الثورة المُضادة في المَجَر عام 1956- خطاباتها وأسلحتها (4)

مالك ابوعليا
2021 / 3 / 8

كاتب الموضوع: الشيوعي الهنغاري يانوس بيريتش

الفصل الخامس: القوى الاشتراكية في مواجهة قُوى الثورة المُضادة والخيانة (من 23 تشرين الأول الى 4 تشرين الثاني 1956).

أ- التحضير للنهوض
"كان من سمات الانتفاضة المجرية أنها كانت تمظهراً عفوياً". تم اقتباس هذا المفهوم على نطاقٍ واسعٍ من مقال رينيه بايوت René Payot في العدد الأول من دورية الناتو الشهرية Occident في الأول من أيار من عام 1957 تحت العنوان: (الاتجاه نحو بودابست الجديدة). سعى جميع مؤلفي الكتب والدراسات المنشورة في الغرب تقريباً، بغض النظر عن اختلاف مقارباتهم للمسألة، الى تبرير نفس المفهوم.
في الواقع، لم تسبق الانتفاضة أشكال تنظيمية مكثفة وحسب، بل وكان التوجه الى النشاط المُسلّح ومظاهرة الطلاب في 23 تشرين الأول، مُنظماً بشكلٍ واعٍ. بطبيعة الحال، لم تكن الغالبية العُظمى من المُتظاهرين تعرف المُنظمين للأحداث، ولم تستطع رؤية القوى الدافعة الكامنة وراءها. حدث كل شيء في أجواء "صُنع التاريخ". وبعد أن أعمتهم المشاعر القومية، شارك الطلاب في المسيرات والمظاهرات اللاحقة. بدا كل شيء، بالنسبة لهم، أنه يسير "عفوياً"، وكانوا فقط بحاجة الى الانضام للتيار الرئيسي من الأحداث.
لقد بذل بعض الكُتّاب جهوداً كبيرةً لاثبات أن المطالب المُختلفة لطلاب الجامعة والتي تلخصت في نقاط وُلِدَت في "الجو المُلتهب" للتجمعات الطُلابية هي التي حددت أهداف وأفكار الثورة. لم يكن هناك شيء عفوي في النقاط التي طرحها الطلاب. لقد تمت صياغتها جميعها ونشرها سابقاً في مقالات المجموعة التي يقودها ايمري ناجي ولم تكن مُختلفةً بأي شكلٍ من الأشكال عما طالبت به اذاعة أوروبا الحُرة "باسم الشعب الهنغاري". لذلك ليس من قبيل الصدفة عدم وجود اختلافات أساسية بين النقاط الـ16 التي صاغها طُلّاب الهندسة المعمارية في جامعة بودابست للعلوم التطبيقية، وبرنامج ايمري ناجي، والـ12 نقطة التي طرحتها عملية FOCUS.
كان من المُضلل فعلياً القول أن المطالب برزت في سياق اجتماعات الطلاب وتوزيع منشوراتهم باسم المُنظمات الطلابية. لم تكن أفعال الطلاب مُستوحاةً من حسابات سياسية ذات نوايا سيئة، ولم تكن هناك رغبة في اخفاء دوافعهم. الهم الحماس الرومانسي تجمعاتهم وصياغة مطالبهم وكل أفعالهم. وجدت وجهات النظر القومية بيئةً مواتيةً خاصةً بين الطلاب. وهذا هو لسبب في أن العديد من النقاط التي صاغوها كانت معنيةً بالمطالبة باحترام ماضي الأمة التاريخي و"الاستقلال الوطني". لقد كان الاعتقاد بأنهم كانوا يخوضون النضال من أجل "تنقية أفكار الاشتراكية لجعلها أفضل" يُعميهم تماماً. كان من المعروف أن غالبية طلاب الجامعات والكليات كانوا من الطبقة العاملة أو من أصول فلاحية عاملة، بالرغم من أن هذا لم ينطبق على قادتهم. لذلك بدت المطالب وكأنها مُقدمة من "أبناء الشعب" وليس من السياسيين ذوي المهن المُتقلبة والمحطات الاذاعية العاملة في الخارج والمُهاجرين الرجعيين المعروفين. كل هذا أعطى مصداقيةً مُتزايدةً لـ"النقاط" التي ظهرت في قائمة المطالب، وعزّزَ تأثير الأحداث وأدى بشكلٍ خاص الى ارباك الأشخاص الأقل اطلاعاً.
نفّذت مجموعة ايمري ناجي ونادي بيتوفي دعايةً واسعة النطاق بين الطلاب. شَرَعَت "المجموعة الراديكالية لمنظمة شابا العمل العاملة في بودابست"، التي تأسست سراً في 6 تشرين الثاني، في نشر آرائها بشكل منهجي ومُنظم. نشرت حركات الشباب بقيادة الكهنة والرهبان السابقين مطالبات اذاعة أوروبا الحُرة.
كانت أجواء المسيرات الطلابية التي نُظمَت قبل مظاهرة 23 تشرين الأول تتسم بالتحيز الشديد ورفض أي فكرة رصينة أو اقتراح مُخالف. كانت المجموعات المُنظمة حاضرة في كل الأماكن لتوجيه الأجواء في اتجاهٍ مُعيّن من خلال التخويف والمُضايقات، كما يتذكر العديد من المشاركين فيها. انعقد برلمان الطلاب في جامعة ميشكولز Miskolc لتكنولوجيا الصناعات الثقيلة في 23 تشرين الأول عام 1956. استقال الطالب ايمري دوبي Imre Dobi الذي انتُخِبَ رئيساً للمجلس. وشرح أسبابه في مجلة (جامعتي) Mi Egyetemünk: "صار الانتهاك الشديد لحرية التعبير عقبةً أما الجميع لتفسير موقفه. منع بعض المشاركين الذين جعلني سلوكهم أجعل بالخجل، وهو شعور يُشاطره كل مثقف وطالب، من التعبير الحر عن الآراء بالصراخ والمقاطعة والتصفير. لقد كان الأمر مثالاً ممتازاً على كيفية الدوس بالأقدام على الديمقراطية. في بعض الأحيان، طالب البعض بحرية الصحافة، وبعد ذلك تجاهلوا ليس فقط حرية التعبير ولكن ايضاً حرية الفكر... أراد بعض المشاركين من معلمينا وضيوفنا أن يُعبروا عن آراء مُتطابقة مع آرائهم، لكنهم لم يطلبوا منهم أن يُعبروا عن هذه الآراء، ولكن أرادوا اجبارهم على القيام بذلك. أجبرتني المظاهر التي وصفتها، على تقديم استقالتي كرئيسٍ للمجلس. لم أفكر في المسار الذي كان المجلس يسير فيه ليكون متوافقاً مع مبادئي أو مفهوم الديمقراطية الذي طورته. المسار اللاحق للاجتماع لم يكن ديمقراطياً أيضاً. قام الشخصين الآخرين الذين قاما بدور رئيسي المجلس بتأثير مُباشر على النقاش من خلال سلوكهما وآرائهما...".
بكلماتٍ أخيرة، لخّصَ ايمري دوبي الدرس الذي يُمكن استخلاصه من الحدث، يقول: "كانت هذه دكتاتورية العناصر التي تستغل المزاج السائد بين الجماهير لالحاق ضرر كبير بمصالح الشباب".
كانت هذه هي الأجواء الذي أوجدته المجموعات المُنظمة سالفة الذكر، في حين حُرِمَ الآخرون من الرؤية الواضحة بسبب الحماس المُندلع بين الشباب، أو الرغبة في "تحسين" الاشتراكية" أو الجو المُلتهب الناتج عن التصريحات القومية. هذا هو السبب في أن خطاب الكاتب شاندور بياري Sándor Bihari المبني على الديماغوجية القومية قوبِلَ بحماس عام وتصفيق في اجتماع ميشكولز. أشاد بياري بالأجواء "الثورية" وتحدّث مؤيداً المطالب المُقدّمة باسم طلاب السنة الرابعة في الهندسة: انسحاب القوات السوفييتية من هنغاريا، وانسحاب هنغاريا من مُعاهدة وارسو. هاجم الاتحاد السوفييتي والدول الديمقراطية الشعبية الأُخرى بعباراتٍ استفزازية. في هنغاريا "يعيش الشعب كله في بؤس" لان "الاتحاد السوفييتي يستغلنا". احدى الأسباب الأُخرى لـ"مستوى المعيشة المُتدني" هو "انه تم سلبنا من الأراضي التي كانت دائماً تنتمي الى هنغاريا"، وطالب "باعادة هذه الأراضي". وأعقب ذلك موجةً هائلةً من التصفيق استمرت لدقائق عديدة عندما أعلن عن المطلب الاقليمي الشائن لنظام هورثي: "نريد استعادة كل أراضينا". تسبب التحريض القومي من هذا النوع باصابة آلاف الناس بالعمى، ودفع مئات لشباب الى حمل السلاح. وبهذه الطريقة تشكلت عناصر (الوحدة القومية) المُعادية للسوفييت.
كانت المجموعة التي يقودها ايمري ناجي على دراية جيدة بأجواء المسيرات الطلابية والاتجاه الذي يسيرون فيه. بالفعل، لقد تصرفوا لكي يُسيروا الأمور على طول هذا الطريق. كما أوضح لازلو مولنار László Molnár ولازلو ناجي László nagy في الكتاب المذكور سابقاً، "اقترح بعض أعضاء حزب المعارضة في وقتٍ مُبكر من يوم السبت 20 تشرين الثاني لأصدقائهم الطلاب أنه يجب على الوفود المكونة من المثقفين والشباب التجمع في الأيام القادمة أما تمثال الجنرال بيرن...". في اليوم نفسه قرر طلاب جامعة بودابست البولتيكنيكية أنهم سيُنظمون مظاهرةً لاظهار عدم رضاهم في حال لم تُلبِ الحكومة مطالبهم في غضون اسبوعين".
عَمِلَت كلٍ من مجموعة ايمري ناجي والعدو الداخلي، بالرغم من اختلاف أهدافهم، على اجراء المُظاهرة في أقرب وقت ممكن بدلاً من الانتظار لمدة اسبوعين. كانوا يعلمون أنه يجب عدم الوصول الى نقطة لا يُمكنهم بعدها اذكاء أجواء التوتر، لانه عند الوصول اليها قد يحدث هناك تراجع في الأحداث. كانوا يعرفون أيضاً أنه من المُقرر لقادة الحزب والحكومة أن يعودوا الى ديارهم من يوغسلافيا في 23 تشرين الأول وأنه قد تكون القيادة قادرة على اتخاذ تدابير فعالة في غضون أيام قليلة من عودتهم. وربما تكون مجموعة ايمري ناجي على معرفة ايضاً بأنه تم الغاء خطة تأهب جيش الشعب الهنغاري لمواجهة أي أزمة مُحتملة، مساء يوم 21 تشرين الأول. أخيراً، كان في بالهم استغلال مشاعر الهنغاريين تجاه الشباب البولنديين من أجل تحريض الطلاب على تنظيم "مُظاهرة تضامنية".
عقدت اللجنة المركزية لحزب العمال البولندي جلسته الثامنة في الفترة من 19-21 تشرين الثاني عام 1956. وقد قدّم التقرير فلاديسلاف جومولكا الذي عاد الى الحياة السياسية بعد فترة 7 سنوات. وانتخبته الجلسة سكرتيراً أولاً للجنة المركزية. دعت اللجنة المركزية الى تجديد الحياة الاجتماعية والسياسية وتطوير الديمقراطية الاشتراكية، وقررت المزيد من اشراك الجماهير في ادارة الاقتصاد وتوجيه شؤون الدولة، واعطاء العمال مصلحةً ماديةً في الانتاج ومراعاة ظروف بولندا الخاصة في بناء الاشتراكية، وما الى ذلك. أعرب العمال والطلاب البولنديون في المسيرات الجماهيرية عن موافقتهم على القرارات التي اعتمدها اجتماع اللجنة المركزية، وكان النشاط السياسي في ازدياد في جميع البلاد. في هنغاريا، سهّل غياب المعلومات الرسمية عن الأحداث في بولندا انتشار الشائعات والأكاذيب المُلفقة حول الاشتباكات الحادة والتظاهرات الطلابية. ان تداول هذه التقارير المُضللة خلق الأساس للدعوة الى "مُظاهرة تضامنية".
حضر اجتماع طلاب جامعة العمارة والنقل، الذي عُقِدَ في أجواء تحريضية للغاية مساء يوم 22 تشرين الأول، العديد من الأشخاص الذين لم يكن لديهم اي ارتباط من اي نوع بمؤسسة التعليم العالي هذه. كان جوزيف سيلاغي József Szilágyi، مُلازم ايمري ناجي ويده اليُمنى. خاطب الطلاب مرتين. طالب في المرة الأولى بجلب ناجي الى السلطة. وعندما نهض ليتحدث في المرة الثانية، دعا الى مُظاهرة فورية، مما دعا الطلاب الى الموافقة على الفور. وعُقِدَت اجتماعات طلابية في كلية الفنون الجميلة والدرامية في جوٍ مُشابه مع دعوات متطابقة للتظاهر.
كانت قيادة نادي بيتوفي تعقد جلسةً في ساعةٍ مُتأخرة من مساء 23 تشرين الثاني، و"وصلت الوفود الطلابية لحضور الاجتماع". بدأت حشود طلاب الجامعات والكليات المُختلفة بالمظاهرات بعد اجتماع طلاب جامعة بودابست البولتيكنيكية. قرر المشاركون "الاتصال بايمري ناجي دون تأخير وابلاغه بفكرة تنظيم مُظاهرة"(59). عاد ايمري ناجي بنفسه من باداسوني Badacsony الى بودابست في نفس اليوم.
واصلت قيادة نادي بيتوفي في صباح يوم 23 تشرين الأول تنظيم التظاهر. وقام ممثلوها والمجموعات المُكلّفة بالتحضير لها بالقيام بجولة في الجامعات وبيوت الطلاب لاعطاء تعليمات تُحدد مسار التظاهرة وصياغة الشعارات والتخطيط لها. التقى "الأعضاء القياديون" لمجموعة ايمري ناجي في منزل غيزا لوشونزي لمناقشة برنامج لحكومة يرأسها مُستقبلاً، وتابع الحاضرون الاستعدادات للمظاهرة.
الغريب ان التحضيرات كانت مدعومةً بموقف السلطات. وافقت جريدة الحزب المركزية اليومية على تصرفات الطلاب في افتتاحيتها بعنوان (استعراض الربيع الجديد للقوات) "ان حزبنا يوافق على اجتماعاهم ونتمتى الكثير من المناقشات الذكية والابداعية للشباب... الغالبية العظمى من طلاب الجامعات يحضرون هذه الاجتماعات كمؤيدين للاشتراكية...". عشية الثورة المضادة، صاغت الافتتاحية العبارة التالية المُعادية للستالينية: "في ظل الظروف الحالية تُرِكَت كل مظاهر الثورة المضادة دون اجابة، وكل استفزاز برجوازي تحت رحمة الانقساميين في الحزب". ان "الحساسية احادية الجانب" هذه لم تأخذ في الحسبان خطورة محاولة استعادة البرجوازية. كانت في الممارسة العملية احدى العوامل التي مهدت الطريق اليها. ومع ذلك، فان طلاب الجامعات المُخلصين لقضية الاشتراكية يمكن ان يستنتجوا شيئاً واحداً من المقال. طُلِبَ منهم العمل جنباً الى جنب مع الآخرين في كل مجال. ونتيجةً لذلك، انضم جميع طلاب جامعة بودابست البالغ عددهم 15000 طالب الى المظاهرة.
أصدر وزير الداخلية أمراً بمنع التجمعات والتظاهرات حفاظاً على النظام العام. أُعلِنَ ذلك على راديو بودابست الساعة 1 بعد الظهر، ومن ثم تم التراجع عنه الساعة 2:30 وسُمِحَ بالتظاهر. أعطت التظاهرة كل أنواع العناصر المُعادية المُنظمة وغير المُنظمة فرصةً مُمتازةً للنزول الى الشوارع. لقد تمكنوا من الاستيلاء على كل الشعارات حسنة النية التي انطلقت المُظاهرة في ظلها، حيث أصبح هؤلاء في نهاية المسيرة مُعادين للشيوعية والاشتراكية وقوميين صريحين. ومن وراء بعض قطاعات المسيرة المُضللة من المتظاهرين الذين تأثروا بالجو العاطفي للمسيرة ظهرت ثورة مُضادة مسلحة. وتحت غطاء ظلام المساء الذي بدأ يحل في هذه الأثناء، وفي الوقت المناسب، تم استخدام الأسلحة التي كانت تهدف الى اسقاط سُلطة الشعب باطلاق النيران على مبنى الاذاعة.

ب- الموجة الأولى من العصيان المُسلّح
من المعروف القول بأن المرحلة الأولى من العصيان المضاد للثورة استمر حتى 28 أو 29 تشرين الأول. خلال تلك المرحلة، استمر الكفاح المُسلّح بهدف سحق القوى المضادة للثورة، ولكن على الجبهة السياسية، كان للثورة المضادة اليد العليا وحالت دون انتصار القوى الموالية للاشتراكية. مع انتهاء المرحلة الأولى، بدا أن جماعة ايمري ناجي قد استلمت زمام السلطة، ولكن الشوارع واللجان المُحتلفة والمجالس البلدية كانت بالفعل تحت سيطرة العصابات المسلحة.
بدأ العصيان المسلح، عملياً، في وقتٍ واحد في عدة مواقع مهمة وتبنى في كل حالة تكتيكاتٍ عسكريةٍ متطابقة. سيظهر المتظاهرين غير المسلحين أمام المباني العامة المهمة، ومع تصاعد التوتر، سيتم اطلاق الطلقات الأولى على المدافعين عن المباني، الذين سيخضعون لأوامر صارمة بعد الرد على النيران. تم اطلاق الطلقات الأولى على الاذاعة الهنغارية بعد الساعة الثامنة مساءاً، وبدأ الحصار المنظم بعد الساعة العاشرة مساءاً. لم يتم اعطاء أمر السماح بالرد باطلاق النار الا بعد منتصف الليل. بعد الساعة السابعة مساءاً شن العُصاة هجماتٍ على الشاحنات والسيارات، واستولوا على المركبات وبدأوا بنقل المتظاهرين "السلميين" الى الثكنات والمصانع ومستودعات الذخيرة. احتلوا مصنع السلاح، ومؤسسة الاتصالات الدولية، ثم لاحقاً احتلوا مقر صحيفة الحزب. تعرضت كلية ضباط المدفعية للهجوم من قِبَل حوالي 300 شخص حوالي الساعة 7 مساءاً. بما أن المهاجمين لم يحصلوا على أي سلاح، وكان رد العسكريين صارماً، فقد انسحبوا. عادوا الساعة 8 مساءاً بسياراتهم وأطلقوا النار على الحراس. حوالي الساعة 10 مساءاً تم شن هجوم مماثل من الجانب الآخر للكلية. وفقاً لتقرير الحارس المناوب، كان 70-80% من المهاجمين الذين تم أسرهم في حالة سُكُر(60). تمت مهاجمة أحواض بناء سفن اوبودا بين الساعة 7 و8 مساءاً، وكان الهجوم يتضمن 3 شاحنات محملة بالرجال الذين حاولوا اقناع العمال ترك كل ما يفعلونه والانضمام اليهم. تم اعتماد أساليب مماثلة في مصانع الأسلحة ومستودعات الذخيرة وبعد ذلك في مراكز الميليشيا لشعبية ومراكز التجنيد العسكرية في مراكز بودابست.
كان يُشير ظهور المهاجمين دائماً في أهم النقاط في الوقت المناسب الى مدى التحضير والتخطيط المُسبق. على سبيل المثال، كان من الواضح انهم لن يتمكنوا من التعامل مع آلاف العمال في مصنع سيبيل للحديد والصلب، ومع وضع ذلك في الاعتبار، فقد ركزوا هجومهم الأول على محطة توليد الكهرباء الخاصة بها. هذا هو عصب الأعمال في هذه المنشأة، واذا تم ايقافه ستصبح العمليات مستحيلةً في جميع مصانع هذا المُجمع الشاسع. ومع ذلك، صمد العمال ودافعوا عن محطة الطاقة بنجاح. ثم انتقل الهجوم الى المرآب المركزي. انضم الشباب المسلحون الى الهجوم، ومنهم حصل المدافعين بقضبان حديدية على أسلحتهم الأولى. قبل منتصف الليل بفترةٍ وجيزة، تم تنفيذ غارة مُركزة على مركز التجنيد العسكري لمنطقة سيبيل بهدف القضاء على اي احتمال أن يُدافع المجندون عن مصنع سيبيل للحديد والصلب. تمكن العسكريون المتمركزون في المركز من الدفاع عن المبنى حتى الصباح ولم ينسحبوا الا بعد نفاذ الذخيرة.
بعد نجاحاتهم الأولية، أعاد أعداء الثورة تنظيم صفوفهم وبنوا مراكز العصيان خلال الليلة الأولى. تركزت القوى المُسلحة للثورة المضادة في المقاطعتين الثامنة والتاسعة في بيست Pest ومقاطعة سانا széna tér في بودابست. انعكست هذه التركزات في أرقام الأضرار خلال القتال. في كامل بودابست تضرر 4.12% فقط من المنازل اثناء القتال، ولكن في المنطقة الثامنة كان الرقم 18.27% وفي المنطقة التاسعة 22.98. ومن بين ضحايا القتال جاء 22% من الدائرة الثامنة و14% من الدائرة التاسعة و13% من الدائرة السابعة. أي كانت هذه المناطق تحتوي على 49% من مجموع الضحايا. ظهرت الثكنات التي سُميت باسم جورجي كيليان György Kilián والتي تقع في وسط المنطقة التاسعة كاحدى مراكز العصيان. تمركز في الثكنات حوالي 1500 شخص مسلح. وهناك بالضبط حيث أُرسِلَ الكولونيل PÁL MALÉTER الذي تم تكليفه بسحق هذا المركز، ولكنه وقف الى جانب أعداء الثورة بعد يومين في 25 تشرين الأول.
ناقش عدد كبير من الأدبيات حول الثورة المضادة باسهاب قضية الأساس الجماهيري للعصيان المسلح. اتفقت مجموعة من المقالات الغربية، وتقرير لجنة الخمسة التي شكلتها الأمم المتحدة حول هذا الموضوع في التأكيد على أن المتورطين باستخدام السلاح هم في الأساس من العمال الشباب وطلاب الجامعات. تم تقديم هذا التأكيد كدليل على أن ما حدث في هنغاريا لم يكن انتفاضةً مُعاديةً للثورة بل ثورةً حقيقية.
كان قادة الجماعة المُسلحة المُشاركة في العصيات أشخاصاً تلقوا تدريباتٍ عسكرية في قتال الشوارع. لقد اختاروا الشخصيات القيادية ذات الخبرات المُتعددة وأنشأوا القواعد التي كانت سهلة الدفاع عنها، وكانوا على دراية بالجوانب التكتيكية المختلفة في القتال داخل حدود المناطق الحضرية. لقد تم تجنيدهم من ضباط جيش هورثي السابق ودركه، وأعضاء سابقين في حزب صليب السهم (المنظمة النازية الهنغارية) وأعداء للسلطة الشعبية وبعض ضباط جيش الشعب الذين تحولوا الى خونة. شارك العديد منهم في أنشطة تنظيمية غير قانونية، وكانوا متعاطفين مع النظام القديم وأعمتهم مظالمهم الشخصية.
حصل العصيان المسلح المنظم الذي شنه العدو على الفور على دعم العناصر الاجرامية. كانت مُعظم التقارير التي كُتِبَت لوصف الأحداث الجارية تعج بالدلائل التي تُشير الى أن المجرمين وذوي السجلات الاجرامية قد لعبوا دوراً مُهماً في العصابات المسلحة. تبادلت وحدات فوج الرُماة كيشكونخالاش kiskunhalas لجيش الشعب الهنغاري اطلاق النار مع المُعادين للثورة في تلال جوتا في ضواحي بودابست في 26 تشرين الأول. وأثناء القتال، أسروا 23 شخصاً بينهم امرأتين. يُشير تقرير قيادة الفوج حول الحادث الى أن "العديد من الأشخاص الذين تم أسرهم يكسبون رزقهم من السرقة قبل 23 تشرين الأول... ووفقاً لشهادتهم، كان من اثنان منهم أعضاءاً سابقين في حزب (صليب السهم). وكانت احدى النساء قد قضت عقوبةً بالسجن لمدة عامين بتهمة الدعارة. 6 من أصل 23 قضوا فترات سجن من 6 أشهر الى 4 سنوات. لا يوجد أيٍ من اولئك الذين تم القبض عليهم كان يكسب رزقه من العمل الحقيقي". ويقول تقرير آخر أنه عندما كان من المُقرر تنظيم 300 عنصر من الحَرَس الوطني من رجال مسلحين في المنطقة 19 من بودابست "كانت قائمة المُتقدمين كاملةً بين عشيةٍ وضحاها من مُثيري الشغب والمجرمين المعروفين للشرطة..."(61).
كان 42% من بين 89 مُتهماً أُدينوا بين 11 كانون الأول 1956 و7 كانون الثاني 1957 لارتكابهم أعمال مُعادية للثورة يحملون سجلاتٍ اجرامية. من الواضح أن العالم السُفلي قدّم الدعم الكامل والحازم للمجموعات المُعادية للثورة. لم يكن لديهم دوافع سياسية في كثيرٍ من الأحيان. كانت عناصر من هذا النوع تُكن كراهيةً حقيقية لأي نظام أو سلطة تُحارب النهب من جذوره. لقد حملوا السلاح ضد القانون والنظام والأمن العام، وكانوا حُلفاء طبيعيين للعناصر المُعادية للثورة بوعي.
كما شارك أُناس عاديين تم تضليلهم في الثورة المُضادة وقُتلوا في العمليات. ما أثّر عليهم قبل كل شيء هو الاعداد الايديولوجي للعصيان. ذهبوا الى المعركة من أجل ما سُمي بـ"الشيوعية القومية". كانت دعاية ووجهات نظر "المُعارضة الحزبية" التحريفية هي المسؤولة بشكلٍ أساسي عن اختيارهم للطريق الخطأ وموتهم. شارك الشباب بأعداد كبيرة في العصيان المُسلّح على الرغم من أنهم لم يكونوا في الواقع مُعادين للثورة. بسخرية قاتلة استغل مُدبري الثورة المُضادة، مُحرضوا اذاعة أوروبا الحُرّة قلة الخبرة السياسية للشباب والأطفال وحماسهم الوطني وأحلامهم البطولية. ومع ذلك، هناك أيضاً بيانات جديرة بالملاحظة في هذا الصدد. تم تسجيل حوالي 3000 قتيل خلال الأعمال المُسلّحة. وكان نحو 20% من القتلى دون العشرين من العمر، و28% تتراوح أعمارهم بين 20-29 عاماً. وكان ما يقرب من 25% من الجرحى دون سن الـ18، و50% من الجرحى من الفئة العُمرية 19-30 عام. من المُفيد مُقارنة هذه الأرقام بالتوزيع العمري لعضوية (مُجتمع (Regnum Marianum والذي وصل تعدادها الى 1500 -2000شخص، وهي منظمة يقودها قساوسة ورهبان سابقون: 15% هم أطفال من 6-14 عام، 38% من 15-19، 37% من 20-26. سيكون من غير المناسب استخلاص استنتاجات حاسمة من هاتين المجموعتين من البيانات، ومع ذلك، فالمؤشرات واضحة: حمل عدد من الشباب السلاح تحت تأثير التأثير العدائي الذي استمر لعدة سنوات. كما خضع تكوين العُصاة لتغير تدريجي. بعد الأيام الأولى من القتال أدركت نسبة كبيرة من الشباب المُضلّل الطابع الحقيقي لمن حولهم وألقوا أسلحتهم. كان هذه صحيحاً بشكلٍ خاص بالنسبة لطلاب الجامعات. كانت عبارة "ليس هذا ما أردناه" تنتشر بسرعة. غادر ما يقرب من ثُلثي طلاب الجامعات والكليات الأماكن التي توجد فيها مؤسساتهم التعليمية فيها بحلول 26-27 تشرين الأول. بعبارةٍ أُخرى، انسحبوا من المشاركة في الأحداث، وهي حقيقة تؤكدها الأرقام المُتعلقة بالقتلى أثناء الصراع المُسلّح. كان العدد الاجمالي للطلاب الضحايا 20. في عضون ذلك، حلت في الصفوف الفارغة التي تركها هؤلاء الأخيرين، مجموعات المُجرمين والأعداء السياسيين للنظام الاجتماعي. رُفِسَت أبواب السجون وفُتِحَت على مصراعيها لاطلاق سراح السجناء: الفاشيين والمتآمرين الرجعيين واللصوص والقَتَلة. من 25 تشرين الأول وحتى نهاية الشهر، تم اطلاق سراح ما مجموعه 9962 شخصاً أُدينوا بارتكاب جرائم قتل و3324 سجيناً سياسياً (بما في ذلك الجواسيس الأجانب والمتآمرين المُسلحين والفاشيست). حمل الكثير منهم السلاح بعد اطلاق سراحهم، ونَشِطَ آخرون في المنظات السياسية المُعادية للثورة.
وتفاخر قائد المجموعات المسلحة في مقاطعة باروس baross tér مُخاطباً الجماعات المُسلحة في اجتماع معهم في 2 تشرين الثاني بأن "جميع السجناء السياسيين الذين تم اطلاق سراحهم منخرطين في القتال"(63).
يجب أن لا يغيب عن الأذهان أن الثورة المضادة وصفت جميع السجناء المُفرَج عنهم بأنهم سجناء "سياسيين" في محاولة لجعلهم أكثر "قبولاً" للرأي العام.
تدين النجاحات الأولى للعصيان المسلح، لا سيما في المراحل الأولى، بالكثير، للجو السياسي المحموم. كانت هناك شهور من التخمّر في الرأي العام، وخاصةً في بودابست. أثارت النقاشات المتتالية والصحافة الاهتمام العام، وأدى الفشل في التصرف الى استياء متزايد بين أولئك البعيدين عن الشؤون السياسية. موّهت الشعارات على الانتفاضة المسلحة. جعل العرض المُستمر للراية الوطنية لهنغاريا، والعرض المتكرر للنشيد الوطني، جعل من الصعوبة فهم الجوهر الأساسي للأحداث. جاء حوالي 10 الى 15% من العمال في المصانع من عناصر الطبقة المهزومة. كانوا هم أيضاً يرتدون الياقات الزرقاء ويتحدثون عن النضال من أجل "اشتراكيةٍ أفضل" و"الاشتراكية الحقيقية". ساهم التذبذب والانهزامية والمواقف المتناقضة التي انبعثت من فوق، في النجاحات الأولى. منذ 26 تشرين الأول، ظهرت هذه العناصر التي ازدادت عدوانيةً على رأس المجالس واللجان "الثورية" و"القومية". في ذلك الوقت، لم يكتفوا بالتسامح مع مُمثلي الشعب العامل الذي تورطوا في مُختلف المنظمات المعادية للثورة، بل وساهموا في اشراكهم فيها. في البداية، احتل "الدفاع عن المصلحة القومية" و"تعديل" الاشتراكية حسب الظروف السائدة في هنغاريا مكانةً أولى في جدول أعمالهم المُعلَن. لم يخرجوا ضد الاشتراكية في المراحل الأولى. اقتصرت مطالبهم الأولية على الدعوة الى "التعديل". ولكن مع تطور الأحداث، قاموا تدريجياً باستحداث شعارات مُعادية للاشتراكية بشكلٍ علني، توافقت تماماً بحسب التوقيت مع دفع المشاعر العاطفية الى الأمام. كانت اللجان "الثورية" هي القاعدة الجماهيرية للثورة المضادة وأعدت الرأي العام للاستجابة بشكلٍ ايجابي على كل مرحلةٍ جديدة. بينما كانت الشعارات تُضلل الجماهير، استمر العمل على انشاء أجهزة السُلطة المُضادة للثورة.
اعتباراً من 25 تشرين الأول، حاول المُنظمون الذين وصلوا من بودابست، بالتنسيق مع حلفائهم المحليين، اطلاق الصراع المُسلح في جميع مدن المُقاطعات الرئيسية تقريباً. لكن، بما أنهم لم يكونوا بتلك القوة بما يكفي لتحقيق هذا الهدف، فقد لجأوا الى اسلوب القتل المُنظّم وبدأوا حملة تحريضٍ ضد وحدات أمن الدولة وأجهزة الدولة الموالية لسلطة العُمّال.
لم يتمكن الكثير من الناس من ادراك الطبيعة المُعدّة مُسبقاً للأحداث، لأنهم لم يروا أي دليل على وجود قيادة مركزية تخضع لها العصابات المُضادة للثورة. الحقيقة أنه كانت هناك سبعة مراكز قيادة. كانت المجموعة التي يقودها ايمري ناجي احدى القوى الموجهة التي مارست تأثيراً كبيراً على مُجريات الأحداث. ارتبطت العصابات المُسلحة بعدة قيادات، لكنهم جميعاً تصرفوا بشكلٍ أساسي وفقاً لخطوط سياسية وعسكرية موحدة. عمِلَت الجماعات المُنخرطة في أنشطة تنظيمية غير قانونية لفترةٍ طويلة بطريقة متطابقة وبأهداف واحدة، وظهرت اذاعة أوروبا الحُرّة منذ اللحظة الأولى، كهيئة عامة للعصيان المُسلّح، "مركز المقاومة الشعبية في العالم الحُر".
ومع ذلك، لم تكن اذاعة أوروبا الحُرة أكثر من جهازٍ تنفيذي حتى في ذلك الوقت. كما كتب روبرت هولت: "تتلقى ميونيخ كل يوم توجيهات تكتيكية من نيويورك عن طريق جهاز المُبرقة الكاتبة "Teletype... و..."بدأت التعليمات السياسية في منتصف عام 1956، لا سيما في كل لحظةٍ حاسمة، تصبح أكثر موثوقية"(64). بذل مركز راديو أوروبا الحُرّة قصارى جهده لتنفيذ تعليمات وتوجيهات الكفاح المُسلح والتأثير فيه. كتب بيلا هورفاث Bela Horvath وايمري فاموس Imre Vamos اللذان كانا يعملان سابقاً في اذاعة أوروبا الحُرة في عدد شباط عام 1962 من مجلة Horizon: "كان مُجمّع اذاعة أوروبا الحُرّة الكبير في ميونيخ يزخر بالسعاة والجواسيس القادمين من جميع أنحاء العالم، ومندوبي الأحزاب ومجموعات المصالح ومُراسلي الحرب الباردة والدارسين المُزيفين وعلماء الكرملينيولوجي. جائت التعليمات والاشارات تتدفق من أمريكا. كانت هناك اجتماعات وكثير من المُتعة بدون توقف".
بدأ "مركز المقاومة الشعبية في العالم الحر" عمله منذ اليوم الأول: قامت اذاعة أوروبا الحُرّة بتزيد أعداء الثورة بالتعليمات التكتيكية فيما يتعلق بكلٍ من النضال السياسي والقتال المُسلّح. لقد صاغ المطالب السياسية، واقترح ادراج أشخاص مُعينين أو حذفهم من "حكومة الوحدة القومية"، ونصح العُصاة أي المناصب الحكومية على كلٍ منهم أن يشغل. كانت أوروبا الحُرة تريد تحقيق النصر من خلال الصراع المُسلّح أو على الأقل تحقيق مكاسب كبيرة. كانت هذه هي الأهداف الرئيسية للأيام القليلة الأولى.
فعل قادة أوروبا الحُرّة كل ما في وسعهم لتشجيع أنصارهم في هنغاريا على اطالة القتال لأطول فترة ممكنة، وزيادة الارتباك حتى تسمح الحالة الفوضوية للقوى الرجعية بالعودة الى هنغاريا من الغرب بأعداد متزايدة والانضمام الى الصراع المسلح من أجل انتصار الثورة المضادة. فيما يتعلّق بهذا علّق هورفاث وفاموس في العدد المذكور أعلاه من مجلة Horizon: "كان اهتمام قادة اذاعة أوروبا الحُرّة هو منع استعادة القانون والنظام للحفاظ على حالة الارتباك القصوى. لقد طرحوا مسألة أن العالم الغربي كان يتحرّك. كانت تصدر مطالب جديدة تُطرَح كل ساعة من أجل الحفاظ على ديناميكية العصيان. كان الشعار الذي استُرشِدَ به: اجعلوها ثورةً مُستمرة! يجب أن لا يسمح الوضع بالعودة الى طبيعته واستقراره". كانت رسائل التشجيع تخدم نفس الغرض. "تقدير واعجاب العالم الحُر". كانت احدى الرسائل التي تم نقلها بشكلٍ مُستمر تُعلِن أن قلب أمريكا يخفق مع شعب المجر، هكذا قال ايزينهاور. وبهذه الطريقة، تم اقناع الناس بأنه يُمكنهم الاعتماد على المساعدة التي يُقدمها "العالم الحُر" تحت رعاية الأمم المتحدة، فقط اذا استمروا في الكفاح المسلح لفترة من الوقت. حتى تقرير اللجنة الخماسية سيئة السمعة بشأن هنغاريا التي شكلتها الأمم المتحدة اعترفت بأن بعض عمليات بث اذاعة أوروبا الحُرة بدت وكأنها تُعطي الانطباع بأن المساعدة ستصل الى هنغاريا الآن.
جادل أحد مُحللي راديو أوروبا الحرة في تعليقه رقم C-524 بشأن الشؤون الدولية بأن للأمم المتحدة الحق وواجب التدخل في هنغاريا. أجمع الصحفيون الغربيون وغيرهم من الأشخاص الذين وصلوا الى هنغاريا "بشَكل عَرَضي" على أن حاملي السلاح كانوا يتوقعون وصول المساعدة(65).
أفاد ثلاثة من المسؤولين النقابيين النمساويين والألمان الذين وصلوا الى بودابست في 31 تشرين الأول عن تجارب مماثلة خلال "أربعة أيام من الحُرية".
يذكر العديد من الصحفيين وشهود العيان أن الجماعات المُسلحة المُعادية للثورة لجأت مُباشرةً الى الدبلوماسيين الغربيين للحصول على المساعدة. "بعثت احدى المجموعات برسالة الى وفدٍ غربي بالطلب التالي: نحن لا نمتلك سوى أسلحة خفيفة، وهو مطلب حيوي بالنسبة لنا للحصول على مدافع مضادة للدبابات وقاذفات اللهب ومُدمرات الدبابات. ناشد آخرون الولايات المتحدة الأمريكية أن تُلقي أسلحة وذخائر وطعام بالمظلات...". تواصل العديد من الأشخاص من أعضاء الجماعات المسلحة بمفوضيات الدول الغربية في بودابست، زاعمين أنهم كانوا يقاتلون في "المعركة الأولى في الحرب العالمية الثالثة دفاعاً عن القيم الغربية والمصالح المشتركة" كما كتبت صحيفة نيويورك هيرالد تريبيون في عددها الصادر في 17 تشرين الثاني عام 1956. تعززت ثقة وآمال أعداء الثورة من خلال حقيقة أن المجموعة الأولى من المنظمين العسكريين والمدربين والخبراء الذين تم تجنيدهم من المهاجرين الهنغاريين كانوا قد وصلوا بالفعل الى هنغاريا، متنكرين في شكل طواقم طبية، وكانت أول شحنة من الذخيرة الغربية قد وصلت ايضاً.
بتمويل من لجنة أوروبا الحرة أنشأت (الرابطة الأخوية للمقاتلين الهنغاريين) مركز عمليات خاص للتعامل مع المساعدات العسكرية الخارجية. ذكرت مجلة منظمة (على درب الجيوش) في طبعتها الخاصة بتشرين الثاني عام 1956 أن "أنشأ طاقم المُنظمة جهازاً قيادياً خاصاً تحت قيادة الجنرال أندراش زاكو András Zákó". كان مركز العمليات في فيينا وأُرسِلَت احدى لجانه الفرعية الى الحدود النمساوية-الهنغارية. كانت المنظمة "مثل كل هنغاري في العالم مليئة بالرغبة المقدسة لمساعدة أبطال الحرية الهنغارية بالأسلحة ان أمكن".
شجعت اذاعة أوروبا الحرة الناس على خوض الصراع بحماس هستيري. لم تحاول أن تُحافظ على نغمة تعزيز الايمان بوصول المساعدة من الخارج وحسب، بل وقدمت نصائح عسكرية فعلية حول كيفية اختيار نوع التكتيكات التي سيتم تبنيها وأشكال الحرب الضرورية. قدّم المستشار العسكري لراديو أوروبا الحرة جوليان بورساني Julian Borsanyi، المُقدّم في جيش النظام الهورثي، تعليماتٍ عسكرية تحت اسمٍ مستعار "العقيد بيل". ناقشت برامجه التي بثتها اذاعة أوروبا الحرة طرق ووسائل الصراع المسلح في المدن وكيفية تدمير الدبابات والدفاع عن قواعد الثورة، وما الى ذلك. لقد استخدم كل قواه في الاقناع لجعل الناس يعتقدون أن العُصاة سيكونون قادرين على هزيمة الجيش السوفييتي.
حافظ راديو أوروبا الحرة على اتصال مباشر مع بعض العصابات المسلحة الأكثر أهميةً. كان لدى الارهابيون في منطقة كورفين كوز Corvin közفي بودابست، اتصال لاسلكي مع ميونيخ. كانت أوروبا الحُرة تُذيع الساعة 11 مساءاً، وكان أعداء الثورة يردون على هذا الارسال الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.
كان الهدف الرئيسي للامبرياليين هو اثارة النزعة القومية وتكثيف الهستيريا المُعادية للسوفييت بكل الوسائل المُتاحة لهم. أرادوا أيضاً الوصول الى نقطة ينسحب فيها الاتحاد السوفييتي من الصراع كخطوة أولى ثم انسحابهم من الأراضي الهنغارية تماماً. كان يُعتَقَد أن هذا هو الشرط المُسبق الضروري لاستعادة الرأسمالية في هنغاريا. على سبيل المثال، حددت التعليمات اليومية لراديو أوروبا الحُرّة من نيويورك في 25 تشرين الأول بشكلٍ خاص على أنه يجب على اذاعة أوروبا الحرة في ميونيخ أن تُكرّر قدر الامكان أن "على الكرملين والقادة الهنغاريين وقادة الدول التابعة الأخرى أن يتحملوا مسؤولية اراقة الدماء في هنغاريا". كانت النية واضحة: تحويل المسؤولية عن اراقة الدماء الى الاتحاد السوفييتي في أعين الجماهير وتحويل الرأي العام الهنغاري ككل ضد القوات السوفييتية. وفي 25 تشرين الأول أذاعت أوروبا الحرة ما يلي: "يجب ايقاف حالة الأحكام العرفية، ويجب على القوات السوفييتية العودة الى ثكناتها. لا يُمكن أن تنتهي حالة سفك الدماء الا اذا تم ايقاف مرسوم حالة الأحكام العرفية على الفور...". صارت العصابات المُعادية للثورة تُكرر هذه المطالب على الفور. قامت لجنة أوروبا الحرة بتقييم ايمري ناجي ومن حوله وفقاً لما اذا كانوا قادرين على تحقيق انسحاب القوات السوفييتية أم لا.

جـ- النضال الذي شنته القوى الاشتراكية
فاجأ العصيان المُسلح القوى الاشتراكية في هنغاريا. ونتيجةً لذلك، لم يتم اتخاذ اي تدابير وقائية. في بودابست، على سبيل المثال، لم يكن هناك حامية للقوات جاهزة للقتال، ولم يكن هناك أي خطة دفاعية للقوات الخاصة لمواجهة هجوم مُسلح يشنه عدو داخلي. تفاقم الوضع سوءاً بسبب خيانة بعض ضباط الميليشيا الشعبية والجيش في الساعات الأولى. أدى تذبذب ضباط هيئة الأركان العامة وبعض قادة جيش الشعب الهنغاري وضباط الأكاديميات العسكرية وكذلك التخريب المتعمد والخيانة العلنية من جانب بعض الضباط الى أضرار جسيمة خاصةً في بودابست. كما كانت قيادة الحزب والدولة غير مُستقرةً في تقديرها للوضع. أذاع ايرنو غيرو السكرتير الأول للحزب على الراديو في الساعة الثامنة مساءاً خطاباً كشف عن الطابع المُعادي للثورة للأحداث الجارية، لكنه ارتكب خطأ بالجمع بين المعارضة والعدو، بين هؤلاء الأخيرين وأولئك الميالين الى الاختلاف وغير الصبورين على الأخطاء. وفي الوقت نفسه لم يكن لدى غيرو ما يقوله عن الطريق للخروج من الأزمة. لقد فشل في دعوة العمال والشيوعيين الى القتال والدفاع عن سلطة العمال. على الرغم من ذلك، وفي ظل ظروف بالغة الصعوبة، كان الشيوعيين مستعدين لقتال الثورة المضادة عندما كانت ستسمح لهم أدنى فرصة لذلك. ان تأكيدات الكتّاب والصحفيين البرجوازيين بأن الحزب تفكك في اللحظة الأولى وأن القوات السوفييتية كانت فقط تقاتل "الهنغاريين المتمردين" لم تكن صحيحةً تماماً.
في اجتماعها في الليلة بين 23-24 تشرين الأول، اتخذت القيادة المركزية لحزب العمال الهنغاري قرارات صحيحة بشكلٍ أساسي ضد الثورة المضادة. كان للحزب برنامج قتالي لتسليح العمال، ولقمع العُصاة المسلحين وتلبية المطالب الأساسية. قررت القيادة المركزية، في ضوء الهجوم المنظم والشديد للغاية، والخيانة التي ارتكبها بعض كبار ضباط الجيش والميليشيا الشعبية، مناشدة القوات السوفييتية للحصول على المساعدة. تم انتخاب لجنة عسكرية مهمتها تحريك وحدات الجيش كقوات أمن الدولة من أجل استعادة القانون والنظام. كان تسليح الشيوعيين والعمال وكذلك كان التعاون بين القوات الهنغارية والسوفييتية من مهام اللجنة العسكرية المذكورة. وانطلاقاً من فكرة اقامة أوسع وحدة ممكنة داخل الحزب للنضال ضد العدو الطبقي اعترفت القيادة المركزية بايمري ناجي ورفاقه في صفوفها، وتم تعيينه رئيساً للوزراء. في الوقت نفسه تم تثبيت ايرنو غيرو في منصبه كسكرتير أول. ولكن في 25 تشرين الأول تم اعفاؤه منه وانتخاب يانوش كادار ليكون سكرتيراً أولاً.
في 24 تشرين الأول، أعلن ايمري ناجي الأحكام العرفية وحظر التجوال. وفي خطاب ألقاه يوم 25 تشرين الأول قال: "شن عددٌ من المعادين للثورة والمحرضين هجوماً مُسلحاً ضد جمهورية شعبنا... لن يتم مُعاقبة من تم تضليلهم اذا توقفوا عن القتال وسلموا سلاحهم".
على الرغم من أن القوى الاشتراكية قد علمت بالأحداث من خلال الراديو، الا أنها قاومت هجمات الثورة المضادة. نظّم الشيوعيين في المصانع حُراساتٍ مُنظمة، وكانوا في المرحلة الأولى يسيطرون على الوضع في الغالبية العظمى من المصانع ودافعوا عنها بنجاح من الهجمات المتكررة. لقد خاضوا قتالاً بطولياً ضد أعداء الثورة في الأيام الأولى، على الرغم من أن اسلحتهم كانت في بداية الأمر قضبان حديدة وما شابه. كانت هناك أمثلة لا حصر لها من المقاومة. في مصنع أحذية الدانوب، على سبيل المثال، دافع حوالي 40 حارساً من العمال عن الورشة بقضبان حديدية و5 بنادق صيد. في الأيام الأولى، كان عمال أحواض بناء السفن غيورغو ديج Gheorghiu Dej مسلحين بقضبان حديدة وأحجار. لقد استخدموها بنجاح للاستيلاء على الأسلحة من المهاجمين. حصل عمال سيبيل للأعمال الحديدية على أسلحتهم عندما دافعوا عن المرآب بقضبان حديدية. تم تنظيم حراسة مصنع راديو بودابست الهندسي في الساعات الأولى من يوم 24 تشرين الأول وتألفت أسلحتهم من رشاش خفيف واحد تم الاستيلاء عليه من المهاجمين. دافع عمال أحواض بناء سفن اوبودا التي تعرضت للهجوم الأول في 23 تشرين الأول بين الساعة 7 و8 مساءاً بعِدد بناء وبندقيتين. تعرّض مصنع الحياكة في بودابست للهجوم في الساعة 11 مساءاً من قِبَل عصابة مسلحة طالبت العمال باسقاط أدواتهم على الفور. وبدلاً من الرضوخ لهذا الأمر، قام العمال بطرد المهاجمين باستخدام الأدوات المتوفرة بين يديهم. نجح نحو 30 من عمال مصنع أوجلاك للطوب في الدفاع عن مصنعهم. ساعدت لجنة الحزب في تنظيم أعمال الدفاع عن مؤسسة تشينوين للصناعات الدوائية. كانت مُنشأة بودابست للاسمنت تحت حراسة العمال طوال الأحداث كلها.
سعت منظمات الحزب في بودابست الى تنظيم النضال الدفاعي رغم أن أحداً لم يتلقى تعليماتٍ بهذا الشأن. في المقاطعة الثالثة من بودابست، قام الشيوعيين بتسليح أنفسهم بالرشاشات والقنابل اليدوية التي حصلوا عليها من ثكنات داميانيش Damjanich وتمكنوا من الحفاظ على القانون والنظام في المنطقة حتى 30 تشرين الأول. في المقاطعة العاشرة، تم حشد 110 أشخاص خلال الساعات المتأخرة من يوم 23 تشرين الأول، ودافعوا عن مقر قيادة الحزب حتى 30 من الشهر نفسه، ثم انسحبوا الى منطقة كوبانيا Kőbánya. في الأيام الأولى، حافظ حوالي 600 شخص على القانون والنظام في المنطقة، كان 380 منهم كانوا يحرسون 400 مُنشأة. قامت مدرسة تدريب ضباط الجمارك بتأمين الأسلحة لهم والتي تضمنت 120 مُسدساً رشاشاً و4 رشاشات خفيفة و600 بندقية و360 مُسدساً. دافع حوالي 250 شيوعياً عن مصنع سيبيل لأعمال الحديد والصلب. تم اسنادهم يوم 26 تشرين الأول بأربعة دبابات و15 مُحارباً سابقاً من المُعادين للفاشية في الحرب العالمية الثانية. كما تضمنت التعزيزات شاحنتين محملتين بالأسلحة والذخيرة. قُتِلَ أحد المُحاربين القدامى أثناء الدفاع عن المصنع. في 27 تشرين الأول، وصلت وحدات عسكرية جديدة الى سيبيل وأعادت القانون والنظام. تم سحب الجنود في 29 تشرين الأول بأمر صادر شخصياً من العقيد بال ماليتر. احتل أعداء الثورة المصنع في اليوم التالي. في غضون أيام قليلة تسببوا بأضرار بلغت 3.7 مليون فورنت. ومن بين أمور أُخرى سرق "الثوار الشرفاء" 380 دراجة نارية. عندما لم يستطع الشيوعيين الاحتفاظ بمواقعهم في سيبيل لفترةٍ أطول، تراجعوا الى مُجمّع صناعي كبير حوّله العمال الى مركز للمعركة. قاد شيوعيي مقاطعة بودابست الثالثة عشر انجيالفولد angyalföld النضال الذي خاضه 350 عاملاً مُسلحاً و380 جندياً كانوا موجودين لحراسة مصنع لانج. كما قدّموا مساعداتٍ وأسلحة لعمال المقاطعة الرابعة المجاورة اويبيشت Újpest الذين كانوا يحاولون استعادة السيطرة على مقر قيادة الحزب في المنطقة ومبنى البلدية ومركز الميليشيا الشعبية من أعداء الثورة. كان مركز العمال في مصنع اويبيشت للتعدين والتنجيم. كان حوالي 160 عاملاً مُسلحين بالأسلحة التي حصلوا عليها من مصنع لانج للآلات. كان المقاتلون المعادين للفاشية في الحرب العالمية الثانية هم أول من حمل السلاح. تقدّم 300 منهم على الفور وشاركوا في عمليات دفاع عن مبانٍ عامة مهمة. وشاركوا في الهجوم الذي تم من خلاله استعادة السيطرة على المقر الرئيسي لصحيفة الحزب اليومية.
تواصل سكان قرية نوغراد nógrád مع رفاقهم التشيكوسلوفاكيين الذين قدّموا لهم المساعدة في شكل ذخيرة وأسلحة وطعام. سيتذكر شيوعيي قرية نوغراد دوماً المساعدة الأممية التي قدمها لهم القادة الشيوعيين لمقاطعات تشيكوسلوفاكيا المجاورة، في وقت الهجوم المنسق الذي شنه العدو الطبقي. واسترشاداً بمعتقداتهم الشيوعية ، لم يكن في واردهم ذلك الوعظ الأخلاقي حول "شرعية" تقديم المساعدة من عدمها، أو ما اذا كانت المساعدة ستمثل "تدخلاً" في الشؤون الهنغارية الداخلية. أتاحت المساعدة التي قدموها امكانية انشاء وحدات مسلحة في شالغو Salgó وباغياشايا Baglyasalja وكارانشلابويتو Karancslapujtő ومناطق أُخرى، والتي حافظت على القانون الاشتراكي وسلطة الشعب هناك(66).
في قريبة بيكيش داخل وحول مدينة سارفاش szarvas، أدرك البروليتاريون الزراعيون في وقتٍ مُبكّر الى حدٍ ما خطر التحوّل الى أقنان مرةً أُخرى. فشلت الثورة المضادة في السيطرة هناك حتى لو لفترة قصيرة. كان حُرّاس الحزب الشيوعي المسلحين يسيطرون طوال الوقت(67).
قام أعضاء التعاونيات الزراعية الأكثر وعياً بتسليح أنفسهم بالفؤوس والمناجل للدفاع عن الملكية العامة ضد قوى مُلّاك الأراضي السابقين والفلاحين الأغنياء الرجعية، الذين سارعوا الى الظهور مُجدداً سعياً لاستعادة الماضي.
ذكرت لجنة الخمس التي أنشأتها الأمم المتحدة في تقريرها عن "المسألة الهنغارية" أن وحدات من الجيش الهنغاري قاتلت الى جانب المتمردين، ومن ثم تفككت القوات المسلحة ككل في بداية الانتفاضة. طوّر التقرير هذه الكذبة لاحقاً بالقول أنه من الجدير بالملاحظة أنه لم تُقاتل أي وحدة عسكرية هنغارية الى جانب القوات السوفييتية. لسوء الحظ لم يتم عمل الكثير لايضاح الحقيقة التي تتعارض بشكلٍ قاطعٍ مع هذا التصريح.
لم تنحرف أي وحدة من القوات المسلحة لجمهورية هنغاريا الشعبية الى جانب أعداء الثورة. ومع ذلك، كان هناك عدد غير قليل من حالات الخيانة والفرار من الخدمة العسكرية، وكان هناك قدر كبير من التردد. لكن الغالبية العُظمى من وحدات القوات المسلحة كانت جاهزةً للقتال، وتم اصدار الأوامر واتخاذ القرارات. ولكن في الأيام الأولى أُصيبت وزارة الدفاع بالشلل التام تقريباً بسبب خيانة بعض المسؤولين وتردد البعض الآخر. كان من سمات الحالة الفوضوية أنه في 24 تشرين الأول كان 6700 جندي و50 دبابة متوزعين في 30 منطقة في بودابست وهذا حال بينهم وبين قدرتهم على توجيه ضربة قوية مُركّزة. نادراً ما أعطت وزارة الدفاع أي معلومات أو أوامر للوحدات العسكرية، وبالتالي كان على القوات المسلحة الاعتماد على الاذاعة الهنغارية المركزية. لم يكن هناك أوامر واضحة حتى 26 تشرين الأول، عندما تلقّت الوحدات المتمركزة في المقاطعات أوامر من وزارة الدفاع بالدفاع عن مباني المؤسسات العامة. كانت وحدات جيش الشعب غالباً ما تتصرف من تلقاء نفسها وتقاتل الثوار المسلحين، في ظل غياب القيادة. ركّز جيش الشعب جهوده، في الأيام الأولى، في الدفاع عن المؤسسات والمباني المُتعلقة بالجيش، واعتباراً من 26 تشرين الأول، شرعوا في قمع القوى المُعادية للثورة. هناك العديد من الأمثلة على النجاحات التي أحرزوها.
في 26 تشرين الأول أعادت وحدات الجيش التي وصلت من ناجوتاد Nagyatád القانون والنظام في مدينة بيتش pécs. تم الدفاع عن السجن وتفريق المهاجمين في مدينة كالوتشا Kalocsa. تمت استعادة النظام في مدينة تيغليد cegléd. تمت استعادة مبنى البلدية من أعداء الثورة في مدينة ازتيرغوم Esztergom. في كيتشكيميت kecskemét شن المجرمون المُفرج عنهم من السجن مع آخرين هجوماً مسلحاً، لكن قامت قوات المُشاة والقوات الجوية الهنغارية بتفريق هذه المجموعة المعادية للثورة. تم انشاء مجلس دفاع عسكري في مدينة نيريجهازا nyíregyháza وتم وضع خطة مشتركة للدفاع عن المدينة مع القوات السوفييتية المتمركزة محلياً. واتفقت قوات جيش الشعب الهنغاري مع القوات السوفييتية على خطة دفاعية مشتركة في مدينة هاتفان Hatvan.
في 27 تشرين الأول، بدأت وحدات من الجيش الهنغاري عملية واسعة النطاق تهدف الى ضمان استعادة القانون والنظام والحفاظ عليهما. تم اغلاق أهم الطرق التي تؤدي الى المُدن الرئيسية انطلاقاً من بودابست لمنع المنظمين المعادين للثورة من الوصول اليها من العاصمة. تمتعت المُدن التي كانت مُهددة من قِبَل السجناء المُفرَج عنهم بحماية جيش الشعب. تم انشاء لجنة العمال والفلاحين والجنود من قِبَل القيادة العسكرية للدفاع عن سلطة الشعب في مدينة كيشكونخالاش. تم اعلان السيطرة العسكرية في بلدتي كيزتهيلي Keszthely وناكيغانيشا. تم اعتقال أعضاء "المجلس الثوري" في زالاغيرسيغ Zalaegerszeg.
في 26 و27 تشرين الأول استخدمت القوات المُسلحة أسلحتها أثناء تنفيذ الأوامر في عدة مدن. دافعوا بنجاح عن مقرات لجان الحزب والمباني البلدية ضد الهجمات المسلحة في عدة أماكن. تم تنفيذ جميع الأوامر باستخدام الأسلحة وصارت قرارات مُحاربة قطّاع الطُرق المعادين للثورة أكثر حزماً.
ودفاعاً عن السلطة العمالية، لعبت وحدات مؤلفة من مجندين جدد تم نقلهم الى جهاز أمن الدولة وبعض وحدات الميليشيا الشعبية وحراس الحدود وغيرها دوراً بارزاً. بشكلٍ عام خاض الفيلق الثالث لجيش الشعب معاركه بمفرده وخاضت بعض الوحداث قتالاً نموذجياً، وبحلول 28 تشرين الأول كان الفيلق الثالث قد سحق العصيان المضاد للثورة في مدينة كيتشكيميت. في نفس اليوم، استعادت الفرقة الخامسة الآلية النظام في المنطقة الواقعة بين نهري الدانوب وتيسا Tisza. واصلت فرقة المُشاة السابعة والعشرون القتال ضد أعداء الثورة في بودابست لعدة أيام وطالب قادتها مراراً وتكراراً الحصول على الأوامر باستعادة ثكنات كيليان. ومع ذلك لم تصلهم الأوامر، اما بسبب تردد وزارة الدفاع أو العرقلة التس سببها الخونة تحت حكم العقيد بال ماليتر. دافعت وحدات ايجر الآلية عن وزارة الدفاع وقضت على العصابات المسلحة المضادة للثورة التي تعمل في مُحيطها في عمليات نُفِذَت بالاشتراك مع الوحدات العسكرية السوفييتية. تم الدفاع عن مقر القيادة المركزية بشكلٍ مُشترك من قِبَل 101 بحار من أسطول الدانوب ووحدة من حرس الحدود قادمين من المقاطعات، كما تعاونوا مع القوات السوفييتية. خاضت ثكنات بودابست التي سُميت على أسم الشاعر شاندور بيتوفي Sándor Petőfi معارك ناجحة. احتجز المدافعون 680 شخصاً من المُعادين للثورة و150 سجيناً كان قد أُطلِقَ سراحهم. ولكن كان هناك أيضاً ضحايا للقتال.
استجابةً للطلب، بدأت القوات السوفييتية في العمل للدفاع عن سلطة الشعب في هنغاريا في وقتٍ مُبكرٍ من صباح يوم 25 تشرين الأول. وصلت القيادة السوفييتية التي كان مطلوباً منها العمل كحلقة وصل مع القوات الهنغارية الى وزارة الدفاع الساعة 3:30 وصباحاً. بدأ الضباط السوفييت العمل على الفور لتحديد مواقع الجماعات المسلحة المضادة للثورة في بودابست تحت حماية كتيبة الدبابات الاستطلاعية، بالتعاون مع القيادة الهنغارية. ونتيجةً لعملهم المشترك، قاموا بوضع خريطة تحتوي على جميع المراكز الرئيسية المضادة للثورة في العاصمة الهنغارية بحلول الصباح. وصلت أولى الوحدات القتالية السوفييتية الى بودابست حوالي الساعة 4:30 صباحاً، وتم اتخاذ اجراءات ضد أعداء الثورة على الفور.
تحددت تكتيكات القوات السوفييتية باعتبارات سياسية وليس عسكرية في الأيام الأولى للثورة. كانت القوات السوفييتية، كقاعدة عامة، منخرطة في أنشطة دفاعية ولم تقم بأكثر من الرد على النيران، عند اطلاقها عليها. كانت فكرة القيادة السوفييتية في هذه المرحلة الأولية أنه يجب على القوات السوفييتية اظهار القوة، وبالتالي، كان من المأمول أن يكون لذلك تأثير على الناس المُسلحين والشباب الذين تم تضليلهم وأعمتهم القوى الرجعية واستغلتهم بأن يُلقوا بالسلاح. ساعد هذا الاجراء السوفييتي القوى الاشتراكية الهنغارية أخلاقياً وسياسياً حتى يتمكنوا من تنفيذ برنامجهم القتالي ضد أعداء الثورة في ظروف أكثر مُلائمة.
يُعزى اعتماد هذا النوع من التكتيك الى حدٍ كبير الى حقيقة أنه لم يكن لدى القادة العسكريين الهنغاريين ولا القادة السوفييت تقييم واضح للقوة العسكرية الفعلية للعصابات المضادة للثورة ولم تكن لديهم رؤية واضحة عن خُططهم. لم يأخذوا في الحُسبان حقيقة أنه كانت القوى الرجعية الهنغارية لا تزال تتمتع بقوة كبيرة، حتى بعد 12 عاماً من تحرير هنغاريا منها. تعرّضت القوات السوفييتية بشكلٍ مُتكرر لهجماتٍ مُفاجئة موجهة بخبرة أودت بحياة العديد من أفرادها. كان هنالك هجوم مُفاجئ بالقرب من ثكنات كيليان شَهِدَ عدداً من الجنود السوفييت الشُبّان يُضحون بأرواحهم دفاعاً عن هنغاريا الاشتراكية.
وفقاً لخُطة الردع التي قاموا بها، بعض القوات السوفييتية شاركت في الدفاع عن المباني والقواعد العامة المُهمة بينما قام البعض الآخر بأداء مناورات سريعة في شوارع بودابست. كان موقف القيادة السوفييتية في ذلك الوقت يرتكز على فكرة أن جيش الشعب الهنغاري كان قادراً لوحده على سحق العصابات المُسلحة، وأن دور القوات السوفييتية يجب أن يقتصر على المساعدة. كان من المُقرّر أن يوجه الجنود الهنغاريون الضربة الحاسمة. ولتحقيق هذه الغاية، اقترح الجنرال السوفييتي ميخائيل تيخونوف Mikhail Tikhonov في 25 تشرين الأول أن على فرقتين من الفيلق الثالث لجيش الشعب أن تسحقا العصيان المضاد للثورة. كان على الوحدات السوفييتية تقديم المساعدة على شكل تغطية نارية لجيش الشعب. كانت هذه الخطة، حتى ذلك الوقت، واقعية تماماً. ومع ذلك، كان هناك ارتباك في القيادة السياسية، ومنع أنصار ايمري ناجي تنفيذ الخطة.
سعى قادة القوات السوفييتة للتعاون مع الوحدات الهنغارية في كل مكان. كانت الجهود ناجحة بشكلٍ رئيسي في المدن الاقليمية وفي الدفاع عن المناطق المهمة في بودابست. لكن أدّى التنسيق غير الكافي وخيانة بعض الضباط الهنغاريين، في بعض أجزاء العاصمة، الى خسائر بشرية فادحة.
شنّ المعادون للثورة وحلفاؤهم حملة تحريضٍ هستيرية ضد القوات السوفييتية. انضم التحريفيون الى هذه الجوقة المُعادية للسوفييت. على الرغم من ذلك، كان الموقف الذي أبداه الجنود السوفييت تجاه السكان المُسالمين هو الصداقة والرفاقية. كان لدى الجنود السوفييت ثقة في العمال الهنغاريين وقدّموا لهم العديد من الأسلحة للدفاع عن مصانعهم. أثناء المعارك، كان العُمّال الهنغاريون واثقين جداً من توقعاتهم بأن الجنود السوفييت سيأتون لمساعدتهم. في عدة مناسبات، عَرَضَ عمال المصانع الهنغاريين المساعدة على الجيش السوفييتي، أو كانوا مُبادرين، في عدة حالات، في الذهاب لمساعدة وحدات الجيش السوفييتية الصغيرة التي كانت تمر بصعوبات معينة. لم يتردد العمال والأطباء والعاملين في الخدمات الصحية في تقديم الطعام للجنود السوفييت وانقاذ جرحاهم، حتى مع وجود مخاطر شخصية كبيرة عليهم بسبب تهديد العصابات المُسلّحة لهم ان هم قاموا بذلك. تعرّض الأطباء لخطر فقدان حياتهم عند دفاعهم عن الجرحى السوفييت وعلاجهم. حتى أنهم في بعض الأماكن قاموا باخفاء الأسلحة حتى شفاء الجرحى. كانت هذه أمثلة مُمتازة على الصداقة السوفييتية الهنغارية.
بعد أيام قليلة، كشفت أساليب القنص وقسوة التكتيكات التي اعتمدها العُصاة المسلحون عن وحشية موقفهم. مع زيادة التعاون بين جيش الشعب الهنغاري والقوات السوفييتية أصبح من المُمكن في 26 و27 تشرين الأول التحوّل من استراتيجية الردع الى مهمة الهجوم وسحق مراكز الثورة المضادة المسلحة.
في ليلة 27-28 تشرين الأول وجّه جيش الشعب ضربات ساحقة للعُصاة المعادين للثورة. في المقاطعات تم عملياً سحق التمرّد المُسلّح المُنظم. تعرضت العصابات في عدة مناطق من بودابست لهزائم خطيرة. اشتركت القوات السوفييتية والهنغارية معاً في تحطيم مركز الثورة المضادة في مقاطعة سانا. وشهدت الليلة نفسها سحق أعداء الثورة في اويبيشت واستعادة مباني المؤسسات العامة في نفس المنطقة بمساعدة ضخمة قدمتها الدبابات والجنود وشيوعيو المقاطعة الرابعة والثالثة عشرة في بودابست. نقلت الدبابات السوفييتية الأسلحة الى مصنع لانغ لصناعة الآليات وقام ضباط من الوحدات المدرعة الهنغارية بتدريب العمال على استخدامها. نجح الضباط الموالين للسلطة الاشتراكية في أكاديمية زريني Zrínyi العسكرية في الدفاع عن مقر الحزب في المقاطعة الثامنة. قامت الكتيبة الأولى من مدينة لينتي و10 دبابات تابعة لوحدات من فوج تابوولسا tapolca المُدرّع بسحق سلسلة من المراكز المضادة للثورة في مدينة فاربالوتا várpalota. بحلول مساء يوم 27 تشرين الأول، كانت الكتيبة الثانية من فوج المشاة السابع والثلاثين قد سحقت جميع جيوب المقاومة في مقاطعة سيبيل بمساعدة الدبابات الهنغارية والسوفييتية. كتب الشيوعيون في مصنع سيبيل للحديد والصلب ما يلي: "لقد استعادوا مقر الشرطة ودمروا عدة مراكز مسلحة. كان الغالبية العُظمى من الجنود شُباناً طيبين يتمتعون بضمير طيب، والذين اتبعوا الأوامر بدون تردد. كان مُعظم الضباط يميل الى التذبذب. فقط الضباط الكبار كانوا حازمين في نهجهم. كان الخطأ الأكبر من جانب القادة هو أنهم كانوا ينتظرون تعليماتهم من رؤسائهم فيما يتعلق بكل عملٍ متوقع. ولكن كانت التعليمات تتغير كل ساعة تقريباً وكانت متناقضة"(68). في حين أن هذا الوضع كان يصف بأمانة التناقضات الحاصلة، الا أن نتيجة الكفاح لما تُحسَم بعد.
كان يُمكن احداث تحوّل حاسم في الصراع المسلح من خلال تدمير أقوى الجماعات المُعادية للثورة العاملة في منطقة كورفين وثكنات كيليان. تمت الاستعدادات للقيام بذلك في الساعات الأولى من يوم 28 تشرين الأول، حيث كان يُعدّ التجهيزات 280 رجلاً من الفوج المُدرّع الخامس ووحدات من الفوج الآلي السادس. لقد حاصروا كلا المعقلين في عملية مُخطط لها جيداً بدعمٍ من الدبابات والمدفعية السوفييتية. ناقش القادة الهنغاريون والسوفييت تفاصيل العملية، واتخذوا مواقع انطلاقهم، وبدأت المدفعية بالعمل. بدأت العملية الساعة 5:30 صباحاً. ووردت رسالة مفادها أن العملية قد أُلغيت وأُمِرَت الوحدات المعنية بالعودة الى قواعدها. قيل للجنود المستعدين للقتال أن المُعادين للثورة قد ألقوا بأسلحتهم.
وضع أعضاء اللجنة العسكرية التي شكلتها القيادة المركزية للحزب، بالتعاون مع ضباط الجيش، خُطةً للدفاع عن سلطة الشعب بحلول صباح 28 تشرين الأول. توخّت الخطة استيلاء الجيش المؤقت على السلطة، مع مفوضين عسكريين يتولون قيادة الأفواج الفردية. كان من المُقرر تشكيل حكومة جديدة بعد هزيمة العصابات المسلحة وتفكيكها. ومع ذلك، لم تُنَفّذ هذه الخطة.
يجب الاجابة على السؤال: ما هو السبب الأساسي لاكتساب الثورة المضادة اليد العُليا مؤقتاً، على الرغم من أن قوى الاشتراكية كانت تُقاتل جيداً وتُحرز انتصاراتٍ عسكرية ملحوظة؟
كان السبب الأساسي واضحاً. لم يكن الحزب والحكومة متحدان في قيادة واحدة للنضال ضد الثورة المضادة. هكذا نشأ الوضع التالي: بالتحديد، عندما كان الكفاح المسلح على وشك أن يتقرر لصالح القوى الاشتراكية، أعلنت المناورات السياسية خلف ظهر القوى الاشتراكية انتصار التمرد المضاد للثورة.
كان الهجوم الذي شنته المعارضة الحزبية الاصلاحية، خلال الأشهر التي سبقت يوم 23 تشرين الأول، متركزاً على زعزعة وحدة الحزب. فشلت قيادة الحزب في مواجهة هذه الأنشطة بنضال ايديولوجي ثابت، وساهمت سياسة القيادة المتذبذبة والاستسلامية في نجاح القوى التخريبية. واجه الهجوم المسلّح المضاد للثورة، عند شنه، حزباً كان مُرتبكاً على الصعيد الايديولوجي وكان عبئ التيارات المتضاربة يُثقل كاهله من الداخل. انطبق نفس الشيء على القيادة المركزية. ومع ذلك، كان يبدو أن الجهود المبذولة لخلق وحدة العمل من أجل النضال ضد الثورة المضادة كانت ناجحة، وقد ساعد في ذلك ايمري ناجي وأتباعه. تم في البداية اتخاذ خطوات جديدة الى الأمام في اتجاه اتخذا القرارات في ساعات الصباح الباكر من يوم 25 تشرين الأول عندما تم اعفاء غيرو من منصبه وانتخاب الرفايق يانوش كادار بدلاً منه. تم في الوقت نفسه اتخاذ اجراءات أُخرى مصممة لتلبية المطالب المُبررة للعمال.
ومع ذلك، كانت هذه الوحدة هشة، وقصيرة الأجل، وفشلت في مواجهة اختبار النضال. كان بعض أعضاء القيادة المركزية مفلسين سياسياً، بينما أُصيب آخرون بعدوى التحريفية حتى انتهى بهم الأمر الى الخيانة. في المرحلة الأولى من الثورة المضادة، كانت هناك ثلاث مجموعات متميزة في القيادة الحزبية.
كانت احدى المجموعات تتبنى الماركسية اللينينية، حيث كانوا يقفون ضد سياسة الماضي الخاطئة. فهمت هذه المجموعة مصالح الجماهير العاملة، وأدركت أن الخطوة الأولى نحو حل الأزمة يجب أن تكون العمل المسلّح في سحق عدو الثورة. أعلن الرفيق يانوش كادار في خطابه الذي أُذيعَ في 25 تشرين الأول: "من سمات الوضع الخطير الذي نجد أنفسنا فيه أن هناك تعقّد كبير في الوضع. بدأت مسيرة لقسم من شبابنا بطريقة سلمية. كانت الغالبية العظمى من المشاركين فيها ذوي نوايا سليمة. ولكن، وفي غضون ساعات قليلة، تحوّلت المسيرة، التي انضم اليها قوى الثورة المضادة، الى هجوم مُسلّح على سلطة الدولة الديمقراطية الشعبية... يجب صد الهجوم المسلح على سلطة جمهورية شعبنا بكل الوسائل المُتاحة لنا"(69).
وبالرغم من صحة هذا الموقف، الا أن الشيوعيين الذين وافقوا عليه لم يُحاولوا تنظيم أنفسهم بشكلٍ جيد لتنفيذه، لانهم لم يكونوا قادرين على رؤية طبيعة فصيل ايمري ناجي بوضوح.
كانت وحدة الحزب وصفوفه مبدأ أساسي للشيوعيين. ولما كان الأمر كذلك، فان الحاجة الى الانقطاع عن هذه الوحدة، أو حتى مجرد التفكير بهذا الأمر يُصبح معضلةً مؤلمة. واذا وصل الموقف الى نقطة لم يعد فيها اي شك في وجوب حدوث انقطاع، عندئذٍ يُصبح السؤال: متى؟ يُمكن أن يكون للتوقيت أهمية حاسمة كما أوضح الرفيق يانوش كادار في المؤتمر الوطني الأول لحزب العمال الاشتراكي الهنغاري: "... الى حدٍ ما، تأثر وضعنا وازداد سوءاً بسبب الظروف التي أدت الى هذه الأحداث الخطيرة. ولأن هذا لم يكن يبدو ضرورياً بعد، فقد كنا مترددين في اتخاذ القرار الجاد للغاية بالكشف أمام العالم عن عم وجود وحدة بين الشيوعيين في أعلى جهاز قيادي في الحزب والحكومة"(70).
شُلّ نشاط هذه المجموعة تدريجياً بسبب الصراع بين مجموعات اليسار واليمين، ثم الخيانة التي ارتكبها ايمري ناجي.
كانت المجموعة الثانية مؤلفة من شخصيات بارزة احتشدت حول ايرنو غيرو وماتياس راكوشي. كانوا مسؤولين في المقام الأول عن الأخطاء الجسيمة التي تم ارتكابها، وتمسكوا بمواقعهم، ولكن ثَبُتَ أنهم غير فعالين في النضال ضد الثورة المضادة. لم يصبحوا خونة، لكن انحرافهم عن الماركسية وجمودهم أعاق تنفيذ يرنامج القيادة المركزية وتدمير المراكز المضادة للثورة.
كان النداء من أجل استعادة النظام الذي أعلنه ايرنو غيرو على الاذاعة الهنغارية في 23 تشرين الأول الساعة 8 صباحاً أُحادي الجانب: على الرغم من أنه حدد بشكلٍ صحيح خطر الثورة المضادة، الا أن تفسيره أُحادي الجانب للأحداث قد أساء للعديد من الشرفاء. في مساء يوم 23 تشرين الأول قام غيرو وأتباعه بتأجيل اجتماع القيادة المركزية لأطول فترة ممكنة. يوضح تسلسل الاعلانات الاذاعية في ذلك المساء ما حدث. في الساعة 7:30 مساءاً أعلنت الاذاعة أن اجتماع القيادة المركزية قد تأجل الى 31 تشرين الأول. وبعد ساعة واحدة وردت أنباء أن القيادة المركزية ستجتمع في غضون أيام قليلة. في الساعة 10:22 مساءاً أعلنت الاذاعة أن اللجنة السياسية قد دعت كافة أعضاء القيادة المركزية الى عقد اجتماع فوري لبحث الوضع الراهن واتخاذ الاجراءات اللازمة. أما وزير الدفاع، الذي كان عضو اللجنة السياسية، فقد أخبر اللجنة العسكرية في ساعة متأخرة من يوم 23 تشرين الأول أنه غير قادر على تأمين الأسلحة لتسليح العمال. بعد يومين كانت الأسلحة متوفرة، ولكن لم يكن هناك وسيلة نقل مناسبة لها. عارض عدد كبير من أعضاء اللجنة السياسية اعطاء الاذن لوحدات الجيش باستخدام أسلحتهم. زعموا أن القيام بذلك سيكون بمثابة اتخاذ خطوة خطيرة باطلاق النار على الناس. وبذلك نشروا بين الجميع مشاعر العجز والانهزامية.
سجّل شيوعيي المقاطعة الثالثة في بودابست كيف "اجتمع الرفاق في وقتٍ مبكرٍ من صباح يوم 24 تشرين الأول في مبنى الحزب المحلي، وكانوا مستعدين للقتال". لكن وردت تعليمات متضاربة من المقر المركزي، أولاً التوصية أن "على الجميع العودة الى منزله"، ثم، رداً على الاحتجاجات المبكرة قالوا بتعليمات ثانية أن "اخرجوا بين الجماهير ووجهوها"(71).
كانت غالبية القيادة المركزية مترددة على الاطلاق فيما اذا كانت ستستخدم السلاح لهزيمة المتمردين أم ستحاول أن تضع نفسها "على رأس الجماهير". لم يتمكنوا أيضاً من تنفيذ البرنامج القتالي الذي أعدته القبادة المركزية، وأعاقوا بالتالي نضال القوى الثورية. كانوا يقفون عَقَبةً أمام القوات المسلحة وحالت عدم ثقتهم بالعمال دون تسليحهم. أظهرت بقايا زُمرة راكوشي الجُبن والعجز في النضال. والأسوأ من ذلك، أنهم كانوا يخشون تقديم الأسلحة للعمال. في هذه الأوقات العصيبة، لم يتمكن الكثيرون ممن أساؤوا استخدام السلطة، من استخدام هذه السلطة للدفاع عن المصالح الحقيقية للشعب. لقد فشلوا في الاختبار التاريخي للمرة الثانية، وفي ظل ظروف أكثر مأساوية.
من الصحيح أيضاً أنه بحلول 26 و27 تشرين الأول، كان الممثلون الأكثر بروزاً للتحريفيين اليساريين (باستثناء واحد أو اثنين) كانوا خارج القيادة، ولم يعودوا يُشكلون أي عقبة على النضال. بحلول ذلك الوقت، كانت المجموعة الثالثة، والتي كان ايمري ناجي على رأسها، قد تولّت الدور الرائد في الأحداث.

59- az igazsag a Nagy Imre-ugyben (The Truth about the Case of Imre Nagy). Brussels 1959, p. 53
60- Budapest Party Committee Archives. 3rd District Guards Regiment No. 13, p. 2
61- Budapest Party Committee Archives. XIXth District Guards Regiment No. 6
62- Fontosabb adatok az 1956 oktober-decemberi idoszakrol (Some Important Data about the Period between October and December, 1956). Central Statistical Office, Budapest 1957, p. 46
63- PI Archives. E. Gy. C/H/5. Minutes of the meeting held at the Budapest Division of the Ministry of the Interior on November 2, 1956
64- R. T. Holt: op. cit., p. 39
65- F. Molden and E. Pogany: Ungarns Freiheitskampf. Neue Wiener Presse, Vienna 1956, p. 31.
"أوقفنا أشخاص مسلحون بالبنادق والرشاشات، قالوا لنا: أنتم أمريكيون، من الواضح أنكم جلبتم لنا الذخيرة... لم يستطع الرجل المسكين أن يفهم أننا صحفيون مسالمون. تكررت هذه الحادثة عدة مرات".
66- v. Bozsik: A nogradi kommunistdk harca az ellenforradalom ellen (Struggle Waged by the Communists of Nograd County against the Counter-Revolution). Kossuth KOnyvkiadd, Budapest 1957, p. 142
67- D. Varga: A Viharsarok visszaut (The Stormy Corner Fights Back). The Publishing Company of Bekds County 1959, p. 96
68- Budapest Party Committee Archives. Csepel Iron and Steel Works. 6th Guard Regiment, p. 70
69- Szabad Nep, October 26, 1956.
70- J. Kadar: Szilard nepi hatalom: fuggetlen Magyarorszag (Firm People’s Power: Independent Hungary). Kossuth Kdnyvkiadd, Budapest 1962, p. 170
71- Budapest Party Committee Archives. 3d District Guards Regiment

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي