لبنان : نهاية الإمارة (4)

خليل قانصوه
2021 / 3 / 8

من البديهي أن شبه الدول العربية تتخبط منذ نشوئها في أزمات تعاود بين الفينة و الفينة بحدة أشد ، و لكن تخلي الدولة الوطنية المصرية المركزية عن دورها في الجمع فيما بينها و دعمها و توجيهها جعل هذه الدول تسلك نهج المملكة السعودية أو ترتمي في أحضانها استرضاء للولايات المتحدة الأميركية . يحسن التذكير هنا أن المملكة و جدت أصلا لكي تكون النقيض للعروبة باسم الدين . لقد كان متوقعا أن الأمور لن تستمر على هذه الوتيرة طويلا قبل أن تتساقط هذه الدول الواحدة تلو الأخرى ، فرمال شبه الجزيرة غير صالحة للبناء الدائم و النفط مقدمٌ على الاستنفاد و الرسالة الدينية نفسها أهدت المؤمنين إلى العراق و سورية و مصر !
لا أظن ان و جود الدولة الوطنية ، دولة المواطنين ، سواء كان نظامها ديمقراطيا أو ديكتاتوريا ، ينسجم مع أنشطة سياسية يمارسها رجال الدين ، ينشرون دعواتهم خلال مهرجانات جماهيرية يلقون أمامها الخطب و يطرحون المشاريع السياسية ، إذا استثنينا طبعا بعض أشباه الدول العربية حيث أن نظام الحكم فيها لا ديمقراطيا و لا ديكتاتوريا ، و أنما خليط بين الإثنين (حلف مقدس ). و مرد ذلك من و جهة نظري ، إلى أن رجل الدين الذي عوّد الناس على إلقاء عظات هي في صلب الرسالة الدينية لا يستطيع منطقيا إلباس الخطاب السياسي عظة دينية ، حيث أن شرح الأفكار المتضمنة في هذه الأخيرة مقبول بينما يُمنع السائل من دحضها ، على عكس الآراء في السياسة التي لا تلقن تلقينا بل تفرض فرضا بالقوة أو بالأجر ، أو تطرح للنقاش فتواجه النقد و الاعتراض . استنادا إليه لا يمكن من حيث المبدأ مزاوجة الإرشاد الديني والنشاط السياسي إلا إذا كان الدين مصادرا لخدمة السلطان .
أعود بعد إطالة إلى موضوع لبنان حيث توجد دولة هي كما أعتقد ، شبه دولة . بمعنى أن دولا أجنبية تمتلك في البلاد أذرعا تستطيع بواسطتها التأثير على الوكلاء الذين عهد إليهم إدارة شبة الدولة ،والفعل على أساس ميزان القوي فيما بين هذه الدول ، هذا من جهة أما من جهة ثانية فإن من ميزات المجتمع اللبناني أنه لم يكن متجانسا عند إعلان المستعمر الفرنسي عن قيام شبه دولة لإدارة شؤونه و أن السلطات المتتالية بين 1943 ، تاريخ الاستقلال و 1977 تاريخ زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات إلى الدولة الصهيونية وانفراط العقد العربي ، لم تكن عازمة أو قادرة ، أو مجازا لها ، تذويب الجماعات الطائفية و العرقية في نسيج اجتماعي متناسق .
نجم عنه أن الانتماء بقي " بالدين و الانتهازية و ليس بالوطنية " . من نافلة القول في هذا الصدد أن أحلام الدولة الوطنية التي لم تتحقق في تلك الفترة ، صارت رؤيا لا تخطر في الوعي و اللاوعي الجمعي . و بالتالي لا مفر من إدخال متغيرات و متبدلات على أساليب التفكير السياسي الممقوتة التي يتبعها مداورة تكتل الوكلاء المشار إليهم أعلاه ، بإيحاء يأتيهم من أذرع الدول الأجنبية ، جشعا ماديا وسعيا إلى الجاه !

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية