الأديب الساخر. محمد غانم

عايد سعيد السراج
2021 / 3 / 2

الروائي والقاص الساخر : محمد غانم- . والبطل المأزوم (القصة الرقية )
: عايد سعيد السـِّراج

أينما تحرّك القاص والكاتب : محمد غانم- تظلله الإنفعالات , وعوالم الرفض .
هو انسان ٌ منفعل من وفي كل شيء , وكأنه قُدّ من انفعال , محمد غانم مجموعة من أحداث وأشياء أُخَر ، يدخل فيه الزمان يصنع منه أرجوحة وهم ٍ , ويُدَّلي رجليه على حواف المكان , ليقذف روحه على أعتاب الحلم , شتائمي "مهراش" توجعه المخيلة , وهو يسير, ودائماً على حواف الألم , تتقاذفه الأمزجة , فيقاتل ذباب وجهه, ويقذف به البحر على أشواك الصحاري , فتعضّه الأفعوانات , وتدمي قدميه كلاب الطرّاق , ويفزعه " الكابوي" القادم من الشمال , وهكذا تلمّه المناحات , ويسكر في جمجمته العويل , فهو غرائبيّ بطبعه , وروحه دائماً منسابة مع الحزن القاتل, كشفرات الموت, فضائحي ومهموم , ومسعور بلطم روحه , فهو يدمي ذاته " كحسين ٍ " غرّبته ُ الفلوات , كحصان سباق أصيل خشي المداهمة من صبابات الوجد , نصوصه معقدة ومتشابكة , تدخل فيها الأفكار والمفاهيم , بالأودية والأحلام , وتراه دائماً يجرّ خلفه حروفه , تلك الحروف التي سَمّمَها القيظ , والتي تلبط بعبه كعقارب الصمت , تهرش روحه التي أدمتها حواف السكاكين , ونبال العصر الحجري , هو هكذا منفلت من عقاله , دخل مطبخ الحرية , في ثوب بدوي هجرته المراعي , فتأرق بها كطفل ٍ يداعب أبويه بشراسة, علّهما يفطنان إلى جوعه الداخلي ( قررت أن أبدأ فوراً , كنت قد أحضرت المدينة – فتاة أحلامي – رحت أرسم على صدرها أخطبوطاً أليفاً يشبهني , ضممتها إلى صدري وخرجت بعدها متسللا ً من فوهة البشر إلى وجه المدينة الحزينة ، المتعبة ، المسافرة حتى القهر اغتراباً )( ص 81) وفي قصصه رغم الامتداد الهذياني المشوش في استطراد الاحلام , نراه هنا يدخل الحالة التوصيفية المباشرة لأزمة المدينة , فهو ينزل من صهوة الخيال , إلى صلادة الواقع , ليجبرنا على الوقوف في عالم المدينة المقهورة , فأحياناً في قصصه, ليس دائماً الغاية الأدبية في الكتابة لديه هي المشكل , ولكنه الواقع الذي يدمي , فتموت الكلمات في حناجر الصمت " مجموعة قصصية " مقتل الصمت – قد كتب بين دفتيها – " القصص التالية " هي : 1- نداء النمل -2- العقرب – 3- أطراف -4- ليل يحلم بالطويل -5- محاولة -6- مقتل الصمت 0 فالعناوين هنا , غرائبية , فالنمل الذي كلمه سليمان , يجعله محمد غانم – ينادي وكأنه عجز عن منادات البشر , فجعل النمل ينطق بما يهوى , والأحلام الليلية , يتمناها الليل طويلة , وكذا الصمت البليد الذي يدخل المفاصل , ويخدر الأعصاب يجعله مقتولاً, والفاعل صوت المسدس الكاتم , - محمد غانم- الكاتب يحتج على كل شيء , لا شيء في هذا الكون يوصل إلا إلى الألم , الكون المسفوح في وجوه القتلة , والناس الدشَرَه الذين ملّهم الصمت , فاضحوا دواباً تساق إلى الذبح , ولا شيء سوى مقتل الصمت , الذي يلاحقه من البحر إلى الصحراء, من الطفولة إلى الحلم الكبير , والصمت لدى العاقر صمت آخر , فلا جدوى في عالمه من أي عالم ٍ , لأن الكل يذبحه الصمت , والدراية الوحيدة عند كهوف الحناجر , هذه قصة مقتل الصمت ، أما في قصة " العقرب " فنقرأ : ( الغربة مرة ثانية ، سنونو اسود , ولكنه لا يبشر بقدوم ربيع ، أنا منذ مدة لم أشاهد هذا الطير , أحياناً يخيل لي بأنه حيوان ليس من فصيلة الطيور , فكلانا أسير الغربة , أوعشيقها المجنون) فهو يدخل الحكاية في الأقصوصة , بعض قصصه تركيبية , فكرة ذات طابع مشاهدي يجعل منها – حكاية وهماً , دون أن يدخل في وهم الحكاية لأنه مهموم بها أصلاً , فتراه يجمع حكايات كثيرة ليتركها تتحدث عن نفسها , فتشكل لك الحكاية التي يريد , فهو غير صبور على أن يدخلك في عالم السرد الطويل , والزمن الهلامي , فهو نزق , ومتوتر , ويقفز دائماً ليصل بك إلى النهايات , هو كاتب نهايات بامتياز , وهكذا نراه في قصته " العقرب " يهديها إلى – المتصالح – صلاح – صالح – الصلح – ويبدأ في تغريبة يعرب العربي / مسافهات المتاهة /
قال: عمن تبحث هناك ؟
قلت : عن لا أحد
قال: تجد الجميع ، إنهم هناك
قلت : الحلم معهم
قال: لا مكان للحلم يا ولدي , الأمكنة صغيرة هنا , الأرض كلها يا ولدي لا تتسع لحلم
ويتيه الكاتب في البحث , فهو يبحث عن الناس , والحجارة , والكائنات, والتاريخ , وأيضاً عن الزمن والحقيقة , فلا أحد , الكل ذهب بعيداً اختبئ وراء متاريس الحرب , الكل مشغول بلعبة الموت , والباحث الوحيد هو الكاتب , والمتبقي من أحلام البشر , رجل العربة الكهل الذي يبيع الشاي , ويتحدث عن ضياع زمن الأحلام
يخلع القاص أحلامه أيضاً ( وأنا خلعت البحر من ذاكرتي, والفرات من حلمي ، خلعت كامل أصابعي , ورميت بها لسلة تعج بالقطط حتى لا يعود خاتم الماء إليها , خلعت يديّ حتى لا أضم أية انثى , خلعت رأسي حتى لا تسكنه بلاد من العشق , خلعت قلبي كي لا أعرف الحب , تحررت من روحي وصرت وحيداً, أعيش مثل السحالي على الرمل , أقتات بيض الضفادع والسلاحف , وأمضي إلي مائي المتبخر في صقيع الصحارى والبوادي الشامية )
وفي هذه السلاسة والعفوية , الناطة من وجدان الكاتب , تتعانق الحروف وتتعاشق , فوق تراكم هذا الهم ، الهم بالتاريخ , التاريخ المهموم بالوطن , المسكون بالغربة والضياع , وبما أنه لا يستطيع فعل شيء , فهو قادر على تعذيب ذاته , فتستمر معه الأرهاصات التي تخُرج روحه سعيراً من بين جنبيه , فيتفصد ألماً , ولا يجري لوحده , إذ تعدو معه , قبور النصارى, وأحجار الكنائس , فهو يدري أنّ السر الكامن في / لبنان/ الحرب/ موجود عند – شوشو- ونضال الأشقر , وماجدة الرومي- وأحجار بشامون – ونبع النبطية – وهكذا لا ملاذ له إلا القبور " بدأت أصفّر في القبور قبراً قبراً , باحثاً عن حلم / أي حلم , كلما نبشت قبراً وجدت حبلاً مزرقاً / متفسخاً , فاقداً للروح " وهكذا نعيش مع الكاتب سمفونية المقابر, عندما يهرب الأحياء , ويبحثون عن الموت , ليس لك إلا أن تسأل عن الموت , أو تسأل أصحاب الموت علك تجد غالإجابة عن الحياة , في الزمن الذي تموت فيه الأحلام , يظل الموت , أو أصحاب الموت , المقابر هم الحقيقة الوحيدة الباقية , وهكذا نعيش مع قصة أطراف , هذه القصة الكابوسية التي أناخت بكلكلها على أنفاسنا , وأعادت لنا ليس الواقع الظلامي الذي عانا ويعاني منه تاريخ القصة فقط , بل أيضاً هذا الجو الأسلوبي الخاص بالكاتب – محمد غانم – والذي هو مماثل لشخصيته , إذ هو أكثر صدقاً مع أدواته في الكتابة , كما هو في الحياة ، شخص متناثر , يُدّوخ ذاته قبل الآخرين , وهو مهموم بقضاياه , بطريقة " حسينية" إذ هو كربلائي المشاعر , مشحون العواطف , يتماها مع الأحداث التي يؤمن بها تماماً مثل نصه , ولكن بمزاج فنان , فالحدية في نصوصه , تجعله دائماً يقف على حافة السيف , ويترافس مع الذوات التي تحيط به , وهذا مأخذ التأزم لدى شخوصه , فالنص عند الكاتب " محمد غانم " حار , مملوء بالدماء المتسارعة في نبض الحروف , فهو رغم هذا الجو " الكافكاوي" في قصته وربما نصوصه بشكل عام , نراه في ختام القصة يُشَبِّهُ أحلامه بقوس قزح , أو مثل وجه طفله " المهلب" وهو يضحك
• مجموعة – مقتل الصمت – قصص
• محمد غانم
• الطبعة الأولى 1997-م
• الناشر – دار الحوار – سوريا واللاذقية
كما صدرت له رواية. العاملي. …….
• وصدرت للكاتب مجموعة من الاعمال الروائية –والقصصية –والدراسات الأدبية والفكرية.. ولديه الكثير من الأعمال. الأدبية والفكرية. والثقافية التي لم تنشر. بعد.
: الأديب. محمد غانم جريئ لايخشى في قول الحق لومة لائم. وهو نصير. الفقراء والمظلومين. وهذا سبب له الدخول الى السجن مرات عديدة… وطرده من التعليم. أو نفيه لأماكن بعيدة بشكل تعجيزي .ومحاربته بلقمة عيش أولاده
: نُشرت هذه الدراسة سابقا ً وتم تعديلها ..

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار