رواية الضباب الجزء السادس والأخير

حسن الشامي
2021 / 3 / 9

25

فجأة.. وفي منتصف الليل..
سمع الجميع "نوبة صحيان"..
خرج الجميع من العنابر بملابس النوم..
التعليمات هكذا..
لابد من التجمع بأسرع ما يمكن..
بأي شكل.. دون أن تكمل ملابسك.. لا يهم..
نفذ التعليمات..
أصطف الجميع في الفصائل والسرايا والكتائب..
أخذ الضباط "التمام" من ضباط الصف..
لا غياب.. حتى المرضى حضروا "الطابور"..
فلا يجوز الاعتذار عن "الطابور" مهما كان العذر..
هكذا التعليمات..
........................

فجأة..
حضر سيادة اللواء قائد الوحدة..
كانت الرتب لامعة فوق كتفيه في ضوء القمر..
في منظر مهيب..
تحدث قائد الوحدة بصوت عال.. صاف.. جميل..
رنت كلماته في أذانهم كلحن اشتاقوا لسماعه..
فقد قال كلمة واحدة :
ـ يا أبنائي..
تفتحت قلوبهم قبل أذانهم..
كررها مرة أخرى..
ـ يا أبنائي..
جميعا رددوا :
ـ تمام يا فندم..
قال الجملة الوحيدة التي اشتاقوا طويلا لسماعها :
ـ الحمد لله.. انتهت فترة التدريب الأساسي.. وسيتم توزيعكم على الوحدات العسكرية على الجبهة..
........................

لمعت عيونهم.. وانشرحت قلوبهم..
الآن.. الآن.. تحقق الأمل..
الآن.. الآن.. أنقشع الضباب..
الآن.. الآن.. أصبح الحلم حقيقة..
الآن.. الآن.. جاء دور البطولة والفداء..
الآن.. الآن.. يسجل التاريخ أن الشعب لم ييأس.. وأن الشباب دائما.. دائما هم طليعة الشعب لتحرير الوطن..
الآن.. الآن.. يمكن أن نعبر المستحيل.. وأن تتحول الكلمات إلى أفعال.. أفعال لا تحتمل التأويل..
الآن.. الآن.. نحقق العقيدة القتالية التي أمن بها كل منا :
"النصر أو الشهادة"..
......................

26

"لا تيئسي..
إن الركب يمر..
لا تنسي موعدنا مع الفجر..
قد أرجع من غير ذراع..
أو ساق ديست..
في المنحدر الوعر..
من غير فم يملك بسمة..
من غير ذراع أرفعها..
لأقول وداعا..
لكني يوما سأعود..
ومعي أغلى ما تركته الأيام..
شيئان اثنان..
عيناك والغد!!"..
........................

أول خطاب يرسله إلى حنان سعيد..
لم يجرؤ على البوح بأسراره إلى والده.. أو والدته.. أو أخته..
ولكن لم يستطع أن يكتم عن حنان أسراره..
كتب كلاما كثيرا..
حاول أن يبث الأمل في كلماته..
ولكن هل خانه التعبير ؟!
لا يدري!!
ولكنه حاول أن يذكر الحقيقة دون زيادة..
فالحقيقة ليس لها غير وجه واحد.. الحقيقة.. ولا شئ غير الحقيقة..
فإذا لم نذكر الحقيقة الآن.. فمتى نقولها ؟!!
........................

نحن نواجه الموت كل لحظة..
نحن نفقد أعز الأصدقاء.. وأفضل الشباب..
ظن أول الأمر أن الموت يختار..
ولكن بعد فترة تأكد أن الموت لا يختار.. ولكن نحن الذين نختار الموت..
يجب أن يختار بعضنا الموت طواعية حتى لا نفاجأ به يحيط بنا ويخطف منا أعز الأبناء..
........................

فنحن لم نهدأ حينما أغارت طائرات العدو على المدارس.. وتناثرت جثث التلاميذ الصغار دون ذنب..
بكينا حتى الصباح..
رغم أن التعليمات تمنع البكاء..
فهل يبكي الرجال ؟!!
........................

لم يستطع البوح بمشاعره الحقيقية أمام قائد الكتيبة..
ولكنه أنطوى على نفسه..
وبكى طويلا.. طويلا.. كما لم يبك أبدا في حياته..
........................

إلى متى الصمت ؟؟
لماذا لا نخرج ونطلق مدافعنا هكذا ؟!
هكذا دون إبطاء ؟!..
لم ينطق بالكلمات.. فلم يقو على الكلام..
ولكن نطقت عيونه بكل ما يريد..
وفهم قائد الكتيبة ما يريد..
ربت على كتفه بحنان..
وقال له :
ـ يا بني لا تيأس.. أصبر.. أصبر.. هكذا التعليمات!!
......................

27

حينما أفاق طاهر من المخدر..
بعد خروجه من غرفة العمليات..
وجد حنان أمامه..
"إلي.. إلي.. يا توأم روحي..
يا مرفأ الحب الآمن..
أملأني نشوة وحنان..
فقد طال بي الحرمان!!"..
........................

أحقا أراك ثانية بعدما رأيت الموت بعيني ؟!
أحقا نلتقي ثانية بعدما طال الغياب ؟!
أحقا نحن معا الآن..
أحقا نحن جنبا لجنب ؟!
لا أصدق هذا!!
وكيف أصدق أنني على قيد الحياة..
وأين صديقي محمود عبد الحي الذي كان يتحدث معي ؟!!..
كنا نلهو معا وتعلو ضحكاتنا كما لم نضحك من قبل..
........................

فجأة.. دوى انفجار رهيب..
دانة مدفع من مدافع العدو سقطت بجوارنا تماما..
وفجأة.. لم أجده بجواري.. فقد تناثرت أشلاؤه في كل مكان.. والدم بسيل أنهارا ويغطي كل شئ حولي..
هذا هو الموت الذي يتحدثون عنه..
هذا هو الموت الذي لا نعرفه إلا مرة واحدة..
حينما نموت!!
........................

وزملائي.. أين زملائي ؟!
كنت أحملهم واحدا.. واحدا.. موتى وجرحى..
على يدي هذه كنت أحملهم..
أه.. غشاوة علي عيني..
وحزن في قلبي..
وألم.. ألم.. ألم فظيع في كل جسدي..
لا أستطيع الاحتمال..
لا أستطيع الاحتمال..
لا أستطيع..
آه.. آه.. آه.. آه..
........................

هرولت والدته في الطرقات تبحث عن الطبيب..
وهبت حنان واقفة لا تدري ماذا تفعل ؟!
وأنقذها من حيرتها حضور الطبيب على صرخته..
........................

امتلأت الحجرة عن أخرها بالمرضى والجرحى..
فهو عزيز عليهم جميعا..
دائما يسأل عنهم..
ويساعد المحتاج منهم..
وكان يحمل المريض على يديه..
ويسهر مع الساهرين منهم..
ويخفف ألامهم بابتسامته الودودة..
هل يتركونه يتألم ؟!!
........................

وبعد برهة..
سمع الجميع صرخة.. ثم صمت فجأة..
فقد حقنه الطبيب بمخدر سريع المفعول..
وطلب من الجميع الخروج من الحجرة حتى يستريح وينام في هدوء..
......................

28

زاره في المستشفى أصدقاؤه جميعا..
محمد عبد العظيم وخطيبته نعمات أمين..
وصديقة البرنس وزوجته أنهار..
وعدد كبير من زملائه بالجامعة.. أحمد حنفي وعبد الموجود بكر ومحمود خلف وعبد الله بدير وناصف لمعي وخطيبته مايسة موسى وغيرهم كثيرون..
لم يتخلف أحد عن زيارته..
فمنه يستمدون الشجاعة والحكمة..
والآن يستمد منهم الأمل والرجاء..
........................

لم تتركه والدته لحظة واحدة وكانت تقيم معه في الحجرة.. تلبي طلباته وطلبات زملائه الجرحى في الحجرة معه..
وكانت أخته تحضر معها المأكولات الطازجة يوميا من المنزل وتوزعها عليهم جميعا.. ولحظة الطعام كان العنبر كله يضج بالضحك والسرور..
........................

أما حنان سعيد فلم تتأخر عن زيارته يوما..
وأمس حضر معها والدها ووالدتها وأخوها الصغير.. ولأول مرة يتعرف عليهم وجها لوجه.. فكم سمع عنهم كثيرا ولكن لم تتح له فرصة اللقاء بهم إلا الآن..
الآن يارب وأنا طريح الفراش جريحا..
الآن أراهم وكنت أتمنى أن أراهم من قبل..
الآن يارب حان الوقت!!
........................

كان لقاءا وديا مع والدها..
لم يستطع البوح بمشاعره نحو حنان..
وكان والدها كريما معه في هذا اللقاء..
شجعه بحرارة على بطولته في إنقاذ زملاءه.. فقد نشرت الصحف ذلك.. وهنأه على الوسام الذي حصل عليه..
ولم يجد طاهر الكلمات المناسبة للرد..
أما والدته فقد رحبت بهم.. وظلت تتحدث مع والدة حنان فترة طويلة دون ملل..
وتعجب طاهر كيف تتحدثان كل هذا الوقت ومن أين تجدان الكلمات للحديث معا طوال هذه المدة.. رغم أنهما لم تلتقيا من قبل ؟!!
ولكنه تذكر ما قالته أمه من قبل : إن السيدات لديهن معين لا ينضب من الكلمات والأحاديث لا ينقطع أبدا..
........................

وحينما تركته حنان في هذا اليوم.. أحس أن قلبه يرقص بين جنبيه..
فهذه الفتاه هي الشخصية القوية الحنون التي يحتاجها إلى جواره دائما..
هذه الشخصية الشجاعة التي لا تخفي حبها عن أهلها.. وتظهره دون خوف بل بفخر واعتزاز..
........................

"وأنت يا حنان أحبك بفخر واعتزاز..
أحبك دون خوف..
أحبك بنفس الشجاعة التي وجدتها فيك..
أحبك بنفس الحرارة..
بنفس الصدق..
بنفس الإيمان الذي يملأ قلبي وقلبك..
يا سعادتي.. يا أملي..
يا كل ما أملك في هذه الدنيا..
أنت لي وكفى هذا..
وأنا لك.. هل يرضيك هذا ؟؟
هل أستطيع أن أقدم لك جزءا مما قدمته لي ؟!
هل حقا أستطيع ذلك ؟!
هل حقا أستطيع ؟!
......................

29

تماما.. تماما..
اليوم يكون قد مر عامان على التحاقه بالجيش..
قطع أجازته ليحتفل بذلك مع أفراد الوحدة.. حيث ينتظره زملاؤه.. ومعه الأطعمة التي تعدها أمه وأخته طوال الأسبوع..
........................

شهر رمضان له طعم خاص في الوحدة.. حيث يلتف الجميع ملتصقي الأرجل وهم جالسون يتناولون الطعام معا جماعة.. هكذا.. هكذا.. في وقت واحد..
واليوم.. يبدءون بتناول كوب "قمر الدين".. وفي أسماعهم ترن ابتهالات الشيخ "سيد النقشبندي" في الإذاعة.. ثم يؤدون صلاة المغرب جماعة..
وبعد صلاة العشاء.. يبدأ السامر اليومي في رمضان حتى وقت متأخر من الليل..
........................

أما الأسبوع الماضي.. وهو الأسبوع الأول من شهر رمضان..
فقد استمتع بأجازته مع أسرته..
حيث استعاد ذكريات الطفولة والجامعة..
النهار مر سريعا مع الأهل دون إرهاق.. لا جوع.. لا عطش..
والصوم له طعم خاص بين أسرتك.. وفي الحي كله..
حيث يتجمع الأطفال أمام المسجد.. مثلما كان يفعل وهو صغير..
وعند أذان المغرب يصرخ الأطفال فرحين.. مثلما كان يفعل وهو صغير..
وتنتشر السعادة في الشارع كله.. فقد مر صيام بوم من شهر رمضان على خير..
........................

وبانتهاء الأذان يهدأ الجميع..
ويسود السكون الحي كله أثناء تناول الطعام..
ولكن سرعان ما يعج الحي كله في الأنوار والفوانيس الكبيرة الملونة في كل مكان.. وتختلط الأصوات.. والسهر حتى الساعات الأولى من الفجر.. حيث يعود الجميع لمنازلهم في هدوء بعد أداء صلاة الفجر..
........................

اليوم يمر سريعا بين الأهل..
فبعد الإفطار يصلي المغرب جماعة مع والده ووالدته وأخته.. ثم يشاهد فوازير رمضان والمسلسلات في التليفزيون.. ويصلي العشاء وصلاة التراويح في المسجد..
........................

ثم يخرج مع أصدقائه لقضاء الليل في حي (الحسين) والجلوس على مقهى(الفيشاوي) يتناولون السحور ثم يصلون الفجر ويعودون إلى منازلهم سيرا على الأقدام.. ولا يشعرون بالتعب..
........................

أمس.. كان أخر يوم في الأجازة..
توقف طويلا أمام معرض الفنانة (فتنة مؤمن) في حي (الحسين).. وطلب منها عمل صورة له (بالسلويت).. وبمهارة فائقة وبسرعة كانت الصورة في يديه..
تماما.. تماما.. كما أراد..
تماما.. تماما.. ملامحه..
الله!!..
الله!!..
......................

30

فجأة..
تم إلغاء الأجازات للجميع..
حتى من قام منهم بحجز تذاكر السفر لأداء العمرة من الضباط والجنود..تم استدعاؤهم من الأجازة..
حالة الاستعداد القصوى..
........................

تعودنا على ذلك مرات عديدة من قبل..
قبل كل تدريب.. يحدث ذلك..
وقبل زيارة كل مسئول كبير.. يحدث ذلك..
وعند القيام بمناورة بالذخيرة الحية.. يحدث ذلك..
وعند استخدام سلاح جديد بالوحدة.. يحدث ذلك..
........................

اليوم.. لا يدري ماذا يحدث ؟!!
ولماذا تم استدعاء الاحتياطي ؟!
سيارات تدخل.. وسيارات تخرج..
دبابات تتحرك في كل مكان..
استنفار للجميع..
مشاعر عاشها من قبل..
تدريب شاق..
استعداد لكل الاحتمالات..
أسلحة جديدة..
تحصينات للمواقع..
خطط تمويه..
استطلاع وإسقاط خلف خطوط العدو..
........................

لم يتمالك نفسه..
كاد يصرخ.. ماذا يحدث ؟!!
وقبل أن ينطق.. كانت التعليمات للجميع :
"اليوم تقرر فتح النيران على العدو.. والعبور إلى الشاطئ الأخر.. وبدء معركة التحرير"..
........................

لم يصدق نفسه..
بكى بكاء حارا..
وغسلت الدموع وجهه كله..
وسقطت دموعه غزيرة على ملابسه وهو يشد يده على الزناد..
........................

لا يدري ماذا يقول ؟!
فقد انتظر هذا اليوم طويلا..
ولكنه يعلم ماذا يفعل..
فقد تدرب على ذلك كثيرا..
........................

دك مواقع العدو بطلقات مدفعه..
لم ينتظر لحظة..
بمجرد صدور التعليمات.. كانت النيران هناك تعبر القناة مظلة فوق الرؤوس.. تحمي قواتنا وتدمر مواقع العدو..
........................

يوم طويل.. لم ينته..
دخان كثيف.. ونيران مشتعلة في كل مكان..
........................

لم يتمالك مشاعره وهو يعبر القناة مع وحدته العسكرية أخر النهار إلى الضفة الشرقية للقناة..
........................

بكى طويلا.. قبل الرمال وبللها بدموعه..
ولم يهدأ باله إلا وهو يرى علم مصر يرتفع فوق الصاري..
........................

الآن.. الآن.. تحقق الحلم وأضحى حقيقة..
الآن.. الآن.. أجئ إليك يا حنان..
أطلب يدك من والدك وأنا مرفوع الرأس..
هكذا.. هكذا..
مثل هذا العلم.. مثل هذا العلم!!
ورغم كثافة النيران والدخان حوله.. لم يتزعزع..
وظل ممسكا بالعلم مرفوعا.. مزروعا في الأرض!!

............ تمت............

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار