بين التيه و التيه المركب

حسام تيمور
2021 / 3 / 3

"فلاش تاريخي"
"أنتم عرب اوباش، نظفناكم من الاوساخ و قدمنا لكم السكن و الماكل و المشرب"، هذا فضل منا عليكم.
هكذا او بتصرف، خاطبت "غولدامائير" طلائع المحتجين فيما عرف بانتفاضة "الفهود السود".

من "الفهود السود" ؟
ليسوا بالطبع من عرب 48، او غيره من الأقليات السياسية او الدينية، بل كانت أقلية عرقية شبه خالصة، او أقلية "وجودية" بهذا المعنى، محددة بالمكان الذي استقدمت منه، و الذي نحت ملامحها و لهجاتها و تفاصيل سحنات افرادها، بما يحيل على "التطبع" !

"بين التطبيع و التطبع"
لم يكن هؤلاء مطبعين، او عملاء، بل كانوا اكثر صهيونية من الصهاينة، و بالفعل الفاعل، كانوا ادوات البطش الصهيوني قبيل تشكل اولى انوية "جيش الدفاع"، و بعد ذلك، كانوا الاكتاف التي شيدت هياكل الدولة و بنيانها ! قبل ان يتم رميهم كالكلاب، عرضة للهدر الاجتماعي و الوظيفي داخل منظومة لا تعترف الا بالعرق الصافي، و العرق المتفوق، حتى من داخل نفس الاطار العرقي و الديني و العقائدي المؤدلج و الخالص !
من اسباب اندلاع هذه الانتفاضة، كما يحكي "ضحايا" هذا التغرير التاريخي، بالصوت و الصورة و اللهجة و اللكنة (اغلبهم مغاربة و مغاربيون)، ان الدولة الناشئة على عرق سكاكينهم و بنادقهم و اكتافهم، استثنتهم من كافة مجالات الترقي الاجتماعي، او الوجود الوظيفي، داخل مجتمع الدولة، و دولة المجتمع، و دولة الادارة، و ادارة الدولة، حيث تم وضع متاريس غليظة بينهم وبين كل المناصب الحساسة، او حتى المسالك العادية التي تؤمن افق رقي اجتماعي او ارتقاء طبقي، متاريس قوامها الوحيد، الأصل العرقي، بمحدده الجغرافي..

"الاندماج، او الإدماج الحذر"

بعد تصاعد وثيرة الاحتجاجات، سياتي بائع الورد، "مناحيم بيغن"، و يتدارك الشطط الايديولوجي الذي اقترفته "غولدامائير"، و يتوعد بايجاد حلول لهذه الفئة المهضومة الحقوق، طبعا في سياق حملة الانتخاب، و جمع الاصوات، رغم ان "مناحيم" بهذا المعنى، اكثر يمينية/اصولية من "غولدامائير"، و سياسي مخادع كباقي السياسيين، لكنه نوعا ما كان صادق في وعوده، و هكذا كان، حيث شرع مباشرة في تنزيل وعوده التي كانت كما اعلنها، محدودة و محددة، و بدأ في ادماج الفئات تلك في الخدمة العسكرية النظامية، و قطاع التوظيف و العمل، لكن بحذر شديد، و هو ما نجد الآن نتائجه ظاهرة للعيان،،

..
لقد رات "غولدامائير" في تلك الفئة، تهديدا وجوديا، للمجتمع اليهودي المنشود، بينما رأى فيهم "مناحيم"، خزانا للاصوات الانتخابية، و تهديدا اجتماعيا يجب معالجته..

نفس الاسطوانة تتكرر بشكل شبه متطابق من حيث الجوهر، و مع "نتنياهو"، و غريمه الانتخابي، "بيني غانتس"، حيث أعاد "نتنياهو" انتاج "غولدامائير"، بينما اعاد "غانتس" انتاج "مناحيم"، و ذلك عن طريق تحالف يسار "ابيض ازرق"، الذي يضم اصوات القائمة العربية (، من ممثلي عرب 48 ، و اليسار "الاسرائيلي الشيوعي"، الذي كان تحت مظلته كل من درويش و القاسم و غيرهم ،

"بيني غانتس" جنرال الحرب، او "اليسار الحربي"، يستعمل كل هؤلاء في رهانه الانتخابي ضد حزب "الليكود" و "نتنياهو"، اليميني العنصري عند العرب و الاسرائيليين "النباتيين"، و اليميني المعتدل المتذبذب/المتخاذل او الخائن، عند اليمين الاصولي، المنشق و الناشئ عن حزب الليكود نفسه، في مراحل تاريخية معينة.

في النهاية يجد هؤلاء جميعا أنفسهم امام خيار العمل مع تكتل اليمين الاصولي، بدل اليمين الليكودي، و هو الذي يحصد ما يعادل 60% من صوت المجتمع الاسرائيلي، كتأييد لصدى خطابه الاصولي الاستئصالي المعلن و الواضح، و الاشد عنصرية من خطاب الليكود نفسه ! و حيث عين هذا اليمين، على حقيبة الدفاع، بعد تمكين "غانتس" من رئاسة الحكومة، كجنرال حرب سابق، و ليس كيساري يضم و يستقطب "لقطة" اصوات العرب و التائهين في غياهب الوهم "اليهودي" !

خارج رقعة الارض المقدسة، نجد تقريبا نفس عناصر الاستقطاب هذه، حيث كانت "غولدامائير" على راس حكومة "الحرب"، و كان نتنياهو و بيريز "صناع السلام"، كما يقال، و هم نفسهم من كان في ساحة الحرب، و تحديدا فرق القوات الخاصة، بجوار جنرالات الحرب "شارون" و "موشيه"... ، و هي نفسها التي رفضت بشكل قاطع "استعمال الردع الاقصى/النووي/ ابان حرب العدوان الثلاثي، رغم اصرار من كان في الجبهة آنذاك على استخدامه، و هم انفسهم من انسحبوا فيما بعد، من حروب هنا و هناك، كان آخرها حرب غزة التي انسحب منها "شارون" في الوقت القاتل، مما جعل العسكري/السياسي الطموح آنذاك، "آ.ليبرمان"، ينفصل عن حزب الليكود لتاسيس حزب آخر مكنه من وزارة الخارجية ثم وزارة الدفاع ثم الاستقالة منها كذلك سنة 2019, احتجاجا على سياسات "نتنياهو"، المهادنة، أو بهدف الاطاحة به سياسيا، و هذا بالضبط ما يحدث الآن في انتظار السقوط الكامل، و الانتقال الفعلي من التناقض الرئيسي الى التناقضات الثانوية، وهي اتفاقات التطبيع، التي لن تراجع بطبيعة الحال او غالبا، بحكم انها انجازات او هبات تافهة، بدون مردود و بدون مقابل، لكن المراجعة ستكون بطرق أخرى عصية على الفهم/الكلبي، و العقل العبودي المتشبع بسياط الجلد الماضوي، و حيث ان دولة "تريليونات" مثل السعودية، عرضت علنا على اسرائيل اي مقابل مادي، مقابل الدخول في حرب مباشرة مع ايران، لكن اسرائيل "رفضت و اكتفت" !
و حيث كان الجواب الرسمي هذه المرة، و المباشر، من قبل رئيس الاركان السابق، او المنتهية مهامه سنة 2018, "غادي آيزنكوت"، عبارة عن لازمة محددة محدودة، و هي ان الجيش أو اسرائيل تحارب الخطر الايراني/ وحده و لوحدها، و ليس ايران سواء وحدها او بمعية حليف مفترض، و ذلك حتى تكون ايران بهذا المعنى، خطرا مباشرا، و بمعنى، ان لا احد هناك يعنى بحسابات العرب و الاعراب و غيرهم، حتى ان كانت مقرونة بلازمة "العدو المشترك"، او "المصلحة الواحدة"، و هو مستوى آخر من الرعب "الصهيوني" لن يفهم الا متأخرا،

و حيث ان اسرائيل مثلا، تكتفي و تستغني عن خدمات حلف عسكري رفيع ك "حلف الناتو"، ضمانا لتوازن العلاقات مع "روسيا"، بينما يلهث خلف نفس الحلف الذي يوصف بالصهيوني، خليفة الاخوان رجب طيب اردوغان !

و مازال العرب و الاعراب، لاهثين في ليل التيه يرجون العزة بدنانير النفط و تنانير البغايا، و اعلام "الشراميط"،

و حيث يتمسك الغارقون و العالقون هنا، في طمي التاريخ و لعنة الجغرافيا، بالغرقى هناك في تيه النخاسة اليهودية و لعنة الجيوستراتيجيا ..

، و العكس دائما صحيح !!

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية