذ القرار بتخريبها من خلال طرد خيرة شبابها، ثمّ بطرد قسم رئيسيّ من مكوّناتها ربيع 2019 لأسباب نرجسية رخيصة.

لكلّ هذا وبناءً عليه، الخطوة الأولى في إطلاق مسار شبابي تحرّري مُبدع وطموح، تكمن في خلع كلّ مسامير العجز والإحباط، والخروج من المعتقلات الحزبية إلى الفضاء السياسي الحقيقي، حيث يوجد الشعب المنتفض لاستعادة ثقته، وللانخراط في معركته بلا قيد ولا شرط ولا تشكيك ولا اتهامات باطلة. فبالشعب فقط، ووسط الجموع ومن أجلها يمكن تنظيم الجهود والطاقات المتفجرة في مؤسساتٍ حية وقوية، وبناء الجمعيات ومراكز البحث والروابط الاجتماعية والثقافية والخيرية والنقابات والأحزاب. وبالشعب فقط يمكن حسم الصراع على طبيعة الحكم ونوعية القيم ونمط العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في ظلّ الدولة الجديدة.

لقد حصر رموز الفشل بإغلاقهم منافذ الحرية والتعبير والنضال في الخُطى التي تخدمهم هم (فقط)، بحيث جعلوا الإرادة حكرا عليهم، تماما مثلما توظف الأنظمة الاستبدادية مؤسسات الدولة للدعاية وتعظيم صورة السلطان. وبسبب هذا السلوك الرجعي المتخلف ظل أغلب نشطاء الثورة وأبناؤها، الذين توسّموا في الجبهة خيرًا، في غربة عن بعضهم البعض، وفي معزل عن أي رابطة كفاحية أو منتدى تكويني فكري ذي جدوى.

الواقع متغيّر ومتسارع، ولا يجب ترك الوقت يطول بين ساعة التشخيص وساعة اتخاذ القرار حتى لا تنعدم إمكانية التّدارك. فما لم يكن التنظيم جاهزا في الوقت المناسب، لن تتمكن قوى الثورة والتغيير من التقاط الفرصة للقيام بواجبها الذي لن يقوم به غيرها أبدا وبالمطلق في ظلّ غياب قوى شعبية منظمة قادرة على فتح أفق وطني وانجاز الإصلاحات الجذرية في الزراعة والصناعة والتجارة والتكوين المهني والتعليم والصحة والبنية التحتية والإدارة والخدمات. وهذا أمر مستحيل دون وجود قيادات وطنية مخلصة ومتضامنة وذات كفاءة وناضجة وقادرة على مخاطبة العالم بذكاء وحنكة تفرض الاحترام على الشعب التونسي وعلى شعوب العالم وعلى الأسرة الدولية، وتفتح أبواب الشّراكة الحقيقية القائمة على المصالح المشتركة النّابعة من تأمين مصلحة تونس أولا وثانيا وثالثا وفي الأخير.

أما في غياب ذلك، سيجد التوانسة أنفسهم في ظل دولة فاشلة تفتقر لأي برنامج وطني، وتُغطّي أعوارها بافتعال النزاعات، وتقاسم المناصب وإعانات الإغاثة الدولية، وما حولها من نزاع على موارد الارتزاق، في مناخ التّباغض والتّناحر والعدمية. وباختصار ليس هنالك أمل في ضمان مكاسب الثورة ومنجزاتها المعنوية دون إطلاق ثورة سياسية تقدمية شبابية، قد لا ينتبه الى ضرورتها الكثيرون، ولكن نحن نراها بأمّ العين في شوارع المدن وفي الأحياء الشعبية وفي أبعد القُرى والبوادي.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية