كارل ياسبرز (1883 – 1969)

غازي الصوراني
2021 / 3 / 4


فيلسوف وجودي ألماني، "بدأ استاذاً في جامعة بال، ثم كطبيب للأمراض العقلية، وقد حدد هذا بشكل كبير تصوره للمشكلات الفلسفية، ولم ير "ياسبرز" في الظواهر السيكولوجية المرَضَية ("المقدمة إلى علم النفس المرضي" – 1913) تعبيراً عن تحلل الفرد، بل رأي فيها بحث الإنسان عن فرديته، ولما كان ياسبرز قد اعتبر هذا البحث المَرَضي هو لُبْ التفلسف الحقيقي، فقد توصل إلى أن أية صورة عقلية للعالم ليست حتى الآن معرفة، فهي لا يمكن إلا أن تكون شيفرة للوجود تحتاج دائماً إلى تفسير، وفي رأيه "أن المحتوى الداخلي للفلسفة لا ينكشف إلا بـ"الفهم" الصميمي للـ"شيفرة"، فليست مهمة الفلسفة سوى استيعاب ما هو لا عقلي، الذي يسود العالم، وفهمه على أنه مصدر الحكمة القصوى ("العقل الوجود" – 1935).

"تتجلى خصائص وجودية ياسبرز بأجلى ما تكون في مذهبه عن "المواقف الحدية"، فالمعنى الحقيقي للوجود عنده يتضح للناس خلال فترات أعمق الصدمات (المرض، الموت، الخطيئة الكبرى.. إلخ)، ففي هذه اللحظة بالضبط يحدث "سقوط الشيفرة" ويصبح الإنسان حراً من حمل الهموم اليومية ("الوجود في العالم") واهتماماته المثالية وآرائه العلمية عن الواقع ("الوجود المتعالي") وهو يواجه وجوداً صميمياً بشكل عميق ("استعادة الوجود")، كما يواجه تجربته الصادقة عن إله (متعال)، وقد افاد مذهب "الموقف الحدي" ياسبرز في الدفاع عن القيمة السيكولوجية الثقافية للحرب الباردة ("القنبلة الذرية ومستقبل الانسانية" – 1958)"([1]).

وعلى هذا النحو سينشر على التوالي: "الإثم الألماني" (1946)، "أصل التاريخ ومعناه" (1949)، "العقل واللاعقل في زماننا" (1950)، "القنبلة الذرية ومستقبل الانسانية" (1958)، "الحرية وإعادة التوحيد" (1960)، والفكرة المركزية التي تدور عليها هذه التصانيف جميعاً هي مشكلة التواصل، فعلى المجتمع والدولة أن يوفرا الشروط للتعارف المتبادل الذي يفترض ممارسة الحرية كشرط للحوار.

قالوا عنه([2]):

· "تبدو لي استنتاجات ياسبرز، على الرغم من المجهود الذي يبذله أو يعتقد أنه يبذله ليتخطى الوضعية والمثالية، موسومة بميسم المذاهب التي يحاربها ويزعم أنه يجاوزها، فهو يتخذ مثلاً على نحو ازدرائي موقفاً قاطعاً ضد كل فكرة عن الخلود، مؤكداً أن الموت بالأحرى هو ما يمكن البرهان عليه، وهنا نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع الفسيولوجي – السيكولوجي الوثوقي. صحيح انه سيبذل داخل هذه الوثوقية الدنيوية، مجهوداً بطولياً للارتفاع إلى أعلى حد مستطاع نحو ما هو مفارق، ولكن هل نستطيع ألا نرى أنه يتحرك على كل حال ضمن سور؟ ولئن اكد أن هذا السور ليست له حدود قابلة للتعيين، أفلا يكون بذلك قد جعله أكثر انغلاقاً وأشد أسراً؟" (غبرييل مرسيل)

· "إن فكر ياسبرز بالاجمال أكثر توازناً بكثير من فكر معظم فلاسفة الوجود فهو يولي العلوم مثلاً اهمية أعظم بكثير.. وما يميزه عن زملائه هو مجهوده للوصول إلى ميتافيزيقا وإلى ضرب من لاهوت طبيعي" (إ. م. بوشنسكي)






([1]) م. روزنتال و ب. يودين – الموسوعة الفلسفية – دار الطليعة – بيروت – ط1 – أكتوبر 1974 -ص 590

([2]) جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 738-739

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول