جورج لوكاتش (1885 - 1971)

غازي الصوراني
2021 / 3 / 8



فيلسوف وكاتب وناقد أدبي مجري ماركسي، يعده معظم الدارسين مؤسس الماركسية الغربية، أسهم بأفكاره حول "التشيؤ reification، والوعي الطبقي، وفي الفلسفة الماركسية، وكان نقده الأدبي مؤثراً في "الواقعية" وفي الرواية باعتبارها نوعاً أدبياً. خدم كوزير للثقافة في هنغاريا في 1919 .

"قضى "لوكاتش" وقتاً طويلاً في ألمانيا وتعرف على العديد من مثقفيها وكتابها، وتعرف هناك على عالم الاجتماع الألماني الشهير "جورج زيمل". وفي مدينة هايدلبرغ، تعرف على عالم الاجتماع المعروف ماكس فيبر واصبحا صديقين. ثم تعرف على الفيلسوف الماركسي "إرنست بلوخ".

كان لوكاتش في بداية شبابه، منتمياً إلى النظام المثالي المأخوذ عن مثالية الفلاسفة الألمان المتأثرين بالفيلسوف الألماني الأشهر إيمانويل كانط وفلسفته، وبعد ذلك درس الماركسية، وأصبح عضواً في الحزب الشيوعي المجري نهاية الحرب العالمية الأولى، وهنا يقول د. صادق العظم إن "انتقال لوكاتش إلى الماركسية جاء بعد معاناة صعبة وعلى مراحل على الرغم من تأثير ثورة أكتوبر عليه وانضمامه إلى الحزب الشيوعي المجري"([1]).

فلسفته:

يقول المفكر الماركسي د. هشام غصيب: "يعود الفضل الأول في إرساء تيار الماركسية الهيجلية الجدلي إلى "جورج لوكاتش"، فيلسوف الجدل المعروف، ولعل خير من أدرك أهمية "لوكاتش" وأبرز مدلول فكره في سياق تطور الفكر الأوروبي الحديث هو تلميذه الفرنسي اللامع، "لوسيان غولدمان"، الذي كتب عن أستاذه كتيباً غنياً بالمضامين الفلسفية العميقة وضع مادته عام وفاته (1970)، ونشره تحت عنوان "لوكاتش وهيدغر"، وفيه بحث "غولدمان" العلاقة الجدلية المتشعبة بين هذين المفكرين العملاقين اللذين يعتبرهما الكثيرون أعظم فيلسوفين في القرن العشرين، وبرغم تحفظنا على بعض النزعات المثالية لدى لوكاتش وعلى جميع طروحات هيدغر، إلا أنه لا يسعنا إلا أن نقر بالأهمية الإستثنائية لهذين المفكرين في فكر القرن العشرين"([2]).

وتجدر الإشارة هنا إلى أن "الطريقة التي ينتجهجها "غولدمان" في تحليله العلاقة بين لوكاتش (أبي الماركسية الهيغلية في القرن العشرين) وبين "هيدغر" (أبي وجودية القرن العشرين) هي في حد ذاتها مثال رائع على المنهج الجدلي.

ذلك أن "غولدمان" كان من أوائل من اكتشفوا العلاقة العضوية بين "لوكاتش" و"هيدغر" اللذين يبدوان متنافرين تماماً وكأنه لا يربطهما أي رابط جوهري، باتباعه المنهج الجدلي في التعامل مع الظاهرات الفكرية، حيث استطاع بهذا المنهج أن يبين أن كتاب "هيدغر" المشهور "الوجود والزمن" جاء رداً واعياً على كتاب "لوكاتش" "التاريخ والوعي الطبقي"([3]).

"لقد حاول لوكاتش في كتاباته تجديد الفكر الماركسي، وإلقاء الضوء على جوانبه الثورية، خصوصاً البعد الجدلي منه. ففي كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" الذي يحمل عنوانا صغيرا آخر: "دراسات في الجدلية الماركسية" يعمل لوكاتش على إعادة الاعتبار للذات، فالتاريخ برأيه يَنْتُجْ عن التفاعل بين الذات والموضوع أي عن وعي الناس بالقوانين التي تحكمهم، وبعيداً عن إقامة التوازن بين الطرفين، كان لوكاتش يميل نحو إعطاء الأهمية للوعي.

هذا الوعي، يجد فعاليته في وعي الطبقة العاملة التي أحالتها الرأسمالية إلى بضاعة، ولا يمكن لهذه أن تتحرر إلا برفضها الكامل غير المشروط لوضعها كبضاعة، فالبروليتاريا في هذه الحالة، تمثل المبدأ السالب والعنصر المحرك في الجدلية، لأنها عندما تناضل من أجل تحررها، فإنها تناضل في الوقت نفسه ضد الخضوع بشكل عام، وعندما تناضل لإنقاذ نفسها فإنها تناضل أيضا من أجل إنقاذ البشرية كلها من التشيؤ حسب طروحات "لوكاتش".

في هذا السياق، نشير إلى أن أبرز مرحلة من مراحل التطور الفكري عند لوكاتش تمثلت في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي"، "الذي يحتل مكانة ممتازة جداً ويتمتع بأهمية خاصة، ليس بالنسبة إلى تطور لوكاتش الفكري والسياسي فحسب، بل بالنسبة إلى الفكر الماركسي عموماً، فقد شَكَّلَ صدور كتاب لوكاتش حدثاً ثقافياً – سياسياً ليس كغيره من الأحداث بالتأكيد، حيث أنه أشار في مقدمة الطبعة الإنكليزية لـ "التاريخ والوعي الطبقي"، كتبها سنة 1967، إلى أن فكرته عن وعي البروليتاريا "الممكن" كانت محاولة مستقلة من جانبه لِتَلَمُّسْ الطريق إلى أطروحة "كاوتسكي" – "لينين" الشهيرة القائلة بأن النظرية الثورية المناسبة تدخل على الطبقة العاملة وعلى وعيها من الخارج، وهي ملاحظة دقيقة من لوكاتش -كما يقول د. العظم-، ولكن لإيضاح المسألة لا بد من التمييز بين([4]):

1) وعي البروليتاريا كما هو قائم فعلياً في أي وقت من الأوقات أي وعيها العفوي أو المباشر.

2) وعي البروليتاريا كما يمكن أن نتصوره (أو يتصوره أي شخص آخر) طوباوياً أي كما ينبغي أن يكون عليه مثالياً.

3) طبيعة الوعي المناسب الذي على البروليتاريا أن تحققه أو تتجلى به، كي تتمكن من إنجاز ثورتها وإسقاط الرأسمالية، أو بعبارة أخرى الوعي الذي "يمكن" لها أن تتحلى به فتنجز الثورة على أثر اكتسابه.

4) من هنا عبارة "الوعي الممكن" الملتبسة، يقع الفارق الأساسي هنا بين "وعي الطبقة" العفوي من جهة وبين "الوعي الطبقي" المطابق من جهة ثانية، أي ان وعي البروليتاريا المباشر في المجتمع البورجوازي زائف وكله تشييء بتشييئ.

حقاً "هذا هو الوعي الذي تسجله استفتاءات الرأي العام، مثلاً، في أوساط العمال، بعبارة أخرى الوعي البروليتاري بالمعنى الجدي للعبارة ليس مجرد ما يقوله أفراد الطبقة عن أنفسهم في أية لحظة من اللحظات، كما أنه ليس مجرد حاصل جمع وعي كل فرد من أفرادها أو معدل عام ما له، فلكي نقترب من الفكرة التي يعمل لوكاتش على بلورتها، لنحاول أن نتصور، مثلاً، كيف يكون وعي العمال وتكون أفكارهم وانفعالاتهم ومشاعرهم وردود فعلهم..الخ في لحظة ثورية معينة أدركوا فيها مصالحهم الحقيقية ومصادر قوتهم في عملية الانتاج ومنابع بؤسهم في المجتمع وما إليه"([5]).

فقد طرح لوكاتش فكرة "الوعي الممكن" لأن اهتمامه حركي وجدلي، ويتركز على عملية التوسط بين وعي الطبقة المباشرة العفوي من ناحية، وبين الغاية الثورية المطلوب إنجازها من ناحية ثانية، لهذا لا يمكن أن نفهم اللينينية جيداً، فكراً وممارسة، إلا على أنها واحدة من عمليات التوسط اللامعة الكبرى في القرن العشرين بين الوعي المباشر والغاية الثورية في آن معاً، من هناأهمية دور التنظيم والمثقفين والعلم والموضوعية والدراسة والنظرية والطليعة في عملية التوسط الثورية الناجحة، ولا شك عندي -يضيف د.العظم-"أن لوكاتش كان يحاول في القسم الأخير من "التاريخ والوعي الطبقي" – أن يتلمس الطريق إلى مواقع لينينية، لكن مثالية الكتاب منعته من معالجة مسألة الوعي البروليتاري الممكن على أسس اقتصادية وسياسية وايديولوجية فعلية وحقيقية، نتيجة لذلك يظهر الوعي الممكن في الكتاب وكأنه "روح موضوعي" هيجلي يتحرك باتجاه تحرير البروليتاريا من وعيها المباشر الزائف والمُشَيَّأ"([6]).

وفي سياق تقييم د. العظم لكتاب لوكاتش "التاريخ والوعي الطبقي" يقول: "لقد استمد هذا الكتاب وقعه وتأثيره من كونه أبرز محاولة تجديدية "يسارية" جريئة للماركسية الغربية بعد سقوط ماركسية الأممية الثانية عموماً وماركسية الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني تحديداً، كما استندت محاولة لوكاتش التجديدية إلى عناصر مُستَمَدَّة من الفلسفة الحيوية، ووجوديته الأولى، والكنطية الجديدة وإلى إنجازات فلاسفة ومفكرين مثل هيجل وماكس فيبر وغيرهما"([7]).

"لم يقتصر لوكاتش في أعماله على دراسة البعد الجدلي في النظرية الماركسية، بل ساهم عبر كتابه "نظرية الرواية" في وضع أسس علم اجتماع الأدب الجدلي، كما أنه يعتبر أحد واضعي حجر الزاوية في علم الجمال الماركسي.

في هذا السياق، لا يمكن إنكار ما قدمه لوكاتش للفكر السياسي من إضافات وعناصر جديدة، فهو يعد بالنسبة لخصومه أو مؤيديه من بين أهم المفكرين الماركسيين منذ ماركس، لا بل يعتبره البعض من أهم فلاسفة النصف الأول من القرن العشرين، حيث ترك تأثيره على كارل مانهايم، ومارتن هيدجر، على وجه الخصوص.




([1]) د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –ص 297

([2]) د.هشام غصيب – نقد العقل الجدلي – دار التنوير – بيروت – 2011 – ص42

([3]) المرجع نفسه – ص43

([4]) د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –ص 325

([5]) المرجع نفسه – ص 326

([6]) المرجع نفسه – ص 327

([7]) المرجع نفسه – ص 361

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول