كلمة الرئيس العراقي برهم صالح لدى استقباله البابا فرنسيس في بغداد بتاريخ 5 مارس 2021

نافع شابو
2021 / 3 / 11

في كلمة مؤثرة وتاريخية للرئيس العراقي الحالي "برهم صالح " عند استقباله قداسة البابا فرنسيس الأول في قصر بغداد قال:"
"نرحب بكم يا قداسة البابا ومن عظيم سعادتنا أن تكون في العراق، هنا في العراق ، في بلاد وادي الرافدين، في بلاد الأنبياء وأديان السماء ، ومرحبا بكم في بغداد دار السلام . مرحبا بكم في مدن العراق الأخرى ، في النجف ألأشرف ، في الموصل الحدباء ، في اربيل القلعة والمنارة ،وفي قرقوش مدينة ألأيمان والكنيسة . مرحبا بكم في أور مدينتنا الأولى التي إبتكرت الكتابة وتكرمت بولاد النبي إبراهيم عليه السلام أبي الأنبياء ، فكانت المدينة التي تخفق لها قلوب البشر من جميع الديانات السماوية .
واضاف مخاطبا قداسة البابا فرنسيس : إنّ دوركم الكبير الى الدعوة الى السلام والعدالة ألأجتماعية ومواجهة الفقر ، وسعيكم الحثيث من اجل التأكيد على الحوار والتعايش والأخوّة ألأنسانية هو موضع اعتزاز وتقدير ورسالة ملهمة للجميع ، بما تنطوي عليه من مسؤولية نبيلة تجاه الحياة وألأنسان.
شكرا جزيلا قداسة البابا لأستجابتكم لدعوتنا ، لدعوة العراقيين وتكرّمكم بالزيارة ، التي نقدّر بعدها التاريخي والديني وألأنساني المهم ، وهي دليل حرصكم على العراق . ففي لقاءاتنا السابقة في الفاتيكان ، شعرت ُ بمدى اهتمامكم ببلدنا العراق ، وتلمستُ متابعتكم ، وتألّمكم العميق للمأسات التي عاشها العراقيون والمعانات التي تحمّلوها ، جراء الحروب والعنف والتدخلات الخارجية .
يشعر العراقيون بالأعتزاز بقداستكم ، حيث تحلُّ بينهم ضيفا كريما عزيزا ، رغم التوصيات الكثيرة لكم بتأجيل الزيارة بسبب الضروف الأستثنائية التي يمر بها العالم بسبب جائحة كورونا وبالرغم ايضا من الضروف الصعبة والتحديات التي يمر به بلدنا الجريح . إنّ تجاوز كُلّ هذه ألأعتبارات يضاعف قيمة الزيارة في وجدان العراقيين .
على الرغم من عواقب العنف والأستبداد والشمولية التي اجتاحت بلادنا في مراحل من تاريخنا ، يفخر العراقيون في انهم عاشوا لقرون طويلة في مدن متنوعة الأنتماء ، حيث نجد المسلم والمسيحي واليهودي والصابئي والأزيدي متجاورين ومتآخين في المدينة الواحدة والحي الواحد ، وتتجاور الكنائس مع المساجد والحسينيات ، حيث يلتقي قرع الناقوس مع صوت الآذان في سماء العراق .
وكما يعتز العراقيون بأنّهم حماة الكنائس . فبعد اعتداء الأرهابيين على كنيسة سيدة النجاة ، هبّ الشُبّان المسلمون جنبا الى جنب مع اخوتهم الشبان المسيحيين ، وكان العراقي المسلم بهذا الموقف ، يدرك انّ مسؤوليته الوطنية والأنسانية تُملي عليه الدفاع عن الكنيسة ، بمثل ما يدافع عن بيته وأماكنه المقدّسة . وكذلك من مشاهد تحرير الموصل التي لاتُنسى ويحفر دائما في الوجدان ، مشهدٌ لكنيسة في الموصل عاث بها الدواعش ألأرهابيون . في هذا المشهد الذي شاهده العالم يظهر جنود مسلمون يغطي ملامحهم وملابسهم تراب المعارك وهم يحملون الصليب على اكتافهم ليعيدوه الى حيث مكانه المقدس في الكنيسة بعد تحريرها ، بينما يقف ضابط باحترام وتوقير وهو يؤدي التحية العسكرية لتمثال السيدة مريم والسيد المسيح عليهما السلام . هذه قيمة انسانية عميقة في دلالاتها
وهي قيمة تربوية متأتية من ايمان عموم العراقيين ، أنّ رابطة التنوع والتعايش السلمي قيمة عليا راسخة في بلدهم ، كرسوخ النخلة في ثرى وطنهم عبر آلاف السنين .
في نشأة الرسالة ألأسلامية ، إحتظنت المسيحية الأسلام ، وحمت المسلمين حينما هاجروا الى الحبشة . فقال النجاشي المسيحي لجعفر المسلم المستضعف ، ياجعفر ، ليس بيننا وبينكم أكثر من هذا الخط .
وفي بواكير الدولة الأسلامية ، حينما كان ألأمام علي عليه السلام ، يحكم من العراق ، نستحضر قوله الأنساني البليغ :"الناس صُنفان ،إمّا أخٌ لك في الدين ، أو نضيرٌ لك في الخلق ". هذا هو تاريخنا الملهم للتعايش السلمي والمحبة والأخاء الأنساني ، وهذا هو حاضرنا المنتج لتلك القيم العليا والنبيلة.
للأسف يعيش عالمنا اليوم في زمن التقاطعات والأستقطابات ، حيث تفقد اجزاء واسعة منه ، وخصوصا في الشرق الأوسط ، قابليات التعدد والتنوع والقبول بالرايي الآخر. ويُغذي هذا المسار ألأرهاب والتحريض على العنف ، وخطاب الكراهية وارتكاب الفضائح بذرائع لاتمتُّ بصلة لروح الرسالة السماوية السمحاء . وهذا ما يهدد مستقبلنا جميعا .
لذلك لابد من مواصلة العمل لمكافحة الفكر المتطرف وإستئصال جذور الأرهاب والأنتصار لمفاهيم التعايش وعنصر التنوع التي تسخر به اوطاننا وتحويله الى عنصر قوة وتماسك .إذ ان ترسيخ هذه المفاهيم اضحى مطلبا ملحا للغاية لعالمنا اليوم ، وهو افضل هبة نمنحها لمستقبل اجيالنا القادمة
لعقود من الزمن كان شعبنا ضحية حروب عبثية وسياسات قمع لم يعرف لها التاريخ مثيلا ، جرى خلالها اعدام واغتيال وتغييب مصائر مئات الآلاف من العراقيين من جميع ألأنتماءات ، واستخدام للدكتاتورية من الأسلحة الكيمياوية في حلبجة ، وما رافقها من حملات ألأبادة الجماعية في عمليات ألأنفال في كوردستان والمقابر الجماعية في مدن الجنوب والوسط ، وما حصل من تجفيف للأهوار وتدمير اجرامي ورهيب للبيئة . وانتهى المآل في العقدين ألأخيرين حيث عشنا خلالهما اكبر حرب ضد الأرهاب دُمّرت فيها مدن وتحطم اقتصادها وتهجّر عوائلها وسبيت فيها نساء وهدمت كنائس واحرقت حقول ونهبت آثار ثمينة ، وارتكبت ابشع الأنتهاكات بحق اليزيديات والتركمانيات وافضع المجازر في سنجار وسبايكر ، وساتهدف المسلمون والمسيحييون والأزيديون والصابئة والكاكائيين وغيرهم من مكونات هذا الشعب
نترحم على ارواح ضحايا الأستبداد والأرهاب ونستذكر شهداء الحرية ومحاربة ألأرهاب من جيشنا وقواتنا المسلحة المختلفة من الشرطة والحشد والبشمركة ومن المدنيين الذين ضحوا من اجل هذا الشعب بل للجموع ألأنسانية .
هذه المآسي كان كُلِّ الشعب ضحيّتها ، لكننا نُشيرُ بشكلٍ أخص الى المعانات الكبيرة لأخواننا المسيحيين ممن اضطروا الى مغادرة ديارهم ووطنهم .وكان هذا بعضا من معاناة المسيحيين في اكثر من بلد في الشرق ألأوسط . كانت اعوام عصيبة مرّت على العراق ، ولاتزال امامنا تحدّيات جسام في تحقيق مطلب مواطنينا في اصلاح بنيوي لمنظومة الحكم في بلادنا والنهوض للبناء وترسيخ العدل الأجتماعي وتوفير فرص العمل لشبابنا ، وترسيخ الأمن والحريّات وتعزيز سيادة بلدنا .
في منطقتنا هناك بلدان تخسر الدماء وفرص البناء ،وهناك من يخسر ألأموال ، الكل خاسر في هذه الفوضى السوداء ، ولا حل الا في الحوار والتعاون من اجل الأمن المشترك وحقوق مواطنينا
...التآم الجرح العميق الذي اصاب العراق يستدعي منا ان نولي الرعاية والحرص على ان يكون العراق ساحة للتوافق وجسرا للتواصل والتعاون بين دول المنطقة لا ساحة للصراع والتناحر ، وان يكون العراق مستقلا ذا سيادة كاملة غير منقوصة وركنا اساسيا من اركان منضومة اقليمية قائمة على اساس احترام السيادة وحقوق الأنسان والتعاون الأقتصادي. ...إنّ مسيحيي الشرق مسيحيّي العراق أهل هذه الأرض وملحها وقفوا الى جنب اخوانهم من كل الطوائف لمواجهة شتّى التحدّيات ، وكانت اسهاماتهم التاريخية والحضارية بليغة الأثر وعميقة الجذور وانصهرت في بناء مجتمعاتنا وانتجت تلك العادات والتقاليد والقيم الشرقية الأصيلة . لقد تعرض مسيحيّو الشرق خلال الفترات الماضية لأزمات مختلفة ، عملت على تحجيم وجودهم والدفع بهم الى الهجرة . وبلا شك فإنَّ استمرار هجرة المسيحيين الى جانب مكونات دينية وقومية اخرى من بلدان المنطقة ستكون له عواقب وخيمة على قيم التعددية والتسامح بل ايضا على قدرة شعوب المنطقة نفسها في العيش المشترك ، فلايمكن تصور الشرق بلا مسيحيين ، ولن يتأكّد اي نجاح في منطقتنا ما لم تبدا حركة عودة المهجّرين والمغتربين من بلدان اللجوء دون قسر او اكراه ، ويتطلب ذلك عملا حثيثا للتنمية الأقتصادية واستدباب الأمن في كل المنطقة ، وبما يحقق بيئة وطنية جاذبة لأبنائها من المهاجرين والمغتربين وفي المقدمة منهم المسيحيين واليزيديين والصابئة [واليهود]
ايضا لنا ان نقف ونؤكد ان ضروف الحياة تحت تهديد كوفيد 19 اكّدت انّ العالم بحاجة الى السلام والتكاتف معا والأبتعاد عن الأستقطابات والتقاطعات المختلفة وذلك لتسخير ألأمكانيات الجماعية لصالح التقدم بما يخدم الحياة والأنسان . اليوم وفيما يحل بيننا في العراق قداسة البابا ضيفا عزيزا كريما فانها فرصة تاريخية لجعلها مناسبة لأعادة التأكيد على قيم المحبة والسلام والعيش المشترك وقبول الآخر ودعم التنوع الذي ينعم به بلداننا عبر مبادرات انسانية يصل صداها الى العالم اجمع ..نحن احفاد النبي ابراهيم عليه السلام اتباع الديانات السماوية من العراقيين وغيرهم لايمكن لنا القبول بالأرهاب والتطرف ويمارس باسم الدين ولا يمكن ان نرضى بالظلم ايضا . يستحق العراقيون اكثر مما هم عليهم الآن في بلد انعم عليه الله بالخيرات ، وبموقع متميّز يمكنه من ان يكون محطة امن واستقرار وسلام . فالعراق يستحق الأفضل والمستقبل الواعد لمواطنيه . والمنطقة تستحق الأفضل بكثير وبتعاون المخلصين والخيّرين ، وسنتمكن من ذلك انشاء الله .
واضاف برهم صالح ليقدم اقتراحا للبابا بقوله:
واتمنّا قداسة البابا بمناسبة هذه الزيارة المباركة ان تتم متابعة لمبادرة تاسيس بيت إبراهيم للحوار الديني وتشكيل مؤتمر او ندوة دائمة للحوار باشراف مندوبين من الفاتيكان والنجف والأزهر والزيتونة ومراكز الدينية الكبرى التي تبحث في التاريخ المشترك والمختلف فيه في ضوء المتون المقدسة والتراث المسماري .
قداسة البابا اننا نلملم جراحنا وها انتم يا قداسة البابا تضمدونها معنا .
شكرا لكرم هذه الزيارة التاريخية وما تقومون به من اجل خير الأنسانية على الأرض .
وفي ختام خطابه وجه الرئيس برهم صالح دعوة للبابا للتتحدث فقال:
اتشرّف بدعوتكم للتحدث الى هذا الجمع الكريم ومن هنا الى العراقيين جميعا
راجع الموقع التالي
https://www.youtube.com/watch?v=Hd8Ah4YUXZw
تعليقنا على هذا الخطاب التاريخي لرئيس جمهورية دولة العراق برهم صالح هو مايلي :
هذا الخطاب ، بوجهة نضري ، يجب ان يكون خريطة الطريق لجميع الدول العربية والأسلامية في الشرق الأوسط ،إذا اراد الحكام ورجال الدين في هذه الدول ، إرساء السلام والأمن والأستقرار والعيش المشترك بين جميع الطوائف ومختلف القوميات والعرقيات دون تفرقة او تهميش او تكفير .
خطاب الرئيس برهم صالح هو بمثابة اعتراف بالحقائق التاريخية حيث عانت شعوب الديانات الغير الأسلامية في المنطقة، سواء المسيحيين او اليزيديين او الصابئة المندائيين او اليهود ، من الظلم والقمع والتكفير والقتل والتهجير والتهميش ..الخ
اعتراف برهم صالح بان هذه الشعوب خاصة المسيحية هي اصل وجذور هذه المنطقة سواء العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ، وأنهم قدموا خدمات جليلة للمسلمين سواء في الثقافة والحضارة والعلم والمعارف. وهم كانوا ولا يزالوا جسرا للتواصل بين الحضارة الشرقية والحضارة الغربية .
اعتراف سيادة رئيس العراق برهم صالح بان بابا الفاتيكان يمثل صوت السلام والمحبة والأخوة الأنسانية وهو يزور العراق بالرغم من التحديات والمخاطر الصحية والأمنية , ويريد هذا البابا ان يرسخ الحوار بين الديانات المختلفة وايضا الدعوة الى ألأخوة الأنسانية التي تشتاق لها شعوب الدول العربية والأسلامية قبل غيرها من الشعوب ، بسبب المحن والمآسي التي عاشتها وتعيشها شعوب الشرق ألأوسط ، وخاصة بعد حكم داعش للمنطقة والحروب الطائفية بين الشيعة والسنة في العراق وسوريا ولبنان واليمن .
واخيرا وليس آخرا يدعو ويقترح الرئيس العراقي برهم صالح الى تاسيس "بيت ابراهيم" للحوار الديني وعمل مؤتمر او ندوات تظم المسؤولين بهذا الشأن
فهل هناك من رؤساء دول عربية واسلامية ورجال الدين والمراجع الأسلامية من يتأمّل في خطاب الرئيس برهم صالح ويخطو خطواته لبناء مستقبل زاهر للأجيال القادمة ؟
نترك ألأجابة مفتوحة للجميع

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار