قبضات الفقراء وغضبهم في مواجهة أولاد الأفاعي من أحزاب السلطة

حسن خليل غريب
2021 / 3 / 10

كما في السابق أتابع يومياً أحداث المواجهة بين الكتل الشعبية في لبنان وأحزاب السلطة لكي أكتب عن المأساة اللبنانية بما يتناسب مع متغيرات الحدث الجديد. ولكنني في الأشهر القليلة الماضية لم أستطع أن أجد ما أكتب عنه، فقد بُحَّ صوت القلم، واسودت الأوراق أمامي، فلملمت الكلمات ودفنتها في أعماق وجداني خجلاً أمام الفقراء الذين يناجون رغيف الخبز. ورحت أسمع أنين أطفالهم الجياع الذين يئنون تحت وطأة غياب الرغيف وهجرته إلى البعيد البعيد. الرغيف الذي تحول إلى سراب تعجز رمال صحراء لبنان القاحلة أن تترجمه إلى حقيقة تطمئن إليها بطون الأطفال.
إن إسطوانة الحقوق المهدورة والكلام عنها، أصبحت مشروخة. وما أكثر تلك الحقوق. فهي تبدأ بالقضاء على الفساد، وتوفير الرغيف النظيف من إراقة ماء وجه الشرفاء، ولا تنتهي عند حدود عمليات الاحتيال والابتزاز المتبادل لتشكيل الحكومات وتوزيع المقاعد حصصاً على موائد اللئام من أمراء أحزاب السلطة، وكل ذلك للتعمية على حجم سرقاتهم وإخفاء حقائقها. لقد بات إخفاء مطالب الإصلاح، وتجاهل القضاء على الفساد، عملة سهلة، تتجاهلها عيون أمراء أحزاب السلطة الوقحة بحيث تنكر وجودها، وإن أقرَّت بها، يتبارون في إلقاء التهمة على الآخرين منهم. وبلغت الوقاحة درجة أن بعض الأحزاب منهم راح يلقي المسؤولية على الفقراء الذين أدركوا حقيقة انتشار أوساخ الحاكمين في السرقة والنهب، أولئك الفقراء أقسموا أنهم لن يتراجعوا عن الكشف عن كل ملفات تلك الأحزاب الحاكمة، الضعيف منهم والأكثر قوة.
لقد هرب الخجل من عيونهم خجلاً من عيوبهم وجرائمهم وفسادهم ولصوصيتهم وكذبهم ودجلهم ونفاقهم. تلك العيون الوقحة التي تزعم أنها تحمي طوائفها من غيلان الطوائف الأخرى. وهم الذين أكلوا أخضر طوائفهم ويباسها، ولم يتركوا رغيفاً من خبز فقرائهم إلاَّ والتهموه، ولم يتركوا دمعة في عيون فقرائهم إلاَّ وجمعوها في قوارير ليطفئوا بها كؤوس الخمر التي يترعونها صباحاً وظهراً ومساء، بل في كل لحظة من نهاراتهم البيضاء، وفي كل لحظة من لحظات الفقراء السوداء.
أولاد الأفاعي هم، بل أولاد الشياطين والزنى، يصرون على الكذب والدجل. والأشد مرارة أنهم يجدون من يصفق لهم من أولئك الفقراء ويفدونهم بـ(الدم والروح)، ويقاتلون من أجل حماية (قداسة) أولئك العاهرين والدجالين وغلاظ القلوب. وأسفاه على شعبي من الفقراء الذين يجوعون ويركعون ويستسلمون أمام جلاديهم، ويطلبون عين الرضا والبركات منهم.
لم تعد تنفع الكلمات في عصر أمراء من الدجالين واللصوص، وحتى كل الأوصاف الجارحة لم تعد تستطيع أن تخدش ظفراً من أظافرهم. وكل ذلك، لأنهم فعلوا، ويفعلون، وسيفعلون، ما لم يفعله كل أولاد العواهر في التاريخ.
والله إن مخاطبتهم بالعودة إلى ضمائرهم، لم تجدي، وهي لا تجدي، ولن تجدي بعد الآن، فقد مات الضمير فيهم، وقست الأفئدة، وطلَّقوا الوجدان، فعلى من يقرأ داوود مزاميره، وماذا تنفع آهات هدهده؟!
لا قداسة تنفع بعد الآن، ولا كلمات المناشدة المهذَّبة، ولم يعد ينفع انتظار صحوة ضمير منهم. وأصبح شعار (يا طالب الدبس من ط النمس) هو الشعار الذي يليق بهم وبمقامات فخاماتهم ودولتهم وسعاداتهم وسياداتهم، وبكل أذنابهم وذيولهم والمصفقين لهم والمطبلين من رجال المؤسسات الدينية المدافعين والمنافحين عن جرائمهم وسطوهم على رغيف الفقراء، الذي (لا يستطيع حتى الله أن يظهر أمامهم إلاَّ يصورته) كما قال غاندي.
لقد جفَّ قلمي وتاهت كلماتي وطلقت دموعي، فأنا لن أكتب بعد الآن بعقلانية أمام من فقدوا الضمير الوطني والقومي والأخلاقي والإنساني والديني، بل سأهتف مع الفقراء وفي صفوف الجياع والمرضى، في البيت وفي الشارع وفي الساحات وعلى الأرصفة، أن رغيف الخبز هو المقدس الوحيد الذي أتوجه إليه في هتافي وفي صلاتي وفي مناجاتي، وأن أقول: إن من يمنعه عن الفقراء هو عدو لله وللإنسانية والأخلاق. وأعتبر أن من سدَّ أذنيه عن سماع صراخ الجياع، ودعاهم إلى الصبر على الأذى اللاحق بحقوقهم هو من الأبالسة والشياطين، ولا يمتون بصلة إلى الإنسانية والدين.
لا يكفي يا قيادات الطوائف، والممتصين لعرق أبناء طوائفهم والآكلين رغيف فقرائهم، أن ترشوا بعضاً من أزلامكم ببعض من فتات ما تزعمون أنها صدقات، بل تؤلبون أزلامكم ضد من رفض الاستزلام لكم. بل إنها شهادة عليكم، وليست لكم، بأنكم بعيدين عن الإيمان بالوطنية، والدين، بل وبالإنسانية أيضاَ، لأن الأخلاق الوطنية والإنسانية تأبى أن يأكل البعض من أبناء الطوائف، أو أن يأكل بعض أبناء الوطن، ويموت البعض الآخر جوعاً.
أيها الفقراء، ليس للفقر ديناً أو طائفة. وليس من بين أمراء طوائفكم من هو أفضل من الآخر. أنزلوا إلى الشوارع، والساحات، وأقل الإيمان أن تدعوا للثائرين بالثبات. فقد أمر الله أن تتساووا بالحقوق، والواجبات. كما أمركم، بألاَّ يُتخم بعضكم من الشبع، ويجوع البعض منكم حتى الموت. إن الله لم يرزق من يشاء من دون حساب، ويفقر من يشاء حتى يتذوَّق مرارة الموت جوعاً. إن الله لم يأمر أحداً بالصبر على الفقر واعداً الصابرين بالجنة. بل أمرهم بأن يثوروا في وجه الذين يكدسون الذهب والفضة، فكيف يكون الأمر بمن بسرق أموالكم ولقمة عيش أطفالكم؟ لا بل إن الله أمر أولي الأمر منكم بأن يقودوا الخراف إلى المراعي لا أن يجزوا صوفها. إن الله أمركم بأن تجهروا بـ(كلمة حق في وجه ظالم). إن الله قال: (تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب...). وقال أيضاً: (يا أولاد الافاعي، أدخلوا إلى حجوركم قبل أن يأتي عليكم طوفان الحقيقة!).
وإذا كان توبيخ إبي لهب وأولاد الأفاعي، لن يجدي نفعاً، لأنهم يدرون ما يفعلون، يبقى الأمل في تذكير الذين نزلوا إلى الساحات والشوارع، أولئك الشرفاء، بأن قِلَّة مؤمنة بحقوقها لا بُدَّ من أن تفجِّر طوفان الحقيقة في وجه من يتاجر بالسياسة والاقتصاد والدين.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية