لودفيغ فتغنشتاين (1889 - 1951)

غازي الصوراني
2021 / 3 / 9

فيلسوف نمساوي، رائد "الفلسفة التحليلية" الحديثة، وأحد أهم فلاسفة القرن العشرين، ولد في فيينا بالنمسا، ودرس بجامعة كمبردج بإنجلترا وعمل بالتدريس هناك، وحصل على الجنسية البريطانية، وفي تلك المرحلة نمت بينه وبين أستاذه برتراند راسل صداقة عميقة ورِفْقة فلسفية ثمينة، أثمرت ثمراً وفيراً في مضمار الفلسفة التحليلية.
يعتبر لودفيغ فتغنشتاين "من أشهر الأسماء في الفكر الفلسفي في القرن العشرين رغم قلة عدد أعماله – نسبياً- ورغم قصر المدة التي كرسها للفلسفة من حياته، نشر عام 1921 كتاباً تحت عنوان: "بحوث منطقية- فلسفية"، وتُرجم في العام التالي إلى الإنجليزية، وهو الكتاب الوحيد الذي نشره فيتجنشتاين في حياته.
نشر تلامذته بعد موته عدة كتب مهمة هي: "استقصاءات فلسفية" ثم "ملاحظات حول أسس الرياضيات" ثم "الكتب الزرقاء والكتب البنية" وهي مجموعات من الملاحظات والأفكار والفقرات تدور كلها حول اللغة وعلاقتها بالتفكير والمنطق وقضية الاتصال (نقل الأفكار والمعلومات) ثم: "فلسفة النحو اللغوي"([1]).
يقول جورج طرابيشي "كان غريباً المصير الذي عرفه نتاجه: ففتغنشتاين لم ينشر في حياته سوى مؤلف واحد باللاتينية بعنوان "البحوث المنطقية – الفلسفية"، أما مباحثه الفلسفية الأخرى فلم تنشر إلا بعد وفاته: محاضرة في الأخلاق (1965)، وكان ألقاها بالانكليزية سنة 1929؛ ملاحظات فلسفية (1964)، وكان كتبها بالألمانية في عامي 1929 و1930؛ مباحث فلسفية (1953 –1958)؛ ملاحظات حول أسس الرياضيات (بالانكليزية، 1958)، وهو عبارة عن مذكرات كان أملاها فتغنشتاين بالانجليزية"([2]).
وقد "حظي بالتقدير بفضل كتابيه "رسالة منطقية فلسفية" وتحقيقات فلسفية، عمل في المقام الأول في أسس المنطق، والفلسفة والرياضيات، وفلسفة الذهن، وفلسفة اللغة.
فتغنشتاين واللغة – اللعبة :
اللغة عند فتغنشتاين هي الطريق إلى المعرفة باعتبارها وسيلة لفهم تكوين المعنى في الخطاب. ونظراً لعلاقة التضمن أو التوازي بين اللغة والتفكير، فلا سبيل إلى فلسفة التفكير والمعرفة والفهم دون اللغة، إذ أن "كل شيء يحدث داخل اللغة".
تقول د. يمنى طريف الخولي "إن فتغنشتاين تميز بوصفه صاحب الأثر الواسع والعميق في صبغ فلسفة القرن العشرين بالصبغة المنطقية، تقنيناً وتنضيداً للغة، وإحكاماً وضبطاً للتفكير بواسطة قصر اللغة على صياغة العبارات التجريبية والعلاقات المنطقية، إذ أنه يمثل نقطة التقاء الخطوط السابقة، المد التجريبي والمنطق الرياضي كعصب الفلسفة، وكيف يتبوأ تلاقيهما معاً وتفاعلهما في التجريبية وهي تتمنطق في شكل فلسفة للغة، فقد كان فتغنشتاين نموذجا لفئة الفيلسوف / المنطقي، بل هو حاد في الاتسام بالسمة المنطقية، الفلسفة في عرفه إما هي منطقية وإما أنها لا شيء وقول فارغ يخلو من المعنى أو الجدوى"([3]).
ففي كتابه "الرسالة المنطقية الفلسفية"، أوضح فتغنشتاين "أن المنطق ما هو إلا صورة للفكر كما يتمثل في اللغة، إذن فالمنطق ما هو إلا صورة للغة، وكل ما يمكن التفكير فيه يمكن التعبير عنه بوضوح، يقول فتغنشتاين:
"تهدف الفلسفة إلى التوضيح المنطقي للأفكار، وليست الفلسفة عِلماً إنما هي نشاط، حصيلة الفلسفة ليست عبارات فلسفية، وإنما توضيح للعبارات، يجب أن تعمل الفلسفة على توضيح الأفكار وتحديدها تحديدا قاطعا، وإلا ظلت تلك الأفكار مبهمة وغامضة". فقد كشفت "الرسالة المنطقية الفلسفية" عن المفاهيم عميقة الجذور المشتركة بين اللغة والعالم، وطبيعة الصورة المنطقية والضرورة والصدق وما إليه من زوايا منطقية محورية"([4]).
فتغنشتاين والفلسفة التحليلية كممارسة:
يمكن تقسيم "فلسفة" فيتغنشتاين إلى مرحلتين رئيسيتين، المرحلة الأولى تمثلت في كتابه الكبير الأول: "بحوث منطقية / فلسفية" وفيها عالج اللغة بوصفها تصويراً للعالم المادى، والمرحلة الثانية تمثلت أساساً في كتابي: "الاستقصاءات" و: "فلسفة النحو" وفيهما عالج اللغة بوصفها أداة للتعبير عن مجموع الفرضيات – والصور- والمعاني، بعد أن تتحول في الذهن إلى رموز من ناحية وإلى بناء منطقى من ناحية أخرى، وتخضع – أخيراً- للمواضعات الاجتماعية والتاريخية وللخصائص الثقافية الخاصة – التي تكتسبها رموز اللغة نفسها من ناحية ثالثة.
نظر فيتغنشتاين إلى الفلسفة بوصفها: "نشاطاً عملياً وليست نظرية"، ولذلك فقد انشغل كفيلسوف بالتحليل العملي للغة بوصفها أكثر نشاط يمثل عقل الإنسان كما يعكس كلاً من علاقته بالعالم، وتأثره بالعالم وتأثيره فيه"([5])، ولذلك تظهر الفلسفة التحليليه بشكل بارز في تفكير فتغنشتاين، الذي يقول "إن العالم هو: مجموع الحقائق، وليست الأشياء".
في عرضهما لفلسفة فتغنشتاين، يرى مؤلفا "تاريخ الفكر الغربي" أنه "بقدر ما برهن التمييز بين الجُمَل التي يمكن تكذيبها مبدأياً، والجمل التي لا يمكن تكذيبها مبدأياً، أنه لا يعمل كمعيار كافٍ للتمييز بين المعنى المعرفي واللامعنى المعرفي، وبالتالي، نشأ سؤال يتعلق بكيفية تمييزنا بين ما له معنى وما ليس له معنى، فقدمت مدرسة فلسفية أنجلو – أميركية جواباً عن ذلك السؤال تلقت وحيها فيه من الكتابات الأخيرة للودفيغ فتغنشتاين، هذه المدرسة المسماة الفلسفة التحليلية انطلقت من تحليل اللغة اليومية كما تعمل في استعمالاتها المختلفة – أي إن الفلسفة التحليلية تجاوزت تحليل الجُمَل ذات المحتوى الوصفي، نعني: أن العبارات اللغوية لها معنى عندما تكون في الاستعمال العام، ويجب فهم اللامعنى بأنه انقطاع عن الاستعمال اللغوي العام"([6]).
وباختصار "يمكن القول إن الفلسفة التحليلية ترفض الأطروحة التي تقول بعلاقة التطابق بين اللغة والواقع، وبالتالي وجود لغة خاصة واحدة هي اللغة الصحيحة بشكل رئيسي، وهي: لغة العلوم الطبيعة. فالفلسفة التحليلية تؤكد أن الكلمات والجمل لها أشكال متنوعة من الوظائف المختلفة. والكلمات "خمس تفاحات حمراء"، على سبيل المثال، لها معنى يختلف باختلاف السياق. فمثلاً، إذا نطق بها في دكان بقالة خضروات فإن الكلمات تفيد طلب شراء، وإذا لفظها تلميذ في صف رياضيات فقد تعبر الكلمات عن الجواب الصحيح لحساب. وبالمثل يمكننا القول إن قطعة الخشب ذاتها يمكن أن تكون قطعتين مختلفتين حسبما تستعمل في لعبة الشطرنج (كبيدق قليل الشأن) أو في لعبة الداما (كحجر الداما). فالسؤال عن نوع القطعة لا يمكن الإجابة عنه إلا بالرجوع إلى اللعبة التي تستعمل فيها القطعة. لذا، فإن للكلمة نفسها معاني مختلفة في سياقات مختلفة، والسؤال عن معنى الكلمة لا يجاب عنه إلا بالإشارة إلى الطريقة الحسية العملية التي بها تستعمل. إما إذا نظر إلى الكلمات والجمل وهي في حالات الانعزال، فلن يكون لها سوى معان خفية. ولا يكون لها معنى واقعي إلا عندما توضع في سياق معين. وهكذا، يمكننا القول إن الاستعمال يعرف المعنى. ولما كان يمكن وضع الكلمة أو الجملة في سياقات عديدة، فإن للكلمة أو الجملة معان كثيرة. لذلك لا وجود لعلاقة تطابق بين اللغة والواقع، ولا وجود للغة واحدة صحيحة. "اللغة العلمية" تعطي صورة عن العالم كما هو في الواقع"([7]).
الفلسفة التحليلية لا تجاهد "للتشخيص" وحسب، وإنما "للعلاج" أيضاً: إنها تسعى لتوفير "علاج نفسي" لحالة الفوضى اللغوية التي سببتها إساءة استعمالنا للغة العادية. وبالنسبة إلى الفلاسفة التحليليين، مثل فتغنشتاين "قصدت المسائل الميتافيزيقية الكلاسيكية بخاصة بتلك المعالجة النفسية، والنظرة إلى الفلسفة بوصفها علاجاً نفسياً تحتوي على ميل معاد للميتافيزيقا، وإلى هذا الحد يتفق الفلاسفة التحليليون مع التجريبيين – الحسيين المنطقيين، وعندما يعتبر فلاسفة تحليليون مثل فتغنشتاين، الفلسفة ممارسة علاجية نفسية، فإنهم يعتقدون أيضاً أن الفلسفة لا توفر أجوبة عن شكل أطروحات ووجهات نظر، فالفلسفة، كعلاج نفسي، تعني أنه يجب فهم الفلسفة بأنها ممارسة ونشاط يحل العقد (الفكرية) اللغوية من دون ان تدعي أي شيء. وهنا نجد قرابة معينة مع الطريقة السقراطية"([8]).
في هذا الجانب، يقول المفكر الراحل صادق العظم "لو طلب مني أن أضع عنواناً عاماً لمشروع فتغنشتاين الفلسفي لاقترحت التالي: "نقد العقل اللغوي المحض" بالمعنى الكنطي الدقيق للعبارة، أقول ذلك لان بنية اللغة القائمة حلت عند فتغنشتاين محل بنية الذات المتعالية عند كنط وأخذت تقوم بوظائفها كاملة. وكما أن كنط أراد في كتابه الشهير تعيين الحدود التي لا يمكن للعقل العلمي الوقائعي الخالص أن يتجاوزها دون الوقوع في الكلام الميتافيزيقي الفارغ عن طبيعة الأشياء كما هي في ذاتها (العالم الخارجي) فإن فتغنشتاين بَيَّنَ في مقدمة "التراكتاتوس" ان هدفه هو تعيين حدود اللغة الوقائعية الخالصة التي لا يمكن للكلام أن يتجاوزها دون الوقوع في اللغو الميتافيزيقي الفارغ أيضاً عن طبيعة الأشياء، وكماأن الوقائع التي يتعامل معها العقل العلمي الخالص عند كنط هي في حقيقتها من صنع الذات المتعالية وإنتاجها، فإن الوقائع التي يتعالمل معها العقل اللغوي الخالص عند فتغنشتاين هي من صنع بنية اللغة السائدة ومن إنتاج تواضعاتها وإصطلاحاتها وقواعدها كما تم الاتفاق عليها بين أصحابها، وكما أن تجاوز "الوقائع الظواهرية" التي انتجتها الذات المتعالية عند كنط إلى الكلام عن طبيعة الأشياء في ذاتها هو الخطأ الفلسفي الميتافيزيقي المميت بعينه، فإن تجاوز "الوقائع الخطابوية" التي انتجتها تواضعات اللغة السائدة إلى الكلام عن طبيعة الأشياء غير اللغوية وكما هي في ذاتها، هو الخطأ الفلسفي الميتافيزيقي المميت بعينه عند فتغنشتاين أيضاً"([9]).
وكما أن كانط أراد تعيين هذه الحدود، كي يفسح مجالاً للإيمان والدين والأخلاق والجمال بإخراجها كلها من حيز الطبيعة والمجتمع والتاريخ، وإدخالها في حيز الذات والحرية والروح، فإن فتغنشتاين أراد تعيين هذه  الحدود أيضاً لتحقيق الأغراض ذاتها تماماً،  بعبارة أخرى نحن في حضرة المشروع الفلسفي المثالي السكوني قبل الهيجلي في طبعته "اللغوية" الأكثر معاصرة وتقنية ولمعاناً حيث أصبحنا حبيسي "الدائرة اللغوية المسحورة" بعد حلول ميتافيزيقا اللغة التواضعية وابستمولوجيتها ومنطقها محل ميتافيزيقا الذات المتعالية وابستمولجيتها ومنطقها، وعلى هذا النحو نكون قد ضَمَنَّا في وقت واحد تقنية الفلسفة ودقتها التحليلية من ناحية وروحانيتها ومثاليتها من ناحية ثانية"([10]).
فمن المعروف -كما يضيف د. العظم- "أن طريقة فتغنشتاين المفضلة في شرح فكرته هي القول: إن اللغة ليست إلا مجموعة من "اللعب" حيث تحمل كل واحدة منها قوانينها الداخلية المتفق عليها، وقواعدها الخاصة المتواضع عليها ويكمن الخطأ كل الخطأ في تجاوز قواعد اللعبة اللغوية التي نكون منهمكين فيها أو خرقها، من هنا إصراره على تشبيه اللغة عموماً بلعبة الشطرنج ، يعني هذا أن مصدر الخطأ الفلسفي الميتافيزيقي يكمن كله في تجاوز قواعد اللعبة التي نلعبها أو إهمالها أو خرقها أو الخلط بينها وبين قواعد لعبة أخرى، كما يعني أن وظيفة الفيلسوف الحقيقية هي في تأدية دور الحارس الأمين على تلك القواعد والتواضعات بتنبيه كل من يُخِلْ بها (والفلاسفة بصورة خاصة) إلى ضرورة العودة إلى التقيد بها وإلا عَرَّضَ نفسه إلى اللغو الميتافيزيقي واللا معنى"([11]).
وفاته: اكتشف فتغنشتاين أنه مصاب بسرطان البروستاتا سنة 1949م، وتوفي بكمبردج بعد 3 أيام من احتفاله بعيد ميلاده الستين،أي يوم 29 نيسان/أبريل، سنة 1951.
قالوا عنه([12]):
·        "لقد أثر فتغنشتاين وهيمن حقاً على كل الفلسفة الانكلو–ساكسونية المعاصرة، ففكره سبق أو واكب معظم المحاولات التي يعتد بها في تطور التحليل منذ أربعين سنة" (دينيس زاسلاسكي).
·        "لقد انطلق فتغنشتاين من ذرية راسل المنطقية ليؤكد أن للمنطق طابعاً حشوياً صرفاً: فهو تحصيل للحاصل، ولا يدل على شيء، والاحكام المنطقية فارغة، ولا يمكن أن تعطينا أي إيضاح عن الواقع، والفلسفة لا يمكن أن تكون مذهباً، فهي مجرد فاعلية". (إ. م. بوشنسكي).
 
 


([1]) سامى خشبة – مفكرون من عصرنا – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة - 2008– ص 618-619
([2])  جورج طرابيشي – معجم الفلاسفة – دار الطليعة – بيروت – ط1 – أيار (مايو) 1987.– ص 455-456
([3]) د. يمنى طريف الخولي – فلسفة العلم في القرن العشرين – عالم المعرفة – العدد 264 – ديسمبر 2000 – ص 264
([4]) المرجع نفسه – ص 265
([5]) سامى خشبة – مرجع سبق ذكره - مفكرون من عصرنا – ص 618-619
([6]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي .. من اليونان القديمة إلى القرن العشرين – ترجمة: د.حيدر حاج إسماعيل – مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى ، بيروت، نيسان (ابريل) 2012- ص 897
([7]) المرجع نفسه - ص 897
([8]) المرجع نفسه - ص 901
([9])د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –– ص504
([10]) المرجع نفسه –ص 504
([11]) المرجع نفسه - ص 506
([12]) جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره –معجم الفلاسفة – ص 455-456

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول