حول زيارة بابا الفاتيكان للعراق

رياض محمد سعيد
2021 / 3 / 11

بعد زيارة بابا الفاتيكان للعراق مطلع شهر اذار عام 2020 نود ان نقول .... لقد جرت العادة في التعاملات الدولية اعتماد بعض الثوابت التي تتمحور حولها الزيارات الدولية وفق مستوى المناصب التي تقوم بالزيارة .. وعادة ما يكون الزوار محملين بحقائب من مواضيع الحوار التي تخدم وطنهم وشعبهم عن طريق و وفق مبدأ تبادل المنافع بين الدول و بالتالي بين الشعوب خصوصا في المجالات التجارية والعلمية والصناعية وحتى الثقافية ناهيك عن الشيطان الاكبر الذي يتجلى في التألفات السياسية التي تتربع على عرش المفاوضات والمنافع و المكاسب واولا واخرا تعتمد النتائج على قوة وقدرة وحنكة السياسيين المفاوضين. لكن هذه الزيارة لا تقع ضمن هذه المفاهيم ، فهي زيارة دينية أخوية تسامحية .
بعد هذه التوطئة يحق لنا ان نتسائل هل هذه الزيارة اخوية فقط ؟ وهل هناك منهج تم تحضيره لمشروع زيارة بابا الفاتيكان للعراق. قد لا نتطرق الى ما في جعبة دولة الفاتيكان من اهداف لهذه الزيارة سواء المعلن منها او المخفي ، لكننا مؤكد نريد على الاقل من الحكومة العراقية و الاحزاب الحاكمة و مليشيات السلطة و القوى المتنفذة في ادارة شؤون الحكومة و سياساتها ، كل هؤلاء او على الاقل الاقوى بينهم ان يعلن للشعب و للعالم ما هي محاور الزيارة والنقاش التي ستحقق للشعب العراقي مصالح او مكاسب للوطن بسبب هذه الزيارة الميمونة ، (غير ما يطبل له الاعلام عن الجوانب المعنوية و الاعتبارية والالفة الدينية التي لاتغني و لا تسمن).
قبل الخوض في معمعة الفوضى السياسية للعراقيين و التصريحات التي لاقيمة لها تجدر الاشارة الى ان جل اهتمام الدول و الشعوب هو الجانب الاقتصادي مع الجوانب المهمة الاخرى التي لا تنفك عن الاقتصاد وهي الصناعة و الأمن و الجيش و السيادة .
العراق بلد غني بالثروات الطبيعية وغناه تحت الارض اما ما هو على وجه الارض فهو مختلس لصالح الاحزاب الحاكمة بنسب عالية جدا وما يبقى من النزر اليسير فللشعب المتهالك المشغول بتدبير قوت يومه باحثا عن الأمن و الأمان.
اما دولة الفاتيكان فأنا دولة ذات حكومة متخصصة بالشؤون الالهية لتنوب عن مسيحيي العالم امام مغفرة الرحمن . وهذا لا يمنع ان يكون لها اقتصاد و اقتصادها غريب عن ما هو متعارف عليه فهو يعد اقتصادا فريدًا من نوعه ، إذ أن له معايير خاصة في التعاملات التجارية ، أي يمكن اعتبار الفاتيكان من أكبر المؤسسات الغير ربحية في العالم ، دخلهم او مدخولاتهم تتمثل بما يدفعه السياح عن رسوم دخول المتاحف في الكنائس إلى جانب بيع الطوابع البريدية وما تحققه مبيعات التذكارات من التماثيل و السبح و اللوحات ، وهذه المصادر لا تكفي لسد النفقات لذلك ابتدعو طريقة تدعى "بنس القديس بطرس" يدفعها الكاثوليك حول العالم لدعم الفاتيكان، ويمكن تشبيهها بالضريبة رغم انها اختيارية مع ملاحظة ان أي عمل تجاري داخل أسوار الفاتيكان ممنوع بحكم قوانينها، باستثناء مطعم صغير يدعى "مطعم القديس بطرس" يقدم خدماته لموظفي دولة الفاتيكان. مع العلم ان لدولة الفاتيكان حكومة و شعب لا يتجاوز عددهم بضعة الاف يحملون الجنسية الفاتيكانية ومنهم او بينهم من هم موظفين في حكومة الفاتيكان ويساعد هؤلاء الموظفين عمال اجراء من مواطني ايطاليا ، والملاحظ انه للحكومة انظمة لخدمة شعبها و موظفيها اذ انهم لا يتحملون اي مصاريف لمعيشتهم (سكن وخدمات وتأمين صحي و اغذية اما الملابس فهي باسعار رمزية) ، وقد تتفاجأ حين نقول ان اقتصادهم يعتبر من الدول فاحشة الثراء ، لوجود ارصدة مالية و ارصدة من الذهب يصعب تقديرها في بنوك عالمية متعددة حول العالم يديرها بنك الفتيكان ويطلق عليه اسم معهد الأعمال الدينية. والى جانب ذلك فحكومتهم تسلك مسلكا استثماريا ايضا في بعض الصناعات الدقيقة و المهمة و الخاصة بالاثرياء .
بعد هذا العرض الاقتصادي نعود الى جدوى زيارة البابا للعراق ، ولن تسمح المقالة لنا ان نتبحر بالجدوى من وجهة نظر الفاتيكان لكن هل نستطيع ان نفكر في جدوى الزيارة من وجهة نظر العراق و العراقيين مع تجنب الحديث عن الجوانب المعنوية و المترتبات المستقبلية لوحدة الاديان و لقاء او حوار او صراع الحضارات الدينية . فبالرغم من ان العراق يحاول التظاهر بالصبغة الدينة ويتقمص الدور الاسلامي الا ان الفشل والفساد الحكومي وصل الى مداه بسبب الاحزاب ومليشياتها التي تسيطر وتعمل بانفلات تساندها الاجهزة الحكومية المدنية و العسكرية. وقد وصل الشعب العراقي الى ابواب انفلات للصبر بعد عسر المعاناة من فساد الاحزاب و التيارات الدينية التي امتدت لعقود طويلة من البؤس و الشقاء و الصراعات و الانقلابات و الحروب وقد تسارعت الهموم على العراقيين في سنوات العقدين الاخيرين بعد عام السقوط المر الاخير عام 2003 ، لذلك فالعراق لا يمكن ان يوصف بأنه بلد ديني او راعي للدين و الاديان بسبب الجرائم و الفساد.
للعراقيين وعي وعلم بشأن كل ما يحصل من فشل في الادارة الحكومية التي تسببت في نخر الدولة وتدميرها عن طريق الفاشلين المتجاهلين و المتجاوزين لأنظمة و قوانين العمل لذلك فأن زيارة البابا للعراق لن تتعدى شكلها الظاهري الذي سيعود (بنظر حكومة الفشل) على حكومة العراق و ساستها بما يعزز وجودها و دورها بين الدول ليتم ذكر هذه الزيارة في عهد الفاشلين الذين قادو العراق الى الانهيار عسى و لعل ان يشفع لهم ذلك في غض النظر عن الجرائم والفشل و الخيبة التي آلت اليهم. ولقد عبر العراقيين عن وعيهم و تفهمهم لدور حكومة الفشل عن طريق نشر البوسترات المضحكة و المقالات التي توضح هشاشة هذه الزيارة كونها هامشية على كل المستويات.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا