هل ما حصل في الناصرية مؤخرا، نهاية مطاف الانتفاضة؟!

احمد عبد الستار
2021 / 3 / 10

ا

الاحداث الاخيرة التي حصلت في الناصرية، والتي القت بظلالها على المشهد السياسي، والاجتماعي في المدينة، وفي عموم العراق. كانت كعادتها المتواصلة، منذ نهاية عام 2019، تطالب بالمطالب التي انطلقت على اساسها انتفاضة اكتوبر الواسعة؛ بالعمل والخدمات والقضاء على الفساد وتنظيف المدينة من (الاحزاب)...، وبعد رفع الخيم من ساحة الحبوبي، اخذت التظاهرات تنطلق كل جمعة، تطالب بالإضافة للمطالب المذكورة، بمحاسبة قتلة المتظاهرين والكشف عن مصير المخطوفين، ولاسيما قضية المختطف (سجاد العراق) الذي لم يكشف عن مصيره لحد الان. ووضع حد لمسلسل العبوات الناسفة أمام منازل قادة التظاهرات وبارزيها، والتهديدات بالتصفية، والاعتقالات، وفساد المحافظ وطاقمه الاداري، المشغولين بتأمين وتنظيم شؤونهم الخاصة، على حساب كل شأن آخر.
على اثر العناد والتصميم الكبير، والتضحيات الجسيمة، التي قدمها متظاهرو الناصرية، في المواجهة مع السلطات خلال أشهر الانتفاضة، أدركت الاخيرة بضرورة تقديم تنازلات لجماهير الناصرية، وإلا فالمواجهة ستستمر الى ملا نهاية. وما لمست من صبر وجلد شبان الانتفاضة إن معادلة السلطة، ربما ستكون في النهاية في غير صالح السلطة والطبقة البرجوازية الحاكمة. عليه لابد من تقديم تطمينات ووعود بحل ما، فيما عُرف حينها ب(قضية ذي قار)، والانتهاء من هذا (الملف) بأسرع وقت ممكن بالطرق والوعود المعهودة من سلطة معروفة بديدن الكذب.
وكان من ضمن سلسلة التنازلات والوعود المزعومة، تخصيص مجلس رئاسة الوزراء، من الموازنة العامة؛ كمية من المال قدرها (ترليون و300 مليار دينار عراقي)، لاستكمال المشاريع المتلكئة، وتحسين الواقع الخدمي المنهار، من بنى تحتية ومدارس ومشافي...الخ وبطبيعية الحال، لم يرد أي اهتمام أو ذكر للبطالة وتشغيل الخريجين وغيرها من الامور التي تهم حياة الشباب ومستقبلهم في حسابات السلطات والطبقة الحاكمة.
وكما يقول المثل الشعبي "ودّع البزون شحمة"، كمية المال هذه، بالنسبة للأحزاب الحاكمة في الناصرية، عبارة عن غنيمة يجب الاستيلاء عليها. ولأن منصب المحافظ كان يتقلده شخص مدعوم من التيار الصدري، لا يجب حسب الاحزاب والجماعات السياسية المشتركة في السلطة، أن يستأثر الصدريون لوحدهم بهذه الغنيمة. يجب أن يتحلوا بالكرم أو العدالة في توزيع هذه الكمية من المال.
استغلت الاحزاب، منوال التظاهرات الاسبوعي، من أجل الضغط على المحافظ للاستقالة، وترشيح آخر يتناسب مع متطلبات خطتهم في توزيع السلطة وغنائهما. تدخل جزء من جمهورها، وإعلامها في التظاهرات ضد المحافظ، ورد التيار الصدري، بقيادة حميد الغزي القيادي في التيار الصدري، ويشغل عدة مناصب مهمة في الحكومة المحلية والمركزية؛ مهمة الدفاع عن المحافظ. وكما قيل بين المتظاهرين، كان هو من أوعز للقوات الامنية باستخدام العنف والقوة المميتة ضد المتظاهرين، مما ادى في الجولة الاولى من موجة التظاهرات الاخيرة؛ الى مقتل احد الصبيان، وعدد من الجرحى، مما ألهب غضب المتظاهرين، واشعال فتيل تظاهرات واسعة ومواجهات عنيفة، أدت نتائجها ايضا بسقوط عدد أكبر من الضحايا، بلغ عددهم في يوم واحد 7 قتلى و250 مصاب. وكالعادة بعد كل مجزرة يتقدم مسببها بالاستقالة، ومغادرة الساحة.
وبإشارة واضحة، واعتراف من الكاظمي رئيس الوزراء، حول حقيقة ما حصل خلال التظاهرات وردود افعال الاطراف المنخرطة فيها صرح في خطبة نارية له، قائلا" لا يخفى ان هناك نوعا من التجاذب السياسي في محافظة ذي قار لذلك يجب ان نحل قضية منصب المحافظ...كان امامنا خياران اما الابقاء على الوضع نفسه او بعث رسالة طمأنينة الى المواطنين باننا جادون في البحث عن حلول ولهذا اتخذنا قرارا بإقالة المحافظ وتكليف الفريق عبد الغني الاسدي بإدارة شؤون المحافظة بشكل مؤقت لحين الاتفاق على محافظ جديد..." وأتهم جهات لم يفصح عن تسميتها بمحاولة إشغاله وحكومته وتوريطه بالدم. ولذلك على الارجح اوفد عبد الغني الاسدي، رئيس جهاز الامن الوطني. وما يحمل هذا المنصب والشخصية العسكرية، من دلالات حادة موجهة للقوى التي سببت الفوضى له ولحكومته، وهو يتوخى الهدوء واستقرار الاوضاع من اجل تهيئة الاجواء، لإجراء الانتخابات المبكرة. وبديهي لم تخلُ من إشارة للمتظاهرين والتلويح لهم بعصا أشد وجعا من عصا القوات الامنية المحلية في المدينة.
الجماهير المنتفضة منذ اكثر من عام، درجت على تقاليد شبيه ويمكن القول عنها، بأن حراكها ذو صفة انتقامية. يغلب عليها بشكل طاغي، الطابع العفوي الساحق. فهي قريبة الى حدٍ ما بالحركات العمالية في بدايات ومنتصف القرن التاسع عشر، التي استهدفت احتجاجاتها تحطيم مكائن المصانع ومعداتها وليس غير، ثم تكف منتهية وتنتظر نتائج ما بعد عملية التحطيم، دون أن تدرك ويصل وعيها الطبقي (لأسباب تاريخية) الى سبب مأساتها الحقيقي بوجود طبقة مالكة لهذه المصانع، ويجب تحطيم سلطتها السياسية والاستيلاء على مقدرات وجودها الطبقي، لا تحطيم المكائن، وحرق المصانع.
الجماهير والشبان والثائرون، قضوا على كل وجود للأحزاب الحاكمة نهائيا. فقد احرقوا مقراتها وثم هدموها وجعلوا الناصرية كما ذاع في كثير من الادبيات والمقالات " مدينة منزوعة الاحزاب"، ولم يجرؤ احد ما من منتسبي هذه الاحزاب التصريح بانتمائه لها. لم يتقدم وعيهم الى الخطوات التالية من تنظيم وتوحيد الصفوف، وبسط السيطرة على محلات المدينة وإقامة إدارة بديلة. كانت كل الاجواء والظروف مهيأة لذلك، لولا العفوية وسيادة البدائية الثورية التي لا تبلغ أي نتيجة وتدور في حلقة مفرغة. تستفيد منها الطبقات المسيطرة بخبرتها وقوتها المنظمة من العودة الى السلطة وفرض واقع الحال، بشتى الطرق، والدخول من مختلف الابواب لمواقع السلطة والسيادة الطبقية.
ومن النقمة الابدية تجاه السلطة، وعدم الثقة والاقتناع حتى بخطوة الكاظمي التهديئية. بعد تنحية المحافظ ومجيء الاسدي للناصرية، منح المتظاهرون السلطة المحلية والمركزية، (مهلة الثلاث ايام) للاستجابة لمطالبهم في الكشف عن الجهة التي اطلقت النار على المتظاهرين، تكليف محافظ مدني مستقل بموافقة شباب ساحة الحبوبي، والتحقيق بفساد المحافظ المقال ناظم الوائلي ومطالب ثانوية اخرى.
استجاب الكاظمي وإدارته، لمطالب المتظاهرين مذعناً وتاركا شأن اختيار المحافظ، بين المتظاهرين وشخصيات اجتماعية، وعشائرية، وبعض الوجوه البارزة في المجتمع، وميادين التظاهر. ليختاروا شخصيات بعد الاتفاق عليها وترشيح شخصية من بين اسمائهم، للحكومة، للمصادقة عليه.
الخطوة هذه التي اختارتها الحكومة، لاختيار مرشح لمنصب المحافظ، هي سلاح ذو حدين. من ناحية إنها تظهر الحكومة بأنها استجابت للمطالب الجماهيرية، وفي الحقيقة، تدرك المؤسسة الحكومية إن الجماهير عفوية ومنفعلة، ومشتتة القوى ولا يمكنها والحال هذا من التشتت والانفعال أن تبلغ أي نتيجة لتحقيق التوافق على منصب المحافظ؛ وهذا هو أدنى مطالبها.
والقاءات الاجتماعية، تمت بمجملها تحت هيمنة هيئات غير اجتماعية وغير جماهيرية، منها مثلا؛ عندما تم احد اللقاءات لاختيار محافظ في ديوان احد شيوخ العشائر، وهو نفسه مرشح من افراد عشيرته ومن بعض العفويين لهذا المنصب. وتسرب الكثير من جمهور الاحزاب والتيار الصدري داخل هذه اللقاءات للمناداة بأحد شخصياتها او من القريبين منهم. والاخيرون كما هو معروف عنهم، يشركون جمهورهم أين ما كان هناك وجود جماهيري.
اختير عدد من الاسماء، بطريقة كيفية تناسبا مع الفوضى السائدة في الترشيح. لم ينل احدا منهم، رضى الغالبية المتحيفة من عموم جماهير المدينة أومن متظاهريها.
لازالت نفس الدوامة متواصلة، في تكرار الاخذ والرد والنقد على الشخصيات المرشحة. رغم ما اشيع وانتقل عبر الاعلام من توافق على اختيار اسماء من قبل جماهير المتظاهرين، وظهور تسجيلات مصورة عن اللقاءات هذه. لكن في الواقع تمت العملية على عجل وبنية مبيته لاختيار مرشحين، لحسم علاج القضية ومدة الهدنة. الغالبية العظمى من جماهير المدينة الناقمين والمتظاهرين، كانوا معزولين وبعيدين عن هذا التلفيق الانتخابي. وحتى لم يتعرف احدا منهم عن المرشحين وبيان خلفياتهم الاجتماعية والسياسية، سوى ما تم تناقله عبر بعض الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، من اسماء بطريقة اقرب الى الفوضى.
الاطاحة بالمحافظ وحده لا يكفي، ولا طريقة الاختيار العشوائية هذه.
لعل من نافلة القول، التطرق الى تفاصيل معاناة العراقيين ومعاناة أهالي الناصرية، من مقدار ما تعرضت له من انتهاكات وسلب الحقوق والقمع بمختلف ضروبه من السلطات التي تعاقبت على ادارتها، وحكامها من شراذم الاحزاب الاسلامية.
مع كل الاحتجاجات الجماهيرية المتواصلة منذ ما يقارب العقدين من اجل عالم يليق بالعيش، والتضحيات الجسيمة التي تكبدها المحتجون وعلى وجه الخصوص ما حصل خلال انتفاضة اكتوبر، وتداعياتها المتفاعلة لحد اليوم. لم يتحقق شيء يستحق القول عنه، بأنه مكسب يتناسب مع عُظم التضحيات وحجم المطالب.
والسبب في كل تراجع وخيانة من الطبقة الحاكمة، يرجع بلا شك الى النقص القاتل في كل حراك جماهيري، إلى غياب التنظيم وتوحيد الصفوف الجبارة، ورسم اهداف الحركة بوضوح واطار شامل يحدد غاية النضال الاجتماعي، والقيادة المتمرسة والخبيرة بالأخذ بيد الجماهير، صوب ما تنشده وتضحي من اجله.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية