لبنان : نهاية الإمارة (3 )

خليل قانصوه
2021 / 3 / 6

ليس من حاجة من و جهة نظري لبراهين و أدلة على أن العالم العربي حقيقة ملموسة و ليست متخيلة ، كونه مجموعة من الكيانات و الشعوب المتعددة الأصول والثقافات ترتبط فيما بينها بأواصر العروبة أو الدين ، مثلت الأولى الدولة المصرية الوطنية المركزية العربية الوحيدة بينما كانت المملكة السعودية على الدوام ، بحكم أسباب و ظروف نشأتها ، النقيض الرئيس للعروبة باسم الدين. أما غالبية الدول الأخرى فهي في الواقع لا تعدو شبه دول تتحلق حول مصر أو السعودية بحسب ميزان القوى !
و لكننا لسنا هنا بصدد تناول هذا الموضوع إلاّ تلميحا فنقول أن تجرؤ الرئيس المصري الأسبق على الإعلان عن علاقته بالولايات المتحدة الأميركية و إسرائيل ، مستغلا حرب تشرين أول ، أوكتوبر 1973 ، التي يمكن نعتها بآخر حروب العروبة ضد الدولة الصهيونية ، فتح باب مغارة الإسرار العربية من ناحية وأكد من ناحية ثانية بالملموس أن الدولة المعروفة في العالم العربي ، و خاصة في البلاد السورية والعراق ، أي " شبه الدولة " هي دولة الزعيم أو دولة القائد ، و لكنها ليست بالقطع دولة وطنية في نظر نسبة لا يستهان بها من سكانها أو أن الأخيرين لا يعترفون بها كدولة راعية لمصالحهم !
مجمل القول أن اختيار الرئيس المصري جعل الدولة الوطنية المصرية في موقف محايد بين الدولة الصهيونية من جهة و بين سورية و العراق وفلسطين و الأردن من جهة ثانية نجم عنه سحب غطاء دولة العروبة المركزية عن هذه البلدان الأخيرة و حرمانها من قوة المقاومة النسبية نتيجة عجزها عن التضامن فيما بينها .أو بتعبير آخر فرط الرئيس المصري أنور السادات العقد العروبي من أجل التحرر من الاستعمار ، بحل عقدته الفلسطينية.
من نافلة القول أن المبادرة إلى زيارة القدس سهلت تغلغل الدولة الصهيونية في لبنان بواسطة بعض الأحزاب و الجماعات التي كانت تعارض في سنوات 1970 تواجد منظمة التحرير الفلسطينية و فصائلها المسلحة ، و تستعد للتعبير عن هذه المعارضة بوسائل العنف ، الأمر الذي أدى كما هو معروف إلى اندلاع الحرب في شهر نيسان 1975 . ما أود التوكيد عليه هو أن الدهشة و الذهول امام صورة الرئيس المصري الأسبق بين زعماء الدولة الصهيونية هوّنت على الناس في البلدان العربية رؤية و قبول المتعاونين مع هذه الدولة ، أفرادا و جماعات و أحزابا .
تجدر الملاحظة في هذا السياق أن التعاون مع الدولة الصهيونية لم يبق حكرا على جماعات لبنانية و إنما صار " ممارسة لحرية التعبير عن الرأي " . لا بد من القول هنا أن مناعة المصريين ضد التعاون مع العدو ، ما تزال الأقوى بالرغم من التطبيع ، على عكس مناعة الفلسطينيين و السوريين واللبنانيين و الأردنيين و العراقيين . أغلب الظن أن هذه الظاهرة الموضوعية تكشف الفرق بين الدولة الوطنية المركزية من جهة و بين شبه الدولة أو دولة الزعيم من جهة أخرى . لا نجازف بالقول في السياق نفسه وعلى سبيل المثال إن "عملية الترقيع " التي أجازتها اتفاقية التطبيع بين منظمة التحرير الفلسطينية و بين الدولة الصهيونية وتجسدت "بالسلطة الفلسطينية " ، و فرّت لإسرائيل على الأرجح جيشا جرارا من المتعاونين الفلسطينيين معها بالإضافة إلى مصدر مالي بالعملات الصعبة كبير جدا ، إلى جانب مكاسب سياسية و اقتصادية لا حصر لها تتوجت مؤخرا بوصول قطار التطبيع إلى شبة الجزيرة العربية !
ينبني عليه أن الدولة الوطنية المركزية ، كما في مصر ، هي كيان يتعايش المواطنون ضمن حدوده و إن اختلفوا يبقى ذلك محصورا داخل هذه الحدود ، بالضد مما يجري في شبه الدولة ، أو دولة الزعيم و القائد و الشيخ ، حيث يتطلب " انتخاب " الرئيس وتشكيل الحكومة ، و ملء المناصب الإدارية الأساسية موافقة الدول الإقليمية و سفراء الدول الكبرى !

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية