صوت ينساب و نفس ثائرة

مكارم المختار
2021 / 3 / 1

كان الجو هاديء ونسمات تهب منعشة وكأن بحرا قريب، ما دفع تفكيرها في الحاجة الى ان تتمشى قليلا بعد محاضرة ثقيلة الظل، ولا بأس ... فـ لن يضرها أن تتأخر عن موعد عودتها المنزل نصف ساعة شيئا، فـ هي بحاجة لـ تجدد وتغيير الجو هكذا، على أن تعود والتعب ينهكها والحالة هذه، هـكذا قضى تفكيرها، بعد أن انساب بالحديث معها وتناول كل المواضيع عامها وغير، حتى وصل بالحديث عن شخصها هي، بكل ما يرى من زمالة حلوة وشعور بالسعادة يغمره بوجودها، في اهتمامه المفرط وتطلعه ان يدوما معا، بأن تكون بجانبه دائما، اخذها والمسار بهما هوادة، حتى انها لم تشعر بخطواتها، تتنفس وكـ أنها الهواء النقي تعبيء عبا، وملء سمعها منمقات الكلمات منه كالعادة، ليأخذها الشعور أنها تطير سابحة وكأنها لا تسير بجانبه أصبحت، ذاك الذي أحست به يلاحقها ويحوم حولها، أحد زملائها، لـ يبادرها أنه -" تحت أمرها -"، حين تقدم بحنو ورفق نحوها، وكما بالدم اصطبغ وجهها، تفاجأ وإندهاشا، مما بادرها كلاما وتعامل، وهي .... هي كالتائه القلق والباحث عن شيء، أنه لمس فيها طيبة الاخلاق والاختلاف عن الاخريات، هذا ما سمعته منه، وهو يتقرب اليها بود، ولتبادره بالسؤال : وبـ ماذا اختلف عن الاخريات ؟ وبـ إندفاع قال : بـ خجلك وعدم جرأتك، نعم ....، فـ الفتاة هذه من بنات ريف احدى المحافظات، وقد حالفها الحظ ان تقبل في جامعة محافظة اخرى، وهو ... طالب أعاد سنته الاولى للمرحلة الدراسية، بـ حكم ظروف ولاسباب، ذاك ما أفهمها اياه، لكن هي ....، شعور الخوف ينتابها، فـ ها هو الحرم الجامعي بـ كم كبير من الطلبة ومبان ضخمة واختلاط جماعي بين الجنسين، لم تكن تعتاده، لـ كنها شيئا فـ شيئا أخذت عليه في القاعات والممرات والباحات وحجر الاساتذة و النادي -" البوفيه -"، ما تيقنت منه ان لا بد من الاختلاط والحياة الجامعية هذه، وما عليها .... إلا ان تساير الواقع، وألا تنطوي على نفسها، وإن فيها بعض من القلق والرهبة، لـكن ... هو كان معها كان دائما، يقدم لها كل ما تحتاج حتى وإن لم تسأله، بل انه كان يتقصى عوزها لاي شيء، وما عليها أللآ تنسى قوله -" أنا في خدمتك -" ...! كان فعلا عند كلمته، يفهمها ما تغفل عنه، ويوفر عنها المتاعب، وعلى كل شيء يخص الجامعة والطلبة والاساتذة يطلعها، حتى وجدت نفسها تأنس اليه وهو اللطيف حسن المظهر، فـ أعتادت على رؤيته ومبادلته الاهتمام، بل ان شعورا بالراحة يخالجها وهي تجلس اليه وتلتقط كل كلمة ينطقها ومفردة ينتقيها ليسمعها ماذا يقول، فـ ما كان منها إلا ان اليه تميل، بعد ان فيه وجدت ما يختلف به عن غيره من الطلبة،! وهكذا عرف كيف يكسب ثقتها، واعتمد بعض الغياب عنها فينة واخرى لـ يعرف شعورها، ويتأكد من تعلقها به، لانه ايقن انها بالنقص تشعر في غيابه عنها، كان كما الطمأنية لها رغم تغامز الطلبة عنهما حينما يرونهما معا، لكنه كان يخبرها ألآ تهتم لـ تساؤلاتهم وألآ تبالي لـ غمزاتهم ، مبررا ان الغيرة تملأهم لـ زمالتهم وعلاقتهم البريئة، وما كان لها إلأ ان تصدقه، فـ كل ما يجمعهما عفوي حتى وإن تلامست ببراءة صدفة أيديهما، في ذاك اليوم الخانق بمحاضرته واستاذها المتوتر ومادته الثقيلة، ما ان انتهت حتى بادر الطلبة بالانصراف، كانت تهم بالعودة الى دار الطالبات حيث تسكن، لكنه طلب اليها ألآ تستعجل العودة، فما من أحد ينتظرها، وفقط زميلات السكن، ولها ان تروح عن نفسها، ولا بأس ان تسمح لـ نفسها ببعض التنفس والهواء الطلق في جو جميل بعد تعب الدوام ورتابة المحاضرات، هنا مع بعض التوجس،! تدغدغ احساسها وبعض راحة شعرت وهي تستمع اليه وصوته، وعندها هو الشاب النبيل، ومن حولهما حديقة ملئها ازهار ونسمات تمايل اغصانها على مرمى الممرات مع زرقة سماوية تلحف ارض الحديقة، فغامرها شعور السعادة، حتى انها لم تنتبه اين هما والى اين وصلا، فـ قد تغير الطريق وغابت عن ناظرها الحديقة،؟ وها هما عند شارع وقف امام باب منزل فيه، فـ دعاها للتفضل ضيفا عليه بكل هدوء، لكن الارتباك اصابها والذهول أخذها، وهو يطلب اليها ويده تمسك يدها ان تضع لمستها على سكنه المتواضع، ولا تدري ماذا تقول وهو يدعوها ان يروحوا عن انفسهما ويجعلا العالم بين يديهما والحب يجمعهما ....، نعم هي المرة الاولى التي يسمعها مثل الكلام هذا، والكلمة هذه ( الحب )...؟! تشتت ذهنها لتستوعب هل الحب يعني ان ينفردا في سكنه؟، وهو ... هو ما زال يضل منفكا بحديثه عن الحب وممسكا بيدها، وهي كل الاضطراب والرجفة التي أتاهتها ماذا تفعل وماذا تعمل، هل تقبل دعوته ام ترفض وما من احد يهديها او تسر ما هي فيه ليرشدها؟، وفي نفسها واللحظة مشاعر جياشة وصوته ينساب الى اذنيها ويدها بين يديه مع قلب يدق راجفا بعنف، وفي بالها يساورها التفكير انها تشعر بالسعادة معه، لكن وسط الزملاء والناس، ومحاولة منها ان تضبط عواطفها وتكبح جماحها، فـ الموقف لا بد معه التفكير بروية وهدوء، وفي تريث تحاكي نفسها ان ماذا يظن كيف يخطر بـ باله ان يستدرجها، من يظنها ومن يظن نفسه ليخدش كرامتها ويجرح كبرياء شعورها؟، اللحظة هذه طغت كلمات رددتها على مسمعها -" أمها -"، وهي تحذرها الشبان ومعسول الكلام وطيب التعامل -" إحذري الشبان ....، فـ منهم كثير ذئاب -" هذه الجملة التي حوطتها رنينا كالصاعقة والصدى في موقفها الذي لا تحسد عليه، حتى تخيل اليها انها ترى وجه قبح خال من الهدوء والجمال تغادره الوسامة والنبل وتغيب عنه الابتسامة كالح بابتسامة صفراء غبراء، فـ ما كان منها الا ان تحيد بعينها عنه وقد رأت الجدح والقدح الغريب الملتهب في عينيه، وكـ أنه الذئب، ولسعة نار من اصابعه على يدها الممسك بها، وعلى خاطرها مر شريط قصص وحكايا كثيرة وروايا سمعت بها او قرأتها عن الشباب الذئاب والفتيات ..، وها فجأة ماتت كل المشاعر والاحاسيس بعواطفها الجميلة التي شغلت قلبها البريء بعفوية، فـ سحبت يدها من لسع وابعدتها من قبضته، -" لا .... لا ليس الحب هكذا وما هذا بحب ...، -" الحب انبل واعظم -"، كلمات صاغتها بـ جنون الوعي والادراك للموقف، وخطواتها تسحبها للابتعاد والمغادرة، يصم اذنها نداء دعوته ان تعود ...، لكن هيهات وقد تكشفت لها نواياه، والتعاسة التي وصفها بالسعادة التي ستغمرهما ..!؟ هكذا حثت خطاها الى الخارج مسرعة مذعورة، تلملم إدراكها لتهرب من كابوس يتبعها، يثقل انفاسها، حتى بلغت الشارع لتستقل اول سيارة اجرة عائدة جاهشة بالبكاء، وارتمت على فراشها في بيت الطالبات .... وكفى .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير