التمييز والقسوة إزاء المرأة في العراق في العهود المختلفة - التمييز والقسوة إزاء المرأة في العراق القديم 1-7

كاظم حبيب
2021 / 3 / 3

بمناسبة يوم المرأة العالمي في الثامن من أذار 2021 أنشر هذه الدراسة المكثفة عن واقع المرأة في العراق القديم وفي العهود الإسلامية وما تعرضت له من تمييز وظلم وقهر اجتماعي واقتصادي وسياسي وما تزال من جانب النظم الاجتماعية والسياسية التي حكمت العراق طيلة القرون ما قبل الميلاد وما بعده حتى يومنا هذا، رغم نضالها المرير والمعبد بالدم والدموع وانتزاعها بعض تلك الحقوق الشحيحة في فترات مختلفة التي يراد اليوم وفي ظل النظام السياسي الطائفي المحاصصي الفاسد، سلبها منها وفرض الهيمنة الذكورية المطلقة عليها.
وقد برهنت المرأة العراقية على فرضها هذا النهج الرجعي المتخلف وحيويتها وقدراتها النضالية قبل وأثناء انتفاضة تشرين الأول 2019 المجيدة وما قدمته من تضحيات بطولية لتحقيق الشعار الشبابي والشعبي المشترك، نريد وطناً حراً ومستقلاً وحقوقاً كاملة ومصانة، فما ضاع حق وراءه مطالب. فتحية وألف تحية للمرأة العراقية المقدامة، تحية لأمنا المرأة واختنا وابنتنا وعمتنا وخالتنا وكل النساء
1-7
التمييز والقسوة إزاء المرأة في العراق القديم.

احتلت المرأة مكاناً مركزياً مرموقاً في وسط وحياة العائلة والعشيرة في العراق القديم منذ العصر النيولتي (الحجري الحديث)، وفيما بعد العصر الشالكوليتي (النحاسي-الحجري)، حيث شكلت في حضارتي هذين العصرين، وربما قبل ذلك أيضاً، محور الإبداع الفني ورمز العبادة لعلاقتها الوثيقة بالحب والخصوبة وتجدد الحياة الإنسانية على الأرض. وتجلى ذلك في عدد لا يحصى من التماثيل بمختلف الحجوم التي كانت تمثل المرأة بأشكال وحالات متنوعة، فهي المرأة الحاملة، وهي الأم الحاضنة لأطفالها، وهي رمز الخصوبة والتكاثر وإعادة الإنتاج، وهي بنت الطبيعة والأرض، وكلاهما تتميزان بالخصوبة، كما أنها رمز الشمس والقمر بضوئهما ودفئهما معاً، إنها الحب والحياة. كتب الدكتور إبراهيم الحيدري مشيراً إلى ذلك بقوله:
"تركت لنا الحضارات العليا القديمة، منذ مطلع العصر النيولتي (30-10 ألاف ق.م) عدداً كبيراً وهاماً من المعلومات الأثرية كالتماثيل والرموز والأساطير التي كانت تعبيراً عن الديانات الزراعية القديمة التي تمحورت حول إلهة واحدة أطلقوا عليها "الأم الكبرى" أو "سيدة الطبيعة"، الني نشاهدها تارة على شكل امرأة حبلى أو مرضعة أو امرأة عارية الصدر وهي تمسك بثدييها بكفيها في وضع عطاء تارة، وترفع بيديها باقة سنابل، أو باسطة ذراعيها في وضع من يستعد لاحتواء العالم تارة أخرى، أو راكبة ظهور الحيوانات المفترسة.. ويظهر أن هذه التماثيل والرموز تشير إلى أن المرأة كانت تحتل مكانة دينية واجتماعية عالية، وكانت موضع رغبة واحترام ورهبة. فمن جسدها تنشأ الحياة، ومن صدرها ينبثق نبع الحياة". (الحيدري، إبراهيم د. النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب. دار الساقي. لندن. 2003. ص 117/118).
وعرف العصر النحاسي-الحجري استمراراً لعملية تحول تدريجية بطيئة استغرقت آلاف السنين بدأت، كما يبدو، في نهايات العصر الحجري الحديث من نظام الأمومة ودور المرأة الرئيسي والمحوري في العائلة والعشيرة إلى نظام الأب ودور الرجل الرئيسي والمحوري، ولكنه كان تحولاً ثابتاً ومستمراً ومتفاقماً. كما عرفت عملية التحول هذه مرحلة معايشة قيادية من قبل المرأة والرجل، حيث لعب الاثنان دوراً مشتركاً متناغماً أحياناً ومتناقضاً احياناً أخرى، ولكنه منتزعاً من المرأة دورها ومحققاً خطوة فخطوة قيادة الرجل للعائلة والعشيرة ومن ثم المجتمع. أي بمرور الزمن أجُبرت المرأة على ترك مواقعها وبعض وظائفها في العائلة والعشيرة لصالح الرجل. كان الرجل، بتعبير أدق، ينتزع من المرأة تلك المكانة التي احتلتها والوظيفة التي أدتها والدور المميز الذي مارسته لصالحه. ارتبط هذا التحول بجملة من التغيرات الأخرى المتوازية التي طرأت على اقتصاد العائلة والقبيلة والعشيرة في مجتمع المشاعية البدائية وتحوله التدريجي الأكثر بطئاً صوب المجتمع القائم على الملكية الفردية للأرض والعبودية. واقترن هذا التحول أيضاً باستقرار الرجل مع العائلة بدلاً من تنقله المستمر في مرحلة جمع وقطف الثمار والصيد، في حين كانت المرأة وأطفالها هي المجبرة على الاستقرار وإدارة شؤون العائلة وتربية الأطفال وتنشئتهم وتوفير الغذاء لهم.
استند مجتمع المشاعية البدائية، بعد التحول صوب الزراعة وتربية الحيوانات، إلى جانب عدم إهمال الصيد، إلى مشاعية الأرض والإنتاج واستخدام مشترك لما هو متاح للعائلة والقبيلة من موارد ومن وسائل عمل وعيش وتغذية وسكن. في حين استند المجتمع الجديد، مجتمع العبودية، على الملكية الفردية للأرض وبقية وسائل الإنتاج، واقترن بتطور تقسيم العمل الاجتماعي بالاعتماد المتزايد على الاستقرار للعائلة والقبيلة أو العشيرة والإنتاج الزراعي ورعي الماشية، وبالتالي الاستناد إلى توزيع الثروة أو الإنتاج المتحقق بين افرادها وفق ملكية وسائل الإنتاج. ولا يعني الاستقرار هنا عدم تنقل العائلة أو القبيلة أو العشيرة الأكبر من مكان إلى آخر تحرياً عن ارض أفضل ومياه أغزر لأغراض الزراعة وتربية الماشية وتحسين مستوى المعيشة. كما بدأت عملية تحول لأسرى الغزوات والحروب من كونهم عاملين لدى العشيرة مع بقية افرادها وبشكل طبيعي إلى ملكية فردية وفق توزيع يستند إلى تقاليد وعادات أو أعراف استقرت تدريجاً عند الجماعات البشرية حينذاك. واقترن بهذا التطور نزوع الأفراد إلى الحصول على المزيد من الإنتاج الفائض وإلى استخدام الآخرين في العملية الإنتاجية لصالح زيادة الإنتاج وتنمية الثروة الفردية أو العائلية، التي نشأت في ضوئها وعلى اساسها مراكز قوة في المجتمع تستند إلى تلك الثروة أو الموقع الاقتصادي. ولعب الرجل دوراً بارزا في هذا التحول، في حين تراجع دور المرأة، رغم أنها كانت تقوم كما في السابق بعملية الإنجاب والمشاركة في أعمال الحقل وتدبير شؤون المنزل. ولم يبق التراجع في دور المرأة محصوراً في مجال اتخاذ القرارات حول العائلة أو البقاء أو الانتقال من موقع إلى آخر، بل شمل تدريجاً فقدان المرأة لبعض من حريتها وإرادتها المستقلة وتأثيرها في العائلة، إذ لم تعد تتمتع بنفس القدر السابق من الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص مع الرجل.
ومنذ تلك الفترة التاريخية بدأت ظاهرة النظام الذكوري تتخذ أبعاداً جديدة وتتفاقم جيلاً بعد جيل، إذ بدأ الرجل يتصرف إزاء المرأة وفق إرادته الخاصة ودون العودة إليها أو استشارتها حتى في تلك القضايا التي تمسها مباشرة، دع عنك القضايا التي تمس المجتمع ودويلات المدن أو الدولة المركزية فيما بعد. ورغم هذا التوجه الاستبدادي عند الرجل في السيطرة على كل شيء في حياة العائلة والعشيرة، إلا أن المرأة احتفظت بالكثير من الاحترام وحتى العبادة والحب. وهي التي تتجلى في الكثير من طقوس العبادة السومرية والأكدية وما بعد ذلك. لقد كانت المرأة ولفترة غير قصيرة لغزاً على الرجل بسبب دورها في الإنجاب وقدرة تحملها وصبرها. وكان الكتاب، في الفترة التي بدأت الكتابة، يشيرون إلى مكانة المرأة ودورها، كما يعبرون عن احترام المرأة لنفسها وثقتها بدورها ومهماتها في العائلة والمجتمع كآلهة وأم وزوجة وحبيبة. وكانت الكتابات الأدبية التي سبقت ملحمة گلگامش المكتوبة، إذ أن المنقولة منها شفاهاً أقدم بكثير من فترة تسجيلها كتابة، لا تتجلى فيها هيمنة الرجل الكاملة على المجتمع ولكنها تطرح الصراع القائم، في حين جسدت هذه الملحمة استكمال هذا التحول وهيمنة الرجل على المرأة وخضوعها لاستبداده وقهره.
يتجلى موقف المرأة في محاولتها الاحتفاظ بما تبقى لها من دور من خلال تمجيد نفسها، تمجيد الإلهة الأنثوية إنانا، تأكيد دورها المتعدد الأغراض. وينعكس ذلك بوضوح في ترتيلة بارعة سجلتها الشاعرة الأكدية أنخيدوانا، ابنة الملك سرجون الأكدي مؤسس الإمبراطورية الأكدية، وكانت تحتل منصب الكاهنة العظمى في مدينتي أور والوركاء، فهي تقول في مديح إلهة الحب والحرب إنانا (عشتار): يا سيدة النواميس الإلهية كلها، النور الساطع،
- المرأة واهبة الحياة التي تكتسي بالإجلال، محبوبة السماء والأرض.
- كاهنة الإله أنو، ذات الحلي العظيمة،
- التي تمسك بيدها النواميس الإلهية السبعة.
- يا سيدتي: أنت حارسة النواميس الإلهية العظيمة.
- أنت التي رفعت النواميس الإلهية وأنت علقت النواميس الإلهية في يدك.
- لقد ملأت البلاد بالسم الزعاف كالتنين.
- وأنت عندما تزأرين على الأرض يختفي كل ذي خضرة من سطحها.
- يا صاحبة المقام الأول، أنت "إنانا" السماء والأرض.
- تمطرين البلاد بالنار الملتهبة.
- يا مدمرة البلدان الأجنبية لقد أعطيت أجنحة للعاصفة.
- يا سيدتي أن البلدان الأجنبية تنحني خوفاً من صرختك.
- وعندما يمثل الناس أمامك، خائفين مرتعشين من نورك الوهاج فأنهم ينالون منك جزاؤهم العادل.
- يا سيدتي، أن أنونا الآلهة العظام، ينهزمون أمامك إلى الكهوف مثل خفافيش مرفرفة.
- إيتها الرحيمة، المرأة واهبة الحياة، صاحبة القلب النير ها قد أنشدتها أمامك بموجب النواميس الإلهية.
- ودخلت أمامك في الكيبار المقدس. أنا الكاهنة العظمى أنخيدوانا.
- حملة سلة الطقوس وأنا أشدو- ولكني الآن لم أعد أسكن في المكان المريح الذي أقمته لي.
- فإذا ما حل النهار، حرقتني الشمس، وإذا ما حل الظلام حدقت بي ريح الجنوب.
- لقد أضحى صوتي العذب مضطرباً – وتحول كل ما يسعدني إلى تراب،
- أنا أنخيدوانا، سوف أتلو الصلوات لها – وأقدم دموعي كالشراب العذب إلى إنانا المقدسة وأسلّم عليها.
- يا سيدتي، يا محبوبة الإله أنو، عسى أن يرق عليّ فقلبك – أنت معروفة، أنت معروفة (بعظمتك)، وما أنشدته لم يكن من أجل آنو، بل من أجلك أنت، لقد كومت الفحم (في المبخرة) وأقمت الشعائر.
- وأن ما تلوته عليك في منتصف الليل – عسى أن يعيده عليك الكاهن – المنشد في منتصف النهار.
- السيدة الأولى، يا عماد قاعة العرش، تقبلت صلواتها – واستعاد قلب إنانا راحته.
- كان يومها سعيد، وهي تكتسي بالحسن وتزخر بفتنة الأنوثة.
المجد إلى سيدتي إنانا، التي تكتسي بالحسن.". (أنظر: باقر، طه، مقدمة في أدب العراق القديم، بغداد، 1976، ص 206).
وترسم أسطورة بابلية لوحة معبرة عن رؤية المرأة لنفسها ودروها في الحياة بثقة، ولكنها في الوقت نفسه محاولة لإقناع النفس بهذا الدور خشية فقدانه في خضم الصراع مع الرجل. فالإلهة المرأة عشتار تتحدث عن نفسها نيابة عن كل النساء في المجتمع البابلي، إذ تقول:
- "أنا الأول، وأنا الآخر
- أنا البغي، وأنا القديسة
- أنا الزوجة، وأنا العذراء
- أنا الأم، وأنا الابنة
- أنا العاقر، وكُثّر هم أبنائي
- أنا في عرس كبير ولم أتخذ زوجاً
- أنا القابلة ولم أنجب أحداً
- أنا سلوة أتعاب حملي
- أنا العروس وأنا العريس
- وزوجي من أنجبني
- أنا أم أبي، وأخت زوجي
- وهو من نسلي". (أنظر: الحيدري، إبراهيم د.، النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب، مصدر سابق، ص 119/120، مأخوذ من فراس السواح، لغز عشتار، دمشق 1993، ص 7).

لقد كان مخاضاً عسيراً بالنسبة للمرأفقيد في عملية تحولها التدريجي غير المرئي تماماً من موقع الصدارة إلى موقع في الوسط مدفوعاً نحو المؤخرة.
تشير القوانين العراقية القديمة في العهد السومري أو شريعة حمورابي البابلية إلى وجود تقدير واحترام معينين وملموسين ودور نسبي مهم للمرأة بالمقارنة مع فترات لاحقة، ومنها الفترة الآشورية. ففي هذه العهود المتأخرة فقدت المرأة الكثير من حقوقها وتعرضت لسيطرة قوية واستبداد صارخ من جانب الرجل. ويتجلى هذا الموقف في العقوبات التي كانت تنزلها تلك القوانين بالمرأة الخاطئة، إذ تميزت بالقسوة البالغة تصل إلى حد الحرق أو الرمي بالنهر أو الإجلاس على خازوق …الخ. ويمكن بلورة إشكاليات المرأة في هذه الفترات من تاريخ العراق القديم بما يلي:
• التمييز المتفاقم بين المرأة والرجل في تشريع العراق القديم. ويتجلى ذلك في الفوارق الصارخة بين شريعة أورنمو أو لبت عشتار من جهة، وشريعة حمورابي والقوانين الصادرة في فترة الآشوريين من جهة ثانية، إذ كانت الأخيرة أكثر حطاً لكرامة المرأة ودورها وأقسى في إنزال العقوبات بها في حالة ارتكابها مخالفات.
• تقليص حقوق وحريات المرأة وفرض إرادة الرجل عليها في مسائل الزواج والطلاق والإرث إلى حدود مخلة بدور ومكانة المرأة في المجتمع.
• فرض عقوبات شديدة تتسم بالقسوة ضد المرأة المخطئة، في حين كانت عقوبات الرجل في أخطاء مماثلة إما فرض عقوبات مماثلة أو أقل شدة. يشير الأستاذ رضا جواد الهاشمي إلى التفاوت في الحقوق الزوجية فيقول: "كانت حقوق الرجل في عفاف زوجته صارماً حتى لو هجرها لبعض الوقت شريطة أن يترك لها مستلزمات العيش، ولكن القوانين البابلية منحت المرأة بعضاً من حقوق الرجل على زوجته، فكان عفاف الرجل جانباً من حقوق الزوجة على زوجها. فإذا ثبت أنه فرط بعفافه، تحكم لها المحكمة بالطلاق دون أن تخسر حقوقها المالية، علماً أن عقوبة المرأة في حالة أثبات نفس التهمة عليها هي الموت". (أنظر: الهاشمي، رضا جواد. القانون والأحوال الشخصية. في كتاب: حضارة العراق. مصدر سابق. الجزء الثاني. ص 94).
• كانت عادة العراقيين القدامى الزواج بامرأة واحدة، ولكن مُنح الرجل حق التسري بعدد غير محدود من الإماء (المصدر السابق نفسه ص 90)، وهو الذي أخذ به الإسلام لاحقاً. "وجرت العادة أن تدفع الزوجة العاقر بأمة عندها لتكون لزوجها، وكأنها بعملها هذا تعوض زوجها النقص في الأبناء الذي يحيط بعلاقتها الزوجية". المصدر السابق نفسه ص 90). وكان الرجل يتزوج أحياناً من امرأة أخرى لغرض الإنجاب. كما كان يحق له الزواج بكاهنة. وإذا ما أراد الزواج بأخرى لغرض الإنجاب تبقى منزلة الزوجة الثانية دون منزلة الزوجة الكاهنة. المصدر السابق نفسه ص 91).
ما كان للمرأة عمليا المكانة السياسية والاجتماعية المرموقة التي كانت للرجل في هذه المجتمعات، رغم أن المرأة كانت تصل إلى مرتبة الكهنوتية بمستوياتها العليا. وكانت هذه النظرة تنسجم إلى حدود معينة مع نظرة المجتمعات الرومانية والإغريقية القديمة ما بعد عهد الأم، إلى المرأة. إذ كان هؤلاء يرون بأن المرأة أقل عقلاً وكفاءة وقدرة من الرجل، كما كان موقف بعض الفلاسفة في اليونان، فمثلا كان أرسطوطاليس يعتبر العبد والمرأة يمتلكان عقلا صغيرا، محدودا وضيقا، يضاف إلى ذلك أنهما عاجزان عن استخدام حتى هذا القليل من العقل الذي يمتلكانه في تمشية أمورهم اليومية وشؤونهم الخاصة والعامة.
(Eckhard J. Dittrich. Das Weltbild des Rassismus. Cooperative-Verlag. Frankfurt am Main. 1991. S. 77-90).
• وكانت تشريعات العراق القديم لا تُنقِص من حقوق وواجبات وحريات المرأة فحسب، بل تفرض عليها سيطرة الرجل واستبداده بها وبالعائلة، إذ انتقل هذا الأمر إلى البيت عموما، ولكن على نحو خاص إزاء الأنثى في مقابل حرية واستقلالية أكبر للذكر من أفراد العائلة.
• وجُدت في العراق القديم تقاليد وعادات وطقوس دينية تشير إلى أن بعض تلك الطقوس الدينية يتسم بوجهة جنسية مقدسة كان المجتمع يمارسها ويطلق عليه ب "البغاء الديني" أو "البغاء المقدس." وكما جاء في كتاب الدكتور عبد السلام الترمانيني الموسوم "الزواج عند العرب" كان هذا البغاء على نوعين:
النوع الأول: كانت تمارسه المرأة مع رجل غريب عنها، وغالباً ما تكون عذراء، وكان يجري لمرة واحدة إرضاء لآلهة إناث. فقد روى (هيرودت) أن المرأة في بابل كان ينبغي عليها أن تجلس مرة واحدة في حياتها في فناء هيكل الآلهة (ميليتيا Militia) أي (عشتارIshtar ) وأن تضاجع رجلاً غريباً عنها …". (أنظر: الترمانيني، عبد السلام د. الزواج عند العرب في الجاهلية والإسلام. ط 3. طلاس للدراسات والنشر والترجمة. دمشق. 1996. ص 26).
"النوع الثاني: كانت تمارسه النساء لمدة طويلة مع كهان المعبد وزواره، وكان يجري هذا الطقس المقدس إرضاء للآلهة الذكور. وفي مصر القديمة (وكذا الحال في بابل، ك.حبيب) كانت العادة، حتى الفتح الروماني (سنة 30 ق.م) أن تختار أجمل بنات الأسر الشريفة في مدينة (طيبة) العاصمة وتنذر نفسها للإله (آمون)، وكانت تضاجع من تختاره من الرجال إرضاء للإله، فإذا أسنت واضحت عاجزة عن إرضائه، أخرجت من خدمته بمظاهر التشريف والتعظيم، وتزوجت رجلاً من أرقى الأسر. وفي بابل كان قانون حمورابي يميّز بين النساء اللائي يزرن المعبد ويمارسن الحب فيه لأول مرة، وبين نساء يلازمنه على خدمة كهنته وزوَّاره ومنها مضاجعتهن. (المصدر السابق نفسه. ص 27).
وكانت التقاليد في بابل تشير إلى أن المرأة التي ترتكب خطأ ما إزاء زوجها يفرض عليها الذهاب إلى المعبد والبقاء فيه فترة معينة للتكفير عن خطاياها من خلال عرض نفسها على من يرغب الدخول بها. (أنظر: رضا جواد الهاشمي، نظام العائلة في العهد البابلي القديم، ط 1، 1970).
وكل هذه التقاليد كانت تعبّر، بسبب كونها ملزمة دينياً واجتماعياً وليست من اختيار حر من المرأة ذاتها، عن ممارسة ذكورية قاهرة يفرضها الرجل على المرأة، وفيها عدم احترام لمشاعرها ورغباتها وإرادتها. وكان بعض تلك الممارسات يعد نِذراً، وبعضها الآخر عقوبة وتكفيرا عن خطايا ترتكبها المرأة بحق الرجل!
ومع كل هذه المظاهر السلبية في الموقف من المرأة، حافظت المرأة في العهود العراقية القديمة على تأثيرها النسبي في العائلة، كما لم ترتد الحجاب الذي ما تزال ترتديه المرأة في العراق الحديث في أغلب المدن العراقية حتى الآن. وإذ اعترف الرجل بوجود آلهة من الإناث، كان ملزما بعبادتها والخشوع أمامها والطلب منها رحمة أو رأفة به، أو طلب مساعدتها أو حمايتها له... وكانت الآلهة عموماً، الأنثوية والذكورية، تعبر في مضمونها الأساسي عن العلاقات الاجتماعية القائمة والصراعات فيما بين البشر من نساء ورجال، أو حتى فيما بين الذكور من الآلهة عموماً. كما كان حق المرأة في التعبير عما يجول في خاطرها من حب للرجل أو العكس أيضا. فالشعر الذي كشفت عنه التنقيبات في العراق يعتبر دليلا ثابتاً على جرأة المرأة ودفاعها عن حقها في الجنس وفي المشاركة في المجتمع، ولكنها كانت تعكس في الوقت نفسه إنها كانت مشروعاً ذكورياً للجنس والتكاثر أو إعادة إنتاج البشر. وكان من حق الحاكم أن ينتقل من عذراء إلى أخرى دون أن يكون هناك من يعاقبه، إذ أن الآلهة هي التي منحته القوة والحق في ذلك، لأنه يحمي البلاد وأسوارها من الأعداء. لنستمع إلى ما جاء في ملحمة گلگامش حول علاقته بنساء البلاد، وهي العلاقة التي أثارت الناس وشكلت جزءاً من شكواهم. فصاحب الملحمة كان راغباً في تسجيل ما كان يجري في واقع الحياة اليومي على شكل ملحمة تعلي شأن الحاكم، ولكنها في الوقت نفسه تعرب عن طبيعته الاستبدادية وسلوكه القهري، فهو الحامي من جهة، ولكنه الظالم من جهة أخرى، وهو الذي يغتصب كل ليلة امرأة، ولكنه في الوقت نفسه يمتلك الحكمة والجمال، إنه التناقض الذي كان يتلاعب في نفوس الناس إزاء مثل هذه الحالات الدائمة، إزاء هذا الحاكم المستبد. وهكذا كان قول صاحب الملحمة:
- هو راعينا القوي، كامل الجمال والحكمة
- "لم يترك گلگامش عذراء طليقة لأمها
- ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل". (أنظر: باقر، طه. ملحمة گلگامش. منشورات وزارة الإعلام. الجمهورية العراقية. سلسلة رقم 78. بغداد. 1975. ص 57).
وبهذا المعنى كان گلگامش مغتصب الفتيات العذارى ونساء المجتمع المخطوبات ولم يتورع عن اغتصاب المتزوجات أيضاً. ويلاحظ المتتبع لأشعار تلك الفترة أن الشاعر كان يعبر عن نداءات الرغبة المتهيجة والشبقية المتعطشة إلى الرجل تصدر عن المرأة، سواء كانت إنساناً أم آلهة. لنستمع إلى نداء إنانا إلى دموزي كما ورد عند إبراهيم محمود نقلاً عن س. كريم في كتابه الموسوم "إنانا ودموزي: طقوس الجنس المقدس عند السومريين":
- "أما من أجلي، من أجل فرجي،
- من أجلي، الرابية المكومة عالياً،
- لي، أنا الملكة، من يضع الثور هناك؟"
- "أيتها السيدة الجليلة، الملك سوف يحرثه لك، دموزي الملك، سوف يحرثه لك". "احرث فرجي، يا رجل قلبي!". (أنظر: محمود، إبراهيم. الجنس في القرآن. مصدر سابق. ص 31). (ملاحظة: استخدم مصطلح الحرث في المرأة من جانب القرآن أيضاً حين جاء في الآية ما يلي: نِساؤكم حَرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنىَّ شئتم وقدموا لأنفسكم….“، القرآن،. سورة البقرة، الآية رقم 223، ص 35).
ونقرأ في نشيد الأناشيد ما يلي:
- "أيها العريس، الغالي على قلبي
- عظيمة هي مسرتك، حلوة كالعسل،
- "لقد أمرتني، أقف مرتجفة أمامك"
- أيها العريس، لو تحملني إلى الخدر
- أيها العريس، فلأمنحك ملاطفات يدي،
- يا حلوي الغالي، بودي لو أغتسل (…) بالعسل …". (المصدر السابق نفسه، ص 32).

يشير الأستاذ الألماني المتخصص بالدراسات الأثرية في منطقة الشرق الأوسط، الدكتور بارتل هرودا Barthel Hrouda إلى أن مكانة المرأة في المجتمع البابلي كانت متحررة نسبياً وأكثر من المجتمع الآشوري، وفي كل الأحوال فأن مكانة المرأة في الحضارة البابلية والآشورية كانت أفضل بكثير من مكانتها في المجتمع الروماني وكانت تتمتع بمجموعة من الامتيازات التي لم تتمتع بها المرأة الرومانية.
(Hrouda، Barthel Prof. Dr. Mesoptamien- Die antiken Kutluren zwischen Euphrat und Tigris. Beck’sche Reihe. 2030.Verlag C. H. Beck.München. 1997.S. 69/70).

إلا أن هذا لم يكن ليعني بأن الرجل كان لا يمتلك السيطرة على المرأة أو لم يتحكم بها، إذ كانت تلك المجتمعات هي الأخرى ذكورية صارخة.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول