لبنان : نهاية الإمارة (2)

خليل قانصوه
2021 / 3 / 5

يمكننا في الواقع أن نقيّم الدعوة إلى حياد اللبنانيين في سورية و فلسطين بمعايير مثل التبرؤ جبنا ، التنكر للأمانة ، التنصل من المسؤولية و الانحراف الأناني ! مجمل القول أن الموقف الحيادي في هذ المسألة هو بحسب رأيي غير حميد . يجب أن لا ننسى أن لبنان هو جزء من منطقة واحدة ، كانت خاضعة للإدارة العثمانية ، قبل أن تتقاسمها قوى الاستعمار القديم في نهاية الحرب العالمية الأولى . هذا لا يعني أن شعوبها لم تكن متداخلة ، ليس بدافع الثقافة المشتركة و حسب و أنما تحت ضغط المصالح و التكامل الاقتصاديين أيضا . إن قوانين الجغرافيا ثابتة وهي أقوى من الرغبات .
مهما يكن فإننا لا نستطيع في قراءتنا لهذه الدعوة ، و بصرف النظر عن حسن نوايا مطلقيها أو عن سوئها، أن نغفل ما تعرض له المواطنون المسيحيون في العراق و سورية ، على يد الجماعات الإسلامية المسلحة مثل داعش ، بالإضافة إلى مواقف قادة بعض الدول الغربية التي تشارك في الحرب على لبنان و سورية و العراق ، من مسألة تواجد المسيحيين في المشرق العربي ,
بالرغم من هذا كله يزعم دعاة الحياد " الإيجابي " ، أن انحياز بعض الأطراف إلى هذا المحور الدولي أو الاقليمي أو ذاك ، أدى هذه المرة كما في كل مرة ، إلى هبوب العاصفة على البلاد ، الامر الذي يدعم من و جهة نظرهم ، ضرورة الالتزام بالحياد حفاظا على الدولة و على الانتماء بالمواطنة و ليس بالدين . و لكن يأخذك العجب عندما لا تجد فريقا واحدا من بين أفرقاء المنظومة الطائفية الحاكمة ليس منحازا إلى محور دولي أو إقليمي .فلا المبادرون إلى الدعوة للحياد حياديون و لا الرافضون لدعوتهم أكثر انحيازا من غيرهم . و من البديهي أن لدى كل فريق حته . يبقى أن نقول في هذا الصدد أن مسألة " الحياد الإيجابي " تحتاج إلى بسط و تفسير .بكلام صريح وواضح ، هل يشمل الحياد الإيجابي التناقض الرئيسي مع الدولة الصهيونية أم أن هذا التناقض صار ثانويا ، بالرغم من أن هذه الدولة نزعت أخيرا القناع عن و جهها وأعلنت أنها " الدولة القومية للشعب اليهودي " أي أنها ادعت ضمنيا حقها في ممارسة التمييز العنصري ؟
من الطبيعي أن يقع خلاف بين الناس في لبنان حول أساليب ووسائل معالجة الخطر الذي تبطنه الصهيونية على بلادهم و على المنطقة التي يتكاملون مع أجزائها الأخرى كما أشرنا و لكن ما ليس طبيعيا هو أن يختلفوا حول حقيقة هذا الخطر و حول تعريف الصهيونية و أن يتجاهلوا جوهرها . والتسليم بان القضية الفلسطينية تخص بالدرجة الأولى سكان فلسطين الحاليين ، الذين ينتمون إلى فلسطين " بالمواطنة و ليس بالدين " لا يعفي اللبنانيين من تشجيع هؤلاء السكان في نضالهم ضد الصهيونية من أجل دولة عادلة ديمقراطية لا يتميز الموطن فيها من الآخر على أساس اللون و العرق و الدين
يمكننا أن نتفهم أيضا تباين مواقف اللبنانيين من الوضع السيئ الذي كان سائدا في سورية . علما أنه لم يكن كبيرا أو أنه كان محدودا جدا قبل الحرب ، بينما تفاقم واتسع منذ اندلاعها وظهور القوى الدولية و الإقليمية التي تقف وراءها و الأهداف الحقيقة المتوخاة منها . إن اللبنانيين بكل طوائفهم و أحزابهم و جيوشهم و فقرائهم و زعمائهم الأثرياء هم أقرب الناس إلى السوريين ليس حسبا و نسبا و إنما بدافع المصالح الاقتصادية الحياتية المشتركة . و بالتالي من البديهي ان مرد التكاذب و الكراهية و العداوة بين اللبنانيين عائد إلى الاقتتال الذي دار في الواقع فيما بينهم في سورية نفسها ، كونهم شركاء في سورية ، انعكاسا لعدم اتخاذهم ، جميعا ، موقفا حياديا موحدا من الحرب ، فبعضهم دافع عن سورية و بعضهم تعاون مع المعتدين عليها .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي