البابا في العراق. تقويم زيارة (1)

قاسم حسين صالح
2021 / 3 / 6

يختلف البابا فرنسيس عن سابقيه من البابوات بأنه متعاطف مع الفقراء ايا كانت دياناتهم، وضد السلطات التي تضطهد شعوبها،وأنه نصير المغلوبين على أمرهم.ومن هنا استقبله العراقيون بمحبة،لأنهم وجدوا فيه مصدر فرح للجميع بمختلف دياناتهم وطوائفهم التي شملت حتى الكاكائيين.
البابا..يوبخ سياسيين
بثمان دقائق فقط كشف البابا في كلمته امام السياسيين حقيقة ما يجري في العراق بكل تفاصيلها!،وخاطبهم بالوجه بايقاف المصالح الخاصة التي لا تهتم بالمواطن والتصدي للفساد. ولا اظنهم خجلوا،فقبله بح صوت المرجعية من دعوتها لهم للأصلاح ومحاكمة حيتان الفاسدين، ورفض السيد السيستاني مقابلة قادتهم..ولم يخجلوا.
رسائل زيارة البابا
تتعدد التحليلات بشأن هذه الرسائل،ويمكن تحديد اهمها بثلاثة :
الأولى:توكيده على مرجعية النبي ابراهيم،ما يعني دعوته الى التعايش بسلام بين اتباع الديانات الثلاثة:اليهودية والمسيحية والأسلام.
الثانية :تضامنه مع مسيحيي العراق وما اصابهم من داعش والمتطرفين،الذين لم يبق منهم في العراق سوى 400 الفا بعد ان كان عددهم يزيد على مليون ونصف قبل 2003.
والثالثة : لقاؤه بالسيستاني الذي يعدّ الأول تاريخيا يلتقي فيها رأس الكنيسة الكاثوليكية بالمرجعية الشيعية في العراق بهدف تعميق الحوار الاخوي مع شخصيات دينية مهمة، واعترافا من البابا بان السيستاني هو المرجع الاعلى للشيعة الذين يبلغ عددهم 200 مليونا في داخل العراق وخارجه.ومع ان اللقاء كان مغلقا فأنه يفترض أن يأتي استكمالا لوثيقة الاخوة الانسانية الموقعه مع شيخ الازهر في ابو ظبي (2019)،سيما وأن كليهما لهما مواقف انسانية وتوحدهما مقولة الأمام علي : الناس صنفان ،اما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.
وأرى ان اهمها بالنسبة للعراقيين:اعلانه الوقوف معهم ضد الذين استفردوا بالسلطة والثروة،وتحقيقها انجازا سيكولوجيا جميلا بأن احيت (الهوية الوطنية) التي توحّد العراقيين بالانتماء لوطن حضارات وتعدد أديان،اماتها قادة طائفيون غلّبوا هوية الطائفة واشاعوها بتحريض راح ضحيتها الآلاف في حرب سخيفة اوصلوا فيها العراقي الى ان يقتل أخاه الآخر لمجرد ان اسمه (عمر او حيدر او رزكار!).
السياسيون..هل سيستحيبون؟
لن يستجيب السياسيون الفاسدون،وقادة أحزاب الأسلام السياسي لرسائل البابا لأشكالية سيكوسياسية،نوجزها بأن الأشخاص الذين كانوا في الخارج زمن النظام الدكتاتوري،واستلموا السلطة بعد(2003)،اعتبروا أنفسهم (ضحية)..ومن سيكولوجيا الضحية هذه نشأ لديهم الشعور بـ(الأحقية) في الأستفراد بالسلطة والثروة،معتبرين ملايين العراقيين في الداخل اما موالين لنظام الطاغية أو خانعين..وأنهم،بنظرهم،لا مشروعية لهم بحقوق المواطنة.وما حصل سيكولوجيا ان شعورهم بـ(الأحقية) دفعهم الى ان يعتبروا العراق ملكا لهم..فتقاسموه دون خوف،لأنهم عزلوا انفسهم لوجستيا ونفسيا بمنطقة محصنة أمنيا ومهابة بسفارة الدولة التي اسقطت نظام الدكتاتور،نجم عنها أن تحول السياسي الى حاكم مستبد.ويعني الاستبداد سيكولوجيا شعور الحاكم بخوف يتنامى الى قلق..يتصاعد الى حالة رعب من خطر يتهدد وجوده الشخصي والأعتباري.
من حالة الرعب هذه فان شخصية السياسي الفاسد تعيش حالة تناقض فكري ووجداني تضطره الى ان يمارس النفاق بأنواعه.زذ عليها ان شخصية الحاكم السياسي الفاسد تتصف بالصلافة..فمع انهم ارتكبوا جرائم فساد ما حصل لها مثيل في التاريخ،وافقروا الناس وأذلّوها فيما هم يعيشون برفاهية سلاطين كانوا قبلها يبيعون (الخردوات) ويعيشون على (الصدقات)،فانهم ما اعتذروا لشعبهم مع ان ما ارتكبوه يعدّ جرائم كبرى. بل ان رئيس وزراء افسد حكومة في تاريخ العراق،الذي صرح علنا بأن لديه ملفات للفساد لو كشفها لأنقلب عاليها سافلها،وخان الامانة بعدم كشفها..اعلن الآن (2021) بأنه يعمل لأن يكون رئيس وزراء العراق القادم!..ما يعني أنهم بدأوا يعدّون لكسب الأنتخابات المبكرة حتى لو تتطلب الأمر قتل مئات آخرين..ولتذهب رسائل البابا مع الريح عائدة الى روما!
6 آذار 2021
* القسم الثاني يأتي بعد استكمال الزيارة.
*

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية