رواية الضباب الجزء الخامس

حسن الشامي
2021 / 3 / 9

21

عند الشدائد تعرف أصدقاءك جيدا.. حيث تستطيع أن تحدد منهم أيهم الذي يستحق صداقتك.. وقد أحس طاهر أهمية وقوف الأصدقاء جانبه أيام السجن..
حقا كانت أياما كئيبة.. مملة.. كاد أن يجن فيها..
فلم يزره أحد.. ولم يعتن به أحد.. وكانت سلوته الوحيد ترديد ما حفظ من القرآن الكريم..
........................

أكثر من مرة حاول التعبير بالشعر كعادته.. فلم يفلح.. أحس أن الإلهام لا يأتي للإنسان المهزوم!!
........................

وكانت أول من زارته في السجن والدته وأخته فقط.. فلم يصرح لأحد غيرهما بزيارته.. أبلغاه تحيات الأهل والأصدقاء.. وقدما له المأكولات والملابس النظيفة..
وقالت له أمه :
ـ تصريح الزيارة كان لي مع والدك.. ولكنه فضل أن تجئ معي أختك علشان تبطل بكاء وتطمئن عليك وتخلي بالها من المذاكرة..
أيضا الزميلة أنهار وصديقه البرنس لم ينسيا أن يرسلا له هدية..
........................

كانت الزيارة الأولى بالنسبة له حدثا له أهمية بالغة.. فقد انتشلته من اليأس والإحباط لتتوجه بالسعادة!!
غريب طعم السعادة في السجن والقضبان تحيط بك من كل مكان..
هل يمكن أن يكون شعوره بالسعادة في هذا المكان حقا ؟!!
........................

وجاءته الزيارة الثانية بعدها بأسبوعين..
زاره محمد عبد العظيم وخطيبته نعمات أمين..
حاول طاهر أن يبدو طبيعيا ومتسامحا..
وأنتهز محمد الفرصة ليعبر عن أسفه.. وإن لم يكن بالكلمات فبالمشاعر والتصرفات..
فهكذا الأصدقاء تذوب بينهم جبال الجليد من حرارة اللقاء..
........................

وزارته حنان سعيد ضمن وفد الجامعة.. كانت تحمل معها المحاضرات وبعض الكتب.. وتحاول رفع معنوياته.. وأخبرته بالمعاناة التي واجهتهم لاستخراج تصريح الزيارة في وزارة الداخلية.. وكيف أنه لا يسمح بالزيارة إلا للأقارب من الدرجة الأولى.. وغير مسموح بالزيارة إلا كل 15 يوما.. وعندما سمع طاهر ذلك تألم.. وقال لها :
ـ لا تيأسي يا حنان يكفي أنكم جميعا بخير!!
وقص عليها طاهر كيف أضربوا عن الطعام احتجاجا على سوء المعاملة وطالبوا بحضور مأمور السجن للشكوى لتحسين المعاملة..
ثم نظر إلى شعرها وهو يقول ضاحكا :
ـ أما زال شعرك قصيرا ؟!
ـ وهل تريده طويلا ؟
ـ تعلمين أنني أحب الشعر الطويل.. وطالما أن شعرك جميل وكالحرير فلماذا لا تتركيه حرا ؟!
فقالت وهي تزم شفتيها وتغمز بعينيها في دلال :
ـ لا.. إذا كان يعجبك!!
فقال لها وهو يكاد يطير فرحا :
ـ طبعا إنه يعجبني.. كل شئ فيك يعجبني جدا!!
ثم قال لها :
ـ حنان.. إن تجربة السجن هذه ليست كلها سلبية النتائج!!
لم تفهم.. ونظرت إليه باهتمام.. فقال لها :
ـ على كل حال.. سوف أفسر ذلك لك فيما بعد!!
وقبل أن تنتهي الزيارة أعطته جدول الامتحان وقالت له :
ـ استعد جيدا.. حتى تنجح كعادتك!!
........................

وكانت زيارة صديقه البرنس شيئا مختلفا تماما.. حاول أن يوضح له أهمية أن يكون للإنسان هدفا محددا يحاول تحقيقه بالوسائل الملائمة.. وعلى هذا الأساس "فـاللجنة الوطنية العليا للطلاب" قد فشلت..
وعندئذ قال له البرنس :
ـ.. ولكن كيف فشلت اللجنة ؟!
فقال طاهر دون انفعال :
ـ كنت أصر دائما على ضرورة الاعتراف الرسمي بتشكيل "اللجنة الوطنية العليا للطلاب".. وأن تكون تنظيما ديمقراطيا موازيا لـ "اتحاد طلاب الجامعات"..
لكن أين هي الآن ؟! فاللجنة انتهت لأنها لم تعبر عن القاعدة الطلابية بشكل ديمقراطي.. وظلت محصورة في بعض الجماعات والاتجاهات.. لذلك كان طبيعيا أن تفشل وأن يصمت الطلاب عنها ولم يطالبوا بها مرة أخرى!!
ثم نهض واقفا ووضع يده على كتف البرنس وهو يقول :
ـ أنظر يا صديقي.. المهم أن تكون البداية صحيحة حتى نصل إلى نتائج صحيحة!!
ثم نظر إليه البرنس جيدا محاولا الإنصات أكثر..
فقال طاهر :
ـ في رأيي أن فشل الطلاب هذه المرة سوف يؤثر علينا لسنوات قادمة.. يجب أن بعرف الجميع ذلك وأن تكون حساباتنا على هذا الأساس..
........................

وعندما تركه البرنس تذكر كلمات شاعر فرعوني قديم قالها منذ أكثر من أربعة ألاف عام :
"لا شئ..
لا شئ يمكنه أن يحول دوني
والوصول إلى حبيبي على الشاطئ الأخر..
لا شئ..
حتى التماسيح الراقدة هناك..
لا تملك أن تبقينا بعيدا عن بعضنا..
سوف أذهب رغم كل شئ..
وسوف أسير على الأمواج..
بينما يطفو حبها فوق الماء..
أحمل الأمواج إلى أرض يابسة..
تمتد تحت قدمي..
ويستحيل النهر إلى بحر غرام!!"
......................

22

وفي يوم الخروج من السجن..
كانت حنان سعيد الوحيدة التي استقبلته بالخارج..
عانقته بفرح ولم تخجل..
حملت عنه حقيبة اليد..
وأمسكت يده باليد الأخرى..
........................

رغم أن الجو كان حارا..
رفضت ركوب سيارة أجرة..
سارا على الأقدام..
قالت له :
ـ أريد أن أسير معك دائما..
وتذكرا يوم رحلة حلوان..
وضحكا من الأعماق..
أهكذا تعيد الأيام دورتها ؟!
كانت السعادة بادية على وجهها..
........................

أول مرة يحس طاهر بالسعادة تغمر كل شئ.. الأشجار.. والمنازل.. والطرقات.. وحتى نسمات الهواء تسري في مرح..
قال لها :
ـ تصوري يا حنان.. إن السجن كان تجربة مفيدة لابد منها!!
ثم ضحك من أعماقه..
فنظرت إليه وكأنه تقول له : "يا قلبك يا أخي!!"
فألتفت إليها ونظر في عينيها.. ولمح جمالا أخاذا بشع منهما.. وأحس أن في عينيها نظرة تشي بالثقة والغرام!!
........................

تحدثا طويلا عن الحياة.. والأمل.. والأصدقاء..
ولم يشعرا بطول الطريق.. أو حرارة الجو..
........................

قالت له بعد فترة صمت قصيرة :
ـ هيا بنا نأخذ سيارة أجرة.. حتى نصل سريعا فالجميع ينتظرون!!
.........................

23

نم نقلهم بعربات الجيش من منطقة التجنيد (بحلمية الزيتون).. إلى مركز التدريب الذي تم توزيعهم عليه.. في (بني يوسف) بالقرب من منطقة أهرامات الجيزة وأبي الهول..
........................

عدد كبير من شباب الجامعات.. بعضهم كان طالبا في كليات الطب والصيدلة.. وبعضهم كانوا في كليات الزراعة أو الحقوق أو الآداب.. وبعضهم كانوا زملاءه له في كلية الهندسة.. وغيرهم..
........................

بمجرد الإعلان عن فتح باب التطوع في القوات المسلحة تقدم الشباب بأعداد كبيرة.. لم يكملوا دراستهم وأصروا على أداء الخدمة العسكرية.. كان هذا بالنسبة لهم جميعا تحديا للأهل والأصدقاء الذين اتهموهم بالثرثرة وكثرة الكلام.. أرادوا أن يثبتوا لهم أنهم جادون في الدعوة إلى تحرير الأرض المغتصبة : "فلن يحرر الأرض إلا عرقنا ودماؤنا.. هكذا تعلمنا.. ولذلك يجب أن نضحي"..
........................

كان معهم في مركز التدريب نفسه عدد من الشباب صغار السن.. يحملون مؤهلا متوسطا.. شباب صغار السن تحس أنهم أبناءك أو أخوتك الصغار.. فتتحمل عنهم التعب وتبذل المجهود بإحساس كامل بالمسئولية حتى تتحرر الأرض السليبة وتعود إلينا.. إلى أحضان الوطن الغالي..
........................

شعور جديد لم يألفه من قبل..
التحدي من أجل إثبات الوجود ضد عدو خارجي.. غريب عنا في كل شئ..
شعور لم يعرفه أبدا.. فكل تحدي واجهه من قبل كان لإثبات ذاته بالنجاح والتفوق ولم يكن أبدا تحديا من أجل الحياة!!
........................

وصلوا مركز التدريب في السادسة صباحا..
نادوا عليهم فردا فردا.. وتم توزيعهم إلى فصائل..
كل فصيلة تتكون من 30 فردا.. اختاروا من بينهم حكمدارا للفصيلة..
ثم كل ثلاث فصائل كونت سرية معهم عريف متطوع بقيادة ضابط برتبة ملازم أول..
وكل ثلاث سرايا كونت كتيبة معهم مساعد متطوع بقيادة ضابط برتبة رائد أو مقدم..
ومركز التدريب كله مكون من خمسة كتائب.. إلى جانب سرية لفرق التدريب.. وسرية رياضية.. وسرية خدمات معاونة للمطعم و"الكانتين" وغيرها من الخدمات التي يحتاجونها بالمعسكر..
........................

أيقظوهم في الصباح الباكر..
وبدءوا في تنفيذ التدريب العسكري..
التدريب الأول على الخطوة المعتادة والخطوة السريعة..
أسبوع كامل على هذا التدريب..
........................

بعد ذلك.. بدأ تدريبهم على حمل السلاح.. وأداء التحية بالسلاح بجميع الأوضاع.. كتفا سلاح.. جنبا سلاح.. ثم تنظيف السلاح.. ومعرفة كل قطعة في البندقة الآلية..
........................

ثم جاء ضابط السرية وطلب منهم الاصطفاف في طابور على شكل مربع ناقص ضلع..
ثم بدأ تدريبهم على ضرب النار..
كيف تجهز السلاح..
كيف تضبط التصويب..
كيف تصيب الهدف..
ثم بدأ تدريبهم على إصابة الهدف بجميع الأوضاع..
واقفا.. أو راكبا.. أو زاحفا..
ثم أعلن عن مسابقة لمن يصيب الهدف منكم أربع مرات من خمسة سيكون له جائزة..
وهي أجازة 24 ساعة..
........................

تهللت الوجوه بالبشر..
من منهم سيكون سعيد الحظ ويفوز بالأجازة ؟!
......................

24

أربعون يوما بعيدا عن الأهل..
تدريب مستمر على السلاح..
تدريبات لياقة بدنية شاقة..
لا فرق بين الجندي طالب الجامعة أو الجندي غير المؤهل..
الكل فوق الرمال يرقدون.. يزحفون..
والهدف دائما رفع الكفاءة القتالية للجميع..
والعقيدة القتالية التي كانت تلقى عليهم كل يوم هي :
"النصر أو الشهادة"..
........................

أربعون يوما بعيدا عن الأهل..
الحنين والشوق في صدره..
متى يراهم ؟ متى يسعد بهم ؟
........................

لم يجرب البعد عن أهله كل هذه المدة..
زمان أثناء الدراسة.. كان يخرج في رحلات مع فرق الكشافة والجوالة إلى محافظات نائية.. البحر الأحمر.. أسوان.. مطروح.. الوادي الجديد.. ولكن لم يستمر غيابه عن أهله في أية مرة.. أكثر من أسبوع..
وكان في تلك الفترة مع أصدقاء الدراسة أو الجيران.. شباب.. يتنزهون.. ويمارسون الرياضة.. أو يسبحون في الماء.. هكذا.. فرح ولهو.. ليل نهار.. دون مسئولية..
........................

لم يجرب البعد عن أهله في الجبل..
أربعون يوما من الجهد المستمر.. ليل نهار..
في الرابعة صباحا يستيقظون جميعا..
يصطفون في مجموعات تقوم بنظافة عنابر النوم..
في نصف ساعة تكون النظافة قد تمت في المكان كله..
بمنتهى النشاط يجب أن ينتهوا لأن أخر مجموعة تنتهي من النظافة تعاقب "بطابور ذنب" زيادة..
........................

كان المكان المخصص للمبيت عبارة عن عنابر..
والعنبر حجرة واسعة يبيت فيها أكثر من أربعين فردا..
من جميع المحافظات في مصر.. منهم من القاهرة.. ومنهم من المنوفية.. ومنهم من السويس.. وكان منهم جنود من الأقصر ومن بنها.. كثيرون.. كثيرون..
منهم طلاب جامعة مثله تطوعوا قبل الانتهاء من دراستهم.. ومنهم من أنهى دراسته الثانوية التجارية أو الصناعية.. ومنهم عامل المحارة أو عامل البياض.. أو عامل لصق القيشاني أو فني كهربائي أو فني ميكانيكي.. أو عامل دهان سيارات.. ومنهم عامل زراعي أو عامل فاعل.. ومنهم من ليس له مهنة محددة يعمل في أي مجال.. كانت الأغلبية من صغار السن.. عشرون عاما أو تزيد قليلا.. ولكن يجمعهم نفس الأمل ونفس الطموح.. وتجمعهم العقيدة القتالية الواحدة "النصر أو الشهادة"..
........................

أربعون يوما بعيدا عن الأهل..
هل يستطيع أن يجد بينهم من يعوضه هذا البعد عن أهله ؟!
ترى هل منهم من يستحق أن يثق فيه وأن يطمئن إليه في هذه الغربة الطويلة ؟!!
........................

أربعون يوما بعيدا عن الأهل..
هل يستطيع الاحتمال ؟!!
هل يستطيع ؟!!
......................

25

فجأة.. وفي منتصف الليل..
سمع الجميع "نوبة صحيان"..
خرج الجميع من العنابر بملابس النوم..
التعليمات هكذا..
لابد من التجمع بأسرع ما يمكن..
بأي شكل.. دون أن تكمل ملابسك.. لا يهم..
نفذ التعليمات..
أصطف الجميع في الفصائل والسرايا والكتائب..
أخذ الضباط "التمام" من ضباط الصف..
لا غياب.. حتى المرضى حضروا "الطابور"..
فلا يجوز الاعتذار عن "الطابور" مهما كان العذر..
هكذا التعليمات..
........................

فجأة..
حضر سيادة اللواء قائد الوحدة..
كانت الرتب لامعة فوق كتفيه في ضوء القمر..
في منظر مهيب..
تحدث قائد الوحدة بصوت عال.. صاف.. جميل..
رنت كلماته في أذانهم كلحن اشتاقوا لسماعه..
فقد قال كلمة واحدة :
ـ يا أبنائي..
تفتحت قلوبهم قبل أذانهم..
كررها مرة أخرى..
ـ يا أبنائي..
جميعا رددوا :
ـ تمام يا فندم..
قال الجملة الوحيدة التي اشتاقوا طويلا لسماعها :
ـ الحمد لله.. انتهت فترة التدريب الأساسي.. وسيتم توزيعكم على الوحدات العسكرية على الجبهة..
........................

لمعت عيونهم.. وانشرحت قلوبهم..
الآن.. الآن.. تحقق الأمل..
الآن.. الآن.. أنقشع الضباب..
الآن.. الآن.. أصبح الحلم حقيقة..
الآن.. الآن.. جاء دور البطولة والفداء..
الآن.. الآن.. يسجل التاريخ أن الشعب لم ييأس.. وأن الشباب دائما.. دائما هم طليعة الشعب لتحرير الوطن..
الآن.. الآن.. يمكن أن نعبر المستحيل.. وأن تتحول الكلمات إلى أفعال.. أفعال لا تحتمل التأويل..
الآن.. الآن.. نحقق العقيدة القتالية التي أمن بها كل منا :
"النصر أو الشهادة"..
......................

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار