الانتخابات الفلسطينية والبحث عن طريق ثالث

نهاد ابو غوش
2021 / 3 / 9

نهاد أبو غوش

تمر الأيام مسرعة، بينما تمضي القوى السياسية الفلسطينية ببطء وتثاقل نحو موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 22 أيار المقبل، من دون أن تتضح خريطة التحالفات والائتلافات، ولا حتى الانقسامات والانشقاقات للقوى المشاركة في الانتخابات، لا بل ثمة من يشكك في إجراء الانتخابات من الأصل.
ومن أسباب التشكيك، تأخر إعلان الرئيس محمود عباس عن تشكيل محكمة الانتخابات حتى مطلع آذار، وإحالة عدد من قضايا الخلاف المهمة إلى اجتماع ثان للحوار مقرر في منتصف آذار لكن أمر انعقاده لم يحسم بعد وسط تضارب في التصريحات بين قائل بعقده في موعده أو تأجيله.
بين لقاءات جبريل الرجوب أمين سر حركة فتح، وصالح العاروري نائب رئيس حركة حماس وتفاهماتهما في استانبول مطلع تموز الماضي، وحتى اجتماعات الحوار في القاهرة، وما بينهما من جلسات ولقاءات في أكثر من عاصمة. وقعت تطورات كثيرة أبرزها صدور المراسيم الرئاسية بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وانتخابات المجلس الوطني على التوالي. في البداية بلغ التفاؤل مبلغه، وتسربت أنباء عن قائمة بين حركتي وفتح حماس ومن يرغب من باقي الفصائل. ولكن أمام غرابة الفكرة والمعارضة التي جوبهت بها، جرى التراجع عنها سريعا، من دون استبعاد أن يبادر الطرفان ذاتيا إلى وضع سقف لرغبتهما في السيطرة والاكتساح، وذلك بحسب رغبة أفصحت عنها المخابرات المصرية التي رعت الحوار بأن لا تزيد حصة فتح عن 50 في المائة ، وحماس عن 40 في المائة من أعضاء التشريعي وعددهم 132 عضوا، يشكلون "غرفة الداخل" من المجلس الوطني الفلسطيني على أن تترك نسبة العشرة في المائة لبقية الفصائل.
ثمة إذن مساحة لتمثيل قوى أخرى غير القوتين اللتين هيمنتا على ساحة السياسة الفلسطينية، وكانتا عنوانا للصراع الدموي، ولكل منهما سلطة: واحدة في الضفة تقودها فتح، وثانية في غزة بقيادة حماس. وتشير معظم استطلاعات الرأي إلى وجود ما بين 20 إلى 25 في المائة من الجمهور الفلسطيني لا يؤيدون أيا من الحركتين، فيميلون إلى بعض أحزاب وفصائل اليسار، أو القوى الإسلامية أو العلمانية الأخرى، بينما تظهر نسبة مهمة رأيا سلبيا تجاه كل الأطراف القائمة، وقد تقاطع هذه الانتخابات إذا لم تجد بدائل مقنعة.
ومن بين الأطراف المشاركة في حوار القاهرة، انفردت حركة الجهاد الإسلامي بإعلانها رفض المشاركة في الانتخابات من دون أن تسعى إلى تعطيلها، بحجة أن الانتخابات تجري تحت سقف اتفاق أوسلو، بينما اتخذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قرار المشاركة بصعوبة، وكان واضحا الدعم الحاسم الذي قدمه الأمين العام للجبهة أحمد سعدات المعتقل منذ العام 2003 لهذا الخيار.
البحث عن طريق ثالث يكسر حدة الاستقطاب الثنائي الحاد، بين فتح وحماس، اجتذب مروحة واسعة من القوى والأطراف والتشكيلات المتباينة في أصولها ومنطلقاتها، ومن بين هذه الأطراف من قرر الخروج من تحت عباءة فتح، وضد قرارات الرئيس عباس في ضوء تصميمه على التجديد الشامل، ومنع أعضاء اللجنة المركزية والوزراء والمحافظين وأصحاب الرتب العسكرية العليا والنواب السابقين من ترشيح أنفسهم والتهديد بفصل من يخرق قرارات الحركة.
ومن ابرز الساعين لاحتلال مساحة مؤثرة تيار القيادي السابق في حركة فتح محمد دحلان، الذي يطلق عليه "تيار الإصلاح الديمقراطي"، وهو يحظى بقوة ونفوذ ملحوظين إلى جانب حرية حركة في قطاع غزة، في حين تفرض على حركة أعضائه قيود مختلفة في الضفة، مع وجود علني لهذا التيار في مدينة القدس تحديدا وبعض المخيمات بشكل خاص.
عضو اللجنة المركزية للحركة ناصر القدوة، وهو ابن شقيقة الرئيس الراحل ياسر عرفات، كسر القرار الرسمي لحركته، وأعلن تشكيل "الملتقى الوطني الديمقراطي الفلسطيني" لخوض الانتخابات ، ودعا القدوة القيادي الأسير مروان البرغوثي ل"الانخراط في الملتقى وقيادته" وذلك مع استمرار غموض موقف الأخير، وانتشار تكهنات بشأن نيته منافسة الرئيس عباس على منصب الرئاسة.
طرح القدوة برنامجا متوقعا، فيه إلى جانب الأهداف المعروفة عن الدولة والقدس عددا من المطالب المشتقة من اللحظة الفلسطينية الراهنة وفي المقدمة إعادة الوحدة بين قطاع غزة والضفة الغربية، وإعادة بناء منظمة التحرير، وتعزيز الديمقراطية وسيادة القانون ومكافحة الفساد.
وقبل ذلك أعلن العشرات من الناشطين المقربين من رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق سلام فياض تأسيس حراك جديد أطلقوا عليه اسم الحراك من أجل الوطن والعدالة والديمقراطية، واختصاره "وعد"، ويضم عددا من كوادر اليسار السابقين، والكتاب والمهنيين، وناشطي المجتمع المدني. وأعلن المؤسسون أن حراكهم ليس بديلا عن الفصائل الموجودة، وأنهم يسعون لمجتمع ديمقراطي بعيدا عن التفرد في قيادة الشعب الفلسطيني.
كما تبرز أيضا مجموعة "وطن" ومن أبرز ممثليها نائب رئيس المجلس التشريعي السابق حسن خريشة، وزميله معاوية المصري وهما مستقلان أقرب إلى حركة حماس منهما إلى فتح، وخسرت هذه المجموعة مؤخرا الأكاديمي البارز عبد الستار قاسم الذي توفي متأثرا من إصابته بوباء كورونا.
ويستعد رجل الأعمال بشار المصري وهو مؤسس مدينة "روابي"، ومقرب من حركة فتح لخوض الانتخابات بقائمة مستقلة ذات برامج تنموية واقتصادية.
وبينما أعلن المسؤول الفتحاوي عزام الأحمد نية حركته حمل 5 فصائل صغيرة على قوائمها هي جبهة النضال والعربية الفلسطينية، والجبهة العربية، والتحرير الفلسطينية، وحزب فدا، مع أن هذا الأخير نفى صحة النبأ، تتجه الأنظار بشكل خاص لقوى اليسار الفلسطيني التاريخية أي للجبهتين الشعبية والديمقراطية، وحزب الشعب (الشيوعي سابقا)، وحركة المبادرة ، ومجموعة مستقلين تطلق على نفسها اسم "الحراك الوطني الديمقراطي".
هذه القوى عقدت مجموعة من اللقاءات لتوحيد صفوفها، في ضوء المخاوف من أن تمنى بهزيمة محققة في حال خوضها الانتخابات منفردة ومشتتة، وقد يعجز بعضها عن اجتياز نسبة الحسم البالغة 1.5 في المائة، وخاصة في ظل احتدام التنافس بين حركتي فتح وحماس وما تملكه الحركتان من إمكانيات مالية ونفوذ سلطوي، فضلا عن الإشكالات الذاتية التي تعاني منها فصائل اليسار. وحظيت فكرة تأسيس قائمة مشتركة لهذه القوى بدعم من الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات، لكن ثمة كثير من الجدل والنقاش بشأن طريقة اختيار المرشحين ومعايير ذلك، بالإضافة إلى تمسك "الشعبية" بمطلب اتخاذ موقف معارض للحكومة وسياساتها وإمكانية المشاركة فيها.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول