لبنان : نهاية الإمارة (7)

خليل قانصوه
2021 / 3 / 12

فات الذين يظنون أن بالإمكان إغلاق الحدود بين سورية ولبنان ، بواسطة عربات عسكرية بريطانية و أبراج مراقبة ألمانية كما تناهى إلى العلم ، إن سكان البلاد السورية هم مثل الجغرافيا التي يعيشون فيها لا يبدلون ( الفلسطينيون نموذجا )و مثل مياه الأنهر التي تحاول دائما استعادة مجراها الأول طالما لم يجف منبعها . و بالتالي لا يُعقل أن تستقر الأوضاع في لبنان بينما هي مضطربة في سورية . بل يمكن القول أن الاهتمام بلبنان ناجم عن اعتباره منصة تتيح العمل منها للتأثير على مسار الأمور في سورية و العراق وصولا إلى إيران . ينبني عليه أن الكلام عن تحييد لبنان لا يعدو كونه تورية بلاغية ، إخفاء للمعنى المقصود .
و في مختلف الأحوال فإن التشخيص الشعبوي سهل كونه يلائم شحذ الحماسة و العصبية و تنويم العقل . في المقابل إن العلاجات التي تبنى بمقتضاه هي في لبها وهمية أو خادعة لأنها تعنى بالأعراض و تتغافل عن الأسباب ، عن قصد أو عن غير قصد.
يتناوب اللاعبون على خشبة المسرح لتقديم الدور نفسه الذي تمت صياغته في مؤتمر مدينة الطائف السعودية، إنكارا أو مكابرة حيال معطى موضوعي ملموس يثبت أن اتفاقية الطائف جعلت لبنان إمارة سعودية يقودها شيخ بمعاونة منظومة من زعماء الطوائف . لو لم يكن الأمر كذلك لم استطاع الأمير على سبيل المثال لا الحصر ، تجميد تشكيل الحكومة أشهراً في فترة شديدة الحرج !
الرأي عندي أن الارتباك و التحرك خبط عشواء الذي يمكننا ملاحظته على الساحة اللبنانية هو على الأرجح دليل على نهاية الإمارة في لبنان ، و أغلب الظن أن مرد ذلك عائد إلى خصوصية تركيب المجتمع في لبنان ، الذي لا يسمح بالانحياز "الإيجابي" في المنازعات بين أشباه الدول العربية انطلاقا من عدم سماحه بالحياد " الإيجابي" في موضوع الصراع ضد الصهيونية كون هذه العقيدة في جوهرها إقصائية عنصرية !
تحسن الإشارة في هذا الصدد إلى أن النتيجة التي أسفر عنها الغزو الإسرائيلي في سنة 1982 ، تؤكد موضوعيا أن البيئة في لبنان لا تتقبل في الراهن ، " سلطة وطنية" على شاكلة السلطة الفلسطينية في رام الله ، على سبيل المثال .
استنادا إليه يمكننا أن نفترض أن العصر السعودي انتهى ، لان لبنان لم يتحول إلى إمارة تدور في فلك المملكة ، و بالتالي تكون الفترة الممتدة من 2017 ، تاريخ القطيعة مع السعودية ، هي الوقت الضائع الذي فقدت فيه منظومة الطوائف زمام المبادرة ، فصارت خائفة من " الانقلاب على اتفاقية الطائف " ومما ارتكبت أيديها خلال 30 سنة الماضية ، أي أنها في وضع مماثل لوضع الطاقم الذي اضطلع بالتباحث مع قادة الدولة الصهيونية و توصل معهم إلى ابرام اتفاقية 17 أيار 1983 . فمن يدري فقد يسأل يوما عما فعل . لا نبالغ في القول أن اللبنانيين يسددون الآن ، كالعادة مكرهين فاتورتين تتحمل المسؤولية عنهما سلطة الحكم : فاتورة التطبيع و فاتورة الامارة ، فهم لم يكونوا يوما بحاجة إلى هذه السلطة و لكن العكس كان صحيحا .
خلاصة القول و قصاراه أن اتفاقية 17 أيار 1983 ثم اتفاقية مدينة الطائف السعودية ،استنفدتا كل القيم و الانتماءات و كل الثقة و الامل في المستقبل ، لقد أفلست منظومة الطوائف الناس و أفلست نفسها اخلاقيا و إنسانيا ، و أغلقت جميع الأبواب على نفسها و عليهم ، لان الكل صار خائفا من الكل .
من البديهي أن الحل لن يأتي منها ، و لكنه لن يأتي أيضا من الناس في مجتمع تفكك و أقحل تحت تأثير الكوارث التي اصابته . لذا ليس مستغربا أن تبادر بعض الشخصيات العامة إلى اقتراح مخارج من المأزق الخانق ، لعل معجزة تقع . و لكن في أغلب الظن أنه لا يوجد في لبنان اليوم ، أكثر من أي وقت مضى ، حلول مشتركة . أو بكلام أوضح قد يكون من الصعب جدا انقاذ الشراكة " الوطنية " الوهمية ، و لا شك في أن القناعة بأن العيش المشترك مستحيل باتت حقيقة ملموسة في أوساط لبنانية واسعة حيث شكلت منذ سنوات 1980 دافعا قويا إلى الهجرة و البحث عن موطن بديل
ليس مستبعدا في هذا السياق أن يطلق بعض السياسيين مبادرة الاستغاثة "بمؤتمر دولي " ، لعله يوفر كما يتوهمون ، الظروف اللازمة التي تتيح الانفصال أو الخروج من "الشراكة الوطنية " بعد أن قطِّعت الأهواء الفردية و الشخصية الوطن فيما بينها !

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية