المفهوم اللينيني حول الآيديولوجيا العلمية ونُقّاده

مالك ابوعليا
2021 / 3 / 11

الكاتب: فلاديسلاف جانوفيتش كيله*

ترجمة مالك أبوعليا

ان التناقضات الاجتماعية-السياسية العميقة بين البروليتاريا والبرجوازية، بين عالم الاشتراكية وعالم الرأسمالي، تجد انعكاساً لها في الصراع الآيديولوجي المُكثّف الجاري الآن، في الصدام بين الايديولوجيتان الاشتراكية والبرجوازية. يدور هذا الصراع حول مشاكل الحياة الاجتماعية والثاقفية المُعاصرة مهما كانت أهميتها، والتي تؤثر بهذا الشكل أو ذاك على مصالح الطبقات والأنظمة الاجتماعية المتصارعة.
يدور صراع، على وجه الخصوص، حول مفهوم طبيعة الايديولوجيا كظاهرة للحياة الفكرية، وعلاقتها بالفلسفة والعلوم الطبيعية والاجتماعية.
فلنأخذ على سبيل المثال، الأوراق التي قدمها المُعادين للماركسية في المؤتمر الدولي الرابع عشر للفلسفة في فيينا عام 1968 (حول مسألة الفلسفة والايديولوجيا). تسمح هذه الاستعراضات للمرء بتشكيل حكم على نوع المُحاججات المطروحة في الأدب الغربي الموجهة ضد الفهم الماركسي اللينيني للآيديولوجيا.
في المقام الأول، تم التعامل مع الآيديولوجيا على مستوى سلبي، أي كظاهرة تقف مُعارضةً للعلم ومُخالفةً للنظرية الأصيلة بشكلٍ عام، ولكن تدّعي بأنها دليل للممارسة ولتقديم النشاط العملي للبشر على أنه خلق للتاريخ (النمساوي بيتر هينتيل peter Heintel)، على الرغم من أن هذا مُستحيل، لأن معنى التاريخ، في رأي ذلك الكاتب، لا يمكن أن يكون موجوداً في الأفعال الفردية الانسانية (1)، كوعي مُثقل بالارتباط بالسياسة والنضال من أجل تحقيق الأهداف السياسية ويقف مواجهاً الفلسفة الصرف (الألماني الغربي جوزيف ديربولاف Josef Derbolav)(2). ويقع اللوم على الآيديولوجيا كمصدر للعديد من الصعوبات في العالم المعاصر وكونها سبباً في انقسام العالم الى قسمين (الايطالي غوسيب كالوغيرو Giuseppe Calogero)(3) الخ.
كانت جميع التصريحات في المؤتمر المُشار اليها مُتفقةً في نقدها لمفهوم الآيديولوجيا العلمية، والتي اعتُبِرَت مُستحيلةً بطبيعتها. برأي المتحدثين، تستبعد المصادر التي تنشأ منها الايديولوجيا (مصالح الطبقة والجماعات، الخ) والوظائف الاجتماعية التي تؤديها، أي امكانية للحديث عن وجود مُحتوىً علمي موضوعياً في النُظُم الايديولوجية. وبوصفها مُتميزةً عن العلم، فان مسألة الحقيقة لا تتعلق على الاطلاق بالآيديولوجيا، بل بالمنفعة. يُصرح الأمريكي المُعادي للشيوعية ريتشارد ديجورج Richard T DeGeorge "الآيديولوجيا" في أبسط صورها، هي اسطورة تم تبنيها أو قبولها بشكلٍ عام من قِبَل مجموعة مُعينة، وهي تعمل على تبرير أعمالها وأهدافها الاجتماعية(4)، وبرأيه "تحتوي كل آيديولوجيا في أساسها أسطورةً منطقية، تخدم كتبريرٍ لها"، وتحتوي آيديولوجيا الماركسية اللينينية على العديد من "المنظومات الأسطورية المنطقية"(5).
تسمح لنا الاشارة الأخيرة بأن نقول، أنه بالنسبة للمُعادي للشيوعية، أن الزعم بوجود تناقض جوهري بين العلم والآيديولوجيا يخدم كأداة أساسية "للتخلص" من الماركسية نظرياً، مرةً واحدةً والى الأبد. اذاً، اليوم، فان مسألة المنهجية التي ينظر بها المرء الى العلاقة بين الآيديولوجيا والعلم تتجاوز بكثير حدود الاهتمام الأكاديمي الصرف. ان حقيقة أن نظرية الايديولوجيا ذاتها قد طُرِحَت كموضوع للصراع الآيديولوجي تتطلب أن يُعطى المفهوم الماركسي اللينيني للآيديولوجيا مزيداً من الاثبات، وأن يتم الاشارة الى ما هو فريد فيها بشكلٍ أكثر وضوحاً، وأن يتم ايلاء الاهتمام للمسائل التي تتعلق بمكان هذه الظاهرة في ذهن الجمهور. نرغب في هذا المقال أن ندرس بعض المشاكل المتعلقة بتوصيف سمات الآيديولوجيا العلمية.

***

قدّم مؤسسا الماركسية تحليلاً علمياً عميقاً لجوهر وخصائص العملية الايديولوجية في مجتمع يتسم بالتناحر الطبقي. انطلاقاً من الاعتراف بالدور المُحدّد للوجود الاجتماعي فيما يتعلق بالوعي الاجتماعي كعنصر من مكونات عملية الحياة الحقيقية، وبأن استقلالية الفكر ليست مُطلقة، بل نسبية، فقد اكتشفا العلاقة بين التركيبات الآيديولوجية ومصالح ومُتطلبات الطبقات الاجتماعية الحقيقية، والتناقضات في حياة المُجتمع، وحددا العلاقة بين آيديولوجية الطبقة والطبقة نفسها. تتمثل احدى خصائص العملية الآيديولوجية في مجتمع مُتناحر طبقياً في حقيقة أن الذوات في هذه العملية-الآيديولوجيين- لا يعرفون القوى الدافعة الحقيقية لتفكيرهم وتحركاتهم، ولا يستطيعون فهم العلاقة بين الأفكار وأساسها المادي. يتعزز هذا من خلال فصل العمل الذهني عن العمل الجسدي، وبحقيقة أن المرء يرى فيها مفاهيم بديهية (مما يؤدي الى تقديم الشكل على الجوهر) بدلاً من التحليل العلمي للعلاقات الاجتماعية، فضلاً عن ضغط التقاليد، وما الى ذلك. تظهر المصلحة الأنانية الخاصة، في آيديولوجيا الطبقة المُستغلة، على أنها مصلحة عامة، وهذا يُلبي احتياجات عمل الآلية الايديولوجية التي تهدف الى اخضاع وعي الجماهير لمصالح الطبقة المُهيمنة. تتبلور في اطار هذه الآلية، منهجية في مُعالجة الواقع موافقة لها، والتي أطلق عليها ماركس وآنجلز اسم الآيديولوجيا. على النقيض من المنهج العلمي، الذي ينطلق من الحقائق ويتوجه بالادراك الموضوعي للواقع، فان المنهجية "الآيديولوجية" تتكون من بناء واقع مرغوب به،, ولكنه خاطئ. انه واقع المقولات الآيديولوجية التي تظهر وكأنها واقعٌ حي. وَصَف انجلز جوهر هذه المنهجية بايجاز في نقده لدوهرينغ: "وذلك هو مُجرّد شكل آخر للمنهج الآيديولوجي المُحبب القديم الذي يُعتَبَر كذلك من الأوليات، والذي ينص على أن خواص مادة ما، تُعرَف ليس عن طريق اكتشافها في المادة نفسها، بل عن طريق استنباطها منطقياً من مفهوم تلك المادة. في البداية يصنعون من المادة مفهوم المادة، ثم يقلبون كل شيء رأساً على عقب ويحولون انعكاس المادة، مفهومها، الى معيار للمادة نفسها. فليس المفهوم هو الذي يجب أن يُطابق المادة الآن، بل المادة يجب أن تُطابق المفهوم، وبدلاً من المفهوم... وبالتالي فان فلسفة الواقع تغدو هنا ايديولوجية صرفاً واستنباطاً للواقع ليس من الواقع، بل من التصوّر"(6).
ان تحليل مؤسسي الماركسية للآلية التي بموجبها تنشأ الايديولوجيا الوهمية له قيمة علمية كبيرة حتى يومنا هذا، مما يجعل من الممكن فهم العديد من الظواهر الآيديولوجية في الوقت الحاضر. لا يستخدم ماركس وانجلز مصطلح "آيديولوجيا" لوصف وجهة نظرهما، لكنهما يستخدمانه لوصف الوعي الزائف. ان نظرتهما عن نشأة الايديولوجيا وعملها كوعي زائف تتعلق بأشكال من الوعي البرجوازي وما قبل البرجوازي. يجب أن يؤخذ هذا في الاعتبار بشكلٍ خاص، لأن أعداء الماركسية في تبنيهم بعض طروحات النقد الماركسي للوعي الوهمي وتفسيرها بشكلٍ خاطئ، يسعون الى توظيفها في صراعهم ضد الماركسية. هذا الاتجاه في الأدب البرجوازي مُستمد من كارل مانهايم، والذي يُعلّق عليه هان E. Hahn بحق "يحاول بالتالي قلب النظرية الماركسية عن الآيديولوجيا ضد الآيديولوجيا الماركسية"(7).
لقد انطلق ماركس وانجلز في تقييم وجهات النظر التي أسساها، من حيث أن مصلحة البروليتاريا الموضوعية تتمثل في حاجتها الى المعرفة العلمية للواقع الاجتماعي ونظام الأفكار العلمي. على عكس جميع الحركات الاجتماعية السابقة، وصل النضال الثوري للبروليتاريا الى مستوىً من تطور الممارسة الاجتماعية، بحيث لا يُمكن للممارسة فيها الاستغناء عن العلم، بطريقة مماثلة لتلك التي يستحيل فيها صناعة آلة بدون العلوم الطبيعية. ان المهمة التاريخية للبروليتاريا هي البناء الواعي لمجتمع جديد، وهذا الوعي يؤسسه العلم الاجتماعي، الذي يستند على "أرض التاريخ الواقعية"(8) ويقاوم الايديولوجيا الوهمية، أي وجهة النظر المثالية للتاريخ. تُقدّم كتابات ماركس وانجلز تقييماً ذاتياً علمياً للماركسية. انها تُعبّر عن فهم واضح لمكانها في تاريخ الفكر الاجتماعي ودورها في الصراع الطبقي، وقد تم وضع أساس التعامل معها كايديولوجيا علمية بالفعل.
تُقدّم أعمال لينين مزيداً من التطوير لنظرية الايديولوجيا، حيث أظهر، استناداً الى أفكار ماركس وانجلز، أنه يُمكن تعريف الماركسية نفسها على أنها ايديولوجية علمية. وباستخلاص نتائج انتشار ونمو وتأثير الماركسية، كشف خصائص عملها وتطورها. ان معالجة هذه المشاكل وتحليلها يُشكلان مساهمة لينين في تطوير النظرية الماركسية حول الايديولوجيا.

***

ان مصطلح "الايديولوجيا العلمية" أو اذا أردنا الدقة، المحتوى الذي يُشير اليه، لا ينطبق على الماركسية وحدها. من المعروف أن الموقف تجاه الوعي الوعي الاجتماعي ما قبل الاشتراكي بوصفه مشوهاً وخادعاً بشكلٍ محض هو موقف غريب جداً عن الماركسية. لكن الماركسية، على وجه التحديد، الاشتراكية العلمية، كانت بالنسبة للينين تعبيراً كاملاً عن الايديولوجيا العلمية.
ان الماركسية علم. ما الذي يجعل من هذا العلم ايديولوجيا؟ ما الذي يوفر الأساس والحق في تسمية الماركسية ليس فقط علماً، بل ايديولوجيا، أي ايديولوجيا علمية؟ بعد كل شيء، لا تُعتَبَر علوم مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات ما شابه بمثابة ايديولوجيا. اين يختلف العلم الايديولوجي عن العلم غير الايديولوجي؟ تتوفر الاجابة على هذه الأسئلة في كتابات فلاديمير لينين.
حتى في أعماله المبكرة (من هم أصدقاء الشعب وكيف يحاربون الاشتراكيين الديمقراطيين)، لاحظ لينين أن السمة التي تُميّز الماركسية هي أنها "تجمع الروح الثوري مع طابع علمي رفيع ودقيق (بوصفها آخر ما توصلت اليه العلوم الاجتماعية)، وهي لا تجمعهما أبداً بدافع الصدفة، وليس فقط لأن مؤسس هذا المذهب كان يجمع في نفسه صفات العالم والثوري، انما تجمعهما في النظرية بالذات، بوثوق ضمني لا انفصال لعُراه. وبالفعل، نرى أن مهمة النظرية، أن هدف العلم، مصوغ هنا بوضوح: مُساعدة طبقة المظلومين في النضال الاقتصادي الذي تخوضه فعلاً"(9).
ان صفة كونها ثورية هنا تُميز النظرية نفسها وتُستَمَد من اكتشاف طبيعة الرأسمالية العابرة تاريخياً من خلال البحث النظري. ان معرفة قوانين والقوى الدافعة للتطور الاجتماعي تجعل من الممكن لعلم الماركسية أن يُصبح الأساس النظري للتحويل الثوري للواقع الرأسمالي.
يُلاحظ لينين، انه صارت العلوم الاجتماعية، من خلال الماركسية، قادرةً أن تفرض على نفسها بوعي مهمة مُساعدة طبقة المظلومين في النضال الاقتصادي الذي تخوضه فعلاً، أي أنها تسعى للتعبير عن المصالح والمهام العملية لـ"طبقة المظلومين" بمساعدة النظرية العلمية. وبذلك تطرح الماركسية نفسها كايديولوجيا علمية.
تُعرّف الايديولوجيا في المُجتمع الطبقي عادةً على أنها تعبير فكري عن المصالح الجذرية لفئات وطبقات اجتماعية مُعينة وعلى أنها تحتوي على أهداف وبرامج عمل مُحددة. هذه هي المعايير والوظائف الشاملة لأي آيديولوجيا. لكن الآيديولوجيا العلمية تختلف اختلافاً جوهرياً عن الايديولوجيا المشوهة، سواءً من حيث المضمون أو في الطريقة التي يتم بها تنفيذ هذه الوظائف.
وفقاً للينين، تتضمن الآيديولوجيا العلمية، في شكل تحليل نقدي، جميع أفضل انجازات العلم والثقافة، وتُقدّم التفسير النظري للتجربة التاريخية للصراع الطبقي، وتستفيد من كل هذا لحل المشكلات الاجتماعية التي تواجه العمال وجماهير الكادحين. ان الالتزام المتسق لخط طبقي مُحدد في المجال الايديولوجي هو سمة من سمات الماركسية التي قدّرها لينين تقديراً عالياً، وأطلق عليها سمة "الحزبية". قدّم لينين مُعالجة عميقة لمسألة الحزبية بشكلٍ عام، بما في ذلك مسألة العلاقة بينها وبين العلم في الآيديولوجيا الماركسية.
تطرح الحزبية نفسها، في كتابات لينين في جانبين مترابطين بشكلٍ لا ينفصم: كسمة للنظرية نفسها، وكمبدأ للنشاط في مجال الآيديولوجيا.
تربط الماركسية مفهوم الحزبية بالعلم: كونها علمية وحزبية هما من سماتها. انه سمة كونها علمية تُميّز علاقة المعرفة بالموضوع، وتعني أن هذه المعرفة موضوعية وصحيحة، بقدر ما تتحدد علاقة المعرفة بالموضوع في مقولات الصواب والخطأ. تعني علاقة الحزبية بالايديولوجيا أن مصلحة الطبقة تنعكس وتُعطى تفسيراً فيها، بهذه الدرجة أو تلك. قدّم لينين مراراً وتكراراً فكرة أن العلوم الاجتماعية والفلسفة المُحايدة التي تقف فوق الصراع الطبقي، هي استحالة في المُجتمع الطبقي. ان "الحيادية" قادرة على أن تؤدي الى مجموعة من النتائج، بما في ذلك تشويه المعرفة الاجتماعية وخضوعها لآيديولوجيا من النوع الوهمي. لكن هذه الظواهر غريبة عن الماركسية كايديولوجيا علمية تتميز بوحدة كونها علمية وحزبية في ذات الوقت.
ان مبدأ وحدة هذه السمات هو أهم مُرشد في عمل وتطبيق النظرية الماركسية اللينينية. انه يُعبّر عن الحقيقة التي لا جدال فيها وهي أن الايديولوجيا العلمية لا يُمكن أن توجد الا اذا كان للطبقة مصلحة أساسية في النتاج الموضوعي للادراك. لا يُمكن تصوّر العلم بدون التوجه نحو الحقيقة، لان المعرفة الحقيقية هي قيمة العلم. تعني الحزبية، في سياق الآيديولوجيا العلمية السعي للوصول الى الحقيقة من خلال الكشف عن الاتجاه التاريخي المُعيّن للطبقات، وكيف يتم استخدام هذا كمبدأ يتم من خلاله التعامل مع الواقع الاجتماعي.
وبالتالي، تكمن حزبية الايديولوجيا العلمية في الاعتماد على بيانات العلم للدفاع باستمرار عن المصالح الجذرية للطبقة العاملة والقوى التقدمية في عصرنا، وفي وضع العلم في خدمة هذه المصالح. تُمثّل الحزبية الماركسية شرطاً للموضوعية وحافزاً لتطوير المعرفة، مُترجمةً المصلحة الاجتماعية للطبقة الى سعي معني من جانب الذات لدراسة العمليات الاجتماعية ورسم الاستنتاجات النابعة من التجربة التاريخية.
ربط لينين أيضاً مبدأ الحزبية بتقييم الحقائق والظواهروالعمليات الاجتماعية من وجهة نظر الطبقة، وهو تقييم يتم فيه التعبير عن الموقف من هذه الحقائق من جانب الذات الاجتماعية. يقول لينين: "المادية تتضمن الحزبية، كما يُمكن للمرء أن يقول، وهذا يتطلب منا، في كل تقييم للأحداث، بشكل مباشر وصريح أن نتخذ وجهة نظر مجموعة مُعينة في المُجتمع"(10).
التقييم هو رابط وسيط ضروري بين النظرية الاجتماعية والفعل الاجتماعي، وهو عنصر ضروري في تطبيق النظرية على الممارسة واستخلاصها منها. في التقييم الايديولوجي، تكون الذات طبقة، ويتحدد طابع التقييم وفقاً لمصالحها. علاوةً على ذلك، يجب على الماركسي أن يُحدد موقفه الطبقي، مُستنداً الى تحليل الحالة الموضوعية للأشياء. تستند التقييمات في الايديولوجيا العلمية على مبدأ ادراك الواقع واحتياجات المُمارسة، وبالتالي يتم استخدام تقييم مُعين لظواهر الواقع في النشاط العملي والنظري. وهكذا، في الماركسية اللينينية، لا تتعارض سمات التوجه الحزبي والعلمية، لان تحول كُلٍ منها واثراءاها لبعضها البعض هي سمة مُميزة أساسية للآيديولوجيا.
ان مبدأ الحزبية هو أهم موجّه في مجال الصراع الايديولوجي. كانت نقطة الانطلاق التي اتخذها لينين في تحليل ما يُميز الصراع الايديولوجي، انه بما أن المسائل الاجتماعية ستُحَل في خضم صراعٍ طبقي، فان ما سيصاحبها حتماً هو صراع ايديولوجي. ان ظهور وتطور الايديولوجيا الماركسية، وتشكّل الوعي الطبقي والتنظيم السياسي للبروليتاريا والجماهير الكادحة يتمظهر في النضال ضد الايديولوجيا الرأسمالية والبرجوازية الصغيرة. وكما وَرَدَ في القرارات التي اتُخِذَت في مؤتمر الأحزاب الشيوعية والعمالية في موسكو عام 1969: "سيستمر الشيوعيين بلا مُهادنة، بالنضال ضد الايديولوجيا البرجوازية وسيكشفون للشعب الكادح المعنى الحقيقي لنضالهم وشروط تحقيق النصر"(11).
تُزوّد الايديولوجيا العلمية الطبقة العاملة بوعي مصالحها الجذرية ووعياً بمهمتها التاريخية، مُستمدةً ذلك من فهم جوهر العملية التاريخية، وبهذا المعنى فان الوعي الذاتي العلمي للطبقة يلعب دوره في الحركة والنضال الحقيقيين للطبقة، ويخلق ما تحتاجه الطبقة معرفياً.
يُعتَبَر الوعي، وهو القوة الفكرية المُحركة للجماهير وكعاملٍ في العملية الثورية، ظاهرة معقدة للغاية. ان تشكّل الوعي لا يفترض وجود نظرية اجتماعية علمية فحسب، بل يفترض أيضاً نشاط حزبٍ يسترشد بهذه النظرية و"قادر على الشعور بالجماهير وتطوير ارتباط مُحدد معها" كما يقول لينين. على الحزب الشيوعي أن يوصل النظرية العلمية للجماهير، ويطور وينفذ سياسةً تهدف الى تطبيق النظرية وتطويرها، ويُنظم ويوجه نقد الايديولوجيا المُعادية، وما الى ذلك. وبمساعدة الحزب بالتحديد، ستتحد الجماهير من أجل النضال المشترك، وتتحول النظرية الاجتماعية الى ايديولوجيا العملية الثورية.
توصّل لينين أيضاً الى استنتاج مهم مفاده أنه لا يمكن استيعاب الايديولوجيا العلمية الا على أساس الخبرة السياسية للجماهير، عندما تصبح الجماهير مقتنعة عملياً أنه لا يُمكنها تحقيق مصالحها الا اذا وجهت نفسها من خلال أفكار مُحددة بعينها. لذلك يُمكن للآيديولوجيا العلمية أن تنتشر بسرعة أكبر في فترات النهوض النشط للجماهير، مثل الفترات الثورية، وعندما تتعلم الجماهير من تجربتها الخاصة الطبيعة الحقيقية للقوى والطبقات الاجتماعية المؤثرة في الساحة التاريخية.
على عكس المفهوم الماركسي اللينيني لدور الايديولوجيا في العالم الحديث، طَرَحَ السوسيولوجيين البرجوازيين مثل آرون وبيل وآخرين وطوروا نظرية "نهاية الايديولوجيا" أو "نزع الايديولوجيا" de-ideologization (12).
يؤكد منظروا "نهاية الايديولوجيا"، والتي تعكس الى حدٍ ما الميول التكنوقراطية التي ولدتها رأسمالية الدولة الاحتكارية، واللامبالاة السياسية والأمزجة الوضعية التي تتملّك فئات مُعينة من المثقفية البرجوازيين، يؤكدون، أن "العالم الغربي" لم يُصَب بوهم امكانية تحقيق مستقبل أفضل بمساعدة التحويلات الثورية التي أشارت اليها الايديولوجيا، وأن المشاكل الناشئة عن تطور المجتمع الصناعي لا يتم حلها بالوصفات الايديولوجية بل عن طريق العلم. ونتيجةً لذلك، برأيهم، تتراجع في "العالم الغربي" مُختلف الايديولوجيات وتتحطم، لا سيما الماركسية قبل كل شيء. يبدأ في الغرب عصر "نهاية الايديولوجيا".
وهكذا تمترس العداء للشيوعية بدرع مفهوم "نزع الايديولوجيا" الخاص بهم. ومع ذلك، كشفت نظرية "نزع الايديولوجيا" على الفور عن ضعف امكانية الدفاع عنها. في المقام الأول، قدّمت هذه النظرية العمليات التي تحدث في عالم الأفكار في شكلٍ مشوه، لأن ما يظهر في الواقع ليس نهايةً مزعومةً للايديولوجيا، بل تفاقماً واضحاً للصراع الايديولوجي. ان الثورة العلمية التكنيكية لا تُضعف أهمية الايديولوجيا بل تقويها، لانها تزيد من تناقضات الرأسمالية وتطرح مشاكل اجتماعية جديدة. ان نضال الزنوج في الولايات المتحدة من أجل الحقوق المدنية وحركات الشباب في الغرب ليست دليلاً على "نزع الايديولوجيا" بالتأكيد. في المقام الثاني، طرحت نظرية "نزع الايديولوجيا" نفسها كمفهوم ايديولوجي برجوازي، كتطبيق للتوسّع الايديولوجي ضد أراضي الاشتراكية، مُختفيةً-كما كان الحال مراراً في الماضي- تحت ستار الموضوعية الزائفة وقناع اللاتحزّب.
في ردّه على "المنظرين" من أمثال هؤلاء، كتب لينين في أيامه أن اللاحزبية هي فكرة برجوازية. اللاحزبية هي مُجرّد شكل معين من أشكال التموية الايديولوجي مدعو الى أداء الدور الذي تلعبه الايديولوجيا البرجوازية في حياة المُجتمع. ان الايديولوجيين البرجوازيين لا يتخلون عن الايديولوجيا، بل على العكس من ذلك، يطوّرون باستمرار مفاهيم ايديولوجية جديدة في النضال ضد الماركسية اللينينية (نظرية المجتمع الصناعي وما بعد الصناعي، ونظريات التقارب، والدعوة الى "التعايش السلمي" في المجال الايديولوجي، وما الى ذلك)، الموجهة نحو تقويض تأثير الماركسية اللينينية.

***

كان لينين يوجه الانتباه دائماً الى الحاجة الى مقاربة عيانية لمسألة وسائل وطُرُق وتكتيكات الصراع الايديولوجي. ان مقالات لينين عن الدين هي مثال حي على ذلك. في مُلاحظة التناقض بين النظرة العلمية والدينية عن العالم، أظهر لينين بشكلٍ مُقنع الضرر الذي لَحِقَ بالقضية البروليتارية من خلال النقد المُجرّد للدين، وهو نقد لا يأخذ بالاعتبار، على سبيل المثال، البيئة السياسية ومستوى وعي الجماهير، وجهود الرأسماليين لتقسيم الجماهير الكادحة على أسس دينية، وما الى ذلك.
يُعتَبَر العلم أيضاً أحد مجالات الصراع الايديولوجي، حيث يتم تفسير استنتاجاته من وجهات نظر فلسفية مُختلفة. في هذا الصدد، أدلى لينين بتصريح يمتلك أهميةً أساسية من وجهة نظر منهجية: "لا يُمكن تصديق أي كلمة من أيٍ من هؤلاء الأساتذة مع أنهم يستطيعون تدبيج مؤلفات ذات قيمة كبيرة جداً في ميادين خاصة من الكيمياء والتاريخ والفيزياء. لماذا؟ لنفس السبب الذي يحمل على عدم تصديق أية كلمة من أي استاذ في الاقتصاد السياسي العامة، مع أنه يستطيع تدبيج مؤلفات ذات قيمة كبيرة جداً في ميدان الأبحاث العلمية المختصة، وذلك لأن هذه النظرية، شأنها شأن الابستمولوجيا، هي علم حزبي في المجتمع المعاصر"(13).
في تعبير لينين هذا، نود أن نلفت الانتباه الى عنصرين. أولاً، يُشير لينين الى أن مبدأ التحزب وعدم المُهادنة مع مظاهر الايديولوجيا البرجوازية، لا يستبعد، بل يفترض الاستفادة من جميع انجازات العلم لصالح تطور العلم الماركسي، بغض النظر عن أولئك الذين توصلوا لها. ثانياً، يترتب على ذلك أن لينين لم يربط أي علم ملموس بأي ايديولوجيا. لقد اعتبر نظرية المعرفة ونظرية الاقتصاد السياسي، أي الفلسفة والنظريات العامة للعلوم الاجتماعية بأنها حزبية. انها تتعلق بمجال الايديولوجيا، ولكن فيما يتعلق بالمجالات الخاصة للعلوم الاجتماعية الملموسة، فان الأخيرة تتأثر بالايديولوجيا، ولا يُمكن تقييمها ككل، كما نُقيّم الآراء الايديولوجية. في حالة العلوم الطبيعية، ليس محتواها المُحدد، بطبيعة الحال هو الذي يأخذ صفة الايديولوجي، بل جانبها الفلسفي، ووجهة النظر عن العالم.
كانت مُعالجة لينين لهذه الافتراضات ذات أهمية كبيرة في النضال ضد ابتذال الماركسية من قِبَل العمالويين، الذين أكّد أحد منظريهم وهو بوغدانوف أن هناك فيزياء ورياضيات وبيولوجيا بروليتارية، مُحاكماً هذه العلوم بأنها ظواهر ايديولوجية صرف. يواجه المرء اليوم مثل هذه الآراء، حيث يتم تطبيق التقييمات الايديولجية على نظريات العلوم الطبيعية الملموسة. لا يُمكن مُطابقة العلوم العيانية بالآيديولوجيا أو فصلها عنها: هذا هو الموقف الذي تتبناه اللينينية.
ان الهدف من الصراع الايديولوجي الجاري من وجهة نظر الايديولوجيا العلمية هو الكشف عن الحقيقة وكسب الجماهير الى جانبها، وفضح التزييف ودحض التحريفات والتأكيدات والأفكار الخاطئة.
يقوم الماركسيون، في الوقت نفسه، ببحث الأفكار دائماً في سياقها الاجتماعي الملموس، وفيما يتعلّق بالأفكار يضعونها تحت مبضع النقد، يُطوّرون تقييمات تستند الى تحديد هذه الآراء أو تلك بمصالح الطبقات المُختلفة وتحديد لأي جهة تصب في صالحها تلك الأفكار. لذلك فان الصراع الآيديولوجي يمتلك لغته ونظام تقييماته وشروطه. مرةً أُخرى، يتحدد وجود هذا النظام من التقييمات من خلال طبيعة الايديولوجيا نفسها. على سبيل المثال، سيكون من غير الملائم تماماً القول بأن الايديولوجيا الدينية خاطئة وغير صحيحة في حد ذاتها. توقفت المادية القديمة عند هذه النقطة وحسب، في نقدها للدين. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا "تعمل" هذه الايديولوجيا الزائفة، ولماذا تنتشر على هذا النحو؟ من أجل تحليل هذه المسألة، من الضروري الرجوع الى تحليل الظروف الاجتماعية لحياة الجماهير والطريقة التي يشتغل بها مُجتمع مُعيّن. وبالتالي، فان النقد الايديولوجي يتكون من وحدة النقد الابستمولوجي الذي يتعامل مع مقولات الصحيح والخاطئ، والنقد السوسويولوجي، الذي يكشف القاعدة الاجتماعية لأي مجموعة معينة من الآراء ووظيفتها الاجتماعية.

***

ان المواقف التي تنشأ في الصراع الايديولوجي الجاري في الوقت الحاضر متنوعة الى حدٍ ما وقابلة للتغير. لذلك من الصعب، وربما من غير الضروري "تصنيفها". قد يُلاحظ المرء أن التطرف في الطيف الواسع من الأفكار المتضاربة هو، من ناحية، نقاش مبدأي لكنه رفاقي بحت بين أشخاص ذوي تفكير متماثل تقريباً، ومن ناحية أُخرى، صراع أكثر حدةً بين الآيديولوجيين المُتعادين. تأخذ الخلافات على أساس وضمن حدود النظرة الماركسية اللينينية للعالم شكل المناقشات العلمية كوسيلة لحل المسائل النظرية، اذا سعى الطرفان الى الوصول للحقيقة. تُشير الوثيقة التي انبثقت عن مؤتمر الأحزاب الشيوعية والعمالية في موسكو عام 1969 الى أنه من الضروري، الى جانب توسيع العلاقات بين الأحزاب وتعزيز التعاون، زيادة تبادل الآراء والمناقشة الرفاقية حول مسائل اليوم المُلحة والدراسة المتبادلة للتجربة، وما الى ذلك. ولكننا نعلم أن الجدل الأكاديمي داخل حدود النظرة الماركسية الواحدة للعالم يُصبح صراعاً ايديولوجيا اذا انتقل أحد الطرفين الى مواقف فلسفية مُعادية للماركسية. ان الفكرة القائلة بأن هناك امكانية لـ"ماركسيات" مُتعددة تقف على مستوىً واحد، لان كلاً منها، حسب هذا الادعاء، يتعلق ببيئة اجتماعية وتاريخية مُميزة مُعينة، تُمثّل هجوماً على الطابع العلمي للآيديولوجيا الماركسية، وهو ما يحدث في الغالب في الأدبيات البرجوازية. من الواضح تماماً أن مبادئ الماركسية تُطبّق بشكلٍ مُختَلِف على الظروف التاريخية المتنوعة، أي أن ارتباطها العضوي بالظروف الملموسة يؤدي الى مجموعة متنوعة من الحلول السياسية. لكن هذا لا يوفّر أي أساس للتفسيرات "التعددية" للنظرية الماركسية. الماركسية اللينينية هي نظرية أُممية شاملة، وليست اقليمية، ولا يمكن لتطبيقها على ظروف متنوعة أن ينتهك وحدتها. ان التفسيرات الخاطئة للماركسية التي لا تتوافق مع الواقع، والتي تُشوه نظرية الشيوعية العلمية تنتهك تلك الوحدة. يتم تقديم تلك التشويهات على أنها تنويعات ماركسية ذات سمة اقليمية.
الماركسية، كنظرية علمية، لا تستبعد، بل تفترض تنوع أشكال الحركة، وأشكال الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية وتنوع الظروف. لا يُمكن لأي نظرية عالمية التعبير عن هذا التنوع لأن الأشكال الملموسة تتحدد من خلال مستوى التطور والظروف وعلاقات القوى والظروف الأُخرى اللامتناهية، في حين أن النظرية قادرة على عكس جوانب الواقع وقوانين حركته العامة والهامة فقط وتُقدّم وصفاً للقوى المُنخرطة في الصراع. ولكن النظرية العلمية لا تمحو هذا التنوع، ولا تحل محله رتابة رمادية، ولكنها توفّر الفرصة لتحليل الظروف الملموسة واتخاذ القرارات المُثلى. هذا هو السبب في أن لينين أكد أن التحليل الملموس للأوضاع الملموسة هو جوهر الدياليكتيك. يتخلّى مؤيدو فكرة "التعددية" عن العلم، وهم اما يُظهرون التحريفات الحالية للماركسية كأنها تفسيرات متنوعة ومتساوية، أو أنهم يُبالغون في أهمية أشكال مُعينة من التطور الى حد اضفاء صفة الاطلاق عليها، مُستعرضينها على أنها مسارات مُستقلة تتطلب نظريات خاصة بها تماماً.
ان الدفاع عن مبادئ الماركسية اللينينية ضد التشويهات والتزييف لا ينفصل عن تطور النظرية نفسها والاستفادة من معطيات العلم والممارسة وتركيبها. هذا الجانبان للواقع لا يُمكن أن يتعارضا وحسب، بل ولكنهما ضروريان لبعضهما البعض، لان النجاح في الصراع الايديولوجي لا يمكن تصوّره بدون حل مُبتكر للمشاكل الجديدة. لا يُمكن للنظرية، في هذا الصراع، أن تشتغل ببيانات الأمس وحدها. "ان أفضل سلاح ضد الآيديولوجيا البرجوازية هو الروح اللينينية الابداعية، والتطوير المستمر واثراء النظرية اللنينية على أساس تعميم التجربة التاريخية الجديدة"(14). ان حل المسائل النظرية الجديدة التي نضجت تجعل الايديولوجيا العلمية سلاحاً أكثر فاعلية في الصراع الايديولوجي. لكن الحل المُثمر والعلمي للمسائل الجديدة ممكن فقط على أساس مبادئ الماركسية. يُعَد الدفاع عن هذه المبادئ شرطاً أساسياً لتطور المعرفة، ويُظهر تطوير النظرية، حيوية تلك المبادئ نفسها.
تعبيراً عن هذه الفكرة، دعا لينين الى اتباع نهج ماركس: "بالسير على طريق النظرية الماركسية، سنقترب أكثر فأكثر من الحقيقة الموضوعية (دون أن نستنفدها أبداً)، أما بالسير على أي طريق آخر، فلا يسعنا أن نصل إلى أي شيء، غير التخبيص والكذب"(15). جَمَعَ لينين بشكلٍ رائع بين الدفاع الذي لا هوادة فيه عن مبادئ الماركسية مع التطوير الابداعي لها كلما تطور الصراع الطبقي في الظروف الجديدة. ان التخلّي عن هذا التقليد اللينيني يؤدي اما الى التحريفية، التي تتهرب من الصراع ضد الايديولوجيا البرجوازية وتتجاهل مبادئ الماركسية تحت رداء التطوير الخلّاق للماركسية، أو الى الدوغمائية، التي تمنع تطور الماركسية وتحرمها من المبادرة الابداعية تحت رداء الدفاع عن مبادئها.

***

تتميز الماركسية اللينينية، كايديولوجيا علمية، كما قلنا من قبل، بدمجها للوظائف الادراكية والايديولوجية، والوحدة الدياليكتيكية لكونها علمية ومتحزبة سياسياً. هذه الوحدة هي انجاز عظيم، وأهم قيمة للماركسية. انها تتجسد في جوهر النظرية نفسها، لكنها ليست مُعطاة مرةً واحدةً والى الأبد. انها (اي الوحدة)، شيء يجب القتال من أجله والدفاع عنه. يجب الدفاع عن الماركسية كل يوم وكل ساعة ضد كل التشويهات الممكنة التي تُدمّر وحدتها العلمية-الحزبية. يتم تدمير آلية عمل الايديولوجيا العلمية عندما تنهار هذه الوحدة. بعد ذلك، أشار لينين كثيراً في فضحه للعديد من المحاولات لتحريف الماركسية، فانه يحدث أحياناً اما أن تفقد الماركسية توجهها الاجتماعي وتنزلق من موقفها الطبقي (التحريفية اليمينية)، أو على العكس من ذلك، تُصعّد وجهة نظرها الطبقية الى المُطلق (التحريفية اليسارية).
تكون النتيجة، في كلتا الحالتين، التخلّي عن الموضوعية العلمية.
بُذِلَت في السنوات الأخيرة، في مجال نظرية الايديولوجيا، مُحاولات دؤوبة لتحريف فكرة لينين حول الآيديولوجيا العلمية من كُلٍ من اليمين واليسار. يتبع تحريف المفهوم اللينيني للايديولوجيا في التحريفية اليمينية ثلاثة خطوط رئيسية.
أولاً، يتم رفض تصنيف الماركسية على أنها ايديولوجيا علمية. يُعارض التحريفيون اليمينيون العلم بالايديولوجيا، ويُصرحون أن الماركسية اما أن تكون علماً أو ايديولوجيا، لكن يستحيل أن تكون مزيجاً من كليهما. تم التعبير عن وجهة النظر هذه في وقتٍ مُبكرٍ في الخمسينيات من قِبَل البولندي المنشق ليشيك كولاكوفسكي Leszek Kołakowski، الذي ميّز بين الماركسية "الفكرية" والماركسية "المؤسساتية". الأولى علم وليست ايديولوجيا، في حين أن الثانية نظام من العقائد والشرائع الايديولوجية ولست علماً.
ثانياً، انكار المبدأ اللينيني المتمثل في حزبية الايديولوجيا.
أخيراً، يُعارض التحريفيون اليمينيون فكرة لينين القائلة بأن الحزب هو بالضبط حامل الايديولوجيا العلمية، وأنه مسؤول أمام الطبقة العاملة عن تطوير وتطبيق النظرية، وأن الحزب الثوري يجب أن لا يتحول الى "نادي للمناقشة". ان التحريفية اليمينية تحرم النظرية من التطبيق العملي وممارسة المنظورات الثورية.
يُمكن رؤية هذا بوضوح في مثال آرنست فيشر Ernst Fischer الذي دأب في السنوات الأخيرة على تحريف الفكرة اللينينية عن الايديولوجيا العلمية. يتمسك فيشر بوجهة النظر البرجوازية الشائعة القائلة بأن كل الايديولوجيا تندرج في الوعي الزائف لمجموعة اجتماعية. والآيديولوجيا، كمنظومة معينة للآراء، لديها دائماً، برأيه "ميل الى التحجّر" و"تتحول الأفكار ضمن حدودها الى دوغما"(16). والآيديولوجيات قلاع. من المؤكد أن هناك ايديولوجيات تتحجر الأفكار فيها وتتحول الى دوغما، مثل الآيديولوجيا الدينية. لكن هذا لا يعكس جوهر الآيديولوجيا العلمية التي تستخدم تطور المعرفة لحل المشاكل الاجتماعية. يُمثّل موقف فيشر تخلياً عن الموقف الطبقي وفقداناً للتوجه الايديولوجي الطبقي. يتجاهل فيشر مبدأ التحزّب في معالجة الآيديولوجيا، ويقوَض الحد الفاصل بين الايديولوجيات البروليتارية والبرجوازية، مما يحرم الطبقة العاملة من موقعها المستقل في عالم الأفكار. ويرى فيشر أن "الماركسية ليست ايديولوجيا، بينما قامت الأحزاب الشيوعية بانشاء نظام ايديولوجي وأطلقت عليه (الماركسية اللينينية)"(17).
ما هي الماركسية اذاً؟ في رأي فيشر، الماركسية ليست ايديولوجيا بل علم، أو، مزيج من "العلم واليوتوبيا" على وجه الدقة. ان الانتقال من الاشتراكية الطوباوية الى الاشتراكية العلمية لا يعني، من وجهة نظر فيشر نبذها، بل "التقاط اليوتوبيا" ودمجها في نسيج الأفكار الماركسية. تُتعتَبَر الماركسية نموذجاً لبلوغ الشخصية المتطورة بشكلٍ شامل، فهي تسعى لتوقع المستقبل، وما الى ذلك- هذه هي المكونات اليوتوبية للماركسية.
هُنا فيشر يُعيد انتاج مانهيام، الذي رسم خطاً فاصلاً بين اليوتوبيا والآيديولوجيا، بمعنى أن الآيديولوجيا تؤدي وظائف "الدفاع" عن نظام اجتماعي مُعين، بينما اليوتوبيا هي تعبير ايديولوجي عن السعي من أجل التغيير وتوقّع المستقبل. يُعلن فيشر مُتعجرفاً أن التنبؤات الماركسية للمستقبل هي يوتوبيا، ويضع الأسس العلمية للمثل الشيوعية موضع شك.
يُعارض فيشر استخدام مصطلحات "الايديولوجيا البرجوازية والبروليتارية". ان الماركسية باعتبارها "فلسفة عصرنا"، ليست ايديولوجيا، ولا أهمية بالنسبة لها للحدود السياسية والآيديولوجية. ويرى فيشر أن موقف الماركسية يجب أن لا يوضع ضمن أي حدود سياسية وأيديولوجية، وبالتالي يسعى فيشر الى التخلي عن التقييمات الطبقية، ويعتبر أنه من الكافي الاقتصار على مفهوم مقولات الصواب والخطأ في مجال صراع الأفكار.
يرفض فيشر رفضاً قاطعاً الاعتراف بفكرة لينين عن الايديولوجيا العلمية، والتي، كما رأينا، تنبع بالضرورة من العلاقة بين العلوم الاجتماعية والصراع الطبقي. انه يطرح وجهة النظر المُعاكسة، والتي يتم وصفها على النحو التالي: اما أن الماركسية هي علم، وفي هذه الحالة تكون جُزءاً من الحركة العامة للأفكار والحياة الفكرية الحديثة، أو يتم الاعتراف بالطابع الايديولوجي للماركسية، وهي محكومٌ عليها في هذه الحالة بالدوغمائية، لأن الماركسية تتحوّل حتماً الى وعي غامض، الى شيء "متحجّر" غير قادر على المشاركة في حركة الأفكار، كما يزعم.
ان الموقف اللينيني القائل بأن الاعتراف بالماركسية كايديولوجيا علمية، يعني قبل كل شيء، توظيف المعرفة العلمية لحل المشكلات الاجتماعية لصالح البروليتاريا، هو موقف مرفوض جملةً وتفصيلاً بالنسبة له. يصوّر فيشر "وجهة النظر الطبقية" في صورة كاريكاتورية، مُعرفاً اياها بأنها "الطابع الطبقي" للحيقية، فهو غير مُدرك لمبدأ لينين بأن الحقيقة لا تعتمد على من تخدمه. ومع ذلك، يُصرّ فيشر على أنه لا يستهزئ بالموقف الطبقي، الا أنه يقع في التطرّف المُعاكس المُتمثّل في اضعاف المحتوى الطبقي للماركسية، أي أنه ينتقل الى مواقع التحريفية اليمينية.
يظهر خطر آخر من خلال التفسير الفضفاض لمفهوم الايديولوجيا ومجال توظيفها. يؤدي التفسير الفضفاض للايديولوجيا الى اضعاف المحتوى العلمي للآيديولوجيا الماركسية، وفصلها عن الواقع. نتيجةً لذلك، كل ما يتبقى من الايديولوجيا الماركسية الللينينية هو شكلها، اي المصطلحات والعبارات التي يُمكن للمرء أن يضع فيها أي محتوىً يرغبه. يؤدي تحريف النظرية العلمية ال انتهاك كامل الآلية الاجتماعية لعملها وتطورها. هذه عملية لاحظناها في العقد الماضي في الصين، حيث تم استبدال الماركسية اللينينية بالماوية نظرياً وعملياً. بدلاً من نقل أفكار الماركسية اللينينية الى الحياة، حاول الماويون وضع تلك الأفكار في خدمة طموحاتهم القومية الأنانية للهيمنة، والتي دفعتهم الى الأعمال المُغامرة في كُلٍ من السياسية الداخلية والخارجية، وفي علاقتهم مع الدول الاشتراكية الأُخرى والأحزاب الشيوعية.
كانت المُغامرة في السياسة الاقتصادية الداخلية تتم باستخدام مصطلح "القفزة". وقد تم "توثيق" سياسة تقسيم الحركة الشيوعية من خلال قانون "تقسيم المُتكامل" (من واحد الى اثنين). بينما تم تحطيم القيم الثقافية وتدمير الحزب واتحاد الشباب الشيوعي والنقابات واضطهاد المثقفين تحت تسمية "الثورة الثقافية"، التي كانت، علاوةً على ذلك "عظيمة"، وأكثر من هذا، "بروليتارية".
هذه المفاهيم، بالطبع، لا تتوافق بأي حالٍ من الأحوال مع العمليات الاجتماعية التي تُشير اليها. كما تجلّى الابتعاد عن الايديولوجيا العلمية في الاستخدام الواسع في الدعاية الخارجية والداخلية، لتلك المنهجية "الايديولوجية" التي وجد انجلز أن يوجين دوهرينغ كان يستخدمها. يكمن جوهر هذه المنهجية، كما رأينا، في جعل الواقع يتلائم من أفكار مُسبقة، وأن الواقع الوهمي يتم انشاؤه وتقديمه على أنه واقع حقيقي. يتم عرض ما يُرجى له وما هو مأمول على أنه حقيقي.
تعمل الدعاية الصينية على وجه التحديد وفقاً لتلك المنهجية. لا تتوقف القيادة الماوية وتوابعهم عن فعل أي شيء لتحريض الشعب الصيني ضد أرض السوفييت وتشويه سمعة الاتحاد السوفييتي. هذا هو هدف المبدأ: "أن نُعلِن للعالم أن الرأسمالية تمت استعادتها في الاتحاد السوفييتي وأنه يتآمر مع الامبريالية ضد الصين". يبدو أنه لا يوجد كذبة أصغر من هذه يحتاجها الماويين يُمكن أن تولّد بين الناس المشاعر المُعادية للسوفييت. ان آلة الدعاية هذه وأولئك الذين يوظفونها ليسوا مهتمين على الاطلاق بما يحدث بالفعل، وما هو الواقع، وما هي الحقائق. انها لا تهتم بالحقيقة. كل الحقائق والبيانات يتم تشويهها وتزييفها وتفسيرها بروح المبدأ المُعطى. لا تؤخذ الحُجج والبراهين المُخالفة بعين الاعتبار. هذه الآلة صماء عن كل شيء ما عدا هذا المبدأ. ونتيجةً للتكرار المستمر يبدأ الأشخاص الذين يخلقون هذا الرأي في تصديقه بأنفسهم، وينشأ خداع ذاتي خطير يُمكن أن يكون له عواقب سياسية مُحزنة. يوضّح هذا المثال في استخدام المنهج "الايديولوجي" بوضوح خطر التوظيف الذاتي والتعسفي للآيديولوجيا. من حيث المبدأ، لا تخضع الماركسية اللينينية، كايديولوجيا علمية لمثل هذا التطبيق. ان استخدام المصطلحات الطبقية، والتقييمات الآيديولوجية، وما شابه، ليس هو بحد ذاته الماركسية. بيت القصيد هو أن على تلك المصطلحات أن تكون ذات مُحتوىً علمي يتوافق مع واقع تم اختباره في الممارسة. لا تنطلق الماركسية، في تقييمها للواقع، من نقاط انطلاق قبلية، بل من الدراسة العلمية للواقع. هذا هو شرط استمرار حيويتها.
فقط من خلال الحفاظ على وحدة الحزبي والعلمي، يُمكن للآيديولوجيا الماركسية أن تؤدي وظائفها الاجتماعية بنجاح. كل نشاط لينين هو مثال حيّ على النضال من أجل تطوير وتطبيق الماركسية كايديولوجيا علمية على وجه التحديد، حيث سعى دائماً للحفاظ على الوحدة المتأصلة والمتكاملة للعلمي والحزبي فيها.

* فلاديسلاف كيله 1920-2010، فيلسوف وماركسي سوفييتي متخصص في حقل الفلسفة الاجتماعية ودكتور في الفلسفة.
تخرّج من المدرسة عام 1938، وشارك في الحرب الوطنية العُظمى.
تخرّج كيله من كلية الفلسفة في جامعة موسكو الحكومية عام 1944، وتخرّج من قسم المادية الدياليكتيكية والمادية التاريخية من نفس القسم في عام 1947. عَمِلَ منذ عام 1947 في جامعة موسكو الحكومية، وفي جامعة الصين الشعبية في بكين، ومرةً أُخرى في جامعة موسكو الحكومية. في الأعوام من 1963-1975 عَمِلَ في أكاديمية العلوم السوفييتية، ومنذ عام 1975 في معهد تاريخ علوم الطبيعة والتكنولوجيا في أكاديمية العلوم. وصار في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات نائباً لرئيس رابطة السوسيولوجيين السوفييت. قدّم عام 1964 رسالته لشهادة دكتور في الفلسفة في معهد الفلسفة التابع لأكاديمية العُلوم بعنوان: (بُنية وخصائص تطور الوعي الاجتماعي). من دراساته: (أشكال الوعي الاجتماعي) 1959، (المادية التاريخية-دراسة في نظرية المُجتمع الماركسية) بالاشتراك مع الدكتور ماتفي كوفالسون، (مسائل في فلسفة الثقافة-من خبرة التحليل المادي التاريخي) ،1984 وغيرها الكثير. ومن مقالاته: (حول تصنيف العلوم الاجتماعية) 1964، (نِسَب الحتمية والاتساق في منهجية الادراك الاجتماعي) 1983 وغيرها الكثير.

1- See Akten des XIV Internationalen Kongresses fur Philosophie, Bd. I, Vienna, 1968, pp. 495-496
2- Ibid, 468-472
3- Ibid, P458
4- Ibid., p. 464
5- Ibid., p. 465
6- ضد دوهرينغ، فريدريك انجلز، دار التقدم 1984، ص112-113
7- E. Hahn, Ideologie, Berlin, 1969, p. 82
8- الايديولوجيا الألمانية، كارل ماركس وفريدريك آنجلز، ترجمة فؤاد أيوب، دار الفارابي 2016، ص70
9- فلاديمير لينين، المختارات في 10 مجلدات، دار التقدم، موسكو، المجلد الأول، ص287
10- V. I. Lenin, Poln. sobr. soch., Vol. 1, p. 419
11- Mezhdunarodnoe Soveshchanie kommunisticheskikh i rabochikh partii. Dokumenty i materialy , Politizdat, 1969, p. 328
12- See R. Aron, L opium des intellectuels, Paris, 1968 D. Bell, The End of Ideology, New York, 1969 S. Lipset, Political Man, New York, 1960.
13- المادية ومذهب النقد التجريبي، فلاديمير لينين، دار التقدم 1981، ص399
14- K 100-letiiu so dnia rozhdeniia V. I. Lenina. Tezisy TsK KPSS, Politizdat, 1969, p. 53
15- المادية ومذهب النقد التجريبي، فلاديمير لينين، دار التقدم 1981، ص162
16- E. Fischer, Kunst und Koexistenz, Hamburg, 1966, p. 45
17- Ibid., p. 51

ترجمة لمقالة:
The Leninist Conception of Scientific Ideology and Its Critics, Soviet Studies in Philosophy, V. Zh. Kelle, 9:2, 99-120, 1970

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية