الفيلم الأرجنتيني - العشيرة - يتناول مخلفات الحكم الديكتاتوري في الارجنتينن!!

علي المسعود
2021 / 3 / 5

الفيلم الأرجنتيني " العشيرة " يتناول مخلفات الحكم الديكتاتوري في الارجنتينن!!

The Clan

علي المسعود

مرت الأرجنتين بالفترة من العام 1976 إلى العام 1983، بسلسلة من الانقلابات العسكرية واختفاء أكثر من 30.000 شخص في حملة إرهاب وتعذيب واختطاف . وهناك من القصص والحكايات التي وثقت في تقارير الأمم المتحدة وأخرى في كتب وأغانٍ وأفلام تحكي حكاية تانغو الحرية الغائب آنذاك في بلد كان لا يعرف سوى لغة الدم والتعذيب عبر حواجز عدة . فمنذ سقوط الحكم العسكري في العام 1983، ناضلت الأرجنتين طويلاً وبقوّة لمواجهة هذه الانتهاكات وتعزيز سيادة القانون والبحث عن الحقيقة والملاحقات القضائية . وفي عام 1983 تأسّست اللجنة الوطنية حول الاختفاء إثر صدور مرسوم رئاسي بهذا الصدد ، وأصبحت النسخة المختصرة لتقرير اللجنة حول انتهاكات حقوق الإنسان خلال الحكم الديكتاتوري العسكري " لن يحدث مرة أخرى أبداً" ، أفضل مبيعات في ألأرجنتين ، وفي عام 1985 جرت ملاحقة قضائية لتسعة أعضاء سابقين من الطغمة العسكرية في محكمة تاريخية أدّت إلى إدانة الرئيسَين السابقَين، جورج رفائيل فيدلا وروبرتو إدواردو فيولا، والأدميرالَين إميليو إدواردو ماسييرا وأرماندو لامبروشيني، والعميد في الجيش أورلندو رامون أغوستي . وبعد عدّة سنوات، وجد المجتمع المدني أنّ العمل الجيد الذي نتج عن الملاحقات القضائية السابقة قد جرى تقويضه بقرار الرئيس الارجنتيني "كارلوس منعم" بالعفو عن أعضاء الطغمة العسكرية المحكوم عليهم ،على رغم من ذالك، واصلت حركة حقوق الإنسان الأرجنتينية وعائلات المختفيين ضغوطها للمحاسبة. وفي العام 2003 حكمت المحكمة العليا في الأرجنتين بعدم دستورية القوانين التي تحمي الشخصيات العسكرية من الملاحقة القضائية ، وتشمل الملاحقات القضائية الحالية قادة بارزين ومرتكبي جرائم مسئولين مباشرةً عنها ومدنيين ساهموا فيها، ومن ضمنهم كهنة وقضاة ووزراء سابقون .
السينما الأرجنتينية التي تعتبر حاليا الأهم من بين سينمات أمريكا اللاتينية، تملك العديد من الأفلام المدهشة والتي تعطينا نظرة على الثقافة الأرجنتينية وقصص عن ماضيها المضطرب فالعديد من الافلام الارجنتينية تعالج مواضيع اجتماعية مهمة في ذلك البلد الجميل كما أن السينما في الأرجنتين في نمو مستمر وهي واحدة من أهم منتجي الأفلام في العالم الناطقة باللغة الإسبانية ـ واستطاعت أن توثق تلك الفترة القلقة من تاريخ الارجنتين من خلال عدة أفلام ومنها فيلم ( العشيرة ) الذي يستند إلى قصة حقيقية ، تدور أحداث الفيلم الارجنتيني ( العشيرة ) حول عائلة مجرمة في الأرجنتين في فترة الثمانينيات ، وهي الفترة التي كانت الديكتاتورية العسكرية تقترب من ، نهايتها وأعيد إرساء الديمقراطية . يتابع فيلم "العشيرة" سلوكيات عائلة بوتشيو في اختطاف الجيران الأغنياء للحصول على فدية . الفيلم إنتاج عام 2015 ومن أخراج المخرج " بابلو ترابيرو" وهو مخرج ومنتج أرجنتيني ( 04 اكتوبر 1971) ، في عام 1999 أخرج فيلمه الطويل الأول "موندو غروا " الذي فاز بجائزة النقاد في مهرجان البندقية السينمائي . فيلم العشيرة من الافلام الارجنتينية التي حققت نجاح واضح في عام 2015 ، ويتناول الفيلم مخلفات الحكم الديكتاتوري في الارجنتينن عبر رصد حياة أحد ضباط الشرطة السرية ويقوم بدوره الممثل (غييرمو فرانسيلا) الذي يواصل ممارسة أساليب الاختطاف والابتزاز التي كان يمارسها في زمن الحكم الديكتاتوري، شحذ بوتشيو مهاراته في العمل في الخدمة السرية خلال الديكتاتورية 1976-1983. يشير الفيلم إلى كونه من عناصر إستخبارات الدولة ( أس . أي .دي .إي) وهي الشرطة السرية التي كونتها الديكتاتورية العسكرية لأرهاب المعارضين من اليسارين والمثقفين في الارجنتين ، فيتزعم بعد التحول الديموقراطي وإندحار الديكتاتورية عصابة تقوم باختطاف الأشخاص الاثرياء وأقاربهم وطلب فدية من عوائلهم ، ويحول الابتزاز الى مشروع عائلي مشركا أبناءه في عملياته ، ومستفيدا من علاقته مع الأجهزة الإمنية ( التي لم تنظف بعد) وحمايتها له ، اذ يحاول مسؤولون فيها انقاذه حتى بعد ان يسقط في قبضة العدالة ، قصة الفيلم مقتبسة من قصة حقيقية عن عشيرة بيسيو العائلة التي كانت تخطف وتقتل في الثمانينيات من القرن الماضي . استطاع المخرج "بابلو ترابيرو" من خلال هذا الفيلم لفت الأنظار بسبب قصة العائلة التي هزت الأرجنتين . يفتتح الفيلم باجتماع للرئيس الارجنتيني الجديد (راؤول ألفونسين) ، بعد سقوط الديكتاتورية العسكرية عام 1983، ويتم اطلاع الرئيس من قبل اللجنة الوطنية المعنية بإختفاء الاشخاص ، ويؤكد الرئيس في كلمة قصيرة "يجب أن نمنع الكراهية والعنف في أن تلوث المجتمع الارجنتيني الديمقراطي الجديد". بعد أكثر من 7 سنوات من الديكتاتورية ألاكثر قبحاً في تاريخها وسقوط نظام الجنرال (فورتوناتو جالتيري) ، الديمقراطية تعود الى الارجنتين. بعدها تنقلنا كاميرا المخرج " بابلو ترابيرو" الى مشهد ويظهر فيه "أرخميدس بوتشيو " الضابط السابق في جهاز المخابرات في زمن النظام الديكتاتوري السابق ، داخل سيارة مع إبنه الشاب يمارس هوايته في خطف الابرياء من الناس الميسورين وطلب فدية منهم ، وهو الان بانتظار اللحظة المناسبة كي ينقض على فريسته ، ويهاجم احد البيوت لإختطاف إبنهم ومطالبة العائلة بالفدية ، بمشاركة الابن( أليخاندرو) الشاب الرياضي الذي يلعب في فريق الركبي ، لكن زوجته وبناته قد تجاهلوا ما كان يحدث في منزل العائلة ، رب أسرة "بوتشيو" ضابط استخبارات تجرع الهزيمة برحيل نظامه ، رجل يعيش حياة طبيعية، هو يهتم بأسرته ويساعد زوجته في أمور البيت ، يمسد كتفيها المتعبين ، كما يساعد إبنته بفروضها المدرسية . يظهرعنايته بكل أولاده الخمسة، وخصوصاً ابنه الشاب العشريني البطل الرياضي . عائلة شبه مثالية على طاولة العشاء يصلي قبل تناول عشاءهم . في حين كان بوتشيو في عمله يزرع الرعب في العاصمة بوينس آيرس، لكنه في كل صباح يستيقظ "مرتاح الضمير"، يشطف بالماء والمكنسة رصيف الشارع أمام منزله، بتواضع ولطف. "بوتشيو" هذا يكتم مشاعره وخوفه وغيظه مثل بقية رفاقه في المخابرات والجيش الذين باتوا خارج السلطة. كان عليه أن يفعل شيئاً "من أجل أسرته" فالبلاد في ضائقة اقتصادية. يجتمع مع بعض رجاله الأوفياء لتكوين عصابة . في حين أن الابن أليخاندرو (بيتر لانزاني) ، لاعب الرجبي الواعد ، كان بمثابة شريك والده - الضحية الأولى للعائلة صديقة إبن العائلة الثرية "ريكاردو مانوكيان" الذي كان أحد زملائه في الفريق ، بعد أن يفتعل قصة عطل سيارته و يحتاج الى مساعدة لملئ حزان الوقود ، تعترضهم سيارة أبيه مع عصابته وهم مقنعين، ويقوموا بخطف صديقة ومطالبة أهله بدفع الفدية ـ بعد أن يتصل بالاهل ويبلغهم بان الشاب قد أختطف من قبل جبهة التحرير الوطنية ويجب أن لايتصلوا بالشرطة لضمان سلامته - والفدية المطلوبة هي نصف مليون دولار من فئة 100 دولار، وبعد دفع الفدية من قبل اهله ، يقتلوه ويرموا جثته في العراء ، يصاب صديقة " اليخاندرو" بالصدمة من تلك الجريمة على الرغم من مشاركته لابيه في أختطاف صديقة ، يوافق أليخاندرو على إبقاء جريمة القتل سراً فقط بعد أن أقنعه والده بالاعتقاد بأن القتل كان ضرورياً لأنه كان سيُدمر العائلة ، وكان من الممكن أن يكشف العائلة لو بقيت الضحية على قيد الحياة . رغبة أليخاندرو في الحفاظ على سرية والده أكثر تورطه في خطط والده الإجرامية . في البيت بوتشيو هو الاب الحنون الذي يتابع دراسة إبنته وكل شئ عادي ولايثير الشبه لمسلسل إجرامه ، وزوجته التي تعمل مدرسة ، يفتتح الأب (بوتشيو) محلا لبيع الاجهزة والملابس والمعدات الرياضيى لابنه (أليخاندرو ) ليجبره على البقاء جنبه بدلا من السفر والاحتراف في نيوزلندا ، وبعد ذالك ، يخطط لاختطاف الشاب ادواردو وهو إبن جاره فلورنسيو أوليت ، يتم الخطف ويستلم الفدية مع عصابته و يفعل نفس الشئ مع الضحية حين يقتله وج_يرموا بجثته في البرية ، ولكن هذه المرة يهدئ أرخيميدس إبنه ( أليخاندرو) ليس بالكلمات ولكن بالمال لإبقاء فمه مغلقا . يتردد إبنه اليخاندرو في المشاركة مع أبيه في عمليات الخطف بعد ان أحب فتاة( مونيكا) ويطمح للزواج بها ، لذا لايشارك في عملية خطف التاجر الغني (نعوم ) وهو احد اصدقاء ابيه، لكن العميلة تفشل حين يقاوم نعوم رجال ارخميدس بونشيو ويقتل في السيارة بعد فرار الجناة ، يهرب من البيت الابن الصغير الذي يؤرقه اصوات المختطفين ، المفارقة أن معظم الضحايا على معرفة شخصية ببوتشيو وقد استغل ثقتهم به لخطفهم وأستغل صفته كضابط مخابرات معروف لديهم، وجار في حي سكني هادئ، وصديق قديم في حلقة المعارف. والأسوأ أنه ورط ولديه معه في العمل الإجرامي ولم يأبه أن يستغل مظهر المنزل العائلي الفخم ليكون مقراً للرعب. الضحية الاخيرة هي أمرأة تبلغ 65 عاماّ ويخفيها في الطابق السفلي المشيد حديثا على ممتلكاتهم . لكن المرأة تمرض وتظل تصرخ بلا توقف طوال مدة احتجازها ، لتنتبه شقيقتي أليخاندرو (سيلفيا وأدريانا) بحضورها. عندما يدعو أركيميديس بوتشيو عائلة المرأة للمطالبة بفدية ، يقولون إنهم لا يستطيعون دفعها. بعد ذلك بفترة وجيزة يتلقى مكالمة من رئيسه السابق يقول فيها إن السلطات تبحث عن المرأة وأنه لا يوجد ما يمكنه فعله لحمايته بعد الآن بعد أن أصبحت الديكتاتورية خارج السلطة ، يذهب بوتشيو وبرفقة أبنه ماغيولا إلى محطة الوقود حيث يعتقدون أنه سيتم ترك الفدية ، ولكن نصبوا كمينا من قبل الشرطة ، الذين قاموا بغارة في وقت لاحق على المنزل ، ويتم اكتشاف ألمرأة المختطفة في الطابق السفلي وتحريرها ، ويتم القبض على عائلة (بوتشيو) بأكملها. وأُفرج عن الأم والبنتين ، لكن أليخاندرو وأركيميديس بوتشيو وماغويلا يواجهان محاكمة. في الليلة التي سبقت مثولهم أمام المحكمة ، قام الأب "أركيميديس بوتشيو" بإحضار أليخاندرو إلى زنزانته ويطالبه بلكمه حتى يشعر القاضي بالشفقة عليه. يرفض اليخاندرو في البداية، لكن ألاب بوتشيو يستفزه و يسخر منه حتى يضربه في داخل الزنزانة . في النهاية تتوضخ مصائر ابطال القصة الحقيقة ، نجا ألابن (اليخاندرو ) من السقوط من ارتفاع خمس طوابق في المحكمة ، وحكم عليه بالمؤبد في السجن حاول الانتحار أكثر من مرة وفشل في إنهاء حياته ، وتوفى عام 2008 عن عمر 49 عاماً ، بعد عامين من السجن أطلق سراح شقيقه (ماغيلا) لأن الحكم الصدر بحقة لايزال معلقاً، في عام 1998 حوكم بالسجن 12 عاماً، ولكنه فرّ من السجن ، ويشاع انه قضى وقتا في استراليا ونيوزلندا و البرازيل ، في 2014 ظهر في المحكمة وطلب وثيقة براءة أو إعفاءه من الحكم وحصل عليها ، أما ( أرخميدس بوتشيو) فقد حوكم عليه بالسجن المؤبد ، وحصل على شهادة القانون وهو في السجن و مارس مهنة المحاماة بعد الافراج عنه في عام 2008 ، حتى وفاته عام 2013 وهو في عمر 84 ظلّ مصّراً على إنكاره بالجرائم التي أرتكبها .
تلقي قصة الفيلم بعض الضوء على روح الأرجنتين المظلمة في فترة ما بعد الديكتاتورية في أحدث فيلم إثارة اجتماعي جريء لبابلو ترابيرو . الفيلم يعيد النظر في قضية عائلة بوتشيو ، التي اختطفت أربعة أشخاص للابتزاز بين عامي 1982 و 1985 ، وقتلت ثلاثة منهم قبل اقتحام الشرطة لمنزل عائلتهم "المحترم" في ضاحية سان إيسيدرو في بوينس آيرس لإنقاذ الضحية الرابعة ، سيدة الأعمال نيليدا. (بوليني دي برادو) ، اختطفت قبل شهر من أعتقاله هو وعصابته . يصور المخرج " ترابيرو " الأسرة بعناية باعتبارها امتدادًا منطقيًا للديكتاتورية التي سقطت مؤخرًا لمساعدتنا على فهم تصرفات أبطال الفيلم . في أداء فرانشيلا المثير للإعجاب ، لا يعطي تعبير ( أرخميدس بوتشيو ) الهادئ أي مجال للشك باجرامه ، وقد سبق أن شاهد هذا الممثل في فيلم ( السرّ في عيونهم ) . يمتاز فيلم ( العشيرة ) بموسيقى تصويرية رائعة تستخدم روح المرحلة التي جرت فيها ألاحداث وتضيف ديناميكية الى المشاهد القصيرة . الفيلم مليء بالعديد من التقلبات والمنعطفات ، ومن الصعب نسيانه ليس فقط لأنه يستند إلى قصة حقيقية ، بل أن قصة الفيلم تخبرنا فداحة شعوبنا العربية وشعوب العالم التي ابتليت بالديكتاتوريات وحتى بعد سقوطها ، ندوبها وأثارها تبقى في نقوس أدواتها وجلاديها وهم ليس من اسهل التخلى عن السلطة ومركز القوة عندما كانوا في السلطة أو قامت مصالحهم وشبكة علاقاتهم وحياتهم الاجتماعية ومكانتهم على وجود هكذا سلطة. الفيلم الحاصل على جائزة الأسد الفضي لأفضل مخرج في المسابقة الرسمية في الدورة 72 من مهرجان فينسيا السينمائي .
للإشارة فالمخرج ترابيرو من مواليد سان خوستو 4 أكتوبر/ تشرين الأول 1971، تعالج أفلامه المشاكل اليومية انطلاقا من سياقات اجتماعية واقتصادية، في مجتمع يحيا فيه أبطاله ويتصارعون من أجل البقاء، مخرج له من الإمكانيات ما استطاع أن يؤسس بها لسينما بديلة وواقعية بمتخيل إبداعي ، وقادر على إدارة الممثلين بنوع من المهارة، في أفلامه نجد الكثير من الوجوه السينمائية تتكرر حتى نكاد نألفها .
نجح المخرج" ترابيرو" الذكي في الحفاظ على الإيقاعات المألوفة في ملحمة الجريمة - الصعود ، والسقوط ، والعنف الدائر ،لكن النص الضمني السياسي والاجتماعي المظلم يخلق إحساسًا جديدًا ومربكًا. في الختام : يطرح المخرج الأرجنتيني في فيلمه «العشيرة» مفهوم الديكتاتورية، من بينها الديكتاتورية الدينية والعسكرية المرتكزة بطريقة أو بأخرى على سلطة تضمن بقاءها في السلطة، وتنتهي بسقوط تماثيل الديكتاتور بعد قتله و إعدامه ، وبالعودة إلى الدولة المدنية وأيضا إلى المؤسسات الديمقراطية وأيضا إلى التأمل والتفكير في هذه اللحظات العصية. هكذا يصور الفيلم عائلة بوتشيو التي تنتمي بشكل سري إلى ديكتاتورية تنمي الخوف والجزع في النفوس وتتظاهر بأنها أسرة عادية ومسالمة.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية