الحراك الشعبي في مرحلة ما قبل (ربيع الشباب العربي) الحلقة العاشرة (10/ 18)

حسن خليل غريب
2021 / 2 / 28

كتبت الدراسة في أوائل العام 2018
سابعاً: في نتائج الحراك
النجاحات والإخفاقات
من عتمة الجو القاتم المحيط بمآلات الحراك الشعبي في الأقطار العربية التي انطلق فيها، خاصة في تونس ومصر، وبشكل أخص في ليبيا وسورية، وتقييم نتائجه، نخرج بعدد قليل من العوامل الإيجابية. والعدد الأكثر من السلبيات.
وأما الأسئلة، التي نراها بديهية، فهي التالية:
1- هل الحراك المستمر منذ أكثر من ست سنوات ذو طبيعة داخلية، أي هل أسبابه داخلية تنحصر بين الشعب والأنظمة؟ فإذا كانت داخلية فعلينا أن نسمي الأشياء بأسمائها من حيث النظر إلى التركيبة التنظيمية للقوى المنخرطة فيه وتوصيف ما يلي:
أ-عرض برامجها السياسية ومنطلقاتها الأيديولوجية وأهدافها في تغيير الأنظمة.
بـ- تشخيص وسائلها في التغيير.
جـ- تشخيص النتائج التي حصلت عليها.

2- هل الحراك ذاته ظلَّ نقيَّاً كبداياته؟ أم أن هناك مؤامرة موجَّهة من الخارج تدخَّلت من أجل توجيهه إلى مسارات بعيدة عن مصالح الجماهير؟ فإذا كانت تلك هي الحقيقة فعلينا أن نسمي الأشياء بأسمائها من حيث النظر إلى ما يلي:
أ-القوى الخارجية المنخرطة فيه وتحديد أدوارها، واستعراض منطلقاتها الأيديولوجية وأهدافها من استغلال الحراك الجماهيري.
بـ- تشخيص وسائلها التي تستخدمها في سبيل الوصول إلى أهدافها. وإذا كانت لها قواعد إسناد داخلي فنجد من المفيد جداً أن نقوم بتحديد أسماء قوى الإسناد الداخلي للتدخل الخارجي.
جـ- نقد تلك القواعد، حركات وأشخاص، منهاجاً سياسياً، وأسلوباً حراكياً، ويأتي الكشف عن شرعية أو لا شرعية استنادها إلى الخارج.

عن النتائج السلبية :
ولأن تفاصيل ما لحق من سلبيات بكل الحراكات تحتاج إلى دراسات طويلة وموثَّقة، وهذا دور الدارسين والباحثين والمفكرين في المستقبل، ويحتاج إلى وقت طويل، فإننا نجمل من تلك النتائج ما يفي بغرض البرهان السريع، وهنا نذكر منها النتائج العامة التالية:
أ-وصلت للحكم مباشرة أنظمة سياسية بديلة ، فوصل في تونس ومصر مثلاً نظامان إسلاميان معاديان للفكر القومي، وللفكر العلماني المدني. وحتى عندما حصل تغيير فيهما فان بديل البديل لم يختلف كثيراً عن الأنظمة القديمة باستثناء مشاركة حركات الإسلام السياسي فيها ولكن من الموقع الأضعف. كما أنها تواجه تحديات جسيمة في جانب مكافحة الارهاب وضغوطات البنك الدولي وغيرها. ويكفي أنها لم تغير من عقيدتها السياسية، ولا عقيدتها المطلبية، وسلكت طريق العلاقة التقليدية مع الغرب بشكل عام، ومع أميركا بشكل خاص.
بـ-وصل إلى الحكم في ليبيا تجمعاً لرؤساء الميليشيات المرتبطين مع الغرب، وتفسخت الدولة الليبية إلى ثلاثة أقسام تنذر ببداية لتقسيمها. هذا ناهيك عن الحروب النقالة والمدمرة. فأسقط الحراك الديكتاتورية في ليبيا ولكنه لم يكسب الديموقراطية وخسر الثروة النفطية وأصبحت تحت هيمنة الدول الغربية. وبفقدانها استشرى الجوع والمرض والأمية، ففقد الشعب الليبي حتى الامتيازات المادية التي كان يحظى بها في عهد النظام السابق. هذا ناهيك عن غياب الاستقرار الأمني .
جـ-لم يسقط النظام في سورية، ولم يكسب الشعب شيئاً من الشعارات التي رفعها في بداية انطلاقة الحراك فيها. بل كسب بطشاً وتدميراً غير مسبوق من قبل النظام ازاء شعبه وصل الى حد تدمير مدن بكاملها على رؤوس اهلها ناهيك عن قصفهم بالبراميل المتفجرة والاسلحة الكيمياوية ولاكثر من مرة. كما ظهرت ديكتاتوريات أخرى اضافة الى ديكتاتورية النظام، ويكفي البرهان على ذلك، إذا ما أظهرنا ما فعلته القوى الطائفية المختلفة في الفتك بخصومها المذهبيين وحتى بخصومها من أبناء مذهبها من الذين لم يستجيبوا لأهداف تلك القوى في العودة ألفاً وأربعماية سنة إلى الوراء. واضافة الى شظف العيش، فقد حصل الشعب السوري على تدمير بنية الدولة التحتية، والبنية البشرية. فمن حيث البنية التحتية للدولة فقد دُمِّرت المستشفيات والمدارس والجامعات، وخدمات الاستشفاء والتعليم. وهو لم يمنع الترهيب والاعتقال، بل فقد كل ما له علاقة بأمن الشرائح العاجزة عن الدفاع عن نفسها من أطفال ونساء وطاعنين في السن. وكل ما حصلوا عليه مئات الآلاف من القتلى، ومئات مثلها من الجرحى والمعوقين. هذا إضافة إلى ملايين المهجرين المشردين على أعتاب دول الجوار الجغرافي، وعتبات الدول الأجنبية. وإذا استطردنا فلن نجد أكثر من المصائب والويلات، وو... لن ننسى ظاهرة الصراع الطائفي بين مكونات سورية الدينية، هذا ناهيك عن عمليات اضطهاد الأقليات الدينية. وعن كل ذلك لا نرى أن دفع كل هذه الأثمان يبرر ما حصل.
د-وما حصل في اليمن، ليس بأقل حدة مما يجري في ليبيا وفي سورية، والحبل على جراره، ويكفي ما حصل من نتائج كان من أهمها فتح الطرق أمام الزحف الإيراني لكي يلعب لعبة التفتيت الطائفي الجهنمية.
هـ-إسقاط الجيوش العربية في بعض أقطار الحراك (ليبيا)، وإنهاك بعضها الآخر بالحروب الداخلية (اليمن وسورية)، وإغراق ما تبقى منها بمعارك مع الحركات التكفيرية (تونس ومصر).
و-إنتشار ظواهر الاقتتال الطائفي بعد تفسيخ المكونات الاجتماعية للمجتمع العربي على الصعيدين القطري والقومي. وكانت تلك من الظواهر التي عمَّت كل الأقطار التي اشتعلت النيران فيها، ولا يقلل من خطورة الأمر أنها كانت حادة في البعض منها، ومخففة في البعض الآخر.
حـ-من خلال استعراض النتائج السلبية التي حصدها الوطن العربي مما يسمى بـ(الربيع العربي)، نجد أنها تصب جميعاً في مصلحة الرأسمالية بشكل عام، والصهيونية بشكل خاص. وإذا ما راجعنا تفصيلات المقررات المتتالية التي ابدأت مع المؤتمر الصهيوني الأول في العام 1897، مروراً بمقررات مؤتمر كامبل بانرمان، ووعد بلفور واتفاقية سايكس – بيكو، انتهاء بـ(مشروع الشرق الأوسط الجديد)، لوجدنا أن للصهيونية، وربيتها (إسرائيل)، مشاركة مباشرة، ومخططات تنفيذية واضحة. وكل هذا يؤكد على أن مشروع (إسرائيل الكبرى) جار على قدم وساق. وما احتلال العراق، العائق الأكبر أمام المشروع، سوى البداية التي تداعت من بعده أحجار الدومينو واحداً تلو الآخر. وعلى مثال تدمير العراق وحلِّ جيشه، وتفتيت مجتمعه، وتسليمه إلى حفنة من الخونة، والعودة به إلى العصر ما قبل الصناعي، فقد نال أكثر من قطر عربي النتائج ذاتها.
وإنه بعد كل ما حصل، بإلهاء العرب، أنظمة وشعوباً، بتضميد جراحها، استمر مشروع بناء (إسرائيل الكبرى). وإن كنا لن نتطرق إلى التفاصيل ما حصل منذ العام 2018، فيكفي الولايات المتحدة الأميركية، الداعمة الأولى للصهيونية، أنها أعلنت البدء بتنفيذ المشروع الصهيوني وذلك، تحت صمت الأنظمة وانشغالها بإطفاء الحرائق، وكانت أولى مظاهرها الواضحة، نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لـ(إسرائيل الكبرى)، ومن بعدها إقرار قانون (القومية اليهودية)، كمقدمة إيديولوجية لتلك الدولة؛ وتتالت الخطوات التنفيذية بإعلان (صفقة القرن) التي بموجبها يتم تصفية القضية الفلسطينية وإلغاء حق العودة للفلسطينيين إلى أرضهم. والأكثر إثارة في هذا المسلسل هو أنه يجري في سماء عربي أصيبت أرضه ومجتمعاته بزلزال ما إن تكتمل عوامل ترميمه حتى تكون (إسرائيل) قد سيطرت على الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية، وراحت تعمل لإكمال ما لم يكتمل من مشروعها الخبيث.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية