مارتن هايدغر (1889- 1976 )

غازي الصوراني
2021 / 3 / 10


فيلسوف ألماني،"أحد أبرز الفلاسفة الألمان في القرن العشرين، وأحد الوجوه البارزة، في الفلسفة الوجودية وفي الفكر الغربي المعاصر بشكل عام، وكان "له على وجه الخصوص تأثير بالغ العمق على عدد من أكبر فلاسفة النصف الثاني من القرن العشرين، على رأسهم جان بول سارتر، إضافة إلى فلاسفة ما بعد البنيوية وعلى رأسهم ميشيل فوكو وجاك دريدا"([1]).

درس في جامعة فرايبورغ تحت إشراف إدموند هوسرل مؤسس الظاهريات، ثم أصبح أستاذاً فيها عام 1928، وفي تلك المرحلة وجه اهتمامه الفلسفي إلى مشكلات الوجود والحرية والحقيقة وغيرها من المسائل.

"وفي العام (1927) نشر كتابه المؤَسِّس: "الوجود والزمان"، وضع فيه أسس نظرية عامة عن الوجود تركزت حول النوع الخاص بالانسان من الوجود، قائلا إن الوعي بالزمان هو ما يميز البشر عما يحيط بهم من "مادة" وجدوا أنفسهم وقد "طوح" بهم وسطها، وهذه حالة تتميز بالوعي القلق المتوتر، بالمستقبل، وهي حالة تجمع بين "ضرورة الاختيار" الحر، وبين الموت الحتمي الذي يعني نهاية الوجود، وقال إن الحياة الحقيقة والأصلية ممكنة إذا واجه الإنسان حقيقة الموت، ومارس حريته في الاختيار على أساس أنها "حرية الابداع" وأن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على "تصميم المشروعات وتنفيذها" ولذلك فان عليه أن يصوغ "عالم الاشياء" من حوله، على أساس أنه عالم متاح وخاضع لنشاط الابداع الانساني"([2]).

تميز هايدغر بتأثيره الكبير على المدارس الفلسفية في القرن العشرين ومن أهمها الوجودية، التأويليات، فلسفة النقض أو التفكيكية، وفلسفة ما بعد الحداثة.

"لم يكن هايدغر فيلسوف تاريخ من النوع العادي، فبفضل تفكيره في التاريخ تصور نشوء الكلمة في البداية – وبوصفه ناقداً لا سياسياً للحداثة وجذورها، كان منزلياً ذا اتساق منطقي: إذ رأى أن أشكال الحياة التي تمثلها حياة القرية وحياة المزارع والحرفي اليومية كانت أقل انحطاطاً من حياة المدينة، وحقيقية أكثر من حياة المدينة التي تتصف بالاغتراب وعدمية الجذور، وكان هايدغر مفكراً ريفياً رأى الحياة الريفية أكثر بهجة من حياة المدينة. وبدأ في طريقته ذات "التفكير الثنائي" كأنه "مفكر منزلي"، أي: من الوجهة الشعرية، يعيش البشر على سطح الأرض حيث يعتنون بمنازلهم بتفكير متأن، فهو يرى شيئاً لايزال أصلياً، وكلياً، في الوقت ذاته وفي الشيء المحلي والبارز"([3]).

ومن أهم إنجازاته أنه أعاد توجيه الفلسفة الغربية بعيداً عن الأسئلة الميتافيزيقية واللاهوتية والأسئلة الإبستمولوجية، ليطرح عوضاً عنها أسئلة نظرية الوجود (الأنطولوجيا)، وهي أسئلة تتركز أساساً على معنى الكينونة.

" تتميز الحداثة، كما يرى هيدجر، بالذاتية؛ أو بالواقعية التي تذهب إلى أن الإنسان نفسه يقوم، في العصور الحديثة، بوصفه معيار كل حقيقة وأساسها، ومن ثم فإن الحداثة هي، أيضاً، ميدان الحرية؛ لأن هيمنة الذاتية تحرر نفسها من البناء المحوري اللاهوتي للمجتمع المسيحي التقليدي، ولا يؤسس نفسه إلا على ذاته فقط، ومصدر هذه الفكرة الجديدة هو تفسير ديكارت للإنسان بانه وعي بالذات، الذي يبرهن على الاستقلال المطلق للإنسان بوصفه معيار كل الأشياء.

وفي هذا الجانب يصف هيدجر ثلاث صور من الحياة السياسية في نهاية الحداثة هي: الأمركة Americanism، والماركسية، والنازية، وكل هذه الصور هي، من وجهة نظره، صورة للذاتية وللنزعة العدمية، ومن ثم فهي ممتدة من الناحية الميتافيزيقية، وكلها تتميز بديكتاتورية العام على الخاص، وسيطرة العلم الطبيعي، وعلم الاقتصاد، والسياسة العامة، والتكنولوجيا، والأمركة ليست، من وجهة نظره، ليبرالية، أو ديمقراطية، بل هي صورة معينة من الوضعية المنطقية التي تخدم العام، والتكنولوجيا. إن حقيقة الامركة هي التركيب الصناعي، أعنى الفاعلية المحورية لتخطيط اقتصادي وتكنولوجي، ينظم عمل الإنسان العادي، ويمد قاعدته عن طريق السوق العالمية"([4]).

"والماركسية، بالمثل، ليست حزباً فقط، أو وجهة نظر عن العالم، بل هي، بالأحرى، رفع عملية الإنتاج إلى الهيمنة، والرد التابع للإنسان إلى موجود منتجاً اجتماعياً.

إن كلاً من الأمركة والماركسية –عند هايدغر- تسيئان فهم الروحانية الإنسانية من حيث إنها ذكاء (عقل) إحصائي، وتفشلان، من ثم، في ان تفهما ضرورة النظر في مسألة الوجود. والصورة الأكثر تطرفاً لهذا الطيش وعدم المبالاة هي النازية، التي تكمل الفكر الحديث وتعكسه بان تحل الغريزة محل العقل"([5]).

في هذا السياق، يتهمه كثير من الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين بمعاداة السامية أو على الأقل يلومونه على انتمائه خلال فترة معينة للحزب النازي الألماني.

ومن أبرز مؤلفاته: "الوجود والزمان" (1927)؛ "دروب مُوصَدة" (1950)؛ "ما الذي يُسَمَّى فكراً" (1954)؛ "المفاهيم الأساسية في الميتافيزيقا" (1961)؛ "نداء الحقيقة؛ في ماهية الحرية الإنسانية" (1982)؛ "نيتشه" (1983).

قالوا عنه([6]):

· "مع هايدغر تغدو الفينومينولوجيا لحين من الزمن مركز الاهتمام الفلسفي للمثقفين الألمان، لكنها تغدو أيضاً إيديولوجيا برسم المذهب الفردي وضائقته في المرحلة الأمبريالية (جورج لوكاتش).

· "لدى هايدغر نلقى التعبير الأكثر حدة عن بلبلة العالم في فترة ما بين الحربين، فبين سماء خاوية وأرض تضرب فيها الفوضى أطنابها، تتبدى حياة الإنسان بلا منظور، بلا مخرج، وما كان موقفاً لأمة معينة ولطبقة معينة من هذه الأمة في لحظة معينة من الأزمة، يجعل منه هايدغر هو الشرط الانساني، والعلامة الفارقة المأساوية لكل وجود" (روجيه غارودي).

· "لا شيء مما أحاوله كان سيكون ممكناً لولا افتتاح المسائل الهايدغرية .. وقبل كل شيء لولا التنبه إلى ما يسميه هايدغر الفارق بين الوجود والموجود" (جاك دريدا).

· "منذ القرن الثامن عشر والخيار البديل عن الأزمة يكمن في فضائل النقد، والنقد يعارض أيضاً الميتافيزيقا، ومن كانط إلى هوسرل لا يزال يلعب في الفلسفة الدور التعييني عينه الذي لعبه في المسرح، من شيلر إلى بريخت: فهو يميز، في الصراع بين مختلف الأطراف، بين الحقيقة والشبهة الخالصة. والحال أن ما يستند اليه هايدغر في مواجهة الأزمة، والمفهوم الذي يعارض به الميتافيزيقا، ليس هو النقد، بل الأسطورة" (يورغن هابرماس).




([1]) سامى خشبة – مفكرون من عصرنا – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة - 2008– ص 900

([2]) المرجع نفسه– ص 900

([3]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي .. من اليونان القديمة إلى القرن العشرين – ترجمة: د.حيدر حاج إسماعيل – مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى ، بيروت، نيسان (ابريل) 2012 - ص 937

([4]) ميكل جلسباى – مقال بعنوان: مارتن هدجر - تاريخ الفلسفة السياسية (مجموعة مؤلفين)- تحرير: ليوشتراوس و جوزيف كروبسي – ترجمة: محمود سيد أحمد – المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة – الجزء الثاني- 2005 – ص599 - 600

([5]) المرجع نفسه - ص 600

([6]) جورج طرابيشي – معجم الفلاسفة – دار الطليعة – بيروت – ط1 – أيار (مايو) 1987.– ص 695

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول