لبنان : نهاية الإمارة (5)

خليل قانصوه
2021 / 3 / 9

يحار المرء في أمر السجال الدائر في لبنان حاليا ، و هو بالمناسبة متكرر، بين الذين يريدون تدويل البلاد و إخضاعها لأحكام البند السابع ، كوسيلة لإخراجها من الأزمة الخانقة ، و الذين يطالبون بعقد مؤتمر دولي يعيد رسم خريطة البلاد و صياغة قانونها الأساسي ، و يحدد النهج الذي تتبعه في إطار نظام يجمع بين ديمقراطية توافقية طوائفية ، و إدارة ذاتية لكل طائفة ، بما يتلاءم مع التزام الحياد حيال القضية الفلسطينية و الدولة الصهيونية و المنازعة على موقع البلاد الاستراتيجي و ثرواتها الطبيعية .
مجمل القول أن الدعاة إلى المؤتمر الدولي يريدون في الواقع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ، إلى 1916 تاريخ توقيع اتفاقية سايكس ـ بيكو أو ماقبله ، أو إلى مؤتمر فرساي 1919 الذي انعقد بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ، لتعديل تقسيمات وضعها مؤتمر دولي قديم بواسطة مؤتمر دولي جديد . هذا بالمناسبة اعتراف ضمني بوصاية الدول الغربية على البلاد
ووضعا للأمور في نصابها الصحيح ، إن أذرع هذه الدول ما تزال حاضرة و فاعلة في دولة لبنان الكبير منذ إنشائها في سنة 1920 و حتى الآن . و لا بد من القول أن الاضطرابات كانت تتفجر في كل مرة كان فريق من السكان يحاولون مد أيديهم إلى الجيران السوريين أو الفلسطينيين ، و خاصة المصريين ، عندما كانوا يشعرون بخطر داهم يتهدد نتيجة تمادي الولايات المتحدة الأميركية في العبث بأوضاع لبنان و سورية و العراق ، كما هي الحال منذ سنوات 1970 . فلا جدال في أن ذلك حدث أيضا في سنوات 1950 و 1960
لم ُيترك في سنة 1970 امام فصائل منظمة التحرير الفلسطينية المطرودة من الأردن مكان تتراجع إليه غير لبنان . فكان طبيعيا أن تلقى دعما و تشجيعا من جانب الحركات و الأحزاب السياسية الوطنية بالإضافة إلى تضامن الأوساط الشعبية عاطفيا معها إما باسم الانتماء العربي و إما باسم الانتماء بالدين .
أعتقد أنه يجب ألا يغيب عن الذهن أن للكارثة التي حلت بالفلسطينيين صدى يتردد في لاوعي كل إنسان يحيا في لبنان . الأمر الذي يفرض علينا دائما تقييم العلاقة بين اللبنانيين و الفلسطينيين من خلال هذا المشترك بينهم ، و ليس من خلال المرض الذي يتوارثه الناس في الحركات و المنظمات السياسية ، حيث تبدأ المنازعة عادة فيما بين قياداتها على اقتسام الأوسمة والمغانم عند أول نجاح في التقدم خطوة واحدة نحو الهدف المنشود بالرغم من أنه موجود على بعد ألف ميل ! .
من المعروف أن توافد الفلسطينيين المندحرين في الأردن إلى لبنان ترافق مع حملات تحريض متصاعدة ضدهم و صولا إلى الحرب في 1975 التي مهدت كما لا يخفى ، للغزو الإسرائيلي في سنة 1982 و لاندحارهم مرة ثالثة .
على الأرجح أن ما يجري في لبنان منذ 2005 يحاكي إلى درجة ما ، مشهد سنوات 1970 ، عندما أشعلت أذرع الولايات المتحدة الأميركية و الدولة الصهيونية وحلفائهم من الدول الأوروبية الحرب تحت حجة واهية هي قطع الذراع الفلسطيني في لبنان . إن وجود هذه الذراع كان ذريعة للوصول إلى أهداف أخرى ، يضيق هذا الموضع عن الدخول في تفاصيلها ، لذا نكتفي بالقول أن الدليل على ذلك هو أن الفصائل الفلسطينية انسحبت من بيروت في آب 1982 في حين أن احتلال الأراضي اللبنانية استمر ، بما هو احتلال منطقة لبنانية و احتلال سكانها ،حتى سنة 2000.
ينبني عليه أن أصل المشكلة الحالية في لبنان يرجع في تقديري إلى سنوات احتلال القوات الإسرائيلية لجنوب لبنان ، و تحديدا إلى ظهور مقاومة ضده بدعم وتوجيه من سورية وإيران ، لا سيما أن عمل هذه المقاومة لم يتوقف بعد التحرير و انسحاب قوات الاحتلال ، بل تزايد نشاطا توازيا مع انساع بقعة الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي بحيث شمل كامل المنطقة العربية بدءا من العراق .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي