رواية الضباب

حسن الشامي
2021 / 3 / 6

1

الصيف هذا العام حار جدا..
ليست هناك نسمة هواء واحدة..
الغبار ينتشر في الفضاء ويغمر كل شئ..
لا أحد يطيق هذا الجو الخانق..
لا يدري لماذا تأخرت نتيجة امتحانه هذا العام..
شهر كامل من القلق والترقب والانتظار..
وليست هناك بارقة أمل عن قرب إعلان النتيجة..
هذا هو العام الثاني له في كلية الهندسة جامعة القاهرة..
العام الثاني هذا أصعب من العام الماضي..
ولذلك يحمل داخله القلق والتوتر والرغبة في الحرية..
لأن هذا العام هو بداية التخصص الهندسي الدقيق الذي يختاره الطالب في الكلية..
العام الثاني هو أصعب عام في الدراسة..
كل مرة يقولون : هذا العام.. هو "العام الحاسم"..
لو نجحنا هذا العام سينفتح الطريق أمامنا بسهولة لنيل البكالوريوس..
يقولون هذا كل عام..
لم يعد يصدق أحدا..
........................

ولكن هل حقا سينجح هذا العام ؟؟؟
لم يجرب الفشل في حياته من قبل..
كان يضع النجاح في الدراسة هدفا يجب تحقيقه ليثبت وجوده أمام الأهل والأصدقاء والجيران..
حتى اشتهر طاهر الزرقاني بينهم بالتفوق الواضح..
يقولون عنه : إنه مؤدب.. وهادئ الطباع.. والأهم من ذلك ناجح دائما..
لذلك لا يريد أن يظهر هذا العام أي توتر في الأعصاب، أو قلق على النتيجة..
رغم أن في داخله ثورة عارمة من الانفعالات تكاد تنفجر، وهو يحاول كبتها باستمرار حتى لا يظهر أي ضعف أمام أحد، خصوصا أهله الذين يضعونه قدوة لهم، ومثلا أعلى ينظرون إليه بفخر واعتزاز..
نجاحه الآن لم يعد ملكا له..
بل أمانة عليه أن يحققها..
لم يعد يفرح بنجاحه بقدر شعوره بالمسئولية الملقاة على عاتقه..
........................

طاهر الزرقاني.. فتى طويل.. أسمر الملامح.. رياضي الجسم.. فهو بطل سباحة متمرس.. لا يهتم مثل أصدقاءه بلعب كرة القدم التي تجلب الشهرة والمال.. ولكنه يفضل الهدوء والتركيز.. وكرة القدم ـ في رأيه ـ لا تساعد على ذلك.. بينما السباحة كانت عشقه الأول والأخير بعد والديه وأخوته، لم يحب أحدا مثلهم، وكان ارتباطه بهم شديدا، فتعلق بالسباحة مثلما تعلق بهم..
ألحقه والده بنادي "التوفيقية" الرياضي في نفس العام الذي ألحقه فيه بالمدرسة..
أجاد في السباحة مثلما أجاد في الدراسة..
شيئان يعشقهما.. السباحة والقراءة..
أبعدته هواياته عن أصدقاء كثيرين..
وأصبحت دائرة اهتمامه بما يحب : السباحة والقراءة..
لم يكن المهتمون بهما كثيرين..
لم يزعجه ذلك، ولم يقلقه لحظة واحدة..
فما دمت مع من تحب، وتمارس ما تحب.. لا تقلق..
حقق البطولة الأولى في السباحة في النادي.. وفاز في مسابقة القراءة في المدرسة..
دائما معا..
السباحة والقراءة..
النجاح والصعود..
الحب والأصدقاء..
دائما معا..
لم يخذله التوفيق صغيرا..
والآن هل تخذله نتيجة الامتحان ؟؟
لم ينل منه اليأس أبدا..
والآن هل يتملكه الخوف ؟؟
لم يعرف طعم الهزيمة يوما..
والآن هل يخشى الرسوب ؟؟
لم يعرف إلا حلاوة النجاح..
والآن هل تخذله القدرة على الصبر ؟؟ ؟
هل يستطيع الاحتمال ؟؟؟
........................

أما محمد عبد العظيم.. صديقه وزميله في الجامعة.. فيسكن في الجيزة، والجامعة قريبة منه، يمر عليها يوميا في طريقه للمنزل، وقد وعده محمد أن يتصل به فور إعلان النتيجة..
أسبوعان مرا حتى الآن على أخر لقاء بينهما، ولم يتصل به، ولم يخبره بأي شئ..
"يا إلهي.. ماذا حدث ؟
أتكون النتيجة ظهرت ولم ينجح فخشي صديقه أن يخبره ؟؟!!
ولكن.. لماذا لم تخبرني يا محمد ؟؟ وأنت تعلم أنني أنتظرك على أحر من الجمر ؟؟
ماذا حدث ؟؟!!"..
يارب!!!
يارب!!!
........................

2

"يا ذكرياتي السعيدة.. عودي إلي..
اغمريني من رأسي حتى قدمي..
املئيني نشوة وحنان..
واجعليني حرفا من نور في كتاب الحياة الأبدي"..
........................

كان يوما سعيدا يوم دخوله الجامعة أول مرة..
وأحس بالحرم الجامعي وبما يمثله من قدسية، ويوقع في الصدر من مهابة..
ورأى لأول مرة ساعة الجامعة "العملاقة" التي تذكره بالزمن.. وتضعه أمام تساؤل كبير : ماذا فعل ؟؟ وماذا قدم ؟؟
تذكره بالأيام التي مضت، وتضعه أمام الأيام التي ستأتي وجها لوجه..
وتذكرها.. إنها نعمات أمين.. كانت زميلته وقت أن كان في كلية العلوم جامعة القاهرة.. هذه الفتاة الرزينة التي يحاول كثير من الطلاب التقرب إليها، وهي لا تحفل بهم، وكأنها تنظر إليهم من علياء!!!
كان يود أن تعرف ما يريد..
أقترب منها، وارتاح معها..
توثقت بينهما العلاقات، فطلبت منه بعض المحاضرات التي لم تحضرها، فلبى طلبها سريعا مسرورا..
لم يرفض لها طلبا مرة واحدة..
حاول أن يحدثها بعيدا عن الدراسة.. فيتردد وتتوه منه الكلمات.. رغم أنه شاعر لا يشق له غبار..
شهران الآن.. ولم يقل شيئا..
متى يحين ذلك يا إلهي ؟؟!!
........................

تذكرها أول مرة..
يومها أحس برضا الله عليه..
ألقت عليه تحية الصباح وصافحته بقوة وحرارة..
وغنى قلبه :
"أنس يا قلب شهور الحرمان والضياع..
وترنم بألحان العشق والغرام..
فالإنسان لا يحيا مرتين..
والدنيا إن أدبرت لن تقبل"..
........................

وفي هذا اليوم.. عندما التقيا..
رأى السعادة تغمر وجهها، وهي تنظر إليه بامتنان ظاهر!!!
أما هو.. فلم يكن في الوجود أحد أكثر سعادة منه، ولا أهنأ بالا..
هكذا كان في كل أوقاته..
أقل شئ يفرحه، وأدنى اهتمام يأسره، ويملأ قلبه بالسرور..
لا يملك في حياته إلا الحب والسعادة..
لم ينظر إلى المال مصدرا للانشراح..
ولم يعرف طعما أجمل من النجاح..
ولم يسع إلا للخير..
فهل كثير عليه أن تبتسم له وتهتم به ؟؟!!
وهل عزيز عليه أن يسرح في الخيال عندما تضحك له ؟؟!!
هل بعيد عنه أن تكون قريبة منه ؟؟!!
........................

"نعمات أمين..
أنت نعمة من السماء..
وأبوك أمين عليك..
وقلبي الطاهر هدية لك..
فهل تقبلينه ؟؟ ؟
هل أنت الأمنية التي انتظرتها طويلا ؟!
هل تكونين الجائزة التي يدخرها القدر لي ؟!
هل تكونين الجوهرة التي يبحث عنها قلبي ؟!
هل أنت السعادة التي كنت أنتظرها ؟!"
........................

"نعمات أمين..
إنها أمل يسعى على قدمين..
جمال في العروق يجري..
حنان في القلوب يسري..
نعمات أمين..
نعمة من السماء..
أمل وحنين ورجاء..
هل تنتشليني من الحيرة وتتوجيني بالسعادة ؟!
أرجوك أنقذيني من الشك!!!"..
........................

وثاب طاهر إلى نفسه، وتنفس الصعداء..
عاد من رحلته السماوية، وهبط على الأرض..
ضم جناحي الطيران، وأحس بالدنيا التي خدعته وكأنها امرأة، ولكنها تتمنع عليه في دلال!!!..
......................

3

"يا لوعة النفس.. وشقاء الفؤاد..
وتلك الدنيا اللعوب التي تتنكر لنا..
وتتركنا صرعي ضرباتها"
أحس طاهر الزرقاني بلذة في اجترار الألأم..
دائما طريق العودة من الجامعة يجعله يسرح في دوامة الأفكار التي لا تنتهي..
........................

وسرح بفكره إلى نعمات أمين..
وشعر كأن جبلا من الهموم يثقل كاهله..
متى يتخلص منه ؟؟
متى ؟؟
........................

وتذكرها يوم أعطاها كشكول المحاضرات عندما طلبته آخر مرة..
يومها.. أحس طاهر أن الفرصة حانت ليعبر لها عما يجيش به صدره!!!
لم ينس هذا اليوم..
كتب رسالة بثها مكنون شوقه، وحنين فؤاده، وطواها في حرص داخل صفحات الكشكول..
وتسلمت نعمات الكشكول وشكرته وهي تعده بإعادة الكشكول سريعا، وتصفحت نعمات المحاضرات ووجدت الورقة المطوية فلم تفتحها، وبعدما انتهت من كتابة المحاضرات التي طلبتها، أعادت الكشكول إليه.. وشكرته كثيرا..
........................

"لماذا الصمت يا إلهي ؟!
ربما الحياء!!
ربما أول تجربة تمر بها..
علي أن أنتظر..
ربما يحدث ما أريد!!!"..
........................

وأحس طاهر برغبة عارمة لمقابلة نعمات، فلم يستطع ذلك، فطلب من زميله محمد عبد العظيم أن ينقل إليها رغبته في مقابلتها لأمر هام..
وشعر طاهر بالسعادة تغمره حينما جاءت..
"ويا قلب جاء الجمال إليك يسعى..
والسحر أصبح الآن بين يديك!!"..
........................

وأصبحت نعمات أمامه..
"إلي.. إلي.. يا توأم روحي..
يا مرفأ الحب الآمن..
اغمريني نشوى وحنان
فقد طال بي الحرمان"..
........................

للمرة الأولى.. وجها لوجه بمفردهما..
تأملها جيدا..
كما تخيلها تماما..
بيضاء كالقمر..
شعرها أسود ناعم طويل، كما يقولون كالليل..
فهي قمر الليل..
عينان نجلاوان..
تماما.. تماما.. كما أراد..
هدوء.. أتزان..
شفتان لا تفتران إلا عن ابتسامة..
غمازتان واضحتان على الخدين..
رموش طويلة.. تصلح للسير عليها..
وتذكر أغنية صباح :
"أفرش لك رمشي..
أمشي على رمشي يا حبيبي..
أمشي وأتغندر.."
ولكن هل تقول له كما قالت صباح :
"قلبي بيحبك.. أكثر من قلبك..
ولو يقدر يحبك بزيادة.. حبيتك أكتر!!!"
........................

لم ينطق شيئا رغم كثرة أفكاره..
ولم يطلب منها شيئا رغم شدة حاجته..
لا يدري ماذا يقول ؟!
فقد أحس بعجزه عن الكلام، رغم أنه شاعر تنساب كلماته رقة وعذوبة..
خشي من الحديث، رغم أنه خطيب لا يشق له غبار..
أذن فالصمت أفضل..
........................

قطعت نعمات عليه صمته، وطالبته بالحديث..
فقال لها واثقا :
ـ أحب أن أراك هكذا.. لا يهم الكلام.. تكفي لغة العيون!!
وأحست نعمات بالدنيا تميد بها.. ولم تشعر إلا وهي تقول في غضب :
ـ ماذا تقول يا طاهر ؟! أنسيت نفسك هكذا ؟! نحن في الجامعة والطلاب حولنا، ولا يعقل أن تقول لي مثل هذا الحديث..
فقال لها في هدوء :
ـ إذا هيا إلى مكان أخر!!
فقالت بانفعال :
ـ لا يمكن هذا.. فيما تفكر ؟! لم يخطر ببالي أبدا ما تفعل الآن.. أعلم يا طاهر أني لست كما تظن!!!
قالت هذا ثم انصرفت..
وغاص قلبه بين جنبيه!!!
وأسرعت نعمات في طريقها إلى حجرة الطالبات، وقابلها محمد فلم تحفل به..
ولم يحس طاهر بما حوله، وغاب في دوامة الأفكار..
........................

الفشل لأول مرة في حياته..
لم يفق إلا عندما اقتربت منه زميلته حنان سعيد.. هذه الفتاه المرحة، ذات الشعر القصير الملون..
سألته عما به.. راوغ وأنكر، وأحست أنه يخفى شيئا، فلم تحاول أن تنكأ جراحه..
عرضت عليه الذهاب إلى "الكافيتريا"، فلم يمانع..
سار معها وأسلم قياده..
لأول مرة تحس حنان أن طاهرا زميلا لطيفا إلى ذلك الحد..
طلبت له مشروبا مثلجا.. ارتشفه ولم يعرف له طعما.. وأخذت تسري عنه..
وعندما قاما أحس طاهر أن حنان فتاة رقيقة يمكن الارتياح معها.
........................

ولم يمض شهر على هذه الحادثة التي وقعت بين طاهر ونعمات.. حتى فوجئ الطلاب بقرار نقل طاهر من كلية العلوم إلى كلية الهندسة في مبنى آخر بعيد خارج حرم الجامعة..
وأصبح الجميع بين مصدق ومكذب.. وسرعان ما تأكدوا حينما جاء يودعهم واحدا.. واحدا.. وعلموا أنه هو الذي طلب هذا النقل...
حتى نعمات فوجئت به يودعها ويقول لها :
ـ أتمنى لك السعادة والتوفيق..
ثم قال وهو يضغط على الكلمات :
ـ وسنظل دائما زملاء!!
ثم تركها دون أن يستمع إلى همسات قلبها :
ـ مسكين.. مسكين يا طاهر.. ربنا معك ويوفقك!!
ثم انهمرت من عيني نعمات دمعتان صادقتان، لأنها الوحيدة التي تعلم سبب نقل طاهر من كلية العلوم التي كانت رغبته الأولى إلى كلية الهندسة خارج حرم الجامعة.
......................


4

كان صباحا مشرقا.. يبعث على الارتياح..
استقبله محمد عبد العظيم بتفاؤل، فقد اتصلت به نعمات في التليفون، ووعدته باللقاء عند بوابة الجامعة..
وأحس الواقع يمتزج بالخيال في سيمفونية رائعة..
وفي الكلية.. كان اللقاء لمعرفة النتيجة التي طال انتظارها.
ولكن لم تعلن النتيجة بعد..
حاولا لقاء رئيس الكنترول فلم يفلحا..
استطلعا الوضع عدة مرات من المراقبين.. ولكن دون جدوى..
فهناك طلاب كثيرون ينتظرون مثلهم منذ الصباح الباكر.. انصرفا معا لقضاء بعض الوقت في محاولة لتهدئة توتر الأعصاب في انتظار النتيجة..
........................

وفي كازينو "النيل السياحي".. جلسا معا.. وضع يدها بين كفيه ونظر في عينيها يستلهم أسرار الوجود.. كانت الغمازات واضحة في وجهها كلما ضحكت أو حتى ابتسمت...
تحدثا في موضوعات شتى..
قال لها بعد صمت قصير :
ـ عجيب أمر شبابنا اليوم.. أحس أن مستواهم الثقافي والسياسي أقل مما كان في الماضي.. فالشباب في الثلاثينات والأربعينات كانوا يفعلون "البدع" ضد الإنجليز وضد القصر ولا يخافون..
قالت نعمات :
ـ ولكن.. ظروفهم كانت تختلف عن ظروفنا اليوم..
فرد عليها :
ـ نعم ظروفهم كانت تختلف.. كان هناك احتلال أجنبي، ولكن نحن الآن في ظل حكومة وطنية من الشعب.. والمفروض أن مناخ الحرية أفضل.. فهم كانوا يعانون من الاحتلال، ويطالبون بالجلاء، ويعانون من استبداد القصر والحكومة، ويطالبون بالدستور.. ويخرجون في مظاهرات عارمة.. ويسقط منهم شهداء تحت الأقدام.. حتى تفكيرهم السياسي كان أكثر وعيا ونضجا من شباب اليوم..
ثم توقف فجأة وسألها :
ـ هل سمعت هذه الأيام شبابا يطالب بالحريات السياسية وتشكيل أحزاب، أو يدلي برأيه في الاستفتاء على الدستور ؟! لا أعتقد.
فردت عليه مؤيدة رأيه :
ـ فعلا يا محمد.. ولكن التقصير ليس من الشباب ذاته، ولكن من الظروف الموضوعية التي نمر بها، وهذا يرجع إلى..
ثم صمتت فجأة كأنها تفكر..
ثم نظر محمد إليها يستحثها على استكمال الحديث..
فقالت :
ـ هذا في رأيي يرجع إلى ما نسميه حالة "الكبت السياسي" التي تعني تقييد حرية النشر والتعبير.. وغيرها من الحريات الأساسية للمواطنين..
وتساءلت :
ـ ما رأيك في مصادرة الكتب المطبوعة ؟!
فقال محمد بعد أن صمت برهة :
ـ الحقيقة مبدأ مصادرة الكتب في حد ذاته مبدأ خطير.. لأنه يتجاوز حد مصادرة الكتب إلى حد تقييد الحريات..
ثم أحس أنها تفهم كلامه، ومستعدة لتقبل المزيد..
فقال :
ـ انظري يا نعمات.. الكتاب المصادر ليس معناه دائما أن هذا الكتاب مدان.. وأيضا يجب أن تعلمي أن كثيرا من الحقائق لا تزال مغلوطة أو خافية، وإذا نحن لم نحتفظ بفكرنا ثابتا وسط العواصف فسوف نهتز، ونحس بدوار شديد ولا نعلم مواقع أقدامنا..
وطال بهما الحديث فترة.. أحست نعمات بعد ذلك أن محمدا إنسانا يستحق أن ترتبط به..
وفي طريق عودتهما.. تنزها فوق كوبري "قصر النيل" بعض الوقت.. وكانت تحس بدقات قلبها متلاحقة وهي تسير معه.. كانت تحمل حقيبتها في كتفها ويداها تضغطان كتبها فوق صدرها بحنان وحرص.. وفكرها مشغول!!
......................

5

وكان يوم النجاح يوما بهيجا..
فقد نجح الجميع..
طاهر الزرقاني.. ومحمد عبد العظيم.. ونعمات أمين.. وحنان سعيد..
والتقى الجميع بعد غياب.. وامتلأت القلوب بالنشوة والسعادة..
فهل هناك أجمل من النجاح!!
وهل هناك أكثر سعادة من لقاء الأصدقاء بعد غياب ؟!
........................

والتقى محمد مع نعمات يوم إعلان النتيجة.. وخرجا معا وسارا حتى وصلا كوبري الجامعة يلفهما الصمت.. وبعد فترة قالت له :
ـ الله.. أول مرة أحس أن للنجاح طعما جميلا يمكن تذوقه بالشفتين!!
وأحس بوقع كلماتها السعيدة على نفسه، فأجاب وهو يتحاشى النظر إليها :
ـ الحمد لله!!
لم يزد.. مشيا في صمت، وأحس بها تقفز بجواره كغزال جزلان..
وألقى نظرة فوق صفحة الماء، وأحس بجمال وسحر في زرقة مياه النيل لم يجدهما من قبل.. وغاب عما حوله، وتطاير شعرها الطويل حتى لامست أطراف شعرها وجهه، وأحس بانبهار طفل حقق أملا..
........................

وعند نهاية الكوبري.. ودعته في حرارة وهي تعده باللقاء عند بدء الدراسة..
وهنأها مرة أخرى.. وعاد أدراجه إلى الجيزة جزلان فرحا، وواصلت هي طريقها نحو المنيل..
أما هو ففي طريق عودته وحيدا أحس بأهمية السعادة في حياة كل إنسان.. وأحس أنها شعور داخلي للإنسان لا يمكن استيراده من خارجه.
........................

محمد عبد العظيم.. أشقر.. عيناه زرقاوان.. ملامحه دقيقة.. جميلة.. يسميه أصدقاؤه "الخواجة".. وكان هذا اللقب يؤلمه.. فهو مصري صميم.. والده صعيدي، من سوهاج، من أعماق الصعيد.. جذوره عميقة في الأرض.. ولا يرضى أن ينال من انتماءه شئ.. كان كثير الأصدقاء حتى يذوب بينهم.. محبوب رغم سرعة غضبه.. نشيط لا يهدأ.. يفضل رياضة الجري وركوب الدراجات، لذلك تجده نحيفا ولكن في قوة.. ظريف لا تفارقه الابتسامة..
........................

نعمات أمين في حياته زهرة جميلة.. بسهولة ويسر حدث تناغم بينهما..
لم يطلب منها موعدا، ورغم ذلك تقابلا كثيرا..
لم يحدثها في الحب، ورغم ذلك أحبها كثيرا..
لم يسألها عن نفسها، ورغم ذلك عرف عنها كل شئ..
هكذا.. هكذا.. اللقاء سهل.. والحب سهل..
هكذا.. هكذا.. تحققت أمنيته..
هكذا.. هكذا.. اتفقا على كل شئ..
........................

الدراسة معا.. العلوم والبحث العلمي.. لغة العصر..
الزواج والبيت والأولاد.. والمستقبل المشترك..
وماذا يريد الإنسان أكثر من ذلك ؟!
........................

قالت له دون سابق اتفاق :
ـ أبي يريد أن يقابلك غدا في منزلنا!!
لم يسألها لماذا ؟!
ولم يطلب منها التفاصيل..
ولم يرفض.. ولم يطلب التأجيل..
وافق على طلبها بكل سرور.. فلديه الكثير..
الكثير ليقوله لوالدها دون إعداد مسبق.. وهل يرفض شيئا لحبيبة القلب ؟!
........................

لقاء هام.. أستعد له بكل جوارحه..
فليس هناك أجمل من لقاء الحبيبة وسط أهلها..
تم الاتفاق سريعا على الخطوبة في حضور والديه وأخوته..
وكانت ليلة العمر.. ليلة جميلة..
كان الاحتفال بالنجاح والخطوبة معا..
وتحقق الحلم الجميل..
النجاح والخطوبة..
وهكذا كما نسمع في الحكايات القديمة..
السعادة التامة في "التبات والنبات"!!
......................

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار